
رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الرابع عشر14 بقلم ليلي طاهر
انطفأ بريق عينيها في اللحظة التالية، وارتخى جسدها بالكامل.
وقبل أن ترتطم بالأرض، كان عاصم قد التقطها بين ذراعيه.
عقد حاجبيه وهو ينظر إلى وجهها الشاحب، ثم أخذ يربت برفق على خديها، وقال بصوت هادئ:
ـ يا آنسة... يا آنسة...
لم تجبه.
أعاد مناداتها مرة أخرى، لكنها ظلت فاقدة للوعي، دون أن يصدر عنها أي رد.
في تلك اللحظة، توقفت سيارة عاصم أمام الفرع، وترجل مسعد منها مسرعًا.
وما إن وقع بصره على عاصم يحمل فتاة فاقدة للوعي، والدم ينساب من ظاهر يده، حتى اتسعت عيناه بصدمة.
ـ يا دكتور! إيه اللي حصل؟
أسرع نحوه، وهم أن يحمل لينا عنه، لكن عاصم أوقفه بنظرة حازمة، وقال بصوت ثابت:
ـ افتح العربية بسرعة... واطلع على مستشفى الشروق.
نظر مسعد إلى يده النازفة بقلق.
ـ بس يا دكتور... إيد حضرتك بتنزف!
قاطعه عاصم بصرامة:
ـ نفذ اللي قولتلك عليه.
ـ حاضر.
أسرع مسعد وفتح الباب الخلفي للسيارة.
وللحظة...
ظل عاصم ينظر إليها ساكنة بين ذراعيه.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل، شعر أن شيئًا ما أربك ذلك الهدوء الذي اعتاد أن يفرضه على نفسه.
لم يكن خوفًا...
ولم يكن قلقًا...
بل كان أشبه بحجر صغير ألقي في بحيرة ساكنة، فأحدث فيها تموجًا عابرًا.
ظل ينظر إلى وجهها لثوان، كأنه يحاول أن يمنح ذلك الشعور اسمًا... لكنه عجز.
أغمض عينيه لوهلة، وزفر ببطء.
ثم انحنى برفق، وأجلسها على المقعد الخلفي، وأسند رأسها بعناية حتى لا تتأذى مع حركة السيارة، قبل أن يجلس إلى جوارها.
أغلق مسعد الباب، واستدار إلى مقعد القيادة.
وما إن انطلقت السيارة، حتى قال عاصم بهدوء:
ـ هات شنطة الإسعافات.
ناولها له مسعد على الفور.
فتح عاصم الحقيبة، وأخرج زجاجة المطهر وبعض الشاش. مسح الدم الذي غطى ظاهر يده، ثم سكب قليلًا من المطهر على الجرح، وضغط عليه بالشاش ولفه بإحكام حتى خف النزيف.
أعاد الأدوات إلى الحقيبة، ثم ناولها إلى مسعد.
عندها فقط، تذكر الموعد الذي كان في طريقه إليه.
أخرج هاتفه من جيبه، واتصل بسكرتيرته.
ـ أيوه يا غادة.
ـ أفندم يا دكتور.
ـ اعتذري لمستر أمين... وأجلي الميعاد.
ـ حاضر يا دكتور.
أنهى المكالمة، وأعاد الهاتف إلى جيبه.
زفر بضيق، وأدار وجهه نحو نافذة السيارة.
لم يكن من عادته أن يخل بمواعيده، ولا أن يؤجل اجتماعًا رتب له منذ أيام.
لكن ما حدث الليلة لم يترك له خيارًا.
انتشل نفسه من أفكاره، ثم قال بنبرة هادئة حاسمة:
ـ زود السرعة.
ـ حاضر يا دكتور.
انطلقت السيارة بأقصى سرعة نحو مستشفى الشروق، بينما ظل عاصم يتابع انتظام أنفاس لينا في صمت، وعيناه تعودان إليها بين الحين والآخر.
في الوقت نفسه... داخل مستشفى الشروق...
ساد الصمت داخل الغرفة، ولم يسمع سوى شهقات شاهندة المتقطعة.
كانت جالسة على أقرب مقعد، ووجهها مدفون بين كفيها، بينما راحت كتفاها تهتزان من شدة البكاء.
وقفت مديحة أمامها، وعيناها لا تفارقان ابنتها.
اغرورقت عيناها بالدموع، وما زالت الصدمة تسيطر عليها؛ فلم تكن تتخيل يومًا أنها سترفع يدها على شاهندة.
تنهدت نجاة ببطء، ثم قالت بنبرة حازمة:
ـ سيلا... اتصلي بمراد يخلص إجراءات خروجي.
أومأت سيلا برأسها، وأخرجت هاتفها.
ـ أيوه يا مراد... مامي بتقولك خلص إجراءات خروجها.
استمعت إليه لثوان، ثم قالت:
ـ تمام... إحنا مستنيينك.
أغلقت الهاتف، ثم وجهت نجاة نظرها إليها مرة أخرى.
ـ يلا... خدي خالتك وشاهندة، ووصليهم لفيلتهم. وأنا ومراد هنحصلكم هناك... مينفعش نسيبهم لوحدهم في الظروف دي.
هزت سيلا رأسها في صمت.
ثم اقتربت من شاهندة، وربتت برفق على كتفها.
ـ يلا يا شاهندة... نمشي.
لم تستجب.
كانت تحدق أمامها بعينين زائغتين، وكأنها لا تسمع شيئًا مما يدور حولها.
اقتربت منها مديحة، وانحنت أمامها، ثم قالت بصوت مبحوح:
ـ يلا يا حبيبتي...
رفعت شاهندة رأسها ببطء.
كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء، وملامحها شاحبة بصورة موجعة.
وما إن التقت عيناها بعيني والدتها، حتى ألقت بنفسها بين ذراعيها، وانفجرت في البكاء من جديد.
ضمتها مديحة بقوة، وربتت على شعرها وهي تبكي في صمت.
أما نجاة...
فخفضت عينيها في صمت، ولم تجد ما تقوله.
تنهدت ببطء، فقد كان ثقل غريب يجثم على صدرها، بينما بدت الكلمات كلها عاجزة أمام دموع شاهندة.
ساعدت سيلا شاهندة على الوقوف، بينما أحاطتها مديحة بذراعها.
وغادرت سيلا مع مديحة وشاهندة الغرفة، لتخلو الغرفة إلا من نجاة.
في الجهة الأخرى...
كانت سيارة ممدوح تسير بسرعة في شوارع المدينة الهادئة، بينما كانت عيناه لا تفارقان الطريق أمامه.
منذ أن أخبرته ياسمين أن لينا خرجت لإصلاح هاتفها ولم تعد حتى الآن، لم يهدأ له بال.
حاول الاتصال بها أكثر من مرة، لكن دون جدوى.
في كل مرة كان الصمت هو الرد.
قبض على عجلة القيادة بقوة، وبدأ القلق يتسلل إلى قلبه رغم محاولاته المستمرة للسيطرة عليه.
لم تكن لينا ممن يتأخرن دون أن تخبر أحدًا...
وهذا ما جعل القلق يستقر في صدره، مؤكدًا له أن شيئًا ما قد حدث.
وبعد دقائق، توقفت السيارة أمام مركز الصيانة.
ترجل منها مسرعًا، واتجه إلى الداخل بخطوات متعجلة.
وما إن وقعت عيناه على أحد العاملين، حتى اقترب منه وسأله بلهفة:
ـ لو سمحت... كانت فيه بنت جات هنا تصلح موبايل من شوية... شعرها أحمر وعينيها زرقاء... شوفتها؟
رفع العامل رأسه محاولًا التذكر، ثم اتسعت عيناه قليلًا.
ـ أيوه... فاكرها.
اقترب ممدوح منه خطوة أخرى، وقد انعقد حاجباه بقلق.
ـ فين هي دلوقتي؟
رفع العامل رأسه، وقال:
ـ مشيت يا فندم.
انعقد حاجبا ممدوح.
ـ مشيت؟ راحت فين؟
ـ قالت إنها هتروح الفرع الرئيسي عشان تشتري آيفون.
ـ الفرع الرئيسي؟
ـ أيوه يا فندم... قالت إنها قررت تشتري موبايل جديد.
نظر ممدوح إليه بسرعة.
ـ طب والموبايل بتاعها؟
أشار العامل إلى أحد الأدراج.
ـ اتصلح خلاص.
توقف ممدوح للحظة.
ـ يعني هو هنا؟
ـ أيوه يا فندم.
ـ طب هاتهولي.
هز العامل رأسه باعتذار.
ـ معلش يا فندم، مينفعش... الاستلام بالوصل.
عقد ممدوح حاجبيه.
ـ والوصل معاها؟
ـ أيوه، هي أخدته لما مشيت.
نظر ممدوح إلى الهاتف الموضوع داخل الدرج، ثم سأل:
ـ يعني هي خرجت من هنا وسابت موبايلها؟
ـ أيوه.
ـ ومن غير ما تستلمه؟
ـ قالت إنها هتروح الفرع الرئيسي، ولما تخلص هناك هترجع تستلمه.
ساد الصمت للحظات.
ظل ممدوح واقفًا مكانه، وعيناه مثبتتان على الهاتف.
لينا خرجت من هنا...
من دون هاتفها.
رفع عينيه إلى العامل.
ـ إمتى خرجت؟
ـ من حوالي ساعة ونصف.
اتسعت عينا ممدوح.
ـ ساعة ونصف؟!
ـ أيوه يا فندم.
نظر ممدوح إلى ساعته، ثم عاد بنظره إليه.
ـ والفرع الرئيسي بعيد؟
أجاب العامل ببساطة:
ـ لا يا فندم... بعد شارعين من هنا، يعني تلات دقايق بالعربية.
تجمد ممدوح للحظة.
ثلاث دقائق فقط...
بينما مر أكثر من ساعة ونصف منذ أن غادرت لينا المكان.
بدأ القلق يتسلل إلى ملامحه بوضوح.
ـ يعني المفروض تكون وصلت من زمان.
لم يجبه العامل.
أخرج ممدوح هاتفه بسرعة، وسجل عنوان الفرع الرئيسي.
ثم رفع عينيه إليه مرة أخرى.
ـ لو رجعت هنا قبل ما أرجع... خليها تستناني.
ـ حاضر يا فندم.
استدار ممدوح وغادر المكان بخطوات سريعة.
وما إن وصل إلى سيارته، حتى جلس خلف عجلة القيادة وأدار المحرك.
انطلقت السيارة بسرعة في اتجاه الفرع الرئيسي.
كان يحاول أن يقنع نفسه بأنها ربما تكون وصلت بالفعل...
لكن القلق لم يتركه.
فهي خرجت من هنا منذ أكثر من ساعة ونصف، ولم يكن معها هاتفها.
ولو كانت وصلت إلى الفرع الرئيسي بالفعل، لكان من المفترض أن تكون قد عادت إلى هنا لاستلام هاتفها.
ضغط ممدوح على دواسة الوقود أكثر.
بدأ إحساس ثقيل يسيطر عليه.
ترى... هل وصلت لينا إلى الفرع الرئيسي فعلًا؟
أم أن شيئًا ما حدث لها في الطريق؟
في مستشفى الشروق...
اندفعت السيارة إلى ساحة المستشفى، وما إن توقفت أمام قسم الطوارئ، حتى ترجل عاصم سريعًا.
فتح الباب الخلفي، وحمل لينا بين ذراعيه، ثم اتجه بها إلى الداخل بخطوات ثابتة.
وما إن دخل قسم الطوارئ، حتى انتبهت إليه إحدى الممرضات، فأسرعت نحوه وهي تنظر إلى الفتاة الفاقدة للوعي.
ـ يا فندم... إيه اللي حصل؟
أجابها بهدوء وهو يواصل السير:
ـ أغمي عليها فجأة في الشارع.
أشارت الممرضة إلى سرير متحرك.
ـ حطها هنا بسرعة.
اقترب عاصم، وأنزل لينا برفق فوق السرير، بينما بدأت الممرضة تفحص نبضها سريعًا، ثم التفتت إلى زميلة لها:
ـ نادي دكتور الطوارئ بسرعة.
هرولت الممرضة الأخرى إلى الداخل، بينما أخرجت الأولى استمارة الاستقبال.
ـ حضرتك تقرب لها إيه؟
ـ ولا حاجة.
رفعت حاجبيها بدهشة.
ـ أمال حضرتك جبتها؟
ـ وقعت قدامي، وكان لازم أوصلها للمستشفى.
أومأت برأسها، ثم سألت:
ـ طيب اسمها إيه؟
ساد الصمت للحظة.
ـ معرفش.
ـ ولا أي بيانات عنها؟
ـ للأسف لا.
دونت الممرضة بعض الملاحظات في استمارة الاستقبال.
ـ تمام... هنسجلها مؤقتًا مجهولة الهوية لحد ما تفوق.
ثم التفتت إلى يده، وقد تشرب الشاش بالدم.
ـ يا فندم... إيد حضرتك بتنـزف!
نظر عاصم إلى يده نظرة عابرة.
ـ جرح بسيط.
قالت بإصرار:
ـ الجرح واضح إنه محتاج يتغير عليه. اتفضل معايا.
أجاب دون أن يحول نظره عن لينا:
ـ بعد ما أطمن عليها.
وفي تلك اللحظة، خرج طبيب الطوارئ مسرعًا، واتجه مباشرة إلى لينا، ثم بدأ يفحصها بعناية.
وبعد دقائق، قال للممرضات:
ـ ضغطها منخفض، غالبًا تعرضت لصدمة عصبية. وصلوا لها محلول، واعملوا الفحوصات اللازمة.
ثم وقع بصره على يد عاصم.
ـ واضح إن حضرتك محتاج تغير على الجرح ده.
ـ مش مهم.
ابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة.
ـ مهم طبعًا. اتفضل غير عليه، وأنا هطمنك عليها.
ألقى عاصم نظرة أخيرة على لينا، وقد بدأت الممرضة تعلق لها المحلول، ثم استدار مع الممرضة واتجه إلى غرفة الغيار.
دخل عاصم غرفة الغيار، وأشارت له الممرضة إلى المقعد الطبي.
ـ اقعد لو سمحت.
جلس بهدوء، بينما بدأت تفك الشاش الملتف حول يده.
وما إن انكشف الجرح، حتى عقدت حاجبيها.
ـ الجرح أعمق مما توقعت.
أجابها ببرود:
ـ عالجيه وخلاص.
التقطت زجاجة المطهر.
ـ حاضر... بس هيحرق شوية.
سكبت المطهر على الجرح.
لم يتحرك عاصم، ولم تتغير ملامحه.
رفعت الممرضة عينيها إليه في دهشة.
ـ حضرتك استحملت كده إزاي؟
ـ عادي.
انتهت من تنظيف الجرح، ثم لفته بشاش جديد بإحكام.
وفي تلك اللحظة، دخل الطبيب.
ألقى نظرة على الجرح، ثم قال:
ـ الحمد لله... مش محتاج غرز، مجرد قطع سطحي. بس الضماد لازم يتغير بكرة.
أومأ عاصم برأسه.
ـ تمام.
ثم سأل لأول مرة منذ دخوله المستشفى:
ـ والبنت؟
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة.
ـ الحمد لله... العلامات الحيوية مستقرة. واضح إنها تعرضت لإجهاد شديد مع هبوط في ضغط الدم. ركبنا لها محلول، ولسه هنطلب شوية تحاليل، وإن شاء الله تفوق قريب.
تنفس عاصم بهدوء.
وقف من مكانه، وعدل كم قميصه فوق الضماد، ثم قال:
ـ لو احتجتوا أي إجراءات أو مصاريف... بلغوني.
نظر إليه الطبيب باستغراب.
ـ حضرتك تعرفها؟
ـ لا.
ازداد استغراب الطبيب.
ـ ومع ذلك مستعد تتحمل كل حاجة؟
استدار عاصم نحو الباب، وقال بهدوء:
ـ لأنها وقعت قدامي... ودي مسؤوليتي لحد ما تبقى بخير.
ثم خرج من الغرفة بخطوات ثابتة.
عاد عاصم إلى قسم الطوارئ.
توقفت عيناه للحظات عند لينا، التي كانت لا تزال مستلقية على السرير، والمحلول معلقًا إلى جوارها.
اطمأن عليها من بعيد، ثم تذكر والدته.
كان قد تركها في غرفتها قبل أن يغادر المستشفى، ولم يعرف ما إذا كانت لا تزال هناك أم أنها غادرت.
استدار واتجه نحو المصعد، ثم صعد إلى الطابق الذي توجد فيه غرفة والدته.
وبعد دقائق، توقف أمام الغرفة.
طرق الباب طرقات خفيفة.
ـ أمي... ممكن أدخل؟
انتظر قليلًا، لكن لم يصله أي رد.
طرق الباب مرة أخرى.
ـ أمي؟
ظل الصمت يخيم على المكان.
عقد عاصم حاجبيه، ثم مد يده إلى مقبض الباب وفتحه.
دخل إلى الغرفة، وألقى نظرة سريعة في أرجائها.
توقفت عيناه عند السرير الفارغ.
لم يجد والدته.
خرج من الغرفة، وفي تلك اللحظة مرت إحدى الممرضات أمامه، فأوقفها:
ـ لو سمحتي... الحالة اللي كانت في الأوضة دي، خرجت؟
نظرت الممرضة إلى الغرفة، ثم قالت:
ـ أيوه يا فندم... الحالة خرجت من حوالي ربع ساعة.
زفر عاصم بارتياح.
ـ تمام... شكرًا.
أومأت الممرضة برأسها، ثم تابعت طريقها.
أخرج عاصم هاتفه من جيبه، واتصل بمراد.
لم تمر سوى لحظات حتى جاءه صوت شقيقه:
ـ أيوه يا عاصم.
ـ وصلتوا؟
ـ إحنا في الطريق لفيلا خالتك... ماما وسيلا هيباتوا عند خالتو مديحة.
ـ تمام.
أنهى عاصم المكالمة، وأعاد الهاتف إلى جيبه.
ظل واقفًا للحظات.
ثم استدار وعاد باتجاه المصعد.
كان عاصم قد هم بالخروج من المستشفى، لكنه توقف قبل أن يغادر.
لسبب لم يفهمه، وجد نفسه يتجه مرة أخرى نحو غرفة لينا ليطمئن عليها للمرة الأخيرة.
كان يظن أنها ما زالت نائمة.
لكنه ما إن دخل حتى توقف فجأة.
كانت لينا قد اعتدلت في سريرها، تحاول نزع الكالونة من يدها بعصبية، وأصابعها ترتجف من الخوف والانفعال.
اتسعت عيناه، واتجه إليها بخطوات سريعة، وأمسك بيدها قبل أن تنزعها.
ـ بتعملي إيه يا مجنونة؟!
حاولت سحب يدها منه.
ـ سيبني!
ـ هتنزفي.
ـ مالكش دعوة بيا!
ـ اهدي.
ـ مش ههدى!
ازدادت محاولتها لنزع يدها من قبضته.
ـ لازم أمشي!
ـ مش هتخرجي كده.
ـ أنا لازم أروح!
ـ تستني الدكتورة.
صرخت فيه:
ـ جدو وتيتة مستنييني! قلوبهم هتقف من القلق لو عرفوا إني متأخرة بره لحد دلوقتي!
ثم حاولت مرة أخرى أن تنتزع الكالونة، فشد عاصم على يدها يمنعها بحزم.
ـ بطلي جنان.
نظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع.
وفجأة انفجرت بكل ما تحمله نبرتها من قهر وألم:
ـ إنت السبب!
توقف عاصم.
حدق بها بدهشة حقيقية.
لم يفهم كيف يمكن لها أن تحمله مسؤولية ما حدث، وهو الذي خاطر بحياته لإنقاذها.
لكنها لم تمنحه فرصة للكلام.
كانت شهقاتها تتقطع بين الكلمات، ودموعها تسيل بغزارة:
ـ لو مكنتش كسرت تليفوني... مكنتش اضطريت أنزل في الضلمة أصلحه!
سكت عاصم.
تسللت إلى داخله وخزة ذنب ثقيلة.
تذكر مظهرها في ممر الجامعة في ذلك اليوم، وتذكر كيف اصطدم بها، ولم يكلف نفسه حتى عناء الاعتذار.
ارتجف صوتها أكثر:
ـ مكنتش هكون في الشارع لوحدي!
لم يرد.
فتابعت بحرقة:
ـ مكنتش هتعرض لكل اللي حصل لي! لو مكنتش بغرورك وطريقتك المستفزة في الجامعة... مكنتش اتحطيت في الكابوس ده كله!
أفلت عاصم يدها ببطء، وتراجع خطوة إلى الخلف.
لكنها لم تتوقف.
ـ إنت السبب!
ثم غطت وجهها بيديها، وانفجرت في البكاء بمرارة.
ظل عاصم واقفًا أمامها.
لم يجد ما يقوله.
هو لا يرى نفسه مخطئًا بالكامل؛ فهي من كانت تسرع في الممر، وهي من اصطدمت به.
لكن في الوقت نفسه، لم يستطع تجاهل حقيقة واحدة:
هو كسر هاتفها.
وهي اضطرت للنزول لإصلاحه.
وبسبب ذلك كانت في الشارع تلك الليلة.
ومع ذلك، لم يكن هو من تسبب فيما حدث لها في الشارع.
نظر إليها وهي تبكي بانهيار، ثم قال بهدوء:
ـ أنا أنقذتك.
رفعت وجهها إليه، وكان غارقًا بالدموع والقهر.
ـ عارفة.
توقف عاصم.
ثم قال ببرود يخفي ارتباكه:
ـ يعني إنتي شايفة إن أنا السبب في اللي حصل؟
هزت رأسها بسرعة.
ـ لأ!
سكتت لحظة، ثم قالت بصوت مكسور:
ـ بس إنت اللي بدأت كل ده!
توقف عاصم.
تلك المرة، لم يجد ردًا سريعًا.
فقد فهم أخيرًا ما تقصده.
لينا لا تلومه على ما حدث لها في الشارع، فهي تعرف أنه أنقذها، لكنها تلومه لأنه كان السبب في أن تنزل من الأساس في ذلك الوقت، وأن تجد نفسها في المكان الذي بدأت فيه كل تلك الأحداث.
ظل ينظر إليها طويلًا، بينما راحت تمسح دموعها بعشوائية.
ـ أنا مش عارفة أعمل إيه معاك.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال عاصم بنبرة خفت فيها حدته المعتادة:
ـ ولا أنا.
ساد بينهما صمت ثقيل.
كانت غاضبة منه...
وفي الوقت نفسه، عاجزة عن إنكار ما فعله من أجلها.
أما هو، فلم يكن يعرف كيف يتعامل معها.
فهي تلومه على ما حدث...
وهو، رغم ذلك، لا يستطيع أن ينكر تمامًا أنه كان سببًا في وصولها إلى تلك الليلة.
ثم نظر إليها عاصم وقال بنبرة عملية:
ـ أنا شايف إنك بقيتي أحسن. هروح أشوف ينفع تخرجي دلوقتي ولا لأ، وأوصلك لحد البيت.
ما إن سمعت لينا كلماته حتى تغيرت ملامحها، وهتفت بسرعة:
ـ لأ!
توقف عاصم، ونظر إليها باستغراب.
ـ لأ إيه؟
ارتبكت للحظة، ثم قالت بسرعة:
ـ أنا... هكلم جدو وتيتة ييجوا ياخدوني.
عقد عاصم حاجبيه.
كان رفضها المفاجئ أسرع من اللازم، ونبرتها حملت توترًا لم يفهم سببه.
ـ زي ما تحبي.
استدار ليغادر، ثم توقف عند الباب وقال دون أن ينظر إليها:
ـ هابعث لك الممرضة عشان تكلميهم.
أومأت بصمت.
فتح الباب، لكنه سمع صوتها خلفه:
ـ لو سمحت...
توقف.
استدار إليها.
نظرت لينا إليه للحظات.
كانت تريد أن تشكره.
فهو، رغم كل غضبها منه، أنقذها.
وقف أمام رجل يحمل مطواة، وخاطر بنفسه من أجلها، ثم حملها إلى المستشفى، وبقي حتى اطمأن عليها.
كانت تريد أن تقول له: شكرًا.
لكن الكلمة توقفت على طرف لسانها.
فكيف تشكر الرجل الذي كان، في نظرها، السبب الأول في وجودها داخل ذلك الكابوس؟
هو الذي كسر هاتفها، فاضطرت للنزول في ذلك الوقت المتأخر لإصلاحه، لتجد نفسها وحيدة في الشارع أمام رجل يحمل مطواة.
لكن...
ألم يكن هو نفسه من وقف أمام ذلك الرجل؟
ألم يخاطر بحياته من أجلها دون أن يعرف حتى اسمها؟
ألم يحملها بنفسه إلى المستشفى، ويبقى إلى جوارها حتى اطمأن عليها؟
ظلت لينا تنظر إليه للحظات، عاجزة عن حسم ذلك الصراع داخلها.
تريد أن تلومه...
وتريد أن تشكره.
غاضبة منه...
وممتنة له.
خفضت عينيها أخيرًا، وقالت:
ـ ولا حاجة.
ظل عاصم ينظر إليها لثانية.
ثم قال باقتضاب:
ـ تمام.
وأغلق الباب خلفه.
بقيت لينا تحدق في الباب المغلق.
لم تكن تعرف ماذا تفعل معه.
هل تعتبره السبب في كل ما حدث لها؟
أم الشخص الذي أنقذها منه؟
وضعت يدها فوق صدرها، وأغمضت عينيها.
أما عاصم، فكان قد ابتعد عن الغرفة، لكنه توقف للحظة عندما تذكر صوتها وهي تناديه:
ـ لو سمحت...
قطب حاجبيه.
ماذا كانت تريد أن تقول؟
ظل السؤال يلاحقه للحظات، قبل أن يزفر بضيق ويتمتم:
ـ مش مهم.
ثم أكمل طريقه.
وفي الداخل، ظلت لينا تحدق في الباب المغلق.
كانت تريد أن تشكره...
لكنها لم تستطع.
لأنها، رغم كل ما فعله من أجلها، لم تستطع أن تنسى أنه كان السبب الذي قادها إلى تلك الليلة.
ولأول مرة...
لم تعرف لينا أيهما أصعب عليها:
أن تلوم عاصم...
أم أن تكون ممتنة له.