رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثامن8 بقلم ليلي طاهر

رواية نارين بين الحب والوجع بقلم ليلي طاهر
رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثامن8 بقلم ليلي طاهر
أمسك مراد هاتفه ليتصل بصديقه كريم، رن الهاتف مراراً دون رد. حاول الاتصال مرة ثانية، وبينما كان على وشك اليأس، فُتح الخط في اللحظة الأخيرة.

مراد: ألو يا زفت، مبتردش ليه؟!
كريم: في إيه يا عم؟ اهدى شوية، كنت بفطر.
مراد: هو ده وقته فطار يا غبي أنت؟!

كريم: في إيه يا مراد؟ مش كفاية صحيت من النوم عشان خاطرك؟

مراد: لا يا خويا مش عشان خاطري... عشان الفلوس.
حك كريم ذقنه بلؤم وقال: "وفيه حد يقول للفلوس لأ برضو!"
مراد: "خلصني، وصلت لإيه؟"

كريم: "البنت اسمها لينا مصطفى، في تالتة
إعلام، متفوقة بامتياز كل سنة، ومرشحة تكون معيدة. ملهاش غير صاحبة واحدة اسمها سارة."

شعر مراد بمرارة في حلقه، فتمتم لنفسه: "آه ده عيبه... هي هتبقى معيدة وأنا ساقط". كمل يا جلاب الهم."
كريم: بس كده.
مراد: وحياة أمك هو إيه اللي بس؟
كريم: براحة يا عم، هو ده اللي قدرت أعرفه.
مراد: طب معرفتش عنوانها؟

كريم: لأ، بس هى عندها عربية سوزوكى فيتارا بتروح وتيجى بيها .

أغلق مراد الهاتف في وجه صديقه دون انتظار رد، وحدث نفسه بغيظ: "بقى القمر دي اسمها لينا... ده اسمها لوحده حكاية، ثم قام ليجهز نفسه 
بعد مرور ساعة على المكالمة .

انطلق مراد إلى الجامعة، وما إن لمح لينا خارجة من البوابة بصحبة صديقتها، حتى اتجه نحوهما مسرعاً.
مراد: آنسة لينا.
استدارت لينا ونظرت إليه بجمود: "أفندم، حضرتك تعرفني؟"
مراد: أنا ...أنا (ولم يجد ما يقوله)
ردت سارة :هو الاستاذ نسى الكلام ولا ايه؟!
لينا:يلا يا سارة مش ناقصة تأخير 
أوقفها مراد مرة أخرى :استنى انا مراد الرشيد

لينا (ببرود): والمطلوب؟

في هذه اللحظة، استدارت سارة ونظرت لمراد من فوق لتحت بنظرة فاحصة، ثم همست في أذن صديقتها بحماس مكتوم: "إنتِ عارفة ده مين يا لينا؟ ده مراد الرشيد، أخو عاصم الرشيد.. صاحب "حاضنة الرعاية للإعلان "اللي عندنا في الكلية! ده هو اللي بيتحكم في كل مشاريع التخرج والتدريب هنا."

لينا (بسخرية): "آه... أخو البنت المنفوخة دي؟ حصلنا الشرف." ثم مضت تاركة إياه خلفها.

وقف مراد مستمرا فى مكانه لا يصدق ما حدث ؟متعجبا كيف لهذه الفتاة لم تهتم لاسمه ولا يبدو عليها علامات الانبهار كغيرها وكيف تحدثه بكل هذا البرود؟! 

وفي تلك اللحظة، كانت سيلا تخرج من البوابة مع صديقتها شمس. وما إن وقع بصر شمس على مراد حتى قالت: "سيلا، مش ده أخوكي مراد؟ إيه اللي موقفه كده؟"

ذهبت سيلا إليه باستغراب: "إنت إيه اللي موقفك هنا يا مراد؟ في حاجة؟"
مراد (بتلعثم): عشان آخدك يا حبيبتي. 

ركبت سيلا السيارة، وانطلق مراد وهو غارق في تفكيره بـ "لينا"، متجاهلاً تماماً ثرثرة سيلا بجانبه.

سيلا: مراد، هو إنت جيت تاخدني بدل عمو محمد ليه؟ (لا رد).. مراد! هو إنت مش سامعني؟!
مراد (منتبهاً): ها؟ بتقولي حاجة؟

سيلا: لأ، ده إنت مش معايا خالص.. إيه اللي واخد عقلك؟
مراد: ولا حاجه. وفجأة قال: سوسو حبيبتي، هو إنتى مش في تالتة إعلام برضه؟
سيلا (باستغراب): بقى كل المقدمة دي عشان تسأل أنا في تالتة إعلام؟
مراد: استنى بس واسمعى الكلام للاخر، 
سيلا :قول يا سيدى لما اشوف اخرتها معاك 
مراد :فى بنت معا.......
لم يكمل، بسبب مقاطعة سيلا :

"آه.. أنا قلت كده برضو! وقفتك في الشمس كدا أكيد وراها بنت. ماليش دعوة بغرامياتك! مش كفاية خسرت كل صحباتي بسببك، كل يوم تمشى مع واحدة وتفهمها إنك بتحبها وأول ما تزهق منها تدور على غيرها...... لا لا"

مراد (بضيق): "خلاص اسكتي بقى إيه بالعة راديو، مش عايز من وشك حاجة!"

ظل مراد صامتاً طوال الطريق، وعقله لا يتوقف عن التفكير. وحينما تذكر كلام صديقتها عن "حاضنة الرشيد" في كلية الإعلام، لمعت فكرة شيطانية في عقله: " ما دام مفرقش معاها اسمى دلوقتى ،أكيد هيفرق لما اتحكم فى مشروع التخرج بتاعها ، أكيد هتحتاج لى عشان مستقبلها المهني ،هيبقى متوقف على كلمة منى "
--------------
اما لينا فمازالت فى طريق العودة إلى قصر جدها فى حى الزمالك
كانت تستعجل الوقت، فقد كان موعد الغداء في قصر جدها بـ "الزمالك" يقترب، وهي لا تحب التأخير. انطلقت بسيارتها "الفيتارا" في شوارع القاهرة المزدحمة، وبينما كانت عالقة في الزحام الخانق، كانت تنظر لساعتها بقلق وتتمتم: "يا رب ألحق، جدو أكيد مستني."

بعد معاناة مع المرور، وصلت لينا أخيراً للقصر. ركنت سيارتها ودخلت مسرعة، كانت أنفاسها متسارعة. دخلت إلى قاعة الطعام الفسيحة لتجد العائلة قد بدأت بالفعل، فتوجهت مباشرة نحو جدها وقبلت رأسه بوقار:

"آسفة جداً يا جدو على التأخير، الزحمة في القاهرة النهاردة لا تُطاق."

وقبل أن يرد الجد، قاطعها شاكر ( خالها)بنبرة ممزوجة بين القلق والاندفاع:

"لا تُطاق؟! طبعاً لا تُطاق لما تكوني بتسوقي لوحدك في الزحمة دي! يا لينا، إنتِ عارفة إننا بنخاف عليكي، ليه بتصري على بهدلة الطريق دي؟ كان ممكن تاخدي أي عربية من اللي واقفين بره ومعاكي سواق يريحك من الزحمة والتوتر ده! إنتِ شايفة إنك بتثبتي نفسك، بس إحنا شايفينك بتعرضي نفسك لتعب ملوش لزوم!"

ثم تابع بنبرة أكثر حدة: "وده غير إصرارك على 'تخبية' هويتك في الجامعة! كأن كونك حفيدة بهاء الدين المصرى دي جريمة بتداريها عن الناس! عندنا اسم عيلة بيفتح أي باب.. ليه بتصرّي تتجاهلي اسمنا؟"
ردت لينا بهدوء وهي تلتقط أنفاسها:

"يا خالو، أنا مقدرة خوفك عليا، بس السواقة استقلال مش بهدلة. وطبعا شرف ليا اكيد أن حفيدة بهاء الدين المصرى ، 
أنا مش بخبيه، أنا بس عايزة أتعلم من الصفر في مكان محايد، بعيداً عن أضواء اسم جدي اللي بتفرض على الكل يعاملوني معاملة خاصة. أنا مش عايزة نجاحي يبقى 'مجاملة لجدى' عايزة أحس بطعم النجاح الحقيقي اللي أستحقه بجهدي، مش عشان أنا حفيدة مين!"
قاطعتها نهلة بتهكم:

"تمثيلية 'البنت المكافحة' دي مش مفهومة! ده الناس بتموت عشان اسمهم يتصل باسمنا، وإنتِ بتداري عليه وكأنك عاملة جريمة!"

هنا، رمقت ياسمين لينا بنظرة استعلاء وقالت:
"فعلاً يا لينا، هو حد يجيله فرصة 'الواسطة' اللي تطلعه السلم بسرعة ومن غير تعب ويرفضها؟ ده الذكاء الحقيقي إنك تستغلي اسم العيلة، مش تمثيلية الكفاح اللي مخبّية فيها هويتك الحقيقية عشان تعيشي بعيد عن أضواءنا!"

وسط التوتر، ترك "عمر" الصغير  (ابن ممدوح ابن خالها شاكر)الملعقة وقال ببراءة:
"هما بيتكلموا كتير ومش بياكلوا يا لينا.. يلا ناكل إحنا بسرعة عشان نروح نلعب سوا!"

ابتسمت لينا بحنان لعمر، ثم استدارت لياسمين بثقة:
"سمعتِ يا ياسمين؟ الكلام كتير من غير فايدة. إنتِ شايفة إن الذكاء إني أستغل اسم العيلة وأعلن هويتي عشان آخد امتيازات، 
بس أنا شايفة إن الذكاء الحقيقي إني أعتمد على نفسي وأبني اسمي بجهدي.. مش مستنية اسم جدي عشان الدكاترة يجاملوني في الدرجات أو يمنحوني امتيازات مش من حقي زي ما غيرى بيعمل. أنا عايزة لما أتخرج، الناس تحترمني أنا ، مش عشان عيلتى!"

احتدت ياسمين، ولكن بهاء الدين ضرب الطاولة بحزم: "ياسمين.. لسانك ده يتوزن. لينا حرة في اختيار طريقها، وأنا مقدر قلقك يا شاكر، بس لينا عندها وجهة نظر برضه."

بعد انتهاء الغداء، انسحبت لينا مع جدها إلى مكتبه الخاص. نظر إليها بهاء الدين بابتسامة حانية:
"يا لينا.. شاكر ونهلة ما يقصدوش يضايقوكِ، هما بس بيخافوا عليكي."
ابتسمت لينا وجلست عند قدميه:
"عارفة يا جدو، بس أنا بجد نفسي أثبت لنفسي وليهم إني قادرة أنجح من غير ما أستخدم اسمك كـ 'كارت مرور'. أنا حابة دراستي، ونفسي أكون فخورة بنفسي."
مسح بهاء الدين على رأسها بفخر: "عيلتنا مش بس اسم، هو مبدأ.. وأنا شايف المبدأ ده في عيونك يا بنتي. كملي في طريقك، وأنا في ضهرك دايماً."
-----------

فى المساء فى مدينة الشيخ زايد داخل فيلا الرشيد

كان الصالون الفخم الغارق في إضاءة خافتة يعكس طابعاً أرستقراطياً عريقاً.
جلست نجاة هانم باستقامتها المعهودة، ممسكة بهاتفها بأناقة بالغة، وملامحها تشي بصرامة حازمة وهي تستمع إلى صوت أختها مديحة الذي كان يحمل نبرة عتاب حاد وزعل بكبرياء من الطرف الآخر.

نجاة (بنبرة هادئة، حاسمة ومترفعة):
"يا مديحة أرجوكي اهدي عشان نعرف نتكلم. عاصم مطردهاش من فراغ، شاهندا تصرفها مكنش فيه أي حكمة.. إيه اللي يخليها تروحله المكتب وتقتحم خصوصية شغله؟ إنتي عارفة عاصم بيفصل بين الشغل والبيت بالمسطرة، ومبيحبش الطريقة دي."

جاء صوت مديحة عبر الهاتف، حاداً وممتلئاً بالضيق:
"يفصل بالمسطرة يقوم يكسر بخاطر البنت ويهين كرامتها قدام الموظفين يا نجاة؟ البنت راجعة البيت منهارة وقافلة على نفسها ودموعها متبطلتش! إحنا كده بنظلم شاهندا معانا.. لازم نشوف حل للموضوع ده، ابنك مش مديها ريق خالص، وبأسلوبه ده عمره ما هيقرب منها ولا هيتجوزها! شاهندا بتموت فيه وهو قالب وشه وعامل غريب!"

أسندت نجاة ظهرها إلى الخلف بوقار، وأجابت بثقة مطلقة:
"عاصم مفيش في حياته ست تانية يا مديحة، ومادام قلبه فاضى ، يبقى شاهندا هي الوحيدة المناسبة ليه كزوجة، والموضوع ده منتهي. عاصم راجل مسؤول وطبعه جاف، بس أنا هتدخل بنفسي وأحط حد للموقف ده. اقفلي دلوقتي، هدي شاهندا، وسيبيني أنا أتصرف مع عاصم."

أغلقت نجاة الهاتف بوقار، ووضعته بجانبها ، ثم أطلقت تنهيدة ضيق مكتومة، مفكرة في عناد عاصم وجفافه.
في هذه اللحظة، دلف مراد إلى الصالون بخطواته الهادئة المتزنة. كان قد التقط أطراف الكلمات الأخيرة، ولمعت عيناه بذكاء حاد وهو يقرأ ملامح والدته الصارمة. تقدم نحوها، وانحنى برقي ليقبل يدها بوقار يناسب طبيعتها.

مراد (بنبرة هادئة ورزينة):
"مساء الخير يا نوجة .. باين كده إن موضوع عاصم وشاهندا لسه عامل قلق؟"
نجاة (تنظر إليه بنظرة فاحصة، وبصوت حازم):
"أخوك عاصم بيتصرف بحدة زيادة عن اللزوم.. زعل شاهندا بنت خالتك في مكتبه لمجرد إنها راحت تزوره، وخالتك مديحة اتصلت وهي متضايقة جداً من أسلوبه."

هنا، تقدم مراد خطوة، وجلس في المقعد المقابل لها، ملامحه تشع بالجدية والاهتمام المدروس وهو يدخل لأمه من مدخلها المفضّل:

"بصراحة يا ماما.. عاصم معذور برضه. الشغل كله فوق دماغه، ومسؤولية الشركات والبيزنس شايلها لوحده بالملّي. عاصم طول ما هو شايل الحمل الثقيل ده كله ومضغوط بالشكل ده، عمره ما هيفكر في جواز،
ولا هيكون عنده طاقة أو ريق يتعامل بيه مع شاهندا أو غيرها.. عقله كله في الشغل."
نظرت إليه نجاة باهتمام، وقد لمست كلماته وتراً حساساً في تفكيرها. أكمل مراد بنبرة تائبة وصادقة:

"عشان كده أنا فكرت.. وقررت أبدأ صفحة جديدة تماماً. كفاية استهتار بالوقت، أنا لازم أتحمل المسؤولية وأبني اسم يليق بالعيلة، والأهم من ده كله.. إني أكون سند بجد لعاصم، وأشيل الحمل من على كتافه شوية. لما أثبت نفسي في الشغل وأساعده، الضغط اللي عليه هيقل، ويبدأ عاصم يشوف نفسه شوية، ويفكر في بيته وحياته ويتجوز شاهندا."

اتسعت ابتسامة نجاة الرصينة، وانتعش كبرياؤها الأرستقراطي بفرحة عارمة غمرت قلبها، فهذا الاقتراح يحل أكبر أزمتين تؤرقانها: توبة ابنها الصغير، وزواج ابنها الأكبر.
نجاة (بفخر واعتزاز شديد):

"ده أعقل كلام سمعته منك يا مراد.. نضجك وتفكيرك في أخوك وفي مصلحة العيلة هو أحسن خبر سمعته. وعاصم أكيد لازم يدعم الخطوة دي ويديك فرصة."

تراجع مراد بخفة إلى الخلف، مظهراً بعض التحفظ الذكي المطعم بالتردد:
"خايف عاصم يقابل رغبتي دي بالتشكيك كالعادة 
، حضرتك عارفة نظرته العملية ليا. بس لو حضرتك اللى طلبتى منه ،هيوافق تقديراً ليكي هو مش بيحب يزعلك . 
أنا مش طالب منصب كبير في الأول؛ أنا عايز بس أكون مشرف إداري في 'حاضنة الرعاية' اللي في كلية الإعلام.. خطوة عملية صغيرة، أشيل بيها حمل عنه وأثبت كفاءتي بعيد عن الحساسيات."

أومأت نجاة برأسها في حسم، وعادت نبرتها الآمرة الثابتة:

"عاصم ميرفضليش طلب، خصوصاً لما يكون الأمر فيه مصلحته ومصلحة بيته ومستقبلك. سيب الموضوع ده عليا يا مراد.. أنا هكلمه دلوقتي حالا وأبلغه."

مراد : ربنا يخليكى ياأحلى أم فى الدنيا ابتسمت نجاة واتصلت بعاصم تبلغه ، مراد :ها يا ماما قالك ايه هو يقدر يقول حاجة عدى عليه بكرة الصبح فى الشركة، قبل مراد يدها وذهب .

-----------------

في الصباح التالي، دلف مراد إلى مكتب شقيقه الأكبر بكامل أناقته وثقته المتزنة. بادله عاصم نظرة وقورة تحمل اهتماماً أخوياً، ثم أشار بيده بترحيب هادئ إلى رجل ثلاثيني يجلس في المقابل؛ كان "شريف" المدير التنفيذي للحاضنة، الذي يرتدي بدلة رسمية أنيقة، وتبدو عليه ملامح الصرامة والعملية التامة.
عاصم (بابتسامة عمل رصينة، موجهاً حديثه لشريف):

"أهلاً يا مراد، اتفضل.. شريف، ده مراد أخويا، وهو اللي هيستلم مهام الإشراف الإداري في حاضنة الكلية معاكم من بكرة إن شاء الله."
التفت مراد نحو شريف بثقة، ماداً يده بوقار.
مراد (بابتسامة هادئة):
"أهلاً يا أستاذ شريف.. فرصة سعيدة جداً، ومستني نشتغل سوا."
صافحه شريف بجدية تامة، وإيماءة رأس عملية خالية من الود المفرط لكنها ملتزمة بحدود اللياقة.
شريف (بنبرة هادئة ورسمية):
"أهلاً بيك يا أستاذ مراد.. الشرف ليا، وإن شاء الله تكون بداية موفقة."
التفت عاصم نحو مراد، وتحدث بنبرة هادئة، متزنة، تحمل وقار الأخ الأكبر الذي يمنح الثقة لأخيه أمام موظفه، لكن بكلمات مبطنة بالمسؤولية:

"مراد.. الأستاذ شريف هو المدير التنفيذي للحاضنة، يعني هو المسؤول المباشر عن كل صغيرة وكبيرة هناك. أنا يهمني جداً إن نظام الحاضنة يفضل ماشي بالمسطرة زي ما شريف معودنا.. وعشان كده، أي تنسيق أو قرار إداري هتاخده لازم يمر عليه الأول. أنا واثق إنك هتكون إضافة قوية للمكان، وهتلتزم بنظام الشغل زي أي موظف حريص على اسم العيلة.. وشريف هيوافيني بتقرير دوري عن سير العمل والإنتاجية هناك."

فهم مراد الرسالة وراء كلمات عاصم الموزونة؛ فعاصم لم يهن كرامته أو يقلل منه، بل غلف الرقابة الصارمة بوعاء من البرستيج والاحترام الذي يعكس مكانة مراد في العائلة.

مراد (يومئ برأسه بابتسامة واثقة ومجاراة للعبة):
"أكيد يا عاصم.. ده شيء مفروغ منه، أنا رايح هناك عشان أتعلم من الأستاذ شريف وألتزم بنظام المكان بالملّي، ومتقلقش.. هكون عند حسن ظنك."
التفت عاصم إلى شريف بجدية مكملًا:

"تمام يا شريف.. مراد معاكم من بكرة، وزي ما اتفقنا، الشغل مفيش فيه مجاملات، وأنا مستني أشوف نتائج ملموسة."
شريف (بوقار وثقة):

"تمام يا فندم، علم وينفذ. الحاضنة ليها سيستم واضح، وأي حد بيدخل منظومة العمل بيمشي عليه.. بكره الصبح هعمل للأستاذ مراد جولة تعريفية ونبدأ فوراً.

خرج مراد من المكتب وهو يغلق الباب خلفه بهدوء شديد، حاملاً ابتسامة عريضة امتدت من الأذن إلى الأذن. سار في الممر وهو يكاد يقفز من الفرحة، وهمس لنفسه بانتصار:

"يس! أخيراً.. خطوة واحدة وبأمر ملكي وأكون جنب لينا في الكلية.. فرصة العمر وجاتلي على طبطاب!"
فجأة، تلاشت الابتسامة تدريجياً، وحلت مكانها ملامح صدمة وذهول مفاجئ وكأن قطاراً صدمه. توقف في منتصف الممر، واتسعت عيناه برعب وهو يتذكر ملامح شريف الصارمة وكلمات عاصم الموزونة.

وضع يده على رأسه وحدث نفسه بهلع كوميدي:
"يا نهار مش فايت.. أنا إتدبست! مشرف إداري إيه وحاضنة إيه اللي هديرها؟ أنا أقصى طموحي الإدارية كنت بدير ريموت التلفزيون في البيت! ده أنا لو شريف ده سألني عن تقرير سير العمل هقوله سير الشغل مقطوع ومحتاج تغيير!"

التفت وراءه ينظر إلى باب مكتب عاصم بنظرة تحمل الكثير من الحب والاحترام الممزوج بالرعب الشديد، وابتلع ريقه بصعوبة متذكراً ثقة أخيه الأكبر فيه أمام شريف.

مراد (بهمس مشحون بالخوف والمسؤولية):
"عاصم وثق فيا قدام الراجل، .. عاصم لو عرف إني مش فاهم ألف باء إدارة، أو لو شريف ده كتب فيا تقرير واحد سلبي.. مش هيطردني من الحاضنة بس، ده هيطردني من كوكب الأرض كله! 
أنا بحبه ومش مستحمل يشوفني فاشل في نظره.. أنا لازم أتصرف.. لازم أبان عبقري قدام شريف، وأقرب من لينا، وأحافظ على وشي قدام عاصم.. يا رب استر، أنا داخل على مجزرة إدارية!"

أصلح من هندام قميصه وسار مسرعاً بخطوات مهزوزة ضاحكة، وهو يحاول استجماع شجاعته لمواجهة الغد.بمجرد أن أُغلق باب المكتب خلف مراد، خلع عاصم نظارته وأسند رأسه إلى الخلف، تائهاً بين الأمل في نضج أخيه وبين الشك الذي ينهش يقينه. نظر إلى الفراغ بجمود، ثم همس لنفسه بنبرة حادة:
"يا ترى يا مراد ناوي تتغير فعلاً للأحسن، ولا ناوي على مصيبة من مصايبك الكبيرة؟ بس المرة دي الموضوع مش لعب، دي فيها اسمي وسمعتي اللي بنيتها سنين.. يا رب ما تكونش بداية النهاية."
يتبع 
تعليقات



<>