رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الحادي عشر11 بقلم ليلي طاهر

رواية نارين بين الحب والوجع بقلم ليلي طاهر 
رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الحادي عشر11 بقلم ليلي طاهر
كانت لينا في قمة غضبها. 
ذلك المغرور... 
لم يكتفِ بتحطيم هاتفها، بل وقف أمامها بكل برود، ألقى عليها اللوم وكأن الخطأ كله كان خطأها، ثم رحل دون حتى أن يكلف نفسه عناء الاعتذار. 
كانت تسير في الممر بخطوات سريعة، تضغط على حقيبتها بيدها، محاولة أن تهدئ من انفعالها. 

لكن غضبها لم يكن بسبب ذلك المغرور وحده. 

صحيح أن طريقته المستفزة وبروده الشديد جعلاها تشعر بالضيق، إلا أن الأمر لم يكن متعلقًا بالهاتف فقط. 

ذلك الهاتف كان يحمل أشياء مهمة بالنسبة لها. 

مئات الصور التي التقطتها طوال الأيام الماضية من مراجع مكتبة الكلية، وملاحظات جمعتها بعناية استعدادًا لمشروعها. 

كانت قد أجلت نقل كل تلك الملفات إلى حاسوبها حتى تنتهي من جمع كل ما تحتاج إليه، وكانت تنتظر يوم الإجازة حتى تتفرغ لترتيبها وتنظيمها بالشكل الذي يناسبها. 

أما الآن... 

فكل شيء أصبح مهددًا بالضياع بسبب تلك الخبطة. 

نظرت إلى شاشة الهاتف المحطمة، ثم ضغطت على زر التشغيل مرة أخرى محاولة التأكد من أنه ما زال يعمل. 

تنهدت بضيق وهي تتمتم: 

"يعني من بين كل الأوقات... يحصل ده النهارده؟" 

ثم رفعت عينيها فجأة إلى ساعة يدها. 

اتسعت عيناها قليلًا. 

"خمس دقائق!" 

لقد تأخرت عن المحاضرة. 

لم تكن معتادة على التأخير، خاصة في المحاضرات المهمة، لذلك زفرت بضيق ووضعت الهاتف إلى حقيبتها. 

حاولت أن تطرد غضبها جانبًا، ثم اتجهت نحو المدرج بخطوات سريعة. 

أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تصل إلى الباب. 

هي لا تريد الدخول وهي بهذا الانفعال، لكنها لم تكن تملك خيارًا آخر. 

دفعت الباب ودخلت. 

في اللحظة نفسها، خفتت الأصوات داخل القاعة، والتفتت عشرات العيون نحوها. 

كانت المحاضرة قد بدأت بالفعل. 

ثبتت لينا نظرها نحو المنصة وهي تستعد للاعتذار عن تأخيرها... 

لكن الكلمات تجمدت على طرف لسانها. 

توقفت في مكانها. 

هو. 

نفس الشخص. 

ذلك المغرور الذي حطم هاتفها قبل دقائق، وتركها واقفة في الممر غاضبة دون أن يكلف نفسه حتى عناء الاعتذار. 

كان يقف الآن أمام الطلاب بكل هدوء وثقة. 

بذلته السوداء الأنيقة، ملامحه الحادة، وقفته الواثقة، ونظارته الطبية التي زادته صرامة ووقارًا... 

كل شيء فيه كان مختلفًا عن صورته قبل قليل في الممر. 

كان عاصم يقف أمام شاشة العرض، يتحكم في ما يظهر عليها من خلال جهازه، ويشرح المادة بصوت ثابت ومنظم. 

وكأن القاعة كلها تسير وفق نظام لا يسمح بأي فوضى. 

وكأن الرجل الذي تركها غاضبة منذ دقائق ليس هو نفسه الأستاذ المسيطر أمامها الآن. 

رفع عاصم عينيه مع انفتاح الباب. 

توقفت نظراته عليها لثانية عابرة. 

لم يظهر عليه التعرف أو الدهشة. 

مجرد ملاحظة لطالبة دخلت متأخرة. 

ثم عاد مباشرة إلى شرحه. 

أما لينا فبقيت للحظات لا تستوعب ما يحدث. 

دارت الكلمات داخل رأسها في فوضى: 

"مش ممكن... ده طلع هو! يعني المغرور هو نفسه الجلاد؟! عندهم حق... اسم على مسمى فعلًا." 

"يعني من شوية يكسر موبايلي ويتعامل معايا بمنتهى البرود... ودلوقتي يطلع هو الدكتور؟!" 

حاولت أن تتمالك نفسها حتى لا تلفت الأنظار أكثر، ثم تحركت بخطوات هادئة نحو أحد المقاعد الخلفية، جلست لينا بجوار سارة ، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من النظر نحو المنصة بين الحين والآخر. 

كانت تحاول إقناع نفسها أن الأمر لا يعنيها، وأن وجوده أمامها مجرد صدفة مزعجة، لكن عقلها ظل يعود إلى نفس النقطة. 

كيف يمكن لشخص أن يتصرف بهذه القسوة في موقف، ثم يقف الآن أمام الجميع بهذا الهدوء والثبات؟ 

أما عاصم، فلم يبدُ عليه أي اهتمام بما يدور في رأسها. 

استمر في شرح المحاضرة بنفس النبرة الهادئة، منتقلًا بين النقاط المختلفة وكأنه لم يلاحظ دخولها من الأساس. 

وبعد عدة دقائق... 

انفتح باب المدرج مرة أخرى. 

دخلت سيلا الرشيد. 

كانت لينا تعرفها جيدًا؛ فهي واحدة من طالبات دفعتها، ولم تكن علاقتهما جيدة على الإطلاق. 

كانت سيلا من الشخصيات التي اعتادت لينا أن تجد معها نوعًا من المنافسة الدائمة، فهي مغرورة بطبعها، ولا تخفي أبدًا عدم ارتياحها تجاه لينا. 

دخلت سيلا بخطوات واثقة، متجاهلة نظرات بعض الطلاب إليها كعادتها، ثم رفعت عينيها نحو المنصة. 

وما إن رأت عاصم حتى تغيرت ملامحها قليلًا، وارتسمت ابتسامة واضحة على وجهها. 

ابتسامة لم تتوقع لينا أن تراها من شخص مثلها. 

توقف عاصم عن الشرح للحظة عندما وقعت عيناه عليها، ثم بادلها الابتسامة بهدوء، وسرعان ما عاد لجموده. 

كانت ابتسامة مختلفة تمامًا عن جموده المعتاد. 

راقبت لينا المشهد باستغراب. 

منذ دقائق فقط كان يتعامل معها بمنتهى البرود، والآن يبتسم بهذه الطريقة؟ 

شعرت بالضيق دون أن تفهم السبب. 

أنهت سيلا خطواتها واقتربت من أحد المقاعد، وقبل أن تجلس قال عاصم بنبرة حاسمة: 

"أتمنى تكون دي آخر مرة أشوف فيها حد داخل بعد بداية المحاضرة. من المحاضرة الجاية، أي طالب هيتأخر هيتحسب غياب، ومش هسمح لأي حد بالدخول بعد دخولي." 

جلست سيلا في مكانها، وعاد عاصم إلى الشرح. 

أما لينا... 

فظلت تنظر للحظة بينهما، ثم أشاحت بوجهها بضيق. 

لم تكن تعرف حقيقة العلاقة بينهما. 

لم تكن تعرف أن الشخص الذي أطلقت عليه في داخلها لقب "المغرور" ليس مجرد الدكتور الجديد... 

بل هو عاصم الرشيد نفسه. 

كل ما رأته فقط أن الرجل الذي عاملها بحدة منذ قليل، ابتسم لسيلا بطريقة لم ترها منه معها. 

فقالت في سرها بسخرية: 

"واضح إنها عجبته..." 

ثم حاولت العودة إلى المحاضرة، لكنها لم تستطع منع نفسها من التفكير في ذلك المغرور الذي ظهر فجأة في حياتها وقلب يومها رأسًا على عقب.. 
أنهى عاصم النقطة الأخيرة على الشاشة، ثم أغلق اللابتوب الخاص به، وألقى نظرة على الطلاب وقال: 

"قبل ما ننهي المحاضرة... في نقطة مهمة تخص مشروع المادة." 

انتبهت إليه الأنظار، فأكمل بنبرته الهادئة الحاسمة: 

"عارف إن الدكتور يحيى كان محدد لكم مشروع التقييم النهائي، وأنا اطلعت على المطلوب بالكامل." 

ساد الصمت داخل المدرج. 

"المشروع هيستمر زي ما هو من حيث الفكرة الأساسية، لكن هيكون فيه معايير تقييم مختلفة شوية. اللي يهمني مش كمية الشغل... اللي يهمني جودة الفكرة، ومدى قابليتها للتنفيذ، وقدرتكم على تقديم حملة احترافية متكاملة." 

تبادل الطلاب النظرات فيما بينهم، بينما تابع: 

"كل طالب مطلوب منه إعداد حملة إعلانية متكاملة لمنتج أو خدمة من اختياره. المطلوب مش مجرد تصميم إعلان... أنا عايز فكرة واضحة، ودراسة للسوق، وتحديد للجمهور المستهدف، وهوية بصرية، وخطة تسويقية، وآلية تنفيذ واقعية." 

ثم أشار بيده نحو الجهة الزجاجية المطلة على مبنى حاضنة كلية الإعلام، وقال: 

"أفضل المشروعات هيتم ترشيحها للتطوير داخل حاضنة كلية الإعلام تحت إشرافي المباشر." 

رفع أحد الطلاب يده مترددًا، وقال: 

"حضرتك... هو مش نظام الحاضنة إن التدريب في شركة الرشيد بيكون للطلبة بعد التخرج؟" 

أومأ عاصم برأسه في هدوء. 

"صحيح... وده كان النظام المتبع خلال السنوات اللي فاتت." 

ساد الصمت داخل المدرج، بينما تابع بنبرته الواثقة: 

"لكن من وجهة نظري، الموهبة لازم تكتشف بدري، مش بعد التخرج. الطالب كل ما احتك بسوق العمل، وهو لسه بيدرس، كانت فرصته أكبر إنه يطور نفسه ويكتشف نقاط قوته وضعفه." 

تبادلت الأنظار بين الطلاب باهتمام، فأكمل: 

"علشان كده، ومن السنة دي، هيكون فيه استثناء." 

توقفت الأقلام عن الكتابة، وترقب الجميع ما سيقوله. 

"أفضل خمسة مشروعات من الفرقة الثالثة هيتم اختيار أصحابها للانضمام إلى البرنامج التدريبي الصيفي داخل شركة الرشيد للدعاية والإعلان، تحت إشرافي المباشر، وده هيكون قبل بداية السنة الرابعة." 

ما إن أنهى جملته، حتى علت همهمات واضحة داخل القاعة. 

رفع أحد الطلاب حاجبيه بدهشة: 

"يعني حضرتك قصدك إننا ممكن نتدرب في شركة الرشيد وإحنا لسه في تالتة؟" 

أجابه عاصم بهدوء: 

"إذا أثبت مشروعك إنك تستحق الفرصة... أيوه." 

ابتسم الطالب بعدم تصديق، بينما تعالت الهمسات بين زملائه. 

"دي أول مرة تحصل." 

"فرصة عمر!" 

"واضح إن المنافسة السنة دي هتكون نار." 

تركهم عاصم يستوعبون الخبر للحظات، ثم قال بنبرته الحاسمة: 

"لكن أحب أوضح حاجة... التدريب مش جائزة، ولا هيكون بالمجاملة. اللي هينضم لفريق العمل في شركة الرشيد، لازم يثبت إنه يستحق مكانه." 

ثم أضاف: 

"لكن من دلوقتي اعتبروا إن المنافسة بدأت... وكل مشروع هيكون له نفس القدر من الاهتمام، من غير أي استثناءات." 

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تتحول الهمسات إلى إعجاب واضح. 

كانت بعض الطالبات يتهامسن فيما بينهن. 

قالت إحداهن: 

"هو أنا الوحيدة اللي شايفة إن الدكتور ده مختلف؟" 

ابتسمت صديقتها وهي تتابعه: 

"لا طبعًا... ده مش طبيعي. طريقته في الكلام، ثقته بنفسه... تحسي إن المكان كله تحت سيطرته." 

همست أخرى: 

"غير إنه وسيم جدًا... قليل لما تلاقي حد عنده الكاريزما دي." 

ضحكت صديقتها بخفوت: 

"واضح إن نص البنات نسوا المحاضرة وبقوا مركزين معاه." 

وصلت كلماتهن إلى مسامع لينا، فالتفتت إليهن بضيق، ثم عادت تنظر إلى عاصم. 

"وسيم؟! وكاريزما كمان؟!" 

قالتها داخلها بسخرية. 

"هو ده اللي شايفينه؟! ده نفس الشخص اللي كسر موبايلي ولا كأنه عمل حاجة!" 

حاولت أن تتجاهل الأمر، لكن انزعاجها ازداد مع كل كلمة إعجاب تسمعها. 

أما عاصم، فلم يهتم بكل تلك النظرات أو الهمسات، وظل محافظًا على هدوئه المعتاد. 

أغلق عاصم اللابتوب، ثم قال: 

"تفاصيل المشروع هتنزل على المنصة الإلكترونية آخر اليوم... ومن النهارده، كل خطوة هتتحسب." 

وقف مستعدًا للخروج وأضاف: 

"أتمنى أشوف أفكار تستحق الفرصة... بالتوفيق للجميع." 

ثم استدار بهدوء، وغادر المدرج وسط نظرات الإعجاب التي تبعته. 

أما لينا، فظلت تنظر إلى الباب الذي خرج منه للحظات، ثم قالت بغيظ مكتوم: 

"متعجرف... ومغرور!" 

انتبهت سارة إلى نظراتها، فمالت نحوها باستغراب: 

"مالك يا لينا؟ من ساعة ما دخلتي وإنتِ مش طبيعية." 

التفتت إليها لينا بسرعة: 

"أنا؟ لا، مفيش حاجة." 

نظرت إليها سارة بشك: 

"أمال كنتِ مركزة مع الدكتور كده ليه؟" 

أبعدت لينا نظرها عنها: 

"كنت بسمع الشرح بس." 

لم تقتنع سارة تمامًا، لكنها لم تضغط عليها. 

في تلك اللحظة، أخرجت لينا هاتفها المحطم من حقيبتها دون أن تشعر، وظلت تنظر إليه للحظات. 

لاحظت سارة ذلك وقالت: 

"هو إيه اللى دشدش تليفونك كده" 

انتبهت لينا إلى يدها، فسارعت بإخفاء ارتباكها. 

"ها؟ لا... أصله وقع مني الصبح،والخبطة كانت جامدة" 

رفعت سارة حاجبيها: 

"وقع؟! ده شكله اتهرس تحت قطر مش وقع." 

ابتسمت لينا محاولة إنهاء الحديث، ثم وقفت: 

"يلا نروح نشرب حاجة في الكافتيريا قبل المحاضرة اللي بعدها." 

حملت سارة حقيبتها وهي تبتسم: "يلا بينا" 
ــــــــــــ 
في كافتيريا الجامعة 
"كانت لينا تجلس مع سارة، بينما تعالت حولهما أصوات الطالبات، ولم يكن هناك حديث يشغل الجميع سوى الدكتور الجديد... "الجلاد". 

قالت إحدى الفتيات وهي تزفر بحالمية: 
- يا رب بس ما يكونش متجوز! 

ردت عليها أخرى بسرعة، وهي تضحك بثقة: 
- يا بنتي وحتى لو متجوز... أنا من أنصار التعدد عادي جدًا! 

انفجرت الطاولة كلها بالضحك، وتعالت التعليقات الساخرة والمزاح بين البنات، وكل واحدة تبالغ في وصف وسامته وهيبته. 

التفتت سارة إلى لينا وقالت بحماس: 
- شايفة يا لينا؟ كل البنات مبهورين بالدكتور الجديد! 

لكن لينا لم تُعلّق، ولم تبدُ حتى وكأنها سمعت ما قيل. 

ابتسمت سارة وهي تستعيد مشهدًا رأته قبل قليل، وقالت بإعجاب: 
- بصراحة عندهم حق... ده قمر، وعنده هيبة بطريقة مش طبيعية. كان حازم وصارم طول المحاضرة، بس أول ما شاف أخته ابتسم لها... ابتسامة خلت ملامحه كلها اتغيرت. حاسة إن ورا الجبروت ده كله حنية كبيرة أوي. 

ثم أسندت ظهرها إلى المقعد، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حالمة. 

أما لينا... 

فكانت بعيدة تمامًا عن كل ذلك. 

عيناها معلقتان في الفراغ، وملامحها شاردة، وكأن الضحكات والأحاديث الدائرة حولها لا تصل إليها من الأساس. 

لاحظت سارة شرودها، فلوّحت بيدها أمام وجهها، ثم طرقعت بأصابعها قائلة باستغراب: 

- إيه؟! رحتِ فين؟ 

انتفضت لينا كأنها عادت من مكان بعيد، ونظرت إليها بتشوش واضح. 

- كنتِ... بتقولي حاجة يا سارة؟ 

تنهدت سارة باستسلام وهي تهز رأسها: 
- لا، ده إنتِ مش معايا خالص النهارده! 

وفجأة، نهضت لينا من مكانها على عجل، وأخذت تجمع أغراضها داخل حقيبتها بسرعة أربكت سارة. 

عقدت سارة حاجبيها وقالت بدهشة: 
- إيه ده؟ رايحة فين؟! 

أغلقت لينا حقيبتها وهي تستعد للمغادرة، ثم قالت على عجل: 

- لازم أمشي دلوقتي. 

اتسعت عينا سارة بعدم تصديق. 

- تمشي؟! طب والمحاضرة؟ 

لم تتوقف لينا، واكتفت وهي تواصل سيرها: 

- ابقي انقلها منك... سلام. 
--------- 
وغادرت لينا الكافتيريا بخطوات سريعة، تاركةً سارة تتابعها بنظرات حائرة، لا تفهم ما الذي يشغل صديقتها إلى هذا الحد. 

بعد أن غادرت الجامعة، قادت سيارتها في صمتٍ تام. لم تنتبه للطريق الذي اعتادت أن تسلكه كل يوم، فقد كانت أفكارها تسبقها بمسافات. ولم تمضِ سوى نحو نصف ساعة حتى توقفت سيارتها أمام القصر. 

ترجلت منها بخطوات سريعة، ثم دخلت إلى الداخل واتجهت نحو الدرج مباشرة، وكأنها تريد الوصول إلى غرفتها بأسرع وقت ممكن. 

كانت الجدة تجلس في الصالون تحتسي فنجان قهوتها، وما إن وقعت عيناها على حفيدتها حتى نادتها بحنان: 

- لينا... يا حبيبتي. 

توقفت لينا والتفتت إليها. 

ابتسمت الجدة قائلة: 

- رجعتي بدري كده ليه يا قلب تيتا؟ 

اقتربت منها لينا وهي تحاول أن تبدو طبيعية، ثم قالت بابتسامة خافتة: 

- أيوه يا تيتا... أصل محضرتش المحاضرة التانية. 

تبدلت ملامح الجدة على الفور، ونهضت من مكانها وهي تنظر إليها بقلق. 

- ليه يا حبيبتي؟ مالك؟ إنتِ تعبانة؟ أكلم الدكتور يجي يطمن عليكِ؟ 

ابتسمت لينا بحنان، ثم احتضنت جدتها قائلة: 

- متخافيش يا أحلى تيتا في الدنيا... أنا كويسة، بس شوية إرهاق عشان منمتش كويس امبارح، وحسيت إني مش على بعضي شوية. 

ربتت الجدة على ظهرها بحنان، ثم أبعدتها قليلًا تتأمل وجهها. 

- متأكدة يا حبيبتي؟ 

أومأت لينا برأسها وهي تبتسم: 

- متأكدة... متقلقيش. 

تنهدت الجدة براحة، ثم مسحت على خدها بحنان. 

- خلاص يا حبيبتي... اطلعي ارتاحي. 

انحنت لينا وقبلت رأسها بابتسامة: 

- متشكرة يا أحلى تيتا في الدنيا. 

ثم اتجهت نحو السلم، وقبل أن تصعد التفتت إليها قائلة: 

- تيتا... محدش يصحيني، حتى على الغدا. أنا لما أصحى هبقى آكل. 

ابتسمت الجدة وهزت رأسها: 

- حاضر يا قلب تيتا... ارتاحي. 

ابتسمت لينا ابتسامة صغيرة، ثم صعدت إلى غرفتها، بينما تابعتها الجدة بنظرات قلقة، فقد شعرت أن حفيدتها تخفي خلف هدوئها شيئًا لم ترغب في الحديث عنه.

دخلت لينا غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

اتجهت إلى الحمام، وأخذت دشًا دافئًا، محاولة أن تترك خلفها إرهاق اليوم وكل ما حمله من توتر ومواقف مزعجة.

بعد وقت قصير، خرجت وهي ترتدي منامة مريحة، ثم جلست على طرف فراشها في هدوء.

ساد الصمت الغرفة، لكن أفكارها لم تهدأ.

رغم محاولتها تجاهل الأمر، عادت صورة عاصم إلى ذهنها من جديد... طريقته الباردة، نبرته الواثقة، ونظراته التي لم تحمل أي اهتمام عندما دخلت المدرج.

تنهدت بضيق، ثم مدت يدها وأمسكت هاتفها.

ظلت تنظر إليه للحظات، وقد ظهرت على ملامحها لمحة حزن وهي تتذكر ما حدث.

همست بصوت خافت:

- حسبي الله ونعم الوكيل...

وضعت الهاتف بجوارها، ثم تمددت على فراشها وسحبت الغطاء فوقها.

وما هي إلا دقائق حتى استسلمت للنوم، بعدما أثقل الإرهاق جسدها وعقلها.
---------
خرج عاصم من المدرج بخطوات ثابتة، متجهًا مباشرة إلى مبنى حاضنة كلية الإعلام.

وما إن دلف إلى الداخل، حتى ألقى نظرة سريعة على المكان؛ 
راقب مجموعات الطلاب المنهمكة في مناقشة أفكار مشروعاتها، وبعضهم يعمل أمام أجهزة الحاسوب، بينما كان آخرون يعرضون نماذجهم الأولية على المشرفين.

لم يطل وقوفه، فاتجه مباشرة إلى مكتب شريف.

نهض شريف فور أن رآه، وقال باحترام:

- أهلًا يا دكتور عاصم.

أومأ عاصم برأسه، ثم قال بنبرته الهادئة الحاسمة:

- من السنة دي، بعد انتهاء تقييم مشروعات الفرقة الثالثة، اختاروا أفضل عشرة مشروعات وابعتوهم على مكتبي في شركة الرشيد.

أجاب شريف على الفور:

- حاضر يا دكتور.

أكمل عاصم:

- أنا هراجعهم بنفسي، ومنهم هختار أفضل خمسة فقط.

ثم أردف وهو ينظر إليه بثبات:

- أصحاب المشروعات الخمسة دول هينضموا لبرنامج التدريب الصيفي في شركة الرشيد... ومش عايز أي مجاملات. الاختيار هيكون على أساس الكفاءة وبس.

هز شريف رأسه باحترام:

- تمام يا دكتور... هبلغ فريق التقييم بكل التعليمات.

اكتفى عاصم بإيماءة خفيفة، ثم استدار وغادر الحاضنة.

خرج إلى ساحة الجامعة، واتجه نحو سيارته السوداء التي كانت تنتظره، ثم استقلها استعدادًا للتوجه إلى مقر شركة الرشيد لاستكمال يوم عمله.

وما إن أغلق باب السيارة، حتى دوّى رنين هاتفه.

ألقى نظرة سريعة على الشاشة...

مراد.

بمجرد أن فتح الخط، أتاه صوت مراد، يحمل اضطرابًا لم يعتد سماعه منه:

- الحق يا عاصم...

تعليقات



<>