
رواية وما للهوى من سلطان الجزء الثالث فراشة في سك العقرب السابع والثلاثون37الاخير بقلم ناهد خالد
الحياة ليست عادلة ابدًا, تعطينا شيء لتأخذ منا آخر, تغلق بابًا للوجع لتفتح آخر أشد وجعًا, حين تعتقد انها استقامت تتفاجأ بها تنحرف مرة أخرى لتُريك مُر متاعبها, وفي كتاب "فن اللامبالاة" ذكر الكاتب أن الحياة بلا صِعاب تجعلك تبحث عنها بنفسك, فتضع لنفسك مشاكل تافهة لكنها تؤرق نومك, تختلق احزانك بيدك لتُرضي مشاعرك السلبية بداخلك, وكأن الانسان حقًا لا يمكنه أن يعيش دون متاعب!
حتى أنه ذكر أسطورة عن أمير مدلل كان يعيش في كنف أبيه الملك الذي تعاهد بألا يشقى ولده ابدًا, وفعل له كل ما يمكن فعله ليكن مرفهًا ومدللاً ومنعمًا, وقد كان.. حتى أن جميع افراد البلدة كانوا يحسدونه على فرط راحته ولكن عقله لم يرتاح ابدًا, فوسوس له برؤية كيف يعيش الناس؟ فتسلل من القصر ليلاً دون علم أبيه الذي كان يمنع عنه الخروج من باب قصره حتى.. ورأى كيف يعيش الناس, وحينها كان أول مرة يعلم ما معنى المرض والفقر والجوع والتعب والمعاناة!
وعقله لم يتوقف هنا.. بل راح ينقم فعلة أبيه, بأنه حرمه من العيش كباقي الناس! حرمه من الشعور بما يشعرون بهِ, ووضعه في قفص من حرير حتى أصابه الملل وشعر بأن حياته بلا فائدة, وبعد رؤيته للعالم الخارجي بيومين, قرر أن يهرب ويعيش كما يعيش البقية, وفعل... وبقى سنوات بعيدًا عن الدلال والرفاهية التي نقمها, حتى... أدرك بعد سنوات من الفقر والجوع والتعب أنه كان مخطئًا من البداية وأنه قد ألقى بنفسه في فوهة البركان...
لكنه العقل! الذي صور له بأن حياته المرفهة مملة وكئيبة!
وصور له أن العيش كباقي الناس سيجلب له الراحة!
وهذا من منطلق أن العقل لا يتقبل أن يعيش دون صِعاب!
وهل هذه حقيقة بالفعل؟ أم أن الكاتب والأسطورة مبالغين!"
عشرون عامًا مروا...
وما تغير كثير..
عن حياة "شاهين وفيروز"
الآن "تيم" بعمر الثامنة والعشرين, تخرج من كلية الهندسة قسم الميكانيكا, وكان مكانه محفوظ في شركة العقرب لتجميع السيارات!
و "ريان" الابن البِكر لشاهين, الآن يتم عامه العشرين, بكلية الشرطة, وقد كانت رغبته البحتة دون تدخل من أحد... أو هكذا هو الظاهر, أما في باطن الأمر فكان هناك من حَمسه منذُ صغره للمجال وهو أقرب شخص له, ألا وهو "عمران"...
"ريان" الذي أخذ ملامح فيروز ولون بشرتها وشعرها, لكن عينان والده بلونهما المميز المُحير, المائلان للخضرة, وطوله وقوة بنيانه الذي يعززه بتدريباته المستمرة.
شخصيته ثائرة, متمرد بشكل فج, وأمام عِناده وغضبه يقف الجميع مكتوفي الأيدي, منذُ صغره وهو مصدر تعب شاهين وفيروز, ومصدر الخلافات التي تحدث في المنزل, وعلاقته ب تيم معقدة وسيئة بشكل صعب.
وأنجبت ابنتها "روز" والذي أصر والدها على تسميتها بهذا الاسم مقتبس من الاسم الذي يطلقه على والدتها "روزا"..
في عامها الثامن عشر, انتهت من مرحلة الثانوية العامة بنتيجة مبهرة, وتستعد لدلوف كلية الألسن لتنضم لشركة والدها التي تحتاج مترجمين بصفة مستمرة لصفقاتهم في الخارج, أخذت ملامح والدها بلون بشرته ولون شعره وملامح وجهه, لكنها خالفته في العينين لتكن عينيها بنية فاتحة كلون العسل الصافي.
تتميز بالهدوء, وحسن التصرف, ومحاولة تجنب الخلافات والمشاكل, وجل ما تتمناه أن تنجح في حياتها وتعيش حياة هادئة مستقرة مع عائلاتها.
والابن الأخير كان "عمران", صاحب الخامسة عشر, والذي كان نسخة مصغرة من "شاهين" بكل تفاصيله, وبالتالي من عمران! قدومه لم يكن بالحسبان, فكانت قد قررت فيروز بعد "روز" ألا تخوض تجربة الحمل مرة أخرى, ولكن حملها في عمران كان مخالف لرغبتها, ومفاجأ لها رغم كل الاحتياطات التي اخذتها, وتحمد ربها أنه أتى... فهو أقرب أولادها إليها, واكثرهم حكمة وتعقل رغم صغر سنه.
وعن "مازن وليلى"
انجبت ليلى ابنها الأكبر "شاهين" والذي اتفقا على تسميته فور معرفتهم أنه صبي, والذي يواكب "ريان" في السن بفرق أشهر بسيطة بينهم, لكنه في كلية حاسبات ومعلومات, تجمعه بريان صداقة قوية, ومع ذلك يجد صديقة صعب المراس في أي شيء يريد إقناعه بهِ...
ورث الكثير من ملامح مازن باختلاف طوله فبدى أطول بفرق واضح, ولون بشرته المائلة للبياض أكثر كعمه..
والابنة الصغرى.. "ريما".. صاحبة السابعة عشر عامًا..
والتي تشبه والدتها لحد كبير, في مرحلتها الثانوية, وسرًا يميل قلبها ل "ريان" لكن من الواضح أنه لا يلتفت لها اصلاً, ولكنها تسعى جاهدة للفت نظره لها.
وعن "مجد وأمل"
انجبت فتاة في عامها التاسع عشر, بكلية طب الأسنان, جميلة الملامح والطِباع, تشبه والدتها لحد كبير.. أسمتها "لؤلؤ" وكم تنقم الفتاة الاسم!
وصبي في الثانية عشر من عمره الآن, وقد أسموه "مصطفى"...
وعن "مختار" فقد أخذ حكم مؤبد منذُ سنوات, حتى توفى في السجن منذُ أربع أعوام بعد قضاء ستة عشر عامًا في السجن.
و"المنشاوي" قد توفى منذُ خمس سنوات بعدما أصابه المرض لفترة طويلة.. وقبل وفاة مختار بعام واحد.
و "عمران" مازال مجهول الهوية للجميع, لكن معروف لأفراد عائلته فقط, توقف عن العمل مع المنظمة بعد أن بلغ عامه الثمانين, وخرج من بينهما على قيد العمل إن احتاجوه في أي وقت, وعلى قيد التصفية إن مثل أي خطر عليهم.
-------------
فيلا شاهين المنشاوي...
ركضت فوق درجات السلم الداخلي تصعد لأعلى بسرعة تحاول اللحاق قبل أن يتأزم الموقف أكثر, حتى وصلت للغرفة المنشودة ففتحتها دون أذن ليلتفت الواقف بمنتصفها بصدمة من اقتحام غرفته بينما يقول بغضب:
-انا كام مرة قولتلك خبطي قبل ما تدخلي!
التقطت أنفاسها بالكاد وعينيها الدامعة أقلقته بينما تقول:
-الحق بابي وريان بيتخانقوا..
اتجه سريعًا لباب غرفته وهو يغمغم بنزق:
-يادي اليوم اللي مش فايت... انا قولت مش هتدخل بينهم تاني, دايمًا بخرج بإصابات.
اتبعته سريعًا وهي تردد بخوف حقيقي:
-معلش يا تيم محدش غيرك يقدر يقف بينهم.
نزل درجات السلم وهو يقول بضيق:
-يلا اهو اخري اخد قلم كده ولا بوكس كده..
رددت "روز" بحمق:
-ان شاء الله المرادي تبقى شتيمة بس.
التفت لها بضجر يردد:
-تعرفي تسكتي!
وصل لساحة المعركة, فوجد الجميع متأهب.. وصوت "شاهين" يعلو في غضب..
-إن كنت زي الجحش كده ومش عارف تكلم اهلك ازاي ولا تتعامل معاهم, انا بقى هعلمك وهربيك من اول وجديد.
لم يتراجع "ريان" ولم يخشى غضب والده وهو يرد بملامحه الغاضبة كالذي أمامه:
-انا مش صغير عشان حد يعلمني أتكلم ازاي.. ولو وجودي مضايقكم اوي كده قولت قبل كده اروح أعيش مع جدي وانتوا مش موافقين.
تعصب "شاهين" أكثر وهو يقول:
-ده لما تشوف حلمة ودنك.. عاوز تعيش معاه عشان تصيع على مزاجك, متلاقيش ليك حاكم, وعارف انه مبيحبش يزعلك وبيعاملك كأنك نوغة لسه.. وانا مش هناولك اللي في بالك وطلوع من البيت ده مش هيكون غير وانتَ مي...
-شاهين!
قالتها "فيروز" دامعة وهي تطالعه بعتاب بالغ وأردفت:
-متكملش.. وكفاية بقى.
-بتقولي لمين كفاية؟ ليا؟ ما تقولي للبيه يلم نفسه ويكبر بقى.
خرج "ريان" عن صمته يجيب ببرود:
-انا كبير, مش مشكلتي انك مش شايف ده.
-شوفتي قلة أدبه!
قالها "شاهين" بانفعال وهو يأخذ خطواته ليقترب من الأخير مما وتر الجميع, وجعل "تيم" يندفع يقف أمامه يهدئه:
-اهدى بس يا بابا, ريان ميقصدش.
لم يكن عليهِ التدخل ابدًا, ففي كل مرة يتدخل فيها تيم في الأمر ينفعل "ريان" أكثر ويعميه غضبه فيجعله يطيح كالتور دون رجعة..
-لا اقصد..
قالها "ريان" بتبجح, وأكمل بعصبية بالغة:
-وبعدين واحد وابنه بيتخانقوا ايه دخلك انتَ؟
ردت "روز" بضيق من جملته:
-يعني إيه إيه اللي دخله؟ انا اللي طلعت ندهته, تيم اخونا الكبير مش غريب, ولما تحصل مشكلة في البيت هو أول واحد لازم يكون موجود.
نظر لها "ريان" بغيظ وغضب:
-كبيرك انتِ مش كبيري, لكن مش اخويا ولا اخوكِ.. ولا له يتدخل, ولا عارف هو بيعمل إيه هنا اصلاً...
وكانت المرة الأولي التي يطيح فيها "ريان" بهذا الشكل, دومًا يرمي بحديث يثير ضيق الجميع عن "تيم" ولكنه كان أقل حدة وصراحة! هذه المرة كان حديثه جارح وصريح وغير مراعي لأي شيء.
-لم نفسك يا ريان.. ايه الهبل اللي بتقوله ده؟
صرخت بها "فيروز" ولأول مرة تنفعل وتغضب من أول المشاجرة, ووقفت أمامه بوجه يشتعل لا تقبل كلمة زائدة من الحمق الذي يتفوه بهِ...
نظر لها "ريان" بإصرار على موقفه وهو يقول:
-ليه يا ماما؟ هبل ليه؟ انا بقول حاجة غلط! هو مش تيم حياله ابن بنت عم ابويا! يا ترى ده يديله حق يعيش في بيتنا؟ يديله حق يدخل في حياتنا ويحل مشاكلنا؟ يديله حق يبقى كبيرنا زي ما بنتك بتقول؟
أجابته "فيروز" بحدة وهي ترفع سبابتها في وجهه:
-تيم ابني.. انا اللي ربيته وكبرته, وجوده هنا مش عشان هو ابن شدوى لأ, وجوده هنا عشان هو ابننا.. عيالنا مش بس اللي بنحمل فيهم ونولدهم.. لكن اللي بنربيهم ونكبرهم ونحبهم, ومن وانتم صغيرين وانا قولتلكم تيم اخوكم الكبير.. تيم مكانه هنا ووسطنا, وكل مرة قرر فيها يبعد كنت بقفله وبرفض.. تيجي انتَ دلوقتي وتهلفت بكلام ملوش لازمة زي ده؟
نصب "ريان" قامته وهو يواجه الجميع بحقيقة صادمة يعلنها لأول مرة:
-مع احترامي لكل اللي بتقوليه, بس احنا لينا حق نقبل أو نرفض.. وانا مش قابل.
-مش قابل إيه؟
سألته بشك, ليكمل بجرأة لا يهتم بوجود تيم بينهم:
-مش قابل انه اخويا.. مش قابل يعيش معانا, ولا يكون فرد مننا, ولا ياخد امتيازات من حقي انا سواء في البيت او عندك انتِ وبابا, تيم بالنسبالي قريب بابا, احترمه واقدره من بعيد.. لكن الوضع اللي احنا فيه ده مش قابله.
كل ما تفوه بهِ "شاهين" وهو ينظر ل "فيروز" كان:
-انا ساكت اهو.. شوفي انتِ بقى تربية ابنك اللي بتدافعي عنه.
الكلمات لو تقتل فهي قتلت "تيم" الآن, الذي شعر بسِهام نافذة تُسدد باحترافية لصدره, كان موقفه صعب وهو يقف بينهم ويسمع مثل هذه الكلمات, ويلمس كره ريان له لهذه الدرجة, اغمض عينيهِ لبرهة يحاول التماسك وطرد مشاعره السيئة جانبًا, وبعدها كان لابد أن ينطق لا ينبغي أن يقف صامتًا والحديث يدور حوله:
-ريان معاه حق يا بابا, انا مكاني مش هنا, وقولت ده لحضرتك من زمان وانتَ صممت ابقى هنا, عمومًا انا كنت ناوي من فترة إني...
قاطعه "شاهين" بكلمة واحدة احترمها "تيم" والتزم الصمت:
-اسكت انتَ.
نظرت "فيروز" ل "ريان" تسأله بخيبة أمل:
-من امتى وانتم اتربيتوا على الكره ده! احنا طول الوقت بنحاول نقرب بينكم, وطول الوقت بنقول انكم اخوات, ليه كلامك ده؟
رد "ريان" ببرود:
-عادي.. انا مقولتش اني بكرهه, بس انا بحب كل شيء يكون في مكانه, واللي بقوله ميزعلش حد...
التفت ل "شاهين" يوجه حديثه له بجدية صارمة:
-قولي يا بابا, هو طبيعي تيم يفضل في البيت وروز بقت عروسة! قولي ايه المانع الشرعي بينهم عشان يقعدوا تحت سقف واحد؟ والناس كلها بره عارفه ان تيم مش اخوها!
وحديثه في هذه النقطة تحديدًا كان صوابًا, لكن تعنت "شاهين" وهو يرد:
-احنا عارفين ولادنا على إيه ميهمناش كلام حد, وبعدين متتحججش, دي مش مشكلتك أصلا, انتَ بتحاول توصل للي في دماغك بطرق تانية, انا فاهم كويس طريقتك.
لم يصمت "تيم" هذه المرة وهو يقول:
-بس ريان معاه حق فعلاً, وانا قولت لحضرتك ده من خمس سنين, حتى لو احنا واثقين من نفسنا بس الحدود حدود, ووجودي في البيت هنا مع وجود روز غلط.
تدخلت "فيروز" تقول بغضب قلما يظهر عليها:
-اصبر بس يا تيم دلوقتي ده مش موضوعنا,
نظرت ل "ريان" تسأله بصرامة:
-انتَ عاوز ايه بالضبط؟ وأخرة طريقتك معانا دي إيه؟ مش ملاحظ ان مبقاش في مشاكل بتحصل في البيت ده غير وانتَ طرف فيها؟!
حدقها بنظرات غامضة قبل أن يبتسم ابتسامة طفيفة وهو يردد:
-معاكِ حق انا سبب كل المشاكل اللي بتحصلكم.
وانسحب بعدها متجهًا للخارج وما إن نوت "فيروز" اللحاق بهِ حتى دخل "عمران" يقول:
-سبيه يا ماما.. مفيش داعي لكلام تاني دلوقتي.
-انا رايح الشركة, بعد اذنكم.
قالها "تيم" وما كاد ينسحب هو الآخر حتى اوقفته "فيروز" تقول:
-استنى يا تيم..
اقتربت منه ووقفت امامه تمسك كفيهِ بحنو أمومي تشعر بهِ بصدق معه:
-متزعلش من ريان, انتَ عارف انه من زمان عنيد ومغلبنا, سيبك من كل الهبل اللي قاله ده انتَ عارف غلاوتك عندنا ايه مش كده؟
اومأ برأسه مبتسمًا بهدوئه المعتاد:
-كده يا ماما, انا بس مش عايز أكون سبب مشاكل بينكم, وفي نقطة وجودي في البيت دي ريان معاه حق.
كوبت وجهه بكفيها وهي تقول بحب:
-انتَ عمرك ما تكون سبب مشكلة, انتَ دايمًا العاقل المحترم الوحيد في البيت ده...
-تسلمي يا ست الكل.
قالها "عمران" بمرح يحاول تخفيف حدة الموقف, فأكملت هي بابتسامة:
-ايوه انا بتكلم بجد, محدش مريحني قد تيم, كلكم تاعبين قلبي إلا حبيبي ده اللي يتحط على الجرح يطيب.
ضحك "تيم" بخفوت يهمس لها:
-طب كفاية بقى لاتحسد منك وتلاقيني قلبت على ريان.
تدخلت "روز" وهي تقول:
-لو مفيهاش تعب تاخدني معاك يا تيم في طريقك.
خرج "شاهين" عن صمته يردد باقتضاب:
-عربيتك هتوصل من التوكيل بكره.
اقتربت منه ترتفع بقامتها لتقبل وجنته بحب مرددة:
-حبيب قلبي يا عقرب...
نهرتها "فيروز" تقول:
-انا كام مرة قولت بلاش عقرب دي!
اتجهت "لتيم" وهي تقول ببرود:
-وانا مالي هو اللي مسمي الشركة كده... السوق كله عارفه بالعقرب كلمتي انا هتغير الكون!
دفعها "تيم" بخفة وهو يقول:
-قدامي يا طويلة اللسان.. لو تركزي في كليتك زي ما بتركزي في الردود كده كان زمانك الاولي على الدفعة.
وخرجا معًا وسط مشاكستهما المعتادة, بينما قال "عمران" سريعًا:
-يدوب الحق شاهين يذاكرلي قبل ما يروح الكلية.
واندفع للأعلى ليأتي بكتبه ثم يتجه ل "شاهين" ابن عمه ليذاكر معه بعض الدروس.
قطبت حاجبيها باستغراب حين وجدت "شاهين" ينأى بنفسه بعيدًا دون كلمة أو نظرة لها, فاتبعته حتى غرفة مكتبه وهي تناديه:
-شاهين!
جلس على كرسيه ينظر لها في صمت فسألته مقتربة:
-مالك؟
-مفيش.
-مفيش ازاي بس انتَ زعلت مني في حاجة؟ مانتَ شوفت مسكتش لريان على اللي قاله, و...
ابعد نظره عنها وهو يسألها بخفوت:
-احنا قصرنا معاه في إيه عشان يطلع كده؟ ليه اناني ومش شايف غير نفسه ومتمرد دايمًا!
اوجعها سؤاله الذي ينم عن وجع بداخله من شخصية ولده, فاقتربت تحتضن كتفيهِ لها وهي تقول بينما تميل على ظهره قليلاً:
-مقصرناش, بس هي الدنيا كده.. مش هتاخد منها مال وبنون.. ولا هتاخد كل البنون كويسين ومريحين, لازم يبقى فيه مصدر شقاء.. وللأسف ريان مصدر شقائنا ومحتاج مجهود عشان نتعامل معاه..
تنهد وهو يخبرها عما يختلج صدره:
-كان نفسي ابني الكبير يكون قريب ليا, سندى وضهري, واطمن على اخواته معاه.
واسته وهي تقول:
-حبيبي ريان مش وحش, هو بس طايش, ومشاعره سيقاه, لكنه مش وحش..
هز رأسه نافيًا وهو يخبرها بوجع:
-مبشوفش في عينه نظرة حب لينا, ومبشوفش منه حنية علينا, فاكره يوم ما عمران وقع من البلكونه من 4 سنين, فاكره يومها لما كان مع بابا في دهب وبابا لما عرف حب يرجع عشان يطمن على عمران وهو يقوله هنرجع نعمل إيه لسه الاجازة اللي وعدتني بيها مخلصتش! مخافش على اخوه ولا اهتم بيه, كان اهم حاجه عنده نفسه وبس! امتى وقف جنبنا؟ امتى حسيتِ انه ابنك ومن العيلة؟
نزلت دموعها بعجز وهي لا تجد جوابًا, وما إن شعر بدموعها تبلل كتفه حتى جذبها لتجلس فوق فخذيهِ ومسح دموعها وهو يحدثها معتذرًا:
-أنا اسف.. مش قصدي اضايقك انا بس بفضفض معاكِ باللي جوايا.
عبرت عن خوفها وهي تنخرط في البكاء:
-انا خايفة... خايفة كل ما ريان يكبر يبعد عننا اكتر ويقسى علينا, احنا معملناش له حاجه تستاهل يبني بينا حواجز كده, تفتكر حبنا لتيم هو السبب؟
هو لا يحب أبدًا رؤيتها تبكي لأي سببًا كان, لذا احتضن وجهها وهو يتجاهل حديثها:
-انا مبحبش اشوفك كده! يخرببيت ريان ليخربيت ابوه المهم انتِ متزعليش.
ضحكت بخفة وهي تقول بينما تصدمه في صدره:
-ملكش دعوة بابوه, ده حبيبي ده محبش حد يغلط فيه.
سألها بجهل مصطنع:
-بجد حبيبك؟!
اومأت بقوة مبتسمة:
-حبيبي ودنيتي كلها, هو في حاجه مصبراني على الدنيا دي غيرك!
ابتسم لها ابتسامته الساحرة وهو يقول:
-وانا قصاد عينيكِ الحلوين دول بنسى هموم الدنيا واللي فيها.
اقتربت أكثر تحتضنه بقوة تطمئن نفسها بوجوده, ليبادلها الاحتضان مغمض عينيهِ براحة لا يصل لها سوى بين أحضانها, وهمس من بين مشاعره:
-هحبك اكتر من كده إيه بس! للمرة المليون بشكر مازن إن غبائه كان سبب وجودك في حياتي.
شعر بابتسامتها وقد ضمت نفسها له أكثر, فابتسم بالمثل وهو في هذه اللحظة لا يريد من الدنيا شيء آخر..
---------------
عدة مشاهد متفرقة....
كانت عينيها تُزين بالقلوب وهي تنظر له بينما يقف أمامها مبتسمًا:
-لو احتاجتي حاجه او حد ضايقك عرفيني بس..
ابتسمت بمشاعرها المراهقة الجياشة:
-تسلم يا ريان, اكيد يعني هبلغك..
-ليه وانا روحت فين يا روح امك!
تأففت على صوت "شاهين" الذي صدر من خلفها, لترد بضجر:
-يووه, انتَ بتطلع امتى! وبعدين ايه رأيك لو قولت لمامي؟
-امشي يا بت!
نظرت ل "ريان" قبل أن تنسحب وقالت مبتسمة:
-هنستناك يوم الجمعة بابي قالك هتتغدى معانا صح؟
اومأ برأسه بهدوء:
-ايوه..
دلفت للداخل وقلبها يرفرف من رؤيته منذُ علمت بقدومه لشقيقها وقد انتظرته على أحر من الجمر حتى تراه وتتحدث معه كلمتين فقط وهذا بطبيعة الحال يكفيها..
-اتخانقت مع اهلك تاني؟ العقرب هينفخك يا ريان متختبرش صبره عليك.
اشاح بيده بلامبالاة وهو يقول ساخرًا:
-عنده ابنه كافيه عن الدنيا باللي فيها, مش مركز معايا اصلاً.. انا بس مستني اتخرج من الكلية واخد خدمتي في سينا وابعد عنهم خالص
لم يبدو أن "شاهين" يوافقه الحديث, لكن قبل أن يعلق أتى صوت من خلفهما يقول:
-بلاش تسوق فيها, هم كانوا بيكهربوك وانتَ صغير! وبعدين حاطت تيم في راسك ليه, كده عمرك ما هترتاح.
التفت يصافحه ثم قال:
-والله يا إياد باشا مش انا اللي حاطط تيم في راسي, هو اللي مقتحم حياتنا.
"لو حد ناسي إياد ابن ليلى وشاهين و ريما ولاد مازن يبقوا اخواته من الأم"
غمز له "إياد" بتوعد:
-خد بالك على ما تتخرج هكون انا سابقك برتبة, ولو طلبت نقلك سينا هقفلك فيها واخلي خدمتك في القاهرة إيه رأيك! هتوسطلك يا عم.
صفق "شاهين" بحماس:
-الله عليك يا اخويا يا فِخم, اهو ده الكلام عايزك تطلع عينه وتوصي عليه جامد يمكن حد يعدله فيوزات مخه شويه, وابقى استعين باللواء مازن وهو هيشده اصل بابا بيحبه اوي.
طالعهما "ريان" بنفور قبل أن يتحرك غاضبًا, فركض خلفه "شاهين" ضاحكًا وهو يناديهِ كي يوقفه..
-ولااا يا ريان.. استنى يلا متبقش قماص, اول مرة اشوف ضابط قموصة!
--------------------
-يا بابا لو سمحت لو جالك بلاش الطبطبة بتاعتك دي الواد ده لجامه فك ولازم يتشدله من جديد.
قالها "شاهين" عبر الهاتف وهو يتحدث مع "عمران" بينما يلف بكرسي مكتبه بغضب, ليسمع صوت الأخير:
-اهدى بس وقولي انتِ دلوقتي متعصب عشان إيه؟ عشان خناقتكوا؟ ولا كلامه عن تيم؟
سأله مستنكرًا:
-هتفرق؟! الاتنين بيدلوا على حاجه واحده انه مش متربي..
عقب "عمران" بهدوء:
-مينفعش تقول كده, انتَ كده بتذم في نفسك مش فيه.
زفر بضجر وهو يقول:
-هو ده المهم يعني! طيب انا فشلت في تربيته, وعايز اربيه من أول وجديد ممكن تسمع كلامي ولو جالك متبيتهوش عندك!
-انا عمري ما اطرد حفيدي يا شاهين انتَ اتجننت! يعني لو قالي ابات عندك يا جدو أقوله لأ؟
أردف "شاهين" بتعصب:
-قوله الف لأ! مهو انا كده مش هيبقى ليا كلمة عليه.
-شاهين نهايته, انا مش هزعل ريان.. اه غِلط بس انا عمري ما ازعله ولا اقبل حد يزعله او يقول عنه كلمة وحشه, وان كان على اللي عمله انا هتكلم معاه, انا مقبلش يتكلم بأسلوب غير لائق معاك, ولا اقبل يقول اللي قاله عن تيم, الشهادة لله الواد محترم وطيب وانا بحبه, ومش هسيب ريان يطيح فيه كده.
ضغط "شاهين" على نواجذه بغضب وهو يقول:
-اممم, هتكلمه! زي كل مرة يعني, وهيستعطفك بكلمتين يحسسك اننا بنطفي السجاير تحت باطه.. وانتَ هيصعب عليك وتيجي تقولي احتوي ابنك يا شاهين! الواد ناقص حنان!
على الجهة الأخرى ابتسم "عمران" ببرود وهو يقول:
-اسم الله عليك شاطر يا حبيب ابوك, هو ده تمام اللي هيحصل, يبقى سيب ابنك عندي براحته ولما يرجعلك ابقى كشمله زي ما تحب!
-على فكره الواد ده اتفرعن من يوم ما دخل كلية الشرطة, فاكر نفسه هيطلع وزير داخلية بروح أهله!
-ما يتفرعن يا حبيبي! وفيها إيه يعني! اومال انا جايب واسطة ودافع دم قلبي عشان ايه! ده سجل عيليتنا المشرف ماكنش يعديه من قدام باب الكلية.
عقب "شاهين" بغيظ:
-جايب وسطه عشان انتَ اللي شبطه من صغره ورسمتله صورة الضابط المغوار.
ضحك "عمران" يقول بوعد:
- وهيلم كل الأشرار.. انا مستنيه بس يتخرج وهخليه يبقى تحت ايد واحد هيطلعه ضابط كُفء الكل يعمله الف حساب.
-------------------
-ياه يا ماما كل دي فيلا؟
قالتها "لؤلؤ" وهي تدلف مع "أمل" لفيلا المنشاوي, فنهرتها أمل تقول:
-بس يا بت.. قولي بسم الله ما شاء الله وإلا مش هجيبك معايا تاني.
تمتمت بِمَ قالته والدتها وهي تسير تلتفت حولها كالتائه, حتى أنها لم تنتبه لطريق سير والدتها, فنظرت أمامها فجأة ولم تجدها, وقفت محلها تردد بحيرة:
-ودي راحت فين دي؟ إيه مغارة علي بابا دي يا ولاد!
-وانتِ ايه دخلك المغارة؟
انتفضت على الصوت الذي صدر من خلفها, فاتسعت عينيها وهي تبصر شابًا مثال للوسامة والجاذبية, وعينيهِ الخضراء حكاية أخرى.. فُغر فاهها وهي تقف صامتة كتمثال الشمع, حتى ابتسم على مظهرها, فرددت كالبلهاء:
-بتبتسم كمان!
وهل كان ينقصها ابتسامته!
هز رأسه يائسًا من تبلدها أمامه وسألها:
-انتِ تايهه طيب ولا إيه؟
نفضت رأسها من حالة الوله التي انتابتها وبعدت نظرها عنه تجيب في توتر بالغ:
-انا.. كنت مع ماما.. مش عارفة راحت فين.
-مين ماما؟
-أمل.
علم أنها ابنة صديقة والدته فأشار لها على باب يقول:
-هي أكيد دخلت من هنا..
وقبل أن تنظر كان يأتي صوت والدتها يقول:
-بت يا لؤلؤ انتِ روحتي فين؟
ضغطت على اسنانها بغيظ كادت تدميهم:
-لازم تقولي اسم الرقاصين ده.. الله يسامحك ضيعتي البرستيج.
ضحك بخفة بعدما سمع حديثها وقال مشاكسًا:
-بالعكس ده حلو جدًا, هو حد يطول اللؤلؤ!
-الله! تيم ازيك يا حبيبي!
نظر ل "أمل" مبتسمًا:
-ازيك يا طنط, وحشاني...
و "لؤلؤ" حُبست هناك في جملته "هو حد يطول اللؤلؤ!"...
------------------
-بطل ترخم عليا بقى!
قالتها "نورهان" بضجر وهي تبتعد عن "عمران" للمرة التي لا تعلم عددها, واخيرًا حذرته:
-لو مبعدتش هقول لأنكل شاهين.
-يا بت هو انا بتحرش بيكِ! ده ايه الهم ده؟ انا بس عايز اطمن عليكِ.
-يا عم انا كويسة.
طالعه باشمئزاز:
-يا عم! انتِ يا به سرساجية! في بنت رقيقة تقول يا عم!
-عمران انتَ عايز إيه؟
طالعها بنظرة دونية ومن ثم قال:
-هعوز منك إيه بلا نيلة, انا غلطان اني بطمن عليكِ, وانتِ شبه السحلية كده.
وانسحب تاركًا إياها تقف خلفه بغضب يتصاعد بعينيها, وهي تغمغم:
-ماشي يا عمران.. انا هعرفك مين السحلية.
"نورهان" الفتاة ذات الرابعة عشر عامًا, الابنة الكبرى ل "معاذ المصري", وشقيقها "علي" ذو التسع سنوات..
وعلى بُعد كان "شاهين" يجالس "معاذ" ناظرًا لهما مبتسمًا:
-العيال دي دايمًا يتخانقوا كده.
ابتسم "معاذ" مجيبًا:
-يسرا بتظن ان هتكون بينهم حكاية لذيذة.
رفع "شاهين" حاجبه ضاحكًا:
-لا يا جدع!
ضحك بخفة:
-والله هي اللي بتقول مش انا.
طالعه "شاهين" يسأله:
-اموركم تمام؟
اومأ "معاذ" مبتسمًا:
-الحمد لله, يسرا طيبة وبنت حلال, وبتحبني.
وقد تعرف عليها حين كانت مندوبة لأحد الشركات التي تتعامل مع شركتهم..
-وانتَ؟ بتحبها؟
سأله "شاهين" بهدوء, فكان رد "معاذ" هذه المرة مخالفًا عن كل مرة يتهرب فيها من الإجابة, رد ردًا صريحًا وهو يقول بصدق:
-بحبها... هي تستاهل تتحب.
والحكايات لا تنتهي...
تستمر...
رُبما العقرب وفراشته قد وصلا لبر الأمان كثنائي للحب...
لكن تستمر رحلتهما في الحياة..
وتستمر المعافرة معها..
الحياة حرب لا تنتهي.. وكلما أمنت جهة تظهر لك جهة أخرى تحارب فيها من جديد...
ومع الحب كل حرب تهون...
وكل مُر حتمًا سيمر...
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
💚 مرحبا بكم ضيوفنا الكرام 💚
هنا في كرنفال الروايات ستجد كل جديد
حصري ورومانسى وشيق ابحث من جوجل باسم الروايه علي مدوانة كرنفال الروايات وايضاء اشتركو في قناتنا👈علي التليجرام من هنا يصلك اشعار بكل جديد من اللينك الظاهر امامك
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
💚 مرحبا بكم ضيوفنا الكرام 💚
هنا في كرنفال الروايات ستجد كل جديد
حصري ورومانسى وشيق ابحث من جوجل باسم الروايه علي مدوانة كرنفال الروايات وايضاء اشتركو في قناتنا👈علي التليجرام من هنا يصلك اشعار بكل جديد من اللينك الظاهر امامك
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
تمت بحمد الله
لقراءه باقي الفصول من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا