
كانت وردة تحب الحياة، وكانت زهرة يانعة في حديقة المدرسة، تلميذة مجتهدة تفيض حيوية ونشاطاً. لكن وراء هذا البريق كانت تقبع مرارة اليتم؛ فقد رحل والدها مبكراً تاركاً وراءه زوجة مخلصة وابنة وحيدة هي قرة عينه. كانت الأم تجهل ما يحمله عم وردة، ماهر، من حقد وغل دفين في صدره. كان يظهر دائماً بمظهر العم الحنون، الأب الثاني الذي يعوضها عن حنان والدها، الظهر الذي يمكن أن تسند عليه وردة دون خوف.
لكن ماهر كان يخفي خلف هذا القناع نيته المبيتة للاستيلاء على ميراث أخيه الراحل، الذي كتب كل شيء باسم ابنته الوحيدة وردة. كان الحقد يأكل قلبه لأن ثروة أخيه التي بناها بكد وجد ستؤول في النهاية إلى "فتاة".صغيره
وفي يوم من الأيام، أصيبت الأم بمرض شديد، وتدهورت حالتها بسرعة مخيفة. وقبل أن تفيض روحها إلى بارئها، وصت عم وردة، ماهر، على ابنتها الوحيدة. ابتسم ماهر ابتسامة "صفراء" باهتة لا تصل إلى عينيه، وقال بصوت حاول جاهداً أن يكون حنوناً: "لا تخافي يا أم وردة، فهي في عيني".
وبعد أن فارقت الأم الحياة، أخذ ماهر وردة إلى منزله في إحدى القرى التابعة لمدينة الفيوم. كانت تلك القرية بعيدة كل البعد عن المدينة الصاخبة، حيث الأراضي عفية، والمساحات الخضراء شاسعة ممتدة إلى ما لا نهاية. كانت وردة، على الرغم من حزنها العميق لفقدان والدتها، لا يسعها إلا أن تنبهر بجمال الطبيعة من حولها، المنظر الخلاب للأراضي الخضراء المترامية الأطراف أنساها بعض الشيء آلامها وجروحها.
لم تكن تدري حينها ما إذا كانت تذهب إلى الجنة أم إلى الجحيم، هل ستجد في هذا المكان الأمان والحب، أم ستواجه قسوة وخيانة؟ كانت تشعر وكأنها تترك وراءها أحلامها وسعادتها، تدخل إلى عالم مجهول، غامض، محاطاً بالأسرار.
وصلت وردة إلى منزل عمها، كان منزلاً بسيطاً، مبنياً من الطين اللبن، يفوح منه عبق الماضي. استقبلتها زوجة عمها، فتحية، بابتسامة باهتة، لم تكن تشعر بترحيب حقيقي، بل كانت تشعر وكأنها عبء ثقيل عليها. كان أبناء عمها، حسام وسارة، يرمقونها بنظرات حقد وغيرة، لم يعتادوا على وجود ضيف غريب في منزلهم، خاصة إذا كان هذا الضيف هو من يمتلك كل شيء.
بدأت وردة في التأقلم مع حياتها الجديدة، كانت تستيقظ مبكراً كل يوم، وتساعد زوجة عمها في أعمال المنزل، كانت تكنس الأرض، وتغسل الصحون، وتطبخ الطعام، لم تكن تشكو أو تتذمر، بل كانت تؤدي واجباتها بصمت وهدوء. كانت تفتقد المدرسة، وأصدقائها، وحياتها القديمة، لكنها لم تكن تملك خياراً آخر. غير الصبر ودعاء مكتوم بصدرها
كان ماهر يراقب وردة عن كثب، كان يرى فيها تهديداً لمخططاته، كان يخشى أن تستعيد ثروتها في يوم من الأيام، وتخرجه هو وعائلته من هذا الثراء. لذا، كان يحاول جاهداً أن يكسر إرادتها، ويجعلها تشعر بالضعف والعجز. كان يقلل من شأنها دائماً، ويوبخها على كل خطأ صغير ترتكبه، وكان يمنعها من الخروج من المنزل، أو التحدث مع أي شخص غريب.
لكن وردة لم تكن تستسلم بسهولة، كانت قوية الشخصية، ولديها إرادة قوية. كانت تجد عزاءها في الطبيعة، كانت تقضي ساعات طويلة في الحديقة، تتأمل الزهور والأشجار، وتستمع إلى غناء الطيور. كانت تشعر وكأن الطبيعة هي صديقتها الوحيدة، التي تفهمها وتتعاطف معها.
مرت الأيام والشهور، وكبرت وردة، أصبحت شابة جميلة، ذات عيون واسعة، وشعر أسود طويل. كانت تجذب انتباه كل من يراها، لكنها لم تكن تهتم بذلك، بل كانت تهتم فقط بالهروب من سجن عمها.وقسوته
وفي يوم من الأيام، وصل شاب جديد إلى القرية، يدعى فارس. كان فارساً شجاعاً، وسيماً، ذا أخلاق عالية. كان قد سمع عن قصة وردة، وعن ظلم عمها لها، فقرر أن يساعدها في الهروب. من هذا الظلم واعطائها حقها فهو محام ابن عبد الغفار وكان مسافر بالخارج وكان عبد الغفار خصيم عمها وعدوه!!
بدأ فارس في التقرب من وردة، كان يتحدث معها كلما سنحت له الفرصة، وكان يقدم لها الهدايا الصغيرة، والأزهار الجميلة. بدأت وردة في الشعور بالأمان والحب معه، بدأت في رؤية أمل جديد في الحياة
يتبع