رواية الفرار من العشق الفصل الثاني عشر12بقلم اميرة خالد

رواية الفرار من العشق الفصل الثاني عشر12بقلم اميرة خالد


وهي استني تردوا لكن تليفونه رن... مسكه وقام يرد عليه بره. نامت هي على السرير وهي بتتنهد بقهرة والمخاوف بتلعب في دماغها:
«يا لهوي! إيه النظرات دي؟ هو أنا عايش معاه إزاي؟ يلا.. أهي فترة وهتعدي وأخلص». ونامت نوم عميق وهربت من تعب اليوم.
وعند رحيم، كان واقف في البلكونة بيتكلم في التليفون، وبيشكر ربنا ألف مرة إن المكالمه دي جت في الوقت المناسب علشان تخرجه من زنقة السؤال اللي ما كانش عارف هيرد عليه بايه. بس جوه قلبه، كان حاسس بمشاعر متلخبطة ناحيتها، مشاعر بتبدأ تغفل عقله، رغم إن هدفه الأول والأساسي كان تنفيذ وعده لأبوه وبس.
بعد دقائق خلص المكالمه، وكان لسه هيتحرك عشان يدخل، فسمع صوت أمه بتكلم «هدير» بصوت واطي بس واصل له:
«أنا كلمت الخدامة، وقلت لها إنها كل يوم تحط لها الحبايه في اللبن!»
هدير بصدمة وخوف: «يا هانم! اللي خلاكِ عملتي كده؟ أنا خفت حد يشوفني وتحصل مشكلة!»
هانم ببرود: «لكن الخدامة لما تعمل كده، أكيد هتكون عارفه إن ما حدش موجود، وهتبقى في السريع.»
هدير بطمع وحقد: «يلا.. مش مهم، أصلًا أهم حاجه إنها ما تخلفش من رحيم، عشان تطفش لوحدها من هنا!»
هدير بتمثيل وغل: «وعارفة يا مرات عمي؟ أنا كان نفسي أكلها بسناني وهي بتتكلم مع رحيم بدلع! لا، وكمان خليته يشيلها قدام الكل!»
هانم بسخرية سودا: «هي عاملة زي أمها.. بتسحر الرجاله! بس مصيرها تطلع من هنا صاغرة.»
رحيم وقف مكانه، الدم وقف في عروقه، ونار ولعت في صدره.. حس إن كل كلمه كانت صفعة على وشك:
(كان معاك حق يا أبوي.. أمي شكلها مش هتجيبها لبر أبداً!)
نزل رحيم بخطوات تثقلها الهموم، ودخل أوضة العمدة اللي كان قاعد مستنيه.
العمده بص له باهتمام: «إيه يا ولدي؟ صاحي ليه لغاية دلوقتي؟»
رحيم بصوت محمل بهموم الدنيا: «مافيش يا أبوي.. قلت اطمن عليك.»
العمده بابتسامة رضا: «أنا كويس ومبسوط قوي من اللي أنت عملته النهاردة.»
رحيم باستغلال للفرصة: «عملت إيه؟»
العمده: «وقفت جنب الدكتورة، وحميتها، وخليت بالك منها وسط الكل.»
رحيم بوجع خفي: «يا أبوي.. أنا لغاية دلوقتي مش مصدق إن معتصم أخوي، وإن أنت خليت أخوك يكتبه باسمه ويبقى ابنك شرعي؟»
العمده بحزن عميق ونظرة بعيدة: «كنت عايزني أعمل إيه؟ أسيبه يموت قدام عيني؟ ولا أنقذه بأي طريقة؟»
رحيم باستغراب: «وهيموت ليه يا أبوي؟»
العمده تنهد بحسرة: «يا ابني.. مش كل حاجة بتتقال، بس أنا هحكي لك على حاجة صغيرة حصلت.. حاجة خلتني أعمل كده وأنا قلبي مطمن ومرتاح.»
رحيم بشغف: «إيه هي يا أبوي؟»
العمده بصوت هادئ وموجع: «بعد ما ناديه ولدت يوسف، أنا قلت لك إنها كانت خايفة عليه طول الوقت، وعلى طول في حضنها.. صح؟»
رحيم: «ايوه يا أبوي، فاكر.»
العمده: «فأنا قررت أجيب لها واحدة تساعدها عشان تخلي بالها من يوسف.. وفعلا جبت، ويا ريتني ما جبتها!»
رحيم بقلق: «ليه يا أبوي؟»
العمده: «علشان في يوم، الخدامة دي كانت حاطة سم ليوسف في اللبن! لولا ستر ربنا، وإن أنا كنت بايت يومها معاهم، وجريت بيه على المستشفى أنا ونادية.. وهناك الدكتورة قالوا لنا إنه شرب سم ونجا على آخر وقت. ومن يومها، أنا اتفقت مع نادية إن يوسف لازم يختفي من هنا فوراً، ونادية وافقت بعد ما عرفت إن حياة ابنها في خطر حقيقي. ولما رجعنا البيت، قلنا للخدامة قدام الكل إن يوسف مات، عشان ما يبقاش لها شغل عندنا. بس الخدامة قعدت تتحايل علينا إنها بتحب نادية وعايزة تقعد تخدمها من غير أجر.. وساعتها عرفت إن الدور على نادية! وتاني يوم، خدت نادية وخرجت، واتفقنا إني لازم أتخانق معاها كتير قدام البيت كله.»
رحيم بلهفة: «وبعدين يا أبوي؟ إيه اللي حصل؟»
العمده بحزن خانق: «بعد ما عملنا كده، فعلاً.. يوم ما رجعت البيت لقيت نادية مش موجودة، اختفت! والخدامة كانت مقتولة، ووشها متشوه بميه النار خالص، وكانت لابسه لبس نادية بالظبط!»
رحيم اتصدم، وعيونه اتسعت: «يا الله!»
العمده بكمل كلامه ودموعه محبوسة: «وكانوا عايزين يوصلوا لينا فكرة إن نادية هي اللي ماتت.. وفعلاً، أنا صدقتهم في الأول من كتر الصدمة، وكنت عايش بنار ووجع فراقها، لغاية ما عرفت من الشيخ زهران الصدفة إنها هربت، وطلب مني إن أنا أطلقها علشان تشوف حياتها.. وفعلاً عملت كده، خوفاً عليها وعلى حياتها من اللي قتلوا الخدامة.. ده كل اللي حصل يا ابني.»
رحيم من جواااه كان بيتفطر من الغل والشر اللي في قلب أمه.. (مش مصدق إن أمي كانت بالجبروت ده كله!).. وبص لأبوه وقال بصوت متردد: «طب.. يا ترى هتعمل إيه في الحان؟ وإيه موضوع البرشامه ديت يا أبوي؟»
العمده انتبه: «إيه يا ابني؟ سرحت في إيه؟»
رحيم بسرعة وهو بيخفي ارتباكه: «ولا حاجة يا أبوي.. هطلع أخلص الشغل اللي ورايا، وبقى أنزل لك تاني نقعد نتكلم براحتنا.»
العمده بابتسامة متعبة: «ماشي يا ولدي.»
طلع رحيم، والعمده اتنهد براحه أنه طلع كل الهموم اللي كانت على قلبه.
دخل رحيم الأوضة، لقى الدنيا هدوء تام.. بص على السرير لقى الحان نايمه بعمق. ابتسم غصب عنه، وقرب منها بالراحة، غطاها بحنان وهو بيتامل ملامحها الرقيقة جداً، وسرح في شكلها وهي نايمه كأنها طفلة.
وفي إسكندرية..
كانت ليلى بتلم الحاجة بتاعتها وبتاعة صاحبتها الحان، بعد ما اتفقت مع سواق محترم هيوصلها لغاية البلد، وقال لها إنه هيعدي عليها على الساعه 6 الصبح.
بعد دقائق خلصت كل كراكيب السفر، وقعدت أخيراً تاخد نفسها، مسكت التليفون وفتحته، ودخلت على فيسبوك تسلي وقتها بدل ما هي قاعدة لوحدها في الهم ده.
أما عند معتصم..
فكان مجهز شنطته والحاجة اللي هياخدها معاه البلد. وفجأة دخلت عليه أمه بنظرات كلها تعلق:
«إيه يا قلب أمك؟ خلاص نويت على السفر؟»
معتصم وقف باحترام وباس إيديها: «حقك عليا يا أمي.. بس أنتِ عارفة، أهل البلد محتاجين لي قوي، وأنا ما أقدرش أتأخر.»
أبوه دخل على كلامهم بنبرة حادة شوية: «وأنا محتاجك أكتر.. تبقى في ضهري وسندي يا معتصم.»
معتصم بتنهيدة: «ما أنت عارف يا أبوي إن ما ليش دعوة بالتجاره، وحياتي كلها في الطب وبس.»
أبوه بسخرية لاذعة: «خليك كده طول الوقت.. ماشي ورا عمك أنت وبنت الكلب اللي هناك ديت!»
معتصم ضحك بخفة وقرب منه: «حقك عليا.. ما تزعلش يا أبوي. وبصراحه كده، كويس إنك فتحت موضوع هدير، أنا أصلاً مش عاجبني قعدتها هناك خالص.»
أمه بدافع مستميت: «يا ابني، ما هي ماسكاني في مرات عمك، ولا كأنها أمها الحقيقية!»
معتصم بجدية: «يا أمي، كلنا عارفين السبب الحقيقي! لازم نبعد عن رحيم، مادام هو رفضها صراحة.. هي مش هتعيش عمرها كله مستنياه لغاية ما يوم يتجوز وتكبر وعمرها يجري بيها!»
أمه بقلة حيلة: «والله يا ابني قلت لهم كده.. بس أعمل إيه؟ أبوك موافقها وسايبها على حل شعرها.»
أبوه بعصبية مصطنعة: «دلوقتي أنا بقيت السبب؟ طيب ماشي.. أنا هتصل بيها بكره الصبح، وأبعت لها السواق يجيبها هنا فوراً!»
معتصم بابتسامة رضا: «يا ريت يا أبوي، يبقى أحسن.»
أبو بجدية: «ماشي يا ولدي.. بس اعمل حسابك إنك هترجع تاني هنا، مش هتقعد طول العمر هناك في البلد.»
معتصم: «طبعا يا أبوي.. لازم أرجع، ما ينفعش أسيبك لوحدك، لا أنت ولا أمي.»
ابتسموا الاتنين على تربيتهم لمعتصم وحنيته الزايدة، مع إنه أوقات كتير أبوه كان بيكشر وبيقسى عليه.
أمه بحب: «طب يلا.. تصبح على خير يا ابني، نام لك ساعتين قبل ما السفر يتعبك.»
معتصم: «وأنتِ من أهل الجنة ياما.».. وخرجوا وسابوه يرتاح.
وعند رحيم..
خلص جزء من الشغل، وجايه ينام على الكنبة.. بس وجعه القديم ظهر، مكانش قادر يتحرك براحته. اضطر يدخل ينام على السرير جنبها، وغمض عينيه وهو بياخد نفسه بصعوبة.
ولسه هيروح في نوم عميق، حس بإيد ناعمة بتلف حوالين وسطه بدلال عفوي!
فتح عينيه بصدمة.. وشافها.. كانت نايمه وجسمها كله تقريباً عليه، وإيدها اللي متجبسة حاطاها على دقنه ووشه!
ابتسم رحيم غصب عنه برقة، وشدد بحرص وشدها لحضنه أكتر، وغمض عينيه ونام بسرعه غريبة.. ولأول مرة يحس بالدفء ده من سنين!
أما عند رقيه..
فكانت ماسكة التليفون وبتتكلم مع «بدر» بصوت هادئ، وبيضحكوا بمرح بعد ما رقيه حكت له كل اللي حصل بين أمها وبنت عمها مع الحان.
بدر بضحكة عريضة: «بس بصراحة.. الدكتورة طلعت جريئة قوي أنها عملت كده! شكلها قوية وناشفة، ومش هتعمر بالساهل مع أمك.»
رقيه ابتسمت بحب: «بس صدقني.. دي طيبة قوي وغلبانة، أمي بس اللي مش عارفة تتعامل معاها، وشايلاها في دماغها.»
بدر بصوت فيه غيرة لطيفة: «بس اللي مستغربه بجد.. الدكتورة وافقت على جوازها من رحيم إزاي؟»
رقيه بتأكيد: «وأنا كمان.. عمري ما كنت متخيله إن رحيم في يوم من الأيام هيتجوز، وبالذات دكتورة زى دي!»
بدر باهتمام: «وتفتكري رحيم هيديها الأرض بتاعتها وحقها؟»
رقيه بثقة في أخوها: «مش عارفة، بس أكيد رحيم مش هيظلمها وهيديها حقها تالت ومثلث.. أخوي راجل وما بيأكلش حق حد أبداً.»
بدر بحب: «وأنا عارف قد ايه هو كويس.. المهم! جبتِ كل اللي ناقصك؟ عشان احتمال كبير نتجوز على آخر الشهر الجاي.»
رقيه بفرحة ناطت في قلبها: «بجد يا بدر؟»
بدر بعشق: «طبعاً يا قلبي.. أنا مستني اليوم ده بفارغ الصبر عشان تنوري شقتي!»
ابتسمت رقيه ووشها احمر من الكسوف لدرجة العرق: «طيب.. تصبح على خير، الوقت تأخر قوي.»
بدر ضحك بصوت عالي بعد ما فهم أنها اتكسفت: «ماشي يا ستي.. تصبحي على الجنة، سلام.».. وقفل معاها. وهي تنهدت براحه عميقة، وشدت المخده لحضنها وهي طايرة من الفرحة.
وثاني يوم الصبح..
الحان فتحت عينيها بتعب شديد، وهي حاسه إنها نايمه على حاجه صلبه ودافية.. رفعت عينيها تبص، فاتفاجئت إنها نايمه بكل تفاصيلها في حضن رحيم!
فتح رحيم عينيه في نفس اللحظة، وقال لها بنبرة هاسه وخبث خفيف: «قسما بالله ما عرفت أنام طول الليل منك! هو حد بيبيّت بالطريقه دي؟»
صرخت الحان بخضة، ولسه هتقع من فوقه وهي بتتحرك بعصبية، بس رحيم مسكها من وسطها بقوة وجدية مرعبة:
«حاسبي! دراعك التاني هيتكسر هو كمان من العفروته بتاعتك!»
الحان اتصدمت.. وما كانتش لاقيه حرف واحد تقوله من كتر الكسوف. رحيم لاحظ توترها الشديد وحب يفك اللحظة، فقال ببساطة:
«بس عارفة؟ أنا عرفت ليه كنتِ بتقولي كل واحد ينام في مكان لوحده امبارح.»
الحان بصت له بعيون واسعة بمعنى «ليه؟»، وهو كمل بكلامه المستفز:
«عشان عارفة إنك بتنامي زي الفرسه اللي لسه والده.. بتلفي السرير كله من أوله لآخره!»
الحان بصت له بصدمه وشرار طالع من عينيها: «أنا.. أنا بلف السرير كله؟! يا قليل الذوق!» وضربته بقبضة إيدها السليمة على صدره بغيظ: «تصدق إني غلطانة إني كنت رحيمة معاك!»
وهو كدا.. قام رحيم ضحك بصوت عالي جداً بعد ما وقعها من عليه فجأة في نص السرير وهو بيصرخ بتمثيل:
«آه يا صدري! آه يا جسمي اللي اتكسر تاني بسببك!»
الحان وهي بتقوم وتنفخ بضيق: «أحسن.. تستاهل!»
ودخلت الحمام في ثواني، وهو قعد على الكرسي بيضحك بقوة وسعادة، وهو بيسترجع في دماغه لما صحي قبلها بنصف ساعة وشاف شعرها الطويل الأسود مفروش على وسادته، وهي نايمه في حضنه كأنها ملاك بريء.
أما جوه الحمام، كانت الحان بتغسل وشها، ومكسوفة من نفسها جداً، بس قدرت تقنع عقلها بالعافية إن الموضوع عادي وما فيهوش أي حاجة.. وإنها فترة وهتعدي ومش هتديه أكبر من حجمه أبداً!

                   الفصل الثالث عشر من هنا


تعليقات



<>