رواية خادمتي الصامته الفصل الخامس عشر15بقلم اسماعيل موسي
لم تكن الشمس قد ارتفعت فوق العزبة حين بدأ دوار العمدة يستعيد حركته بعد ليلة طويلة من الصمت، وكانت السماء لا تزال محتفظة بلونها الرمادي الباهت، بينما بقيت آثار المطر عالقة فوق الأرض وفي تجاويف الطريق الترابي الممتد بين البيوت والحقول، وفي الفناء الواسع أمام الدوار كان الغفر يتحركون منذ الفجر، يكنسون الأرض ويزيلون ما حملته الريح من أوراق وقش، وقد وقف أحدهم عند الباب الخارجي يراقب الطريق المؤدي إلى المركز، ينتظر ظهور العربة التي ستأتي بالمعاون
أما العمدة فلم ينم إلا قليلًا، فقد قضى جزءًا من الليل في التفكير في أمر تقى، ثم انتقل ذهنه إلى زيارة المعاون، وأخيرًا استقر على أمر واحد يعرفه جيدًا، أن رجال السلطة لا ينبغي أن يجدوا في دواره شيئًا ناقصًا، ومنذ أن وصله الخبر في الليلة السابقة أمر بإعداد الطعام، وطلب من زوجته أن تجهز ما يليق بضابط قادم من المركز، فأوقدوا النار قبل الفجر، ووضعوا السمن البلدي في الأواني، وخبزوا الفطير حتى خرج ساخنًا متورمًا بطبقاته، ثم وضعوا إلى جواره عسل النحل والجبن واللبن الرايب، وكانت رائحة الطعام قد ملأت المكان قبل أن تشرق الشمس
وفي الجهة الأخرى من الدوار، كانت تقى لا تعرف شيئًا عن كل ذلك، فقد جلست طوال الليل داخل غرفة الحجز، وظهرها ملتصق بالجدار الطيني البارد، تضم ركبتيها إلى صدرها وتحاول أن تحتفظ بما بقي في جسدها من دفء، ولم تنم لحظة واحدة، فكلما أغمضت عينيها سمعت حركة جديدة حولها، مرة صوت فأر يركض فوق الأرض، ومرة خشخشة تأتي من ناحية السقف المصنوع من البوص والجريد، وفي لحظات أخرى كان الهواء يندفع من الشقوق الضيقة في الجدران فيصدر صوتًا طويلًا يشبه زفير شيء ضخم يقف خارج الحجرة وينتظر أن تفتح له الباب، وكانت تقى ترتعش كلما اهتز السقف فوق رأسها، ولم تكن تعرف إن كان ذلك الصوت الذي تسمعه فوقها حركة حيوان أم مجرد الريح تعبث بالبوص اليابس، لكنها لم تكن تملك الشجاعة لتبحث أو ترفع رأسها طويلًا
مرت ساعات الليل بطيئة وثقيلة حتى بدا لها أن الفجر لن يأتي أبدًا، ثم سمعت فجأة حركة مختلفة في الخارج، أصوات رجال ووقع أقدام وصوت أحد الغفر ينادي من بعيد وصل يا عمدة، فانتفض جسد تقى وفتحت عينيها بسرعة وظلت تنظر إلى الباب المغلق أمامها، ثم جاء صوت آخر أكثر وضوحًا وهو يقول البيه المعاون وصل
في تلك اللحظة كان العمدة قد خرج إلى الإيوان، ارتدى جلبابه النظيف ووضع فوق كتفيه عباءة خفيفة وأصلح عمامته أكثر من مرة قبل أن يقف عند مدخل الدوار، بينما وقف الغفر على جانبي الطريق في انتظار الضيف، وبعد دقائق ظهرت العربة القادمة من ناحية المركز، كانت عربة تجرها الخيول وتتقدم ببطء فوق الطريق الذي لم يجف بعد من آثار المطر، وارتفعت خلفها سحابة خفيفة من التراب المبتل كلما دارت عجلاتها فوق الأرض
جلس المعاون داخل العربة وقد ارتدى ملابسه الرسمية بعناية، ورافقه أحد رجال المركز، وحين توقفت العربة أمام الدوار أسرع العمدة إلى الأمام، فنزل المعاون دون أن يبدو عليه أنه يهتم كثيرًا بمن يقف في انتظاره، ومسح بعينيه المكان سريعًا ثم رفع نظره إلى العمدة، فانحنى العمدة قليلًا وقال نورت العزبة يا باشا، فرد المعاون وهو ينفض طرف ثوبه من الغبار نورك يا عمدة، فأشار العمدة إلى الداخل وقال الدوار دوارك يا باشا وكل حاجة جاهزة من بدري.
دخل المعاون إلى الإيوان وتحرك الغفر خلفه، ثم جلس في صدر المكان على المقعد الخشبي الكبير الذي اعتاد العمدة أن يجلس عليه عندما يستقبل ضيوفه، لكن العمدة لم يجلس في مكانه المعتاد، بل بقي واقفًا لحظات ثم جلس في موضع أقل منه، محافظًا على تلك المسافة التي يعرف أهل القرى جيدًا كيف يرسمونها بين من يملك السلطة ومن يحتاج إليها
دخلت الخادمة تحمل صينية كبيرة ووضعتها أمام المعاون، وكان فوقها طبق الفطير الساخن والعسل والجبن واللبن الرايب، فنظر المعاون إلى الطعام ثم قال أهو ده الكلام يا عمدة، فابتسم العمدة بسرعة وقال ده قليل يا باشا ولو كنت قلت إنك جاي كنا عملنا لحضرتك أحسن من كده
مد المعاون يده إلى قطعة من الفطير وغمسها في العسل ثم بدأ يأكل بهدوء، وكان واضحًا أنه لم يأت مستعجلًا من أجل أحد، أكل قطعة ثم شرب قليلًا من اللبن وعاد إلى الطعام مرة أخرى، بينما ظل العمدة يراقبه من طرف عينه وينتظر اللحظة المناسبة ليتحدث عن تقى، فلم يكن يريد أن يترك الفتاة في غرفة الحجز أكثر مما ينبغي، وكان يريد أن يصل إلى نتيجة سريعة، اتهام بالسرقة ثم حضور الشرطة ثم تختفي تقى من طريقه
انتظر العمدة حتى فرغ المعاون من قطعة أخرى من الفطير، ثم قال وهو يحاول أن يجعل صوته يبدو طبيعيًا الحقيقة يا باشا كويس إن حضرتك جيت، فرفع المعاون عينيه إليه دون أن يتوقف عن الأكل وقال ليه، فقال العمدة أصل حصلت مشكلة كبيرة عندي في الدوار، ولم يتغير وجه المعاون، فأكمل العمدة مسكت واحدة من الخدم سرقت دهب المدام
توقف المعاون لحظة ثم وضع ما في يده على الطبق ورفع رأسه ببطء نحو العمدة وقال وبعدين، فقال العمدة بسرعة البنت دلوقتي محبوسة في الحجز والدهب اتلاقى تحت التبن في المكان اللي كانت نايمة فيه، وظل المعاون ينظر إليه لحظة قبل أن يمد يده إلى قطعة أخرى من الفطير وقال وأنا مالي
ارتبك العمدة وقال يا باشا دي سرقة، فقال المعاون دون أن ينظر إليه وأنا جاي النهارده عشان السرقة، فتردد العمدة وقال أمال حضرتك جاي ليه، وهنا رفع المعاون رأسه وكانت في عينيه نظرة ضيق ثم قال هات القهوة يا عمدة
تحرك العمدة بسرعة ونادى على أحد الخدم يا ولد هات القهوة للباشا، ولم تمض دقائق حتى وصلت القهوة، فأخذ المعاون الفنجان وقربه إلى وجهه ثم شرب رشفة صغيرة قبل أن يعيده إلى الصحن، ونظر إلى العمدة وقال هو انت فاكرني جاي عشان مشاكلك الفاضيه دي يا عمدة، فبقي العمدة صامتًا، ثم تابع المعاون أنا جاي عشان الانتخابات.
تغير وجه العمدة قليلًا، فوضع المعاون الفنجان أمامه وأسند ظهره إلى المقعد وقال الوزارة كلها مقلوبة في العاصمة، والكلام جاي من فوق، وفي مطالبات بانتخابات حرة وعادلة، والناس في العاصمة عاملين دوشة وكل واحد بيتكلم عن الصناديق والاختيار والناخبين وكأن البلد كلها هتتغير من ورقة تتحط في صندوق، ثم ضحك ضحكة قصيرة لم يظهر فيها شيء من الفرح وأضاف وإحنا بقى مطلوب مننا نضمن إن الأمور تمشي زي ما لازم تمشي.
،
هز العمدة رأسه وقال أيوه يا باشا، فنظر إليه المعاون وقال انت فاهم اللي بقوله، فأجاب العمدة بسرعة فاهم يا باشا، فقال المعاون مش كفاية تكون فاهم، أنا عايز كل حاجة تكون جاهزة، فعدل العمدة جلسته وقال تحت أمرك يا باشا
مال المعاون إلى الأمام وقال يوم الانتخابات من النجمة تكون العزبة كلها جاهزة، فأومأ العمدة برأسه وقال حاضر يا باشا، فتابع المعاون تحشر الغجر دول كلهم وتجيبهم على مركز الاقتراع عشان يأدوا الواجب، وظل العمدة ينظر إليه، فرفع المعاون حاجبه وقال الواجب يا عمدة عارفه
ابتلع العمدة ريقه وقال عارفه يا باشا، فرفع المعاون الفنجان وشرب رشفة أخرى ثم قال وأنا مش عايز يوم الانتخابات حد يغلط ، فقال العمدة بسرعة متقلقش يا باشا، فقال المعاون أنا بقولها لك من دلوقتي عشان بعدين محدش يقول ما كنتش أعرف
قال العمدة كل واحد هنعرفه يعمل إيه، فثبت المعاون عينيه فيه وقال إيه اللي هتعرفه، فابتسم العمدة وقال هشاور لكل واحد يختار إيه، وظل المعاون ينظر إليه لحظة ثم قال احنا مش هنختار للناس دى حريه شخصيه ،لكن الناس مش بيعرفو يقرو ويكتبو وهنا مهمتنا نساعدهم يا عمده.
، فأضاف العمدة وهو يحاول أن يبدو واثقًا متقلقش يا باشا هي أول مرة يعني وإحنا على طول خدام العدالة يا باشا
توقفت ابتسامة المعاون قليلًا ثم قال خدام العدالة، ورددها كأنه يتذوق الكلمات قبل أن يعيد فنجان القهوة إلى الصحن ويقول خليك خادم العدالة في يوم الانتخابات بس يا عمدة، فابتسم العمدة ولم يعرف إن كانت الجملة مدحًا أم سخرية، لكن المعاون لم يهتم، وأشار بيده إلى الخارج وقال أنا عايز القايمة كلها، كل الرجالة اللي لهم حق الانتخاب، كل واحد باسمه، كل بيت فيه كام واحد، مين يقدر يمشي ومين محتاج حد يوصله، مش عايز حد يتوه
قال العمدة كل ده موجود يا باشا، فقال المعاون موجود فين، فرد العمدة أجيبه لحضرتك حالًا، ثم أشار إلى أحد الغفر وقال روح هات الدفتر، فركض الغفير إلى الداخل وعاد بعد قليل يحمل دفترًا كبيرًا، أوراقه صفراء من كثرة ما انتقلت بين الأيدي، ووضعه أمام العمدة الذي فتحه وبدأ يقلب صفحاته
كانت الأسماء مكتوبة بخطوط مختلفة، بعضها واضح وبعضها يكاد يختفي، لكن العمدة كان يعرف أصحابها جميعًا، فلان في الناحية الغربية وفلان عند الترعة وفلان يعمل في أرض الباشا وفلان كبير في السن لكن ابنه يستطيع أن يأتي به، والآخر لا يملك ثمن الطريق فيرسلون إليه عربة
قال المعاون مفيش أعذار، فرفع العمدة رأسه وقال مفيش يا باشا، فقال المعاون واللي يقول مش عايز، ابتسم العمدة ابتسامة هادئة وقال إحنا نعرف نقنعه، فقال المعاون إقناعه ده شغلك، ثم أضاف أنا مش عايز أعرف الطريقة، فقال العمدة بسرعة حاضر يا باشا
أغلق المعاون الدفتر بيده ثم عاد إلى القهوة، وفي تلك اللحظة كان صوت باب بعيد يضرب في مكان ما من الدوار بسبب الريح، فالتفت العمدة للحظة ثم عاد بوجهه إلى المعاون، وكان عقله قد رجع مرة أخرى إلى تقى، لقد جاء الرجل الذي يستطيع أن يمنحه ما يريد، والفتاة ما زالت محبوسة، والذهب على الطاولة، والقصة جاهزة، لكن المعاون كان جالسًا أمامه يتحدث عن الانتخابات وكأن فتاة متهمة بالسرقة لا تستحق حتى أن تضيع دقيقة من صباحه
قال العمدة بحذر بس يا باشا موضوع البنت، فرفع المعاون يده فجأة وقال اسكت، فتوقف العمدة، وقال المعاون أنا لسه مخلصتش كلامي، فانخفض رأس العمدة وقال حاضر يا باشا
وفي الجهة الأخرى من الدوار، خلف الجدران الطينية المتشققة، كانت تقى لا تعرف شيئًا عن الانتخابات ولا عن الوزارة ولا عن العاصمة ولا عن الواجب الذي سيؤديه أهل العزبة أمام صناديق الاقتراع، كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط، أن رجلًا جديدًا قد وصل، وأن مصيرها أصبح معلقًا بقرار رجال يتناولون الإفطار والقهوة بينما هي جالسة في الظلام متهمة بجريمة لم ترتكبها
وظلت تقى تضع أذنها قرب الباب وتحاول أن تلتقط الأصوات البعيدة القادمة من الإيوان، لكن الريح كانت أعلى من الكلمات، وكانت الفئران تتحرك في الظلام، وكان الصباح الذي انتظرته طوال الليل قد بدأ دون أن يحمل معه أي وعد بالنجاة.
بعد أن فرغ المعاون من قهوته، بقي جالسًا دقائق أخرى يراجع مع العمدة بعض الأسماء والتعليمات المتعلقة بالانتخابات، ثم نهض أخيرًا من مكانه، فهب العمدة واقفًا في اللحظة نفسها، وأشار إلى أحد الغفر أن يسرع إلى الخارج لإعداد العربة
خرج المعاون من الإيوان بخطوات هادئة، بينما سار العمدة إلى جواره حتى باب الدوار، وكانت الشمس قد ارتفعت فوق العزبة وبدأت الحركة تعود إلى الطريق، ووقف الغفر في أماكنهم يتابعون الرجل القادم من المركز وهو يستعد للرحيل
وصل المعاون إلى العربة، فوضع قدمه على الدرجة الخشبية ثم توقف قبل أن يصعد، والتفت إلى العمدة الذي وقف خلفه منتظرًا أن يسمع كلماته الأخيرة
قال المعاون وهو ينظر إليه بنفاد صبر، وعلى فكرة يا عمدة، البت السارقة اللي عندك دي اعمل فيها اللي انت عايزه، متقلقش السلطات بمشاكلك التافهة دي
رفع العمدة عينيه إليه، ولم يخف عنه الارتياح الذي تسلل إلى صدره، لكن المعاون لم ينتظر منه ردًا، بل تابع وهو يشير بيده في الهواء كأن الأمر كله لا يستحق أكثر من تلك الإشارة
هو أنا جاي من المركز عشان كل واحد في عزبة يمسك واحدة ويقول سرقتني، عندنا فوق اللي مكفينا، وانت عارف الوزارة عاملة إزاي الأيام دي
ثم ثبت عينيه في وجه العمدة وقال بنبرة تغيرت فيها السخرية إلى شيء أكثر جدية، انت عارف أنا بعمل إيه عشان تفضل في مكانك يا عمدة
انخفض رأس العمدة في الحال، وأخذ يمشي إلى جوار العربة وهو يرفع يده في تحية خاضعة، وقال بصوت خافت يحمل من الامتنان أكثر مما يحمل من الكلام، عارف يا باشا، ربنا يخليك لينا
صعد المعاون إلى العربة دون أن ينظر إليه مرة أخرى، ثم جلس في مكانه وأعطى الرجل الذي يقودها إشارة بيده، فتحركت الخيول، وبدأت العربة تبتعد عن باب الدوار ببطء
ظل العمدة واقفًا في مكانه يراقبها
لم يتحرك حتى تجاوزت الطريق الممتد أمام الدوار، ولم يخفض يده إلا بعدما صارت العربة بعيدة بما يكفي، وعندها تغير وجهه تمامًا
اختفت ملامح الخضوع التي كان يرتديها منذ دقائق، وعادت إلى وجهه تلك النظرة التي يعرفها الغفر جيدًا، نظرة الرجل الذي استعاد سلطته فور أن ابتعد صاحب السلطة الأكبر
ابتسم العمدة ببطء، ثم رفع يده إلى شاربه وبدأ يبرمه بين أصابعه في رضا، وكانت ابتسامته تزداد اتساعًا كلما تذكر الكلمات الأخيرة التي قالها المعاون
البت السارقة اعمل فيها اللي انت عايزه
ردد الجملة في رأسه مرة أخرى، وكأنها لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل مفتاحًا فتح له بابًا كان ينتظر أن يفتح منذ رفضت تقى أن تخضع له
التفت فجأة نحو الغفر الواقفين عند مدخل الدوار، وصاح بصوت جعلهم ينتفضون في أماكنهم
سمعت يا بهيم منك لِه، البيه المعاون قال إيه
تبادل الغفر النظرات في حيرة، ولم يجرؤ أحدهم على الإجابة بسرعة، فاقترب العمدة خطوة وضرب بعصاه الأرض
قال بصوت أعلى، ساكت ليه، مش كنتوا واقفين وسمعتوا الكلام
قال أحد الغفر بسرعة وهو يخفض رأسه، سمعنا يا عمدة
اقترب العمدة منه وقال، سمعته بيقول إيه
ارتبك الرجل، وقال، قال إن موضوع البت عند حضرتك
ابتسم العمدة، وعاد إلى برم شاربه، ثم رفع صوته حتى وصل إلى آخر الفناء
أيوه، عندي أنا
ثم أشار إلى صدره بيده وقال، أنا الشرطة وأنا الحكومة وأنا اللي أفصل في قضايا العزبة
كان الغفر ينظرون إليه في صمت، يعرفون أن اعتراضًا واحدًا في غير موضعه قد يجعل يومهم طويلًا، ولذلك لم يتحرك أحد
قال العمدة وهو يتقدم في الفناء، فاكرين إن كل شوية حد يجري على المركز، أو يقول شرطة، أو يهددني بالحكومة
ثم ضحك ضحكة قصيرة وقال، الحكومة لسه كانت قاعدة هنا من شوية وبتفطر في دواري
لم يجب أحد
كان صوته وحده يملأ المكان
قال وهو يشير إلى الطريق الذي رحلت فيه العربة، البيه المعاون بنفسه قال لي متقلقنيش بالحاجات دي، وكل واحد هنا يعرف حدوده كويس
ثم توقف، وأدار وجهه نحو الغفير الأقرب إليه
فين البت،قال الغفير، في الحجز يا عمدة
ثبت العمدة عينيه فيه لحظة، ثم عاد إلى الابتسام
في الحجز،رددها ببطء، وكأن الكلمة أعجبته
ثم قال، خليها مكانها، سكت لحظة، ومرر أصابعه فوق شاربه مرة أخرى، وأضاف، البت دي لسه فاكرة إنها تقدر تقول للعمدة لا،كان في صوته شيء جعل الغفر يخفضون أبصارهم
فالعمدة لم يعد يتحدث عن قضية سرقة، ولم يكن الذهب في تلك اللحظة هو ما يشغل باله، كانت تقى نفسها هي القضية
الفتاة التي رفضت وابتعدت وصمتت في وجه تهديداته
والآن أصبحت خلف باب مغلق، لا أب يقف إلى جوارها، ولا أحد من أهلها يعرف كيف يصل إليها، والرجل الوحيد الذي يمكن أن يأتي من المركز قد غادر لتوه وترك الأمر كله بين يديه
نظر العمدة نحو باب الحجز البعيد، وكانت عيناه تحملان رضا رجل شعر أخيرًا أن خصمه أصبح داخل المكان الذي يريده
ثم قال للغفر، محدش يقرب منها إلا بأمري، ومحدش يفتح الباب إلا لما أنا أقول، أجابوا جميعًا، حاضر يا عمدة
استدار العمدة وعاد إلى داخل الدوار، وخطواته هذه المرة لم تكن تشبه خطوات الرجل الذي كان قبل قليل يرافق المعاون إلى عربته خافض الرأس متوسلًا رضاه
لقد عاد سيد المكان
وعاد معه ذلك الوجه الذي يخفيه أمام من هم أقوى منه، ثم يخرجه كاملًا أمام من لا يملكون قوة تحميهم
وفي آخر الدوار، خلف الجدار الطيني وباب الحجز المغلق، كانت تقى ما تزال جالسة وحدها في الظلام، لا تعرف أن الرجل الذي انتظرت وصوله طوال الليل قد رحل
ولا تعرف أن العمدة، منذ تلك اللحظة، لم يعد يحتاج إلى أن يخاف من وصول أحد لينقذها
