رواية خلف أسوار الحماية الفصل السادس عشر16بقلم ملك أحمد

رواية خلف أسوار الحماية بقلم ملك أحمد
رواية خلف أسوار الحماية الفصل السادس عشر16بقلم ملك أحمد

أما الشخص الآخر...

فلم يكن يعلم أن دخوله إلى هذا المكان سيقلب كل شيء رأسًا على عقب.

كان يقف أمامها بهدوء غريب، وعلى وجهه ابتسامة صغيرة لا تحمل أي قلق، وكأن وجوده أمامها أمر طبيعي للغاية.

اقترب منها بخطوات هادئة، ثم أشار إلى المقعد أمامه.

ـ تعالي يا ليان... اقعدي.

رفعت ليان عينيها إليه ببطء.

لم ترمش.

كانت تنظر إليه وكأن عقلها يحاول استيعاب وجوده أمامها.

هو.

بعد كل هذا الوقت.

والآن...

هنا؟

ـ ليان: إنت بتعمل إيه هنا؟

اتسعت ابتسامته قليلًا، وكأنه لم يتوقع منها استقبالًا أفضل من ذلك.

ـ هيثم: بقي ده استقبال تستقبلي بيه أبوكي؟ أنا لسه جاي من السفر يا بنتي.

ضحكت ليان ضحكة قصيرة خالية تمامًا من الفرح.

ـ ليان: أهلًا... حمد لله على السلامة.

صمتت لحظة، ثم تابعت ببرود:

ـ بس ممكن أعرف حضرتك بتعمل إيه هنا؟

اختفت ابتسامته تدريجيًا.

ـ هيثم: جاي عشان أشوفك.

ـ ليان: أنا كويسة الحمد لله.

قالتها وكأنها تريد إنهاء الحديث بأسرع ما يمكن.

ثم التفتت إلى تميم.

كان يقف في مكانه بثبات، يده داخل جيب بنطاله، وملامحه هادئة كعادتها.

لم يتحرك.

ولم يتدخل.

لكن وجوده وحده كان كافيًا ليجعلها تشعر بشيء من الأمان.

ذلك الأمان الذي لم تكن تعترف لنفسها بوجوده إلا عندما تحتاج إليه.

ـ ليان: تمام... أنا عندي شغل.

نظرت إلى والدها مرة أخرى.

ـ نقدر نتقابل في البيت لو عايز نتكلم.

هز هيثم رأسه بضيق.

ـ هيثم: نفسي أعرف إنتِ بتتعاملي معايا كده ليه؟

صمتت.

ـ هيثم: أنا والدك يا ليان... مش عدوك.

ارتسمت على وجهها ابتسامة ساخرة.

ـ ليان: أنا آسفة يا أستاذ هيثم لو كلامي معجبكش.

تغيرت ملامحه.

ثم أدار وجهه نحو تميم.

كانت نظرته تحمل استغرابًا واضحًا.

ـ هيثم: إنت... اطلع بره دلوقتي.

لم يجبه تميم.

ظل واقفًا في مكانه.

رفع هيثم حاجبه.

ـ هيثم: إنت مسمعتش أنا قلت إيه؟

رفع تميم عينيه إليه بهدوء.

ـ تميم: شغلي إني أحميها يا فندم.

ضحك هيثم بسخرية.

ـ هيثم: تحميها؟

اقترب خطوة.

ـ من مين؟ إنت اتجننت؟

لم يتغير وجه تميم.

ـ تميم: الشغل شغل.

ـ هيثم: أنا بطلب منك تخرج.

ـ تميم: آسف لحضرتك... مينفعش.

ساد الصمت للحظات.

كانت ليان تتابع الاثنين، لكنها لم تكن تفكر في الخلاف بينهما.

كانت تفكر فقط في شيء واحد...

لماذا جاء والدها الآن؟

وماذا يريد منها؟

توجه هيثم إلى الباب، لكنه توقف قبل أن يخرج.

التفت إليها.

وقال بهدوء:

ـ هيثم: على العموم...

توقفت أنفاسها.

ـ هيثم: أنا اللي موظف تميم عشان يحميكي.

ثم خرج.

...

لم تفهم ليان في البداية.

كأن الكلمات مرت من أذنها دون أن تصل إلى عقلها.

ظلت واقفة مكانها.

ثم رفعت عينيها ببطء نحو تميم.

ـ ليان: إيه؟

لم يجب.

ـ ليان: اللي سمعته ده... صح؟

صمت.

اقتربت منه خطوة.

ـ ليان: تميم... رد عليا.

رفع عينيه إليها.

ـ تميم: أيوه.

كانت الكلمة قصيرة.

لكن وقعها كان أقسى من أي شرح.

اتسعت عيناها.

ـ ليان: ليه؟

لم يجب.

ـ ليان: ليه ما قلتليش من الأول؟

ـ تميم: مكانش ينفع.

ضحكت بسخرية، لكن عينيها بدأتا تمتلئان بالدموع.

ـ ليان: مكانش ينفع؟

هزت رأسها.

ـ تمام.

استدارت.

لكنها توقفت لحظة، وكأنها كانت تنتظر منه أن يقول شيئًا.

أي شيء.

أن يناديها.

أن يشرح.

أن يقول لها إن الأمر لم يكن كما فهمته.

لكنه ظل صامتًا.

فخرجت.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

نزلت الدرج بخطوات سريعة.

كانت تحاول السيطرة على دموعها.

لا تريد أن يراها أحد.

ولا تريد أن يسألها أحد ماذا حدث.

كل ما كانت تريده هو أن تصل إلى سيارتها وتغادر.

لكنها لم تكن تبكي بسبب هيثم.

ولم تكن غاضبة لأن والدها هو من عيّن تميم.

كانت تبكي لأن الشخص الذي وثقت به...

كان يعرف الحقيقة منذ البداية.

تميم.

ذلك الشخص الذي كانت تظنه مختلفًا.

الشخص الذي كانت تشعر أنه يحميها لأنه يريد ذلك.

لأن هناك خوفًا حقيقيًا عليها في عينيه.

لأنها، رغم كل شيء، بدأت تشعر أنها ليست وحدها عندما يكون بجانبها.

كانت قد بدأت تثق به.

وهذه كانت المشكلة.

أنها وثقت به.

وقبل أن تصل إلى سيارتها، شعرت بيد تمسك ذراعها.

استدارت بسرعة.

كان تميم.

حاولت سحب يدها.

ـ ليان: سيبني.

لم يتركها.

ـ ليان: تميم... سيب إيدي.

ـ تميم: أنا آسف، بس مش هينفع أسيبك تمشي.

نظرت إليه بغضب اختلط بالخذلان.

ـ ليان: لا... همشي.

حاولت سحب يدها مرة أخرى.

ـ ومش هتقدر تمنعني.

ثبت نظره عليها.

ـ تميم: مينفعش أسيبك تمشي.

ـ ليان: على أساس إنك هتمنعني ليه؟

صمت.

ـ ليان: عشان شغلك؟

لم يجب.

ـ ليان: حتى دي بقت شغلك؟

قبض يده .

ثم أخذها من الطريق الخلفي حتى لا يراها الموظفون.

لم تقل شيئًا.

دخلت معه إلى المكتب.

بمجرد أن أغلقت الباب خلفها، استدارت إليه.

ـ ليان: إنت مالك أصلًا؟

ـ تميم: واجبي 

ـ ليان: واجبك ؟

أشارت إليه بغضب.

ـ أنا أروح أي مكان وأنا حرة.
ـ تميم: مش دلوقتي.

ـ ليان: اعتبر إنك مرفود.

رفع حاجبه.

ـ تميم: مش حضرتك اللي تقرري.

نظرت إليه لثوانٍ.

ثم قالت:

ـ ليان: أمال مين؟

صمت.

ـ إنت جاي تحرسني وأنا مش عايزة الحماية دي.

ـ تميم: دي أوامر.

ـ ليان: ليه؟

اقتربت منه.

ـ ليه كدبت عليا؟

لم يجب.

ـ ليه ما قلتليش من الأول؟

ـ تميم: عشان كنت عارف إنك هترفضي.

ـ ليان: بس كنت هتصارحني.

ـ تميم: وعلى أساس إن كان هيتغير حاجة؟

نظرت إليه بصدمة.

ـ تميم: كنتِ هترفضي برضو .

ـ ليان: على الأقل كنت هعرف الحقيقة.

اقترب خطوة.

ـ تميم: شوفي شكلك عامل إزاي دلوقتي.

نظرت إليه.

ـ ليان: إنت مش فاهم.

صوتها انخفض.

ـ إنت مش فاهم الشخص ده آذاني قد إيه.

صمت تميم.

ـ ليان: إنت مش فاهم حاجة.

ـ تميم: طيب فهميني.

كانت تلك الجملة كافية لتنهار مقاومتها.

جلست على الكرسي.

وضعت يدها على وجهها.

لم تستطع منع دموعها.

ـ ليان: اطلع بره يا تميم.

ـ تميم: اسمعيني.

ـ ليان: اطلع بره.

اقترب منها.

ـ ليان: قلتلك اطلع بره!

توقف.

نظر إليها طويلًا.

كان يعلم أنها الآن لا تتحدث بعقلها.

أي كلمة أخرى منه قد تجعل الأمر أسوأ.

فاستدار وخرج.

لكن قبل أن يغلق الباب، نظر إليها مرة أخيرة.

كانت تبكي بصمت.

وهو...

لأول مرة منذ عرفها، لم يعرف ماذا يفعل.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

بقيت ليان وحدها.

وضعت رأسها بين يديها.

كانت تشعر بأن شيئًا بداخلها تحطم.

ليس لأنها اكتشفت أن والدها هو من وظف تميم.

بل لأنها اكتشفت أن تميم كان يعرف.

كان يعرف كل شيء.

ومع ذلك، تركها تبني ثقتها به يومًا بعد يوم.

تذكرت كل مرة وقف فيها أمامها.

كل مرة منع عنها خطرًا.

كل مرة نظرت إلى عينيه ورأت فيهما خوفًا حقيقيًا عليها.

هل كان كل ذلك مجرد عمل؟

هل كل مرة شعرت فيها بأنه يهتم بها كانت مجرد أوامر؟

هل كانت غبية إلى هذه الدرجة؟

مسحت دموعها بقوه 

ـ ليان: غبية... بتتعلقي بأي حد وخلاص لمجرد أنه مهتم بيكي 

قالتها لنفسها بصوت منخفض.

ثم رفعت رأسها.

لا.

لن تبكي أكثر.

لن تسمح لأحد بأن يرى ضعفها.

وقفت.

أخذت حقيبتها مسحت دموعها  وفتحت الباب.

وجدته أمامها.

تميم.

كان واقفًا ينتظر.

لم تنظر إليه.

مرت من جانبه.

لكنه تبعها.

لم يقل شيئًا.

وصلت إلى السيارة.

فتحت الباب وصعدت إلى المقعد الخلفي.

صعد تميم إلى الأمام.

وانطلقت السيارة.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الطريق...

كان الصمت يملأ المكان.

تميم ينظر إلى الطريق.

ثم إلى المرآة بين الحين والآخر.

كانت ليان تنظر من النافذة.

لم تلتفت إليه ولو مرة واحدة.

مر وقت طويل.

كان قد غاب عنها أكثر من شهر.

كان يظن أنه عندما يعود، ستسأله أين كان.

ربما ستغضب.

ربما ستلومه.

وربما...

اشتاقت إليه.

لكنه الآن لم يلاحظ حتى أنها تنظر إليه.

كانت تتصرف وكأنه غير موجود.

خفض عينيه.

هو الذي كان يعتقد أنه يعرف كيف يحميها.

لم يعرف كيف يحمي ما هو أهم من حياتها 

ثقتها.

توقفت السيارة أمام القصر.

فتحت ليان الباب بنفسها.

نزلت دون كلمة.

أغلقت الباب ودخلت بسرعة.

ظل تميم داخل السيارة لثوانٍ.

ثم أخذ نفسًا عميقًا ونزل.

دخل خلفها.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الداخل...

كان هيثم يجلس في انتظارها.

بمجرد أن دخلت، رفعت عينيها إليه.

ـ ليان: حضرتك عايز تتكلم معايا في إيه؟

ـ هيثم: تعالي اقعدي الأول.

اقتربت وجلست.

ـ ليان: نعم؟

نظر إليها للحظات.

ـ هيثم: أنا عايزك تيجي معايا ألمانيا.

ـ ليان: ليه؟

ـ هيثم: هتعيشي معايا هناك.

ضحكت بعدم تصديق.

ـ ليان: مستحيل.

ثم أضافت:

ـ وأملاك جدو؟

ـ هيثم: هنبيعها.

نظرت إليه وكأنها لم تصدق ما تسمعه.

ـ ليان: حضرتك بتتكلم بجد؟

ـ هيثم: أيوه.

ـ ليان: وإزاي أصلًا؟

صمتت لحظة.

ثم قالت:

ـ والأهم من كل ده... زوجتك.

تغير وجه هيثم.

ـ هيثم: إنتِ مالك ومالها مش هتيجي جمبك ؟
ليان : مستحيل امشي ...

ـ هيثم: تعالي عيشي معايا هناك، وبالنسبة لأملاك جدك هنبيعها ونبدأ حياة جديدة.

ـ ليان: حياة جديدة؟

نظرت إليه بحزن ...

ـ بعد إيه؟

صمت.

ـ ليان: إنت فاكر إن كل حاجة بتتمسح كده؟

لم يجب.

ـ ليان: جدو زمان أخدني عشان السبب ده.

ابتلعت غصتها.

ـ عشان مراتك عندها ابن.

ـ هيثم: مالكيش دعوة بيه.

ـ ليان: هو الموضوع بالنسبة لك بسيط أوي كده؟

ـ هيثم: هما أصلًا جايين النهارده بليل مصر.

توقفت.

ثم قالت ببرود:

ـ ليان: مبروك.

وقفت.

ـ بعد إذنك.

استدارت وصعدت إلى الأعلى.

كل هذا تحت نظرات تميم.

كان يقف في مكانه منذ دخلوا.

لم يتدخل.

لكن عينيه ظلتا تتابعانها حتى اختفت أعلى الدرج.

أما هيثم، فوقف بغضب.

نظر إلى تميم.

ـ هيثم: أنا هشتكيك على اللي حصل النهارده.

لم يرد تميم.

ـ هيثم: فاهم؟

ثم خرج.

وبقي تميم وحده.

صمت طويل.

رفع عينيه نحو الدرج.

كان يعرف أن هناك شيئًا أكبر من مجرد سوء تفاهم.

لكن السؤال الذي كان يطارده الآن لم يكن عن هيثم.

ولا عن ألمانيا.

ولا عن الحماية.
كان عن ليان.

عن الثقة التي منحته إياها...

ثم أخذها منه في لحظة.

تنهد.

ولأول مرة شعر أن مهمته الحقيقية لم تعد أن يحميها من الخطر.

بل أن يحاول إصلاح شيء...

هو بنفسه كان السبب في كسره.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الأعلى...

دخلت ليان غرفتها وأغلقت الباب.

استندت بظهرها إليه.

أغمضت عينيها.

نزلت دمعة واحدة.

ثم أخرى.

وضعت يدها على صدرها.

لم تكن تريد البكاء.

لكنها لم تستطع.

فتحت عينيها ونظرت إلى المرآة.

كانت ترى أمامها فتاة حاولت طوال سنوات أن تكون قوية.

لكنها الآن لم تكن تشعر بالقوة.

كانت تشعر بالخيانة.

ليس من الشخص الذي توقعت أن يخونها ...

بل من الشخص الذي لم تتوقع منه الخذلان أصلًا

الشخص الذي كذب عليها مع شخص قام بأذيتها 

تميم.

همست باسمه دون أن تشعر.

ثم مسحت دموعها سريعًا.

وكأن مجرد نطق اسمه جعلها تغضب من نفسها.

في الخارج...

كان تميم يقف أسفل الدرج.

ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه.

لم يصعد خلفها.

ولم يحاول طرق بابها.

ربما لأول مرة...

فهم أن حمايتها لا تعني أن يفرض نفسه عليها.

وأن وجوده بجانبها لا يعني شيئًا إذا كانت لا تستطيع الوثوق به.

رفع عينيه نحو الأعلى مرة أخرى.

ثم قال بصوت منخفض لا يسمعه أحد:

ـ أنا آسف ...

لكنها لم تسمعه.

ولم تكن تعرف أن الرجل الذي ظنّت أنه خذلها...

كان يقف في الأسفل، يفكر في الطريقة التي سيعيد بها إليها ثقتها.

حتى لو استغرق الأمر وقتًا طويلًا.

تعليقات



<>