
رواية الفرار من العشق الفصل السادس عشر16بقلم اميرة خالد
اقتربت ليلى بخطوات هادئة نحو الكرسي الحجري في شبه الظلام، لتتفاجأ بمعتصم جالسًا وحده وشارداً في أفكاره.
ـ "معتصم بيه.. مش عارفة تنام؟" سألت بصوت خافت يكسر سكون الليل.
لتفت معتصم وابتسم ابتسامة باهتة: ـ "أهلاً يا دكتورة.. شكلك أنتي كمان مش جايلك نوم."
ابتسمت ليلى بحرج: ـ "أصلها أول مرة أبات بره بيتي، عشان كده مش متعودة."
أشار بيديه إلى الكرسي المجاور بترحيب: ـ "تعالي اقعدي يا دكتورة، واقفة ليه؟"
تنهدت ليلى بخفة وهي تجلس: ـ "هو أنت كل ما تقولي يا دكتورة هفكرك؟ أنا لسه قدامي سنة وأتخرج.. يا ريت تناديني بليلى."
ابتسم معتصم بهدوء: ـ "ماشي يا ليلى."
عم الصمت لبرهة، وكان معتصم خلالها غارقاً في تفكير عميق بخصوص شقيقته هدير. لاحظت ليلى صمته، فسألته بفضول بريء: ـ "ما قلتليش يا دكتور.. أنت تخصص إيه؟"
مرت لحظات ولم يتردد أي رد من معتصم الذي كان هائماً في عالمه الخاص. شعرت ليلى بالخجل وظنت أنه لا يرغب في الإجابة أو أنها أزعجته، فهمّت بالوقوف قائلة: ـ "معلش، أسفه لو ضايقتك.. هسيبك لوحدك."
وما إن تحركت حتى أهوى بمعصم ممسكًا بيدها برفق ولطف: ـ "استني يا ليلى.. رايحة فين؟ معلش، أنا أسف، بس موضوع اختي هدير ومشاكل البيت دي كلها ضغطني ومخلياني ما فيش عقل خالص."
جلست ليلى مجددًا بنبرة متفهمة: ـ "مفيش أى مشكلة يا دكتور، أنا مقدرة، وفعلاً حقك تكون قلقان على هدير."
نظر إليها معتصم بعمق: ـ "تصدقي يا ليلى، أنا كل يوم بكتشف حاجات جديدة في العيلة دي ما كنتش اعرفها خالص.. كأني كنت غريب بينهم!"
هزت ليلى رأسها بأسى وهي تتذكر صديقتها: ـ "معاك حق، أحياناً البيوت بتبان من بره حاجة ومن جوه حاجة تانية.. زي ما أنا كمان بالي مشغول قوي على ألحان، ومش عارفة أساعدها إزاي ولا أعمل معاها إيه."
قطب معتصم حاجبيه باستغراب وفضول: ـ "مالها ألحان؟ حصل إيه؟"
نظرت إليه ليلى مطولاً، فشعر بقلقها وسحب يده بهدوء وهو يعتدل في جلسته: ـ "اقعدي يا ليلى.. فهميني، مالها ألحان بالضبط؟"
بدأت ليلى تحكي له كل ما تعرفه وتراه؛ سردت عليه تفاصيل الاتفاقية، والعقد، وقسوة رحيم وعمه، وسيطرتهم المرعبة على مصير ألحان. استمع إليها معتصم وعيناه تتوسعان ذهولاً، ولم يكن مصدقًا أن يصل الجبروت برحيم وعائلته إلى هذا الحد من القسوة معها.
وبعد أن أنهت ليلى حديثها، قال معتصم بصوت محمل بالصدمة والمرارة: ـ "للأسف.. أنا نفسي حاسس إني كنت أعمى عن كل ده، وبجد مذهول من اللي بتسمعه."
نظرت إليه ليلى باعتذار: ـ "أنا آسفة يا دكتور لو كلامي فتح جروح أو ضايقك."
رد معتصم بنبرة صادقة: ـ "متتاسفيش يا ليلى.. بالعكس، كفاية إن الواحد بقى فاهم إحنا عايشين وسط إيه."
فجأة، شق سكون الليل أذان الفجر، لتنتفض ليلى بخفة وهي تنظر إلى ساعتها بدهشة: ـ "يا ربي! الوقت تأخر قوي، الفجر أذن!"
نظر معتصم إلى السماء ثم إليها بابتسامة هادئة: ـ "معاكي حق.. يلا، قومي دخلي ارتاحي عشان أكيد الناموس مش هيسيبك في حالك."
ضحكت ليلى بخفة وهي تحك ذراعها بأسى: ـ "أنت لسه فاكر؟ ده أنا دراعاتي اتهرت من الناموس!"
ضحك معتصم بصوت رقيق أخفاه هدوء الليل: ـ "معلش يا ستي.. المرة الجاية نبقى نقعد في مكان مقفول بدل جنينة القصر المفتوحة دي."
ابتسمت ليلى وهي تهم بالوقوف: ـ "إن شاء الله.. تصبح على خير يا دكتور."
رفع معتصم حاجبه بابتسامة خفيفة عاتبة: ـ "احنا مش قلنا بلاش 'دكتور' دي؟"
تبسمت بحرج وهي تخطو خطواتها الأولى عائدة: ـ "حاضر.. تصبح على خير يا معتصم."
في صباح اليوم التالي، استيقظ رحيم وابتسامة النصر تعلو وجهه؛ وكأنه لا يزال يعتصره شعور بأنه امتلك ألحان حقًا. التفت لينظر إليها، فوجدها مستغرقة في النوم، وقد انسدل شعرها الأسود بغزارة ليغطي وجهها، بينما كانت ملقاة على جانبها ومغطاة بنصف ملاءة فقط تكشف عن أجزاء من ظهرها. اقترب منها ببطء شديد وباس ظهرها برقة طاغية، ثم نهض متوجهاً إلى الحمام ليأخذ دوشًا منعشًا.
أما ألحان، فكانت مستيقظة منذ فترة طويلة، لكنها كانت مرعوبة من التحرك أو محاولة الإفلات، خاصة وأن ذراعيه كانتا تحيطان بها بتملك شديد، وهي تدرك تمامًا أنها غير قابلة لمواجهته في هذا الوقت. وما إن شعرت بحركة خروج رحيم من الحمام حتى سارعت بإغلاق عينيها متظاهرة بالنوم العميق.
بدأ رحيم في ارتداء ملابسه بهدوء، ثم اقترب منها وطبع قبلة حانية على خدها، وهمس بصوته الرجولي الأجش: ـ "أنا عارف إنك صاحية.. قومي أجهزي عشان هننزل ننقي أوضة النوم الجديدة."
فتحت عينيها بعصبية طاغية، واعتدلت في السرير بسرعة وهي تشد الملاية حول جسدها بغضب: ـ "مستحيل أروح معاك في حته!"
نظر إليها رحيم ببرود وتحدٍ، وقال بنبرة حاسمة: ـ "شكلك كده مش بتحبي تسمع الكلام بالذوق.. بس على العموم، قدامك ساعة بالظبط وألاقيكِ جاهزة، يا إما هتشوفي تصرف تاني خالص مش هيعجبك!"
ثم رمى نظرة سريعة على جسدها المرتجف، لتسارع هي بشد الملاية أكثر وأكثر لحجب نظراته. غادر الغرفة بكل ثقة، ممسكًا بعصاته التي تزيد من هيبته المرعبة.
وما إن أغلق الباب خلفه، حتى انهار سد صبرها، فقعدت ألحان تضم ركبتيها إلى صدرها وتبكي بحرقة وقهر، وهي غير مصدقة كيف استسلمت له بهذه السهولة الليلة الماضية، وكيف وصل بها الحال إلى هذا المأزق الذي لا مخرج منه.
في أسفل القصر، كان الجميع جالسون في صمت مشحون، إلى أن دلف رحيم بخطواته الواثقة وارتكز على كرسيه بعينين متجبرتين. التفتت ليلى نحوه وسألت بقلق دفين:
ـ "رحيم.. ألحان فين؟"
رد ببرود واقتضاب:
ـ "لسه نايمة."
ثم تحول بنظراته الحادة نحو هدير، وقال بصوت حاسم لا يقبل النقاش:
ـ "اجهزي يا هدير.. صفوان جاي النهاردة عشان ياخدك تنقوا الشبكة، وتختاروا العفش اللي هيتحط في جناحك هناك."
فضت عينا هدير بغيظ شديد، ولم تستطع كتمان ثورتها فقالت باعتراض حاد:
ـ "مالوش لزوم أصلاً! ولو هو عايز يختار حاجة، يختارها بمعرفته.. أنا ماليش دعوة!"
ابتسم رحيم ببرود واستفزاز، وقال بصوت هادئ:
ـ "بس صفوان ما قالش كده خالص.. ده قال لي إن هدير موافقة على كل حاجة ومستعدّة."
شعرَت هدير بالتوتر والارتباك يغمرانها وهي ترى الحبل يلتف حول عنقها، فحاولت كسب بعض الوقت قائلة بارتجافة:
ـ "طيب.. هجهز على الساعة اتنين."
أومأ رحيم برأسه وهو يخرج هاتفه:
ـ "خلاص، تمام.. هأتصل بيه أبلغه بالموعد."
أما في الجناح، فقد نهضت ألحان بصعوبة بالغة أثقلت خطواتها، وتوجهت إلى الحمام لتأخذ دوشًا يخفف عنها بعضاً من إرهاقها وتوترها. وما إن انتهت وخرجت، حتى شرعت في ارتداء ملابسها ببطء وهن شديد.
وفي تلك اللحظة، صدح صوت رنين هاتفها معلناً عن اتصال من ليلى، فسارعت بالرد بلهفة:
ـ "ليلى.. اطلعي لي بسرعة، أنا عايزاكِ ضروري!"
سألت ليلى بنبرة قلقة:
ـ "مالك يا ألحان؟ فيكي إيه؟"
ـ "اطلعي بس، وأنا هحكي لك كل حاجة."
ولم تمضِ دقيقتان حتى كانت ليلى تطرق الباب وتدخل الجناح، لتتسمر مكانها بصدمة وهي ترى الفوضى العارمة والهيئة المبعثرة التي عليها الغرفة. نظرت حولها بذهول وقالت:
ـ "هو قامت حرب هنا ولا إيه؟!"
ردت ألحان بصوت متهدج وهي تحاول مداراة ارتباكها:
ـ "مش وقت الكلام ده خالص.. تعالي ساعديني أخلص لبسي أرجوكِ."
اقتربت ليلى بخطوات سريعة وبدأت تساعدها في ارتداء ملابسها بصمت، ثم قالت وهي تتفحص وجهها الباهت:
ـ "على فكرة.. أنا سألت رحيم عنكِ تحت، وقال لي إنك لسه نايمة."
عقدت ألحان حاجبيها بغضب وقالت:
ـ "بقول لك إيه.. ما تجيبيش سيرة البني آدم ده قدامي خالص!"
توقفَت ليلى عن الحركة، وأمسكت بيديها برفق وأجلستها على الكرسي أمامها، ثم سألتها بنبرة يملؤها الشك والحذر:
ـ "قولي لي بصدق يا ألحان.. هو قرب منك؟"
لم تستطع ألحان حبس دموعها أكثر من ذلك، فانفجرت باكية بحرقة وانهارت، لترتمي في حضن ليلى وهي تئن بقهر:
ـ "أنا مش عارفة إزاي استسلمت له بالسهولة دي يا ليلى.. مش عارفة!"
طبطبت ليلى على ظهرها بحنان بالغ وهي تحاول مواساتها بهدوء:
ـ "طب اهدي يا حبيبتي.. يمكن.. يمكن لأنك غصب عنك بدأتِ تحبيه من جوه؟"
رفعت ألحان رأسها بسرعة وعيناها متسعتان بصدمة تامة:
ـ "أحبّه؟! إزاي تقولي كده؟!"
ردت ليلى بهدوء وهي تتأمل ملامحها المتاثرة:
ـ "مش عارفة يا ألحان.. بس أنا أوقات كتير بحس إني شايفة نظرة الحب دي في عينيكِ من ناحية رحيم، بس كنت ساكتة وما بحبش اضغط عليكِ."
هزت ألحان رأسها برفض قاطع ودموعها تنحدر على خديها:
ـ "مستحيل.. مستحيل أصلاً أفكر في كده!"
تنهدت ليلى بحيرة، ثم اقترحت عليها بنبرة صادقة:
ـ "طيب، إيه رأيك تصلي صلاة الاستخاره، وتسيبي الأمر لربنا يشرح لك صدرك ويكتب لك الخير فين؟"
وقفت ألحان مفاجأة بعزيمة مباغتة، وقالت بصوت جاد وحاسم:
ـ "أنا خلاص يا ليلى.. قررت إني همشي من هنا ومش هقعد دقيقة زيادة."
انتفضت ليلى بفزع وغير تصديق، وقالت بنبرة تحذيرية:
ـ "أنتِ عبيطة يا بنتي؟! جوزك صعيدي، ومن عيلة مستحيل تسيبك تبعدي عنها.. دي ممكن يقتلك لو فكرتي تهربي!"
أصرت ألحان بصوت مرتجف لكنه يحمل إصرارًا غريبًا:
ـ "مش مهم.. هحاول أحل الموضوع ده في أقرب وقت، وهاخدك معايا من هنا ونمشي بعيد عن الكابوس ده."
مسكت ليلى بكتفيها وحاولت هزها بلطف لتعيدها إلى صوابها:
ـ "أرجوكِ فكري كويس يا ألحان.. دي مش لعبة، عشان ما ترجعيش تندمي في وقت لا ينفع فيه الندم."
نظرت إليها ألحان بثبات وقالت ببرود نابع من اليأس:
ـ "فكرت.. وده فعلاً أحسن حل لينا احنا الاتنين."