رواية عذبة النخيل الفصل الثامن عشر18 بقلم حنان أحمد ماهر

رواية عذبة النخيل بقلم حنان أحمد ماهر 
رواية عذبة النخيل الفصل الثامن عشر18 بقلم حنان أحمد ماهر 

لم تكن همس تتوقع أن تحمل لها هذه اللحظات مفاجأة أكبر من تلك التي عاشتها منذ الصباح.
فبعد أن اكتملت استعداداتها، وقفت أمام المرآة بثوبها الأبيض، والكردان الذهبي يزين عنقها، وقلبها يخفق كلما تخيلت أنها بعد ساعات قليلة ستصبح زوجة فارس أمام الجميع.
لكنها لم تكن تعلم أن هناك شخصًا واحدًا تحديدًا كانت تتمنى وجوده إلى جوارها أكثر من أي شخص آخر...
أمها.
كانت همس لا تزال تنظر إلى انعكاسها في المرآة، حين انفتح باب الغرفة فجأة.
استدارت بسرعة...
وتجمدت في مكانها.
اتسعت عيناها، وانحبست الكلمات في حلقها.
فقد كانت المرأة الواقفة أمامها هي آخر شخص توقعت أن تراه في هذا اليوم.
كانت فاطمة.
وقفت عند الباب وعيناها ممتلئتان بالدموع، تنظر إلى ابنتها وكأنها تحاول أن تحفظ ملامحها في قلبها من جديد.
همست همس بصوت مرتجف:
ـ ماما...؟
لم تنتظر فاطمة أكثر.
تقدمت نحوها بخطوات سريعة، وفي اللحظة التالية اندفعت همس إليها، وألقت بنفسها في حضنها، بينما احتضنتها فاطمة بقوة، وكأنها تخشى أن تفلت ابنتها من بين ذراعيها مرة أخرى.
دفنت همس وجهها في صدر أمها، وانهمرت دموعها دون أن تحاول إخفاءها.
ـ وحشتيني يا ماما... وحشتيني أوي.
أغمضت فاطمة عينيها، وراحت تربت على شعرها وهي تبكي:
ـ وإنتِ كمان وحشتيني يا بنتي... وحشتيني لدرجة إني كنت بحس إني هموت كل يوم وأنا مش عارفة إنتِ فين.
ابتعدت همس عنها قليلًا، لكنها ظلت ممسكة بيديها، تنظر إلى وجهها وكأنها لا تزال غير مصدقة أنها أمامها.
قالت بلهفة:
ـ إنتِ عرفتي مكاني إزاي؟ إزاي عرفتي إني هنا؟
مسحت فاطمة دموعها، وابتسمت وسط بكائها:
ـ فارس هو اللي جابني يا همس.
توقفت همس للحظة، ثم اتسعت ابتسامتها فجأة، وكأنها فهمت أن فارس لم يكتفِ بأن يجعل يومها أجمل، بل أراد أن يعيد إليها الجزء الذي كان ينقص فرحتها.
قالت بصوت مليء بالسعادة:
ـ فارس؟!
هزت فاطمة رأسها:
ـ أيوه... هو اللي عرفني إنك هنا، وهو اللي طلب مني أجيلك النهارده واكون جنبك فى أهم يوم فى حياتك.
ضحكت همس من بين دموعها، ثم احتضنت أمها من جديد.
ـ أنا فرحانة أوي يا ماما... صدقيني فرحانة أوي.
ابتعدت فاطمة عنها، وأمسكت وجهها بين كفيها.
ـ ربنا يفرح قلبك ديما يارب يا بنتي.
نظرت همس إليها بعينين دامعتين، وقالت بصوت خافت:
ـ عارفة يا ماما؟ أنا من أول ما صحيت النهارده وأنا حاسة إن في حاجة ناقصة.
سكتت لحظة، ثم ابتسمت بحزن:
ـ كنت فرحانة... بس جوايا حتة صغيرة زعلانة علشان إنتِ مش معايا في يوم زي ده.
تأثرت فاطمة بشدة، ومدت يدها تمسح دموع ابنتها.
ـ سامحيني يا همس.
هزت همس رأسها بسرعة:
ـ متقوليش كده يا ماما.
لكن فاطمة أمسكت يدها وقبلتها بحنان، ثم قالت:
ـ يعني إنتِ مسمحاني يا بنتي؟
نظرت إليها همس طويلًا، ثم اقتربت منها وقبّلت جبينها.
ـ مسمحاكي يا ماما... إنتِ أمي، مهما حصل هتفضلي أمي.
انهارت دموع فاطمة من جديد، وقالت بصوت مكسور:
ـ صدقيني يا همس... كان غصب عنى . أنا كنت خايفة عليكي.
خفضت فاطمة عينيها، وكأنها تستجمع شجاعتها لتقول شيئًا ظل يؤلمها لسنوات.
ـ كنت خايفة أخسرك... زي ما خسرت أبوكي.
صمتت همس.
تغيرت ملامحها، وظهرت في عينيها لمعة حزن.
أكملت فاطمة:
ـ من يوم ما محمود راح وأنا عايشة بخوف... كل يوم كنت بخاف يحصل لك حاجة. كنت خايفة أعمل أي خطوة غلط، خايفة أخسرك إنتِ كمان... وخوفي خلاني ساعات أتصرف بطريقة وجعتك.
أمسكت همس يد أمها وضغطت عليها بحنان.
ـ خلاص يا ماما... خلاص.
قالت فاطمة وهي تبكي:
ـ كنت نفسي أحميكي، لكني معرفتش أحميكي بالطريقة الصح.
ردت همس والدموع تلمع في عينيها:
ـ وإنتِ النهارده هنا... وده أهم حاجة عندي.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
ـ عارفة؟ دلوقتي بس حسيت إن فرحتي اكتملت.
ابتسمت فاطمة وسط دموعها، ونظرت إلى ابنتها من رأسها حتى قدميها، ثم قالت بفخر:
ـ ما شاء الله عليكِ يا بنتي... بقيتي عروسة.
ضحكت همس بخجل:
ـ أنا مش مصدقة نفسي أصلًا.
رفعت فاطمة يدها ولمست الكردان الذهبي حول عنقها، ثم سألتها:
ـ وإيه الحلاوة دي كلها؟
ابتسمت همس:
ـ ده هدية من تيتا أمينة جدت فارس... قالت لي إنه كان بتاع مامه فارس.
توقفت فاطمة للحظة، ثم ابتسمت بحنان:
ـ ربنا يرحمها... أكيد كانت هتفرح بيكي.
نظرت همس إلى المرآة، ثم إلى أمها.
وفي تلك اللحظة، سمعتا أصوات الزغاريد تتعالى من خارج الغرفة، تلتها ضحكات وأصوات نساء تتحرك في أرجاء السرايا.
ابتسمت فاطمة وقالت: همس فى مفاجأة تانيه مستنيه تدخل تسلم عليكى
رفعت همس عينيها إلى فاطمة باستغراب، ثم قالت:
ـ مفاجأة تانية؟! مفاجأة إيه دي يا ماما؟
ابتسمت فاطمة وسط دموعها، ولم تجبها، بل اتجهت نحو باب الغرفة بخطوات هادئة.
مدت يدها إلى مقبض الباب، وفتحته ببطء.
وفي اللحظة التي انفتح فيها الباب...
توقفت همس عن التنفس للحظات.
كان هناك رجل يقف أمام الباب، وقد بدا عليه التردد الشديد، وكأن خطوات قليلة تفصله عن حلم ظل ينتظره سنوات طويلة.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع، وملامحه تحمل آثار سنوات من الغياب والاشتياق.
لكن همس...
لم تستطع أن تتحرك.
ظلت تحدق فيه بصمت.
ثوانٍ طويلة مرت وكأن الزمن توقف تمامًا داخل الغرفة.
كان الرجل هو محمود.
والدها.
الرجل الذي عاشت سنوات طويلة وهي تظن أنها لن تراه مرة أخرى.
الرجل الذي حُرمت من حضنه، ومن صوته، ومن وجوده في تفاصيل حياتها.
ارتجفت شفتاها، واتسعت عيناها أكثر، بينما راحت تحدق في ملامحه وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه أمامه.
رفعت يدها إلى فمها دون أن تشعر.
ـ بابا...؟
خرجت الكلمة ضعيفة، متقطعة، بالكاد سُمعت.
لكن محمود سمعها.
وانهمرت دموعه في اللحظة نفسها.
لم يستطع أن يقول شيئًا.
كان فقط ينظر إليها.
ينظر إلى ابنته التي كبرت بعيدًا عنه، والتي حُرم من أن يراها عروسًا أمام عينيه.
أما همس، فكانت لا تزال واقفة مكانها.
تدقق في ملامحه بشدة.
كانت تحاول أن تجد فيه صورة الرجل التي احتفظت بها في ذاكرتها منذ طفولتها.
والغريب...
أنه لم يتغير كثيرًا.
كانت ملامحه كما تتذكرها.
نفس العينين.
نفس الابتسامة الهادئة.
نفس نظرة الحنان التي كانت تشعر بالأمان بمجرد أن تراها.
كل شيء تقريبًا كان كما هو...
إلا بعض خصلات الشعر البيضاء التي ظهرت بين شعره، وكأن السنوات التي مرت عليه تركت آثارها القليلة دون أن تستطيع أن تمحو الرجل الذي ظل يعيش في ذاكرتها.
همست وهي لا تزال تحدق فيه:
ـ إنت...
توقفت، ولم تستطع إكمال الجملة.
ابتسم محمود وسط دموعه، وقال بصوت مرتجف:
ـ أيوه يا بنتي...
تجمدت همس للحظة.
ثم قالت بصوت مخنوق:
ـ إنت بابا؟
أومأ محمود برأسه، ودموعه تنزل بصمت.
ـ أنا يا همس...
وما إن سمعت صوته...
حتى انهار كل شيء بداخلها.
كل السنوات التي مرت، كل الشوق، كل الأسئلة، كل الليالي التي نامت فيها وهي تتمنى لو كان والدها بجوارها...
كلها اجتمعت في لحظة واحدة.
صرخت بصوت مليء بالبكاء:
ـ باباااا!
وانطلقت نحوه.
فتح محمود ذراعيه بسرعة، فاندفعت همس إلى حضنه، واحتضنته بكل قوتها، بينما ضمها هو الآخر وكأنه يخشى أن يصدق أنها أصبحت بين ذراعيه بالفعل.
أغمض محمود عينيه، ودفن وجهه في شعر ابنته، وانهمرت دموعه دون توقف.
ـ بنتي... بنتي  همس.
كانت همس تبكي بشدة، وتردد بين شهقاتها:
ـ وحشتني... وحشتني أوي يا بابا.
شد محمود عليها أكثر، وقال بصوت مكسور:
ـ وإنتِ وحشتيني أكتر يا حبيبتي... وحشتيني سنين.
ابتعدت همس عنه قليلًا، لكنها لم تتركه، وأخذت تتأمل وجهه من جديد، وكأنها تريد التأكد أنه حقيقي وليس حلمًا.
رفعت يدها ولمست خصلات شعره البيضاء،ثم قالت وهي تبكي:
ـ إنت كنت فين كل السنين دي يا بابا؟ سبتني أنا وماما ليه؟ مرجعتش؟ قدرت تتحمل البعد عننا أوي كده يا بابا؟... سببتنا نتعذب وإنت بعيد عننا سبتنا لعمو هو يتحكم فينا .
ارتجف قلب محمود أمام كلماتها، وكأن كل كلمة منها كانت تحمل إليه وجع السنوات التي عاشتها ابنته بدونه.
أمسك يديها بين كفيه، ونظر إلى عينيها طويلًا، ثم قال بصوت متهدج:
ـ كان غصب عني يا همس... والله غصب عني.
هزت همس رأسها وهي تبكي:
ـ غصب عنك؟ طب وأنا؟ أنا كنت كل يوم بسأل نفسي؟ ليه بابا مش موجود زي باقي الآباء؟ كنت محتاجاك يا بابا...
انكسر صوتها في آخر كلمة، فلم يحتمل محمود رؤيتها بهذا الألم، فضمها إليه من جديد.
قال وهو يبكي:
ـ عارف... وعارف إني وجعتك. وعارف إن مفيش كلام في الدنيا يقدر يرجع السنين اللي ضاعت منك ومني.
سكت لحظة، ثم ابتعد عنها قليلًا، وأمسك وجهها بين كفيه.
ـ بس صدقيني يا بنتي، عمري ما نسيتك... ولا يوم عدى عليا من غير ما أفكر فيكي.
نظرت إليه همس من بين دموعها.
ـ طب ليه مرجعتش؟
أخذ محمود نفسًا عميقًا، وكأنه يعود بذاكرته إلى سنوات طويلة من الخوف.
ـ خفت أرجع وأكون السبب في خسارتكم.
تغيرت ملامح همس، بينما أكمل محمود:
ـ كنت عارف عز كويس... عارف هو ممكن يعمل إيه علشان يوصل للي عايزه. ولو كنت رجعت وقتها، مكنتش ضامن إنه كان هيتردد يقتلني... أو يأذيكي إنتِ ومامتك علشان يستولي على كل حاجة.
ـ كنت عارف إن رجوعي وأنا ضعيف مش هيجيب غير المصيبة. كان لازم أرجع أقوى... أقوى من عز، وأكون قادر آخد حقي منه، وأحميكم، وأحاسبه على كل حاجة عملها.
صمت قليلًا، ثم قال بحزن:
ـ وعلى السنين اللي ضاعت من عمري وعمرك... السنين اللي اتحرمت فيها إني أشوفك بتكبري قدامى.
 ضمها إلى صدره مرة أخرى، وقال بصوت مكسور:
ـ سامحيني يا بنتي... سامحيني إني سيبتك كل السنين دي. سامحيني إني خليتك تكبري من غير حضني. بس والله ما كان غياب مني ولا نسيان ليكي... كنت بحاول أرجعلك من غير ما أخسرك للأبد.
بكت همس في حضنه، وأمسكت بقميصه بقوة.
ـ أنا مش عايزة منك غير حاجة واحدة يا بابا.
ابتعد محمود عنها قليلًا وقال:
ـ قولي يا حبيبتي.
ابتسمت همس وسط دموعها:
ـ متسبنيش تاني.
تجمد محمود للحظة، ثم ضمها إليه بقوة، وأغمض عينيه وهو يقول:
ـ عمري... عمري ما هسيبك تاني. من النهارده أنا جنبك، ومهما حصل مش هبعد عنك.
ومن خلفهما، كانت فاطمة تقف عند الباب، تضع يدها على فمها وهي تبكي، بينما ابتسمت وسط دموعها.
أما همس، فظلت في حضن أبيها، وكأنها تحاول في تلك اللحظات القليلة أن تعوض كل السنوات التي حُرمت فيها من ذلك الحضن.
وفي الخارج، ارتفعت الزغاريد من جديد، وكأن عزبة النخيل كلها تحتفل بالعروس...
لكن بالنسبة لهمس، كانت هذه اللحظة هي أجمل هدية تلقتها في يوم زفافها.
فاليوم لم تعد عروسًا فقط...
بل استعادت أمها، واستعادت أباها، واستعادت جزءًا كبيرًا من طفولتها التي ظنت أنها لن تعود إليها أبدًا.
ظلت همس للحظات داخل حضن والدها، قبل أن تبتعد عنه قليلًا، وتمسح دموعها بطرف أصابعها، ثم نظرت إليه باستغراب وكأن سؤالًا مهمًا تذكّرته فجأة.
قالت وهي تحاول أن تبتسم:
ـ بس استنى يا بابا... إنت عرفت مكاني إزاي؟
ابتسم محمود ابتسامة غامضة، ولم يجبها مباشرة.
بل رفع عينيه إلى ما وراء كتفها.
لاحظت همس نظراته، فاستدارت ببطء...
وفور أن وقعت عيناها على الشخص الواقف عند باب الغرفة، اتسعت عيناها من المفاجأة.
كان فارس.
وقف هناك بهدوء، مستندًا إلى إطار الباب، وعلى وجهه ابتسامة صغيرة، بينما كانت عيناه معلقتين بها وحدها.
لم يستطع إخفاء إعجابه.
فقد كانت همس أمامه مختلفة تمامًا عن كل مرة رآها فيها.
ثوبها الأبيض، والكردان امه الذهبي الذي يزين عنقها، وملامحها التي زادتها فرحة وإشراقًا... كانت اميرة من اميرات الحكايات.
كل ذلك جعل فارس يقف للحظات دون أن يعرف ماذا يقول.
كانت عيناه تقولان كل شيء.
حب... وفخر... وإعجاب بالعروس التي أصبحت اليوم كل حياته.
لاحظت همس نظراته، فاحمر وجهها بخجل، وخفضت عينيها للحظة، ثم عادت تنظر إلى والدها.
ـ إنت كنت بتبص لفارس ليه؟
ضحك محمود بخفة، وقال:
ـ علشان هو السبب في إن أمك وصلتلك النهارده.
نظرت همس إلى فارس، ثم إلى أبيها.
ـ  إنت تعرف فارس منين؟
ابتسم محمود، وأشار إلى فارس قائلًا:
ـ فارس ده مش غريب عني يا همس.
اقترب فارس منهم، وقال باحترام:
ـ حمد لله على سلامتك يا عمي.
نظر إليه محمود بابتسامة، ثم مد يده وصافحه.
ـ الله يسلمك يا فارس.
ثم التفت محمود إلى ابنته وقال:
ـ أنا كنت عارف أخبارك وتحركاتك من يوم ما سبتكم.
اتسعت عينا همس بدهشة:
ـ إيه؟!
ابتسم محمود:
ـ أيوه... كنت متابعك من بعيد. واليوم اللي هربتي فيه، كنت عارف إنك خرجتي من البيت، وكنت بحاول أطمن عليكي من غير ما حد يحس.
وضعت همس يدها على صدرها من شدة المفاجأة.
ـ يعني إنت كنت عارف أنا فين؟
هز محمود رأسه:
ـ مش كل حاجة بالتفصيل، لكن كنت حريص أعرف إنك بخير. ولما عرفت إنك وصلت للصعيد، وصيت الحاج عبد المجيد عليكي.
تذكرت همس كلام الحاج عبد المجيد عنها، ونظرت إلى أبيها بدهشة أكبر.
ـ الحاج عبد المجيد؟
ـ أيوه. الحاج عبد المجيد صاحبي من زمان، وكنت واثق إنه هيحافظ عليكي ويحميكي لو حصل لك أي حاجة.
ابتسمت همس، وقد بدأت الصورة تكتمل أمامها.
ـ علشان كده كان دايمًا واقف جنبي؟
أومأ محمود:
ـ علشاني أنا... بس هو كمان حبك كأنك واحدة من أهل بيته.
ثم التفت محمود إلى فارس، وقال بنبرة مازحة:
ـ لكن الحاجة الوحيدة اللي ما كنتش عامل حسابها...
توقف لحظة، ثم نظر إلى ابنته.
ـ إن فارس يحبك بالشكل ده.
ارتبكت همس فورًا، ونظرت إلى الأرض.
أما فارس، فاكتفى بابتسامة خجولة.
تابع محمود وهو يضحك:
ـ ولا كنت عامل حساب إنه ييجي يطلب إيدك مني.
رفعت همس عينيها بسرعة نحو فارس.
ـ طلب إيدي منك؟
ابتسم فارس وقال:
ـ أيوه.
نظر محمود إليه بفخر، ثم قال:
ـ فارس جه واتكلم معايا بكل وضوح. قالي إنه بيحبك، وإنه عايزك بالحلال، وإنه مستعد يعمل أي حاجة علشان يسعدك يحافظ عليكي.
نظرت همس إلى فارس، ولم تستطع منع ابتسامتها.
ثم اقترب من همس ووضع يده على رأسها بحنان.
ـ وبعد اللي شفته بعيني النهارده... عرفت إني اخترت صح.
رفع فارس عينيه إلى همس مرة أخرى، وقال بهدوء:
ـ وأنا أوعدك يا عمي إني هفضل أحافظ عليها طول عمري.
نظر محمود إليه للحظات، ثم ابتسم.
ـ أنا مش عايز منك أكتر من كده يا فارس.
ثم التفت إلى همس، وقال بابتسامة:
ـ الظاهر إن بنتي كانت مكتوب لها تبدأ حياتها الجديدة وهي حواليها الناس اللي بتحبها كلها.
ضحكت همس بخجل، بينما ارتفعت أصوات الزغاريد من الخارج من جديد.
فابتسمت فاطمة وهي تمسح دموعها، وقالت:
ـ خلاص يا همس... كفاية بكا بقى. النهارده يوم فرحك.
ضحك محمود:
ـ عندك حق يا فطومه... إحنا كده هنبوظ مكياج العروسة قبل ما تنزل.
ضحكت همس من بين دموعها، ونظرت إلى فارس.
أما فارس فظل ينظر إليها بنفس النظرة التي جعلت قلبها يخفق بقوة...

ابتسمت همس من بين دموعها، وظلت عيناها معلقتين بفارس للحظات، بينما كان هو واقفًا  يتأملها وكأنه يحاول أن يحفظ تفاصيلها في ذاكرته.
لم يكن يحتاج إلى أن يقول شيئًا.
كانت نظراته وحدها كافية لتخبرها كم كانت جميلة في عينيه، وكم كان سعيدًا لأنه يراها في هذه اللحظة التي انتظرها طويلًا.
لكن فاطمة، التي كانت تراقبهما، ابتسمت وهي تهز رأسها في هدوء.
كان واضحًا أن العروس لن تنتهي من البكاء إذا ظل الجميع حولها بهذه الطريقة.
اقتربت منها، وأخذت تنظر إلى وجهها باهتمام، ثم لم تستطع منع ابتسامتها وهي تلاحظ آثار الدموع التي تركت خطوطًا صغيرة على مكياجها.
مسحت فاطمة إحدى دموعها الأخيرة بحنان، وقالت وهي تضحك:
ـ بصي على نفسك في المراية يا همس.
التفتت همس إلى المرآة، وما إن رأت وجهها حتى اتسعت عيناها بدهشة.
كانت قد نسيت تمامًا أنها عروس، وأن هناك من قضى وقتًا طويلًا في تجهيزها لهذا اليوم.
رفعت فاطمة عينيها نحو محمود وفارس، ثم قالت بنبرة حاسمة لكنها تحمل ابتسامة:
ـ طيب يلا بقى... اطلعوا إنتوا الاتنين بره، وسيبوا العروسة  شوية علشان الميكب ارتست تظبطه.
خرجت فاطمة من الغرفة برفقة محمود وفارس، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، تاركةً همس مع خبيرة التجميل التي بدأت على الفور في إصلاح ما أفسدته دموع الفرح.
جلست همس أمام المرآة، بينما أخذت خبيرة التجميل تعيد ترتيب مكياج عينيها وتضع اللمسات الأخيرة على وجهها.
أما في الخارج، فكانت فاطمة تبتسم وهي تنظر إلى محمود وفارس، بينما تعالت أصوات الزغاريد من جديد، استعدادًا لنزول العروس.
في الجهة الأخرى من السرايا، كان الحاج عبد الرحيم قد وصل إلى سرايا الدمنهوري، واتجه مباشرة إلى المكان المخصص للرجال، حيث جلس بين الحضور.
وبمجرد أن وقعت عينا حمزة عليه، اقترب منه بابتسامة هادئة حتى يسلم عليه، لكن الحاج عبد الرحيم قابله بسلام مقتضب وملامح تحمل بعض الضيق.
توقف حمزة للحظة، مستغربًا طريقته، فهو لم يفهم سبب تغيره المفاجئ.
لكنه كتم ضيقه، واكتفى بالجلوس إلى جواره للحظات، وهو يقرر أن يتحدث معه لاحقًا ويعرف ما الذي أغضبه.
أما عند فارس، فكان يقف وسط الحضور، وعيناه تتجهان بين الحين والآخر ناحية باب الغرفة التي تجلس فيها همس.
اقترب من فاطمة، وقال لها بهدوء:
ـ فاطوم، ممكن تدخلي تشوفي همس خلصت ولا لسه؟ واستعجليها شوية... المأذون مستعجل وعايز يبدأ.
ابتسمت فاطمة وهي تنظر إليه، ثم هزت رأسها بتفهم.
ـ حاضر يا فارس، هروح أشوفها.
واتجهت فاطمة بسرعة نحو غرفة همس، بينما ظل فارس واقفًا في مكانه، يحاول أن يخفي شوقه لرؤيتها، وهو يشعر أن الدقائق تمر ببطء شديد.
أسرعت فاطمة نحو غرفة همس، وهي تظن أنها ستجد ابنتها أمام المرآة تستعد للنزول.
لكن ما إن فتحت الباب...
حتى تجمدت في مكانها.
اتسعت عيناها، وانحبس نفسها للحظات، وهي ترى خبيرة التجميل ملقاة على الأرض، فاقدة الوعي، بينما كانت الغرفة خالية تمامًا من همس.
نظرت فاطمة حولها في ذهول، وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.
تقدمت خطوة إلى الداخل، ثم صاحت بأعلى صوتها:
ـ بنتيييييييييييي! همسسسسسس!
ارتد صدى صرختها في أرجاء السرايا، فتوقفت الأصوات والضحكات في الخارج فجأة.
انتبه فارس إلى صرخة فاطمة، فتغيرت ملامحه في لحظة، واندفع ناحية الغرفة بأقصى سرعة، بينما تبعه محمود وعدد من الرجال.
كان قلب فارس يخفق بعنف، وكل ما يدور في رأسه... همس و......... نكمل بكره بقلمي حنان أحمد ماهر

تعليقات



<>