رواية الفرار من العشق الفصل التاسع عشر19بقلم اميرة خالد

        

رواية الفرار من العشق الفصل التاسع عشر19بقلم اميرة خالد

اتجهت ألحان وليلى نحو السيارة مع هانم التي سلّمتهما حقيبة المال المتفق عليها قائلة: "دي شنطة الفلوس اللي اتفقنا عليها." أجابت ألحان بامتنان: "تمام قوي، أول ما الدنيا تهدأ هتتصلي عليّا، مش أنتِ جبتِ التليفون وحطيتيه في الشنطة؟" أكدت هانم أن كل شيء جاهز محذرة إياها: "كل حاجة اتفقنا عليها موجودة في الشنطة، بس المهم إنك ما ترجعيش هنا تاني وما أشوفش وشك." ردت ألحان بحزم: "طبعاً، ده اللي هيحصل." ودّعتهما هانم وهي تقول: "طب يلا، أنا لازم أقيم وأرجع," لتدخل البيت مجدداً بينما انطلق السواق بهما.
​بعد وقت قصير، وصلوا إلى بيت قديم على أطراف البلدة، حيث وعدهم السواق بالعودة قريباً قائلاً: "إن شاء الله، بعد ما الدنيا تهدأ هكون عندك يا دكتورة." نزلت ألحان وليلى ودخلتا البيت القديم، لتنفجر ليلى بالأسئلة قائلة: "ممكن بقى أفهَم إيه اللي حصل؟"
​جلست ألحان بهدوء وأجابتها: "بصي يا ستي، أنا مستحيل كنت أكمّل مع رحيم، وكان أكتر شخص يقدر يساعدني إني أهرب هو اللي بيكرهني، وما لقيتش حد بيكرهني قد هانم؛ عشان كده رحت لها وطلبت منها تساعدني أهرب، وهي فرحت وما صدقت، وفعلا اتفقنا على كل حاجة، بس كنت مستنية نتيجة التحاليل عشان أتأكد إن معتصم هو يوسف." سألتها ليلى بقلق: "وأفرضي معتصم ما طلعش أخوكِ، كنتِ هتعملي إيه؟" ابتسمت ألحان بثقة: "أنا كنت متأكدة، بس كنت عايزة دليل قاطع." تابعت ليلى بخوف: "وتفتكري رحيم هيسكت؟" ردت ألحان بلا مبالاة: "مش مهم، المهم إني عملت اللي أنا عايزه. يلا تعالي ناكل، أنا ما أكلتش من الصبح." نظرت ليلى إلى أرجاء البيت وقالت بدهشة: "وتفتكري هنا فيه أكل؟" فأجابتها ألحان مبتسمة: "طبعاً يا بنتي، أنا عاملة حساب كل حاجة."
​على النقيض تماماً، كان الوضع في بيت العمدة يغمرهم الفرح والسرور؛ حيث كانت رقية في قمة سعادتها بزفافها، بينما كانت هانم تطلق الزغاريد ظاهرياً وكأن شيئاً لم يكن.
اقتربت إخلاص نادِيةً على هانم لتقول بصوت عالٍ: "خلّي العرايس ينزلوا." أجابتها هانم بحماس مزيف: "حاضر"، ثم توجهت لغرفة هدير تطرق الباب: "يلا عشان كتب الكتاب تحت." وقفت هدير وأسدلت الطرحة على وجهها بينما أمسكت والدتها بيدها بقلق. التفتت رقية باحثة عنها وسألت بتوجس: "هي ألحان فين ياما؟" ردت هانم متظاهرة بالجهل: "اصبري، ما أنا هنده لها هي كمان."
​دخلت الاثنتان إلى غرفة ألحان لتجداها فارغة تماماً، فلمحت هانم فستانها الملقى على السرير لتصرخ بدرامية مصطنعة: "يا لهوي! ده شكلها هربت!" سألتها رقية بفزع: "ليه بتقولي كده ياما؟" فردت هانم بلطم خفيف ومكر: "يعني مش شايفة الفستان على السرير؟ إحنا اتفضحنا في البلد كلها كده!" صرخت رقية بارتباك: "أنا لازم أكلم رحيم حالاً"، وسرعان ما ركضت نحو غرفتها لتجلب الهاتف، بينما كانت هانم ترتسم على وجهها ابتسامة نصر خفية ومستمتعة بفوضى الخطة التي نجحت.
​في تلك اللحظة، كان رحيم واقفاً وسط ديوان العمدة مع الرجال، وبجانبه صفوان وبدر ومعتصم، بينما جلس العمدة محاطاً بحماد وزهران وتوفيق والجميع يتبادلون التهاني على أنغام الطبل والزمر وعروض رقص الحصان الصعيدية. فجأة، رن هاتفه المحمول معلناً اتصال رقية؛ التقطه ليرد بنبرة هادئة: "فيه إيه يا رقية؟" أتاه صوتها المرتجف والمليء بالذعر: "الحق يا أخويا، ألحان هربت!"
​تجمد الدم في عروق رحيم وسقط الهاتف من يده صدمةً وذهولاً، ولم ينتظر ثانية واحدة قبل أن ينطلق كالمجنون يمزق صفوف الحاضرين جارياً نحو الجناح ليواجه الحقيقة المروعة.
دخل رحيم جناحه وبمجرد ما قفل الباب وراه، انفجر بركان الغضب جواه؛ مبدأش يصرخ بس، ده بقى يمسك أي تحفة أو حاجة قدامه ويكسرها بعصبية جنونية تخلي الجدران ترتج، ومش مصدق إن ألحان عملتها وهربت ليلة فرحه.
​وسط طوفان الغضب ده، دخلت هانم بخطوات هادية وخبث ظاهر في عينيها، وقربت منه ببرود وهي بتقول بصوت واطي وحاد:
ـ "هدي نفسك واسترجل يا رحيم.. كسر زي ما انت عايز بس بالراحة، اللي بتعمله ده هيضيع هيبتك وسط البلد كلها! لو الخبر نط بره الجناح ده، الناس هتأكل وشنا والكل هيضحك علينا.. ما حدش لازم يعرف أبداً إنها هربت."
​بص لها رحيم بعيون مليانة شرار وبصوت محشور:
ـ "أومال عاوزه أعمل إيه يا حاجة وهيا ولعت؟!"
​ردت هانم بمكر وهي بتطبطب على كتفه ببرود:
ـ "الموضوع يمشي عادي خالص كأن مفيش حاجة حصلت.. أنا هطلع للحريم أقولهم إن ألحان دراعها اتكسر وتعبت فجأة وفضلت نايمة فوق ومش هتقدر تنزل، وأنت انزل كمل ليلتك وامشيها طبيعي، وبعد ما الفرح يخلص والناس تمشي، لينا تصرف تاني ونتصرف براحتنا."
​كان الكلام تقيل على قلبه زي السم، بس حس إن كلامها هو الحل الوحيد عشان يحافظ على هيبته قدام رجال البلد. أخذ رحيم نفس عميق وبلع غضبه بالعافية، ونزل معها للرجالة وهو لابس ماسك الثبات كأن الدنيا تمام ومافيش أي كارثة حصلت.
​بدأت مراسم كتب الكتاب، وعدّت الأمور بشكل غريب؛ رحيم كتب كتاب هدير على صفوان، والزفة اشتعلت والطبل والزمر مالي المكان والناس بتزغرد، وكل عروسة راحت مع عريسها لبيتها.
​وأول ما خلصت الليلة والناس مشيت، اتغير وش رحيم 180 درجة؛ جمع رجالة الدوار والبلد كلها ووقف قدامهم بصوت صارم ومرعب أمرهم فيه بالبحث عن ألحان في كل شبر وصوب في البلد ومحدش يرجع غير وهي معاه.
​وعلى الجانب التاني، في بيت صفوان، كانت هدير دخلت الجناح، وقبل ما صفوان يلحق يستوعب الجو أو يفرح بالعروسة، استغرب جداً لما شافها بتفسخ فستان فرحها الفاخر بملامح باردة وقاسية. راحت دولابها وطلعت عباية سوداء قديمة ولبستها، وربطت راسها بطرحة سودة كأنها في مأتم مش فرح.
​اتجنن صفوان ووقف قدامها مذهول وهتف بصوت عالي وعصبي:
ـ "إيه اللي بتعمليه ده يا هدير؟! إنتِ اتجننتِ ولا إيه؟ لابسه البتاعة دي ليه واحنا لسه عُرسان؟!"
​بصت له هدير ببرود مستفز ونظرة تحدي نارية، وقالت بصوت واثق:
ـ "فوق يا صفوان وابعد عن سكتي.. الفرح خلص والتمثيلية انتهت، ودلوقتي جاي دورنا بجد!"
صفوان جن جنونه من ردها الجريء، ومسكها من شعرها بقوة وشدها ليه، ونزل على وشها بقلم قوي خلاها تدوخ وتلف حوالين نفسها. بص لها بعيون كلها شرار وقال بصوت ناري مهزوز من العصبية: "انسى الدلع اللي تدلعتيه ده كله.. واعرفي إن ليكِ راجل، وليه حقوق عليكِ ت غصب عنك! خشي حالا غيري الخرا ده وتعالي عشان خاطر الدخلة، فاهمة ولا لأ؟!"
​رفعت هدير راسها بتحدي رغم الدموع اللي في عينها وقالت بصوت متمرد وبارد: "لا.. مش هغيره!"
​ما استملش كلمة تانية منها؛ شالها بعنف ورماها على السرير بوحشية، وفضل يقطع هدومها باستمتاع وقسوة وهو بيحقق انتقامه، وقرب منها بعنف شديد في الأول. لكن أول ما لقاها استسلمت تماماً وانكسرت شوكتها قدامه، هبطت حدته المفاجئة وبدأت عيونه تلين، فابتسم بخبث ونصر، وبدأ يتعامل معاها بحنية وراحة لحد ما خلصوا، وسابها نايمة ودخل يريح أعصابه.
​وعلى الناحية التانية، عند عصافير الحب "رقية وبدر"، كانت الأجواء هادئة ودافية ومليانة سعادة. رقية كانت قاعدة على السرير مكسوفة جداً لدرجة إنها مش قادرة ترفع عينيها في عيونه من كتر الخجل. مسك بدر ايديها الاثنين بحب ورجفة فرح وقال بصوت هائم: "أنا بجد مش مصدق إنك خلاص بقيتي مراتي ومعايا هنا.. أنا حاسس إني ممكن أموت من كتر الفرحة والسرور اللي قلبي شايلهم!"
​حطت رقية ايديها برقة على بقه بخوف لطيف وقالت بصوت مهتز: "بعد الشر عليك يا حبيبي.. ما تقولش كده تاني."
​ابتسم بدر بفرحة عارمة وباس إيديها وقال: "طب يلا بسرعة يا عروسة، خشي غيري الفستان واتوضي عشان لازم نصلي ركعتين شكر لربنا." احمرت خدود رقية بشدة وبان عليها الخجل والكسوف، فقامت جريت بسرعة على الحمام وهي بتلتقط أنفاسها بصعوبة من التوتر.
​وفي دوار العمدة، الدنيا كانت مقلوبة وصوت رحيم كان عالي ومرعب وهو بيزعق للرجالة وبيديهم الأوامر بغضب أعمى. قرب العمدة منه باستغراب شديد وحط إيده على كتفه وقال: "في إيه يا ابني، بتزعق ليه كده والدنيا ليل وكل الناس بتبارك؟"
​رد رحيم بعصبية مفرطة وعروقه بارزة في رقبته: "الهانم هربت يا عمده.. ألحان طارت من القصر! بس والله العظيم لأجيبها من تحت الأرض لو كانت في آخر الدنيا!"
​حط العمدة إيده بحكمة وقال: "اهدأ بس دلوقتي عشان ما نلفتش نظر الناس، وهنلاقيها.. البلد مترقبة وفي إيدينا." سكت رحيم وهو بيجز على أسنانه بغيظ، بينما كانت هانم قاعدة على جنب ملامحها مرسوم عليها الخبث والفرحة المكتومة، وبدات تكلم نفسها بسخرية وهي بتستعيد ذكريات هرب أمها زمان من العمدة: "يعني هي هتجيبهم من بره؟ دي طلعة أمها لما هربت منك زمان يا عمده.. التاريخ بيعيد نفسه!"
​اتغيّز العمدة من طريقتها ووجه لها نظرة نارية حادة وقال بتحذير صارم: "اطلعي فوق جناحك يا هانم.. أحسن لك تسكتي خالص!"
​في الوقت ده، كان معتصم واقف في الزاوية مش مصدق ودانه إن ألحان هربت وأخدت ليلى معاها، وحس بقبضة في قلبه وتضايق جداً، وفضل واقف جنب رحيم شارد ومش عارف يتصرف أو يقول إيه.
​وعلى أطراف البلد، في البيت القديم البسيط، كانت ألحان وليلى نايمين على السرير في أوضة ضلمة وهادية. قالت ليلى بصوت واطي وكسلان: "ألحان.. صاحية ولا نامت؟ بقولك، عارفة أكتر حاجة مضايقاني بجد دلوقتي إيه؟"
​ردت ألحان وهي مغمضة عينها بتعب: "طبعا يا اختي عارفة، قعدتك في الجنينة وخوفك صح ولا أنا غلطانة؟"
​ضحكت ليلى بخفة وقالت: "دائماً كشفاني يا شيخة! بس مش ده لوحده اللي مضايقني.. اللي مجننني وبجد مزعلني إني هتحرم من أكل الفراخ البلدي والبط والفطير المشلتت بتاع الدوار!"
​ضحكت ألحان بصوت عالي رغم الهم اللي فيها وقالت: "يا شيخة حرام عليكِ.. همك على بطنك في عز الكارثة دي؟!"
​قالت ليلى بجدية أكتر وهي بتبص لصاحبتها في الضلمة: "أنا عارفة إنك زعلانة جواتك عشان بتبعدي عن رحيم، ده جوزك برضوا."
​ردت ألحان بثبات كاذب ونبرة قاطعة: "مين قال لك كده أصلاً؟ بالعكس، انا مبسوطة جداً إني عملت الخطوة الصح في الوقت الصح ومستحيل أندم."
​قالت ليلى بشك وريبة: "بيتهيا لي يا ألحان.. إنتِ جواتك بتحبيه."
​قفلت ألحان عيونها بسرعة وقالت بتهرب وحسم: "تصبحي على خير يا ليلى.. أنا تعبانه ومش قادرة أفكر."
​وفي بيت صفوان، عدل صفوان هدومه وقام وقف وهو عاري الصدر، وبص لهدير بابتسامة نصر وتأمل وقال: "مبروك يا عروسة.. كنتِ شجاعة الليلة." سابها ودخل البلكونة عشان يشم هواء ويولع سيجارة تهدي أعضابه بعد اللي حصل. أما هدير فكانت قاعدة على السرير مكسوفة جداً وبتشد الغطاء على جسمها بقوة، ومش مصدقة إنها استسلمت له بالشكل ده وإنه كان حنين ومختلف معاها على غير العادة. رفعت عيونها نحوه وهي باصة للبلكونة وقالت لنفسها بصوت خافت مذهول: "أول مرة أشوفك يا صفوان بالوش ده.. تري يا ترى مخبي إيه تاني وراك؟"
​وعند رقية وبدر، خلصت رقية صلاة هي وبدر، وقرب منها بدر بحب كبير وحط إيده الدافية على راسها وقال دعاء الزواج وطبع بوسة حانية على راسها. احمرت خدود رقية بشدة وبان عليها الخجل والارتباك، فضحك بدر بصوت دافئ وقال: "أنا أموت أنا في الفراولة والخجل ده كله!" وابتسمت رقية بخجل شديد وهي مدارية وشها بإيديها الاثنين من الكسوف.
بدأ بدر يقرب من رقية بكل رقة وهدوء، ووطى عليها بابتسامة دافية وكلمات كلها حنان، لتبدأ لحظتهم الخاصة في أجواء من الحب والسكينة بعيداً عن صخب الدنيا وبره القصر كله.
​أما في القصر، كان الغضب مولع نار جوا رحيم؛ رايح جاي في الجناح كأنه أسد محبوس، بيزعق بصوت عالي وعروقه بارزة من شدة القهر والعصبية لأنه مش طايق نفسه ولا طايق فكرة إن ألحان هربت منه وكسرت هيبته. عدى وقت طويل والرجالة رجعوا أخيرًا ودخلوا لرحيم وهما منزلين راسهم في الأرض بخوف، وقالوا بصوت كله توتر إنهم دوروا في كل شبر في البلد وما لقوش ليها أي أثر كأن الأرض انشقست وبلعتها.
​اتجنن رحيم أكتر وزعق فيهم بغضب أعمى وطردهم برة الجناح، وبقى يكسر أي حاجة بتقابله من كتر جنونه والنار اللي واكلة قلبه.
​في الوقت ده، كان معتصم طالع على أوضته وهو حاسس بثقل الدنيا كلها فوق كتافه. كان متضايق جداً ودمه محروق، ومش عشان فرح وبس، لا.. كان قلبه موجوع عشان ليلى اللي مشيت وسابته، وكان مكسور ومنقهر من ابن عمه رحيم اللي شاف في عينه حب ألحان الحقيقي وازاي وجعه لما سابته وهربت ليلة فرحه.
​دخل معتصم الأوضة وقفل الباب وراه، وقلع البدلة اللي كان لابسها في الفرح عشان يغير هدومه، وعلقها في الدولاب. وفجأة، وهو بيعدل البدلة، وقعت من جيبها حاجة على الأرض بصوت خفيف. ووطى معتصم جابها، فلقى قدامه ظرف فيه ورقة وشريط كاسيت قديم.
​فتح الورقة باستغراب، وبدأ يقرا الكلام المكتوب بخط ألحان البسيط والمؤثر اللي بيشد القلب من أول سطر:

​"يا معتصم.. لو مستغرب إيه اللي جاب الجواب ده في جيب بدلتك، فأنا اللي حطيته بإيدي وأنا متأكدة إنك هتلابسه وهتشوفه. أنا ألحان.. أختك. أيوة، مستغرب صح؟ بس دي الحقيقة اللي الزمن خباهَا عننا سنين. أمنا نادية.. اللي الكل ظلمها وحرمني وحرمك منها، عانت كتير وماتت بحسرتها. اسمع الشريط اللي مع الجواب ده كويس، اسمع صوتها وهي بتحكي الحكاية بنفسها. ولو مش مصدق كلامي، افتح الواتس آب عندك، هتلاقي نتيجة تحليل الدنا (DNA) بعتهالك بنفسي.. اسأل في المعمل وتأكد إن الدم يحن. أنا مشيت وطلعت من السجن ده، بس كنت لازم أقول لك الحقيقة قبل ما أبعد."

​وقف معتصم مكانه مسمّر، والورقة وقعت من إيده من كتر هول الصدمة. جري بسرعة جاب مسجل قديم عنده وحط فيه الشريط، وإيده بتترعش. أول ما ضغط زر التشغيل، طلع صوت نادية الحنين والموجوع وهي بتحكي قصتها المأساوية، وكل كلمة كانت بتنزل على قلبه زي السكاكين الحامية. غصب عنه، انفجر معتصم في البكاء والانهيار، ودموعه نزلت بغزارة وهو مش قادر يستوعب هل اللي بيسمعه ده حقيقة ولا كابوس مرعب؟ فتح تليفونه بسرعة، لقى فعلاً رسالة على الواتس فيها نتيجة التحاليل المؤكدة؛ قعد على السرير وراسه بين إيديه، ومنهار تماماً ومش عارف يعمل إيه.
​لما حس إن قلبه هيقف من كتر النار والصدمة، أخد الورقة وشريط الكاسيت والتليفون، ونزل يجري نزل معتصم بخطوات سريعة وصوته عالي بيملأ البيت، ودخل بغضب على أوضة العمدة اللي في الأرضي، وبص لأبوه بعيون مليانة نار ودموع قهر وصرخ بصوت هز الحوائط:
ـ "ازاي عملت فيا كده؟! ازاي ضيعت سنين عمري وكتبتني باسم حد تاني؟! كل ده ليه؟! ليه أذيت البني آدمة اللي حبيتك وأديتك الأمان ؟!"
​اتزعم العمدة الصدمة والذهول، وقف مكانه بملامح ميتة ومش مصدق، وبص له بصوت مهتز:
ـ "معتصم.. اهدى بس يا ابني تعالى أفهمك..."
​قاطعه معتصم بغضب أعمى وصوت عالي بيقطع السكينة:
ـ "هتفهموني إيه ولا إيه؟! أنا عرفت ألحان هربت ليه! هربت من ظلم ابنك اللي طالع زيك ونسخة منك في قسوتك! ليه عملتوا فيا وفيها كده؟! عمري ما هسامحكم أبداً!"
​وما استنى يسمع حرف واحد تاني؛ لف ضهره وسابهم يجري ويطلع بره الدوار كله وهو منهار ومنفجر من الوجع.
​في اللحظة دي، كان رحيم واقف على الباب وسمع كل كلمة؛ وفهم ساعتها إن ألحان مستحيل ترجع تاني، وإنها خلاص عرفت طريق أخوها "يوسف" اللي طلع هو معتصم، وكشفت كل الأسرار.
​وحامد كان واقف في الصالة وسمع الصدمة كلها، أما هانم فكانت واقفة جوه الأوضة ولون وشها خطف، ومش مصدقة ولا قادرة تستوعب إن الطفل المجهول "يوسف" اللي ضاع زمان، طلع قدامها طول السنين دي وهو "معتصم"!
​اترمى العمدة على الكرسي من كتر الصدمة والوجع، والتفت برأسه لرحيم وهو بيلهاث بصوت مكسور:
ـ "الحق أخوك يا رحيم.. الحق معتصم عشان خاطري قبل ما يجرى له حاجة!"
تعليقات



<>