رواية ما بين خيط وابرة وقلبان الفصل الاول1بقلم ريهام ناجي


رواية ما بين خيط وابرة وقلبان الفصل الاول1بقلم ريهام ناجي

_يونس..
 يونس العزازي وصل يا رُهام.

_بتتكلمي بجد؟

_آه والله، حتى قومي شوفي أسطول العربيات اللي جاي بها. 

قومت بسرعة، وقربت من شباك الأتيليه، 
وبصيت لتحت، فانبهرت بالعربية اللي كان نازل منها.

فضلت باصة له من فوق، 
مش مستوعبة، 
يونس العزازي، بشحمه ولحمه.

مش صورة على شاشة الموبايل، ولا صورة في مجلة، 
ولا فيديو بيتكلم فيه عن افتتاح شركة جديدة أو صفقة بملايين، 
هو... 
قدام عيني.

دخل الأتيليه بخطوات ثابتة، 
وراه أخته، واتنين من البودي جاردز. 

بلعت ريقي، وحاولت أستوعب إن الراجل اللي كنت بشوفه كل يوم تقريبًا من خلال الشاشات، واقف دلوقتي على بُعد كام خطوة مني.

_رُهام؟

بصيت لنورا اللي كانت واقفة جنبي.

_ها؟

_هتفضلي واقفة كده كتير؟

_أنا... أنا مش مصدقة إنه جه فعلًا.

ضحكت وهي بتبصلي باستغراب.

_يا بنتي هو إنسان مش كائن فضائي!

_أصل... ده يونس العزازي!

_ما أنا عارفة!

أخدت نفس عميق، وعدلت شعري بسرعة،
 وبصيت في المراية أتأكد إن شكلي حلو ومهندم.

وبعدين افتكرت فجأة إني بتصرف كأني رايحة أقابله مخصوص، 
اتكسفت من نفسي.

_أنا مالي أصلًا؟

تمتمت بها وأنا بحاول أتصرف طبيعي، 
لكن قلبي كان له رأي تاني تمامًا. 

لأول مرة، الرجل اللي اتمنيت في يوم إنه يلبس بدلة من تصميمي،
 واقف فعلًا في الأتيليه بتاعي، 
وأخيرًا أمنيتي قررت تتحقق...
بس من غير ما تستأذن قلبي الأول.

سمعت صوت أخته ملك، وهي بتقرب،
واللي في الأساس هي صاحبتي:

_رُهام، تعالى بسرعة.

خرجت من ورا المكتب، وحاولت أثبت خطواتي وأنا رايحة ناحيتهم، 
ولما رفعت عيني...
اتقابلت عيني بعينيه لأول مرة. 

اتجمدت مكاني، 
كان أطول مما توقعت، وأكتر هيبة مما ظهر في الصور، 
ملامحه هادية، لكن باردة بشكل مستفز، ونظرته كانت كفيلة إنها تخلي أي حد يعيد حساباته قبل ما يتكلم.

أما هو...
فاكتفى إنه بصلي ثانيتين،
 وبعدين قال ببرود:

_أنتِ رُهام؟

رمشت كذا مرة.

_أيوة.

مد إيده باختصار.

_يونس العزازي.

بصيت لإيده، وبعدين له، وكتمت ابتسامة صغيرة، 
مديت إيدي وصافحته وأنا بحاول أتماسك.

_عارفة.

رفع حاجبه باستغراب بسيط.
فاستدركت بسرعة:

_أقصد... عارفة إن حضرتك يونس العزازي.

سكت لحظة، 
وبعدين ساب إيدي وقال:

_كويس.

وبص لأخته وهو بيهمس ولكن همسه وصلي.

_دي الديزاينر اللي قولتيلي عليها؟

هزت ملك راسها بحماس.

_آه، صدقني دي شاطرة جدًا،
 والديزاينز بتاعتها هتعجبك أوي. 

رجع بصلي من فوق لتحت بنظرة سريعة،
 وبعدين قال:

_نشوف.

وهنا...
اختفت كل الرهبة اللي كنت حاساها من ثواني، 
وحل محلها شيء واحد... الاستفزاز.

_نشوف إيه؟

قالها بهدوء شديد:

_البدل.

ابتسمت ابتسامة باردة.

_أكيد.

شاورت ناحية البدل المعروضة على المانيكان.

_اتفضل يا يونس بيه.

دخل وهو واثق من نفسه كأنه داخل مكتبه، 
وأنا وقفت مكاني أتابعه، 
وبعدين همست لنفسي:

_واضح إن الأمنية دي هتطلع عيني.

وبعد مرور ساعتين ونص دوخني فيهم وراه، 
وأنا بعرض عليه وبوريه آخر الديزاينز اللي عملتها، 
كان رده بكل استفزاز. 

_تؤ مفيش حاجة عجبتني. 

حرفيًا كنت واقفة مكاني وأنا بشيط من الغيظ، 
وحاسة إن فيه دخان بيطلع من وداني، 
وبهمس نفسي وأنا ببصله بضيق: 

_هو ليه بارد ومتعجرف ومغرور كدا؟

فضلت واقفة ببصله بغيظ، بينما هو كان بيتفرج على الديزاينز قدامه،
 وكأنه بيقيم حاجة ملهاش أي قيمة.

ملك بصتله باستغراب، 
وهي بتشاوله على بدلة والله كانت تُحفة،
 ومن أحسن الديزاينز اللي عملتها:

_يعني ولا دي عجبتك؟

هز راسه بالنفي بكل هدوء.

_لا.

_ولا واحدة؟

_ولا واحدة.

اتنهدت ملك بضيق، وبصتلي بإحراج، 
بينما أنا كنت بحاول أتحكم في أعصابي.

_طب إيه اللي مش عاجب حضرتك 
فيهم بالظبط؟ 

سألته وأنا بحاول أخلي صوتي هادي، 
رفع عينه وبصلي مباشرةً.

_كلهم حلوين.

رمشت باستغراب.

_نعم؟

_الديزاينز حلوة، 
والتنفيذ كويس، بس...

سكت لحظة، 
وكمل بمنتهى البرود:

_مش اللي أنا عايزه.

ضغطت على شفايفي وأنا بحاول مردش عليه رد يخليني أخسر الزبون الوحيد،
 المهم اللي دخل عندي من وقت ما قررت أنفذ شغلي على أرض الواقع. 

_طيب حضرتك عايز إيه تحديدًا؟

حط إيده في جيبه، 
ولف بنظره في الأتيليه كأنه بيفكر.

_عايز بدلة مختلفة.

_مختلفة إزاي؟

_مش عارف.

اتوسعت عيني بصدمة.

_مش عارف؟

هز كتفه بمنتهى اللامبالاة.

_أنتِ الديزاينر، مش أنا.

اتنفست بعمق، وحاولت أهدى، 
يا رب الصبر.

_طيب، حضرتك المناسبة إيه؟

مشوها على أساس إني مش عارفة يعني وكدا؟! 

_افتتاح فرع جديد للشركات العزازي. 

هزيت راسي.

_والمعاد؟

بص في ساعته، 
كإنه عايز يخلص ويمشي بسرعة.

_بعد أسبوع.

سكت لحظة.

_أسبوع؟

_آه.

_بس ده وقت قليل جدًا على تصميم وتنفيذ بدلة مخصوص.

_علشان كده سألتك.

_سألتني إيه؟

قرب خطوة، ومد إيده ناحية أحد الديزاينز اللي كنت ماسكاها. 

_تقدري تعمليها في أسبوع؟

بصيت له،
 ثم للديزاين اللي بقى في إيده، 
كان بيتكلم بمنتهى الثقة،
 كأنه متأكد إني هرفض، 
وده تحديدًا اللي خلاني أبتسم.

_أقدر.

رفع حاجبه.

_متأكدة؟

_آه.

_ومش هتكون زي البدل دي؟

بصيت له ببرود.

_لأ.

_طيب هتكون إيه؟

_بدلة على مقاسك أنت.

ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة، 
لكن كانت أقرب للاستفزاز.

_وده المطلوب.

وبعدين بص لملك وقال:

_أنا هسيبها هي تختار كل حاجة.

بصيتله باستغراب.

_كل حاجة؟

_القماش، اللون، الديزاين، الديتيلز... 
كل حاجة.

_واثق في ذوقي؟

رد بمنتهى الهدوء:

_مش للدرجة دي، 
بس عشان أنا معنديش وقت. 

فتحت بوقي بصدمة، 
بينما ملك كتمت ضحكة من بجاحة أخوها وقلة ذوقه! 

_يونس!

بصلها وكأنه مش فاهم عمل إيه.

_إيه؟

بصيت له بغيظ، 
لكني قررت آخد كلامه كتحدي.

_تمام.

قربت منه خطوة.

_هعملهالك.

_في أسبوع؟

_في أسبوع.

_ولو معجبتنيش؟

ابتسمت بثقة.

_متخدهاش. 

سكت ثواني، 
وهو شايف في عيني إصرار حقيقي
 مد إيده ليا.

_اتفقنا.

بصيت لإيده، وصافحته.

_اتفقنا.

سحب إيده، وبصلي للحظة، 
قبل ما يقول:

_مستني أشوف هتعملي إيه يا...
 رُهام.

ابتسمتله ابتسامة صغيرة.

_وأنا مستنية أشوف هتعحبك ولا لأ يا يونس بيه.

ملك حطت إيدها على بوقها وهي بتحاول تمنع ضحكتها، 
من الحرب الباردة اللي حستها في الأجواء. 

أما يونس..
فسكت، 
وبصلي ثانيتين بنظرة غريبة، 
قبل ما يلف ويمشي ناحية الباب.

وأنا فضلت واقفة مكاني، مش عارفة أفرح إني أخيرًا هصمم له بدلة بنفسي...
ولا أندم إني وافقت على تحدي مدته أسبوع واحد،
 مع أكتر رجل مستفز قابلته في حياتي.

ـــــــــــــــ

_على فكرة كانت معاملتك باردة أوي مع رُهام...
 ومستفزة. 

_ملك. 

_يونس. 

اتنهد بضيق وقال: 

_هي دي معاملتي إن مكانش عجبك، 
كفاية إني سمعت كلامك، 
وجيت ألبس من ديزاينر محدش يعرف إنها موجودة معانا على الكوكب أصلًا. 

  اتكلمت ملك بغيظ.

_محدش يعرفها؟!

_آه.

_يا ابني دي شاطرة جدًا!

_مقولتش إنها مش شاطرة.

_أومال؟

بصلها ببرود.

_قولت إنها مش مشهورة.

_وإيه علاقة الشهرة بالشطارة؟

سكت يونس لحظة، وكأنه مش لاقي رد مناسب، 
فملك ابتسمت بانتصار.

_شوفت؟ معندكش رد.

_ملك، أنا تعبان ومش ناقص محاضراتك.

_لا، أنت محتاجها.

زفر بضيق، وسند راسه على ضهر الكرسي.

_هي أصلًا غريبة.

رفعت ملك حاجبها.

_غريبة إزاي؟

_متوترة كدا زيادة عن اللزوم، 
المفروض يكون في ثبات عندها أكتر من كدا، 
لو عايزة توصل وتنجح بجد. 

ضحكت ملك.

_طبيعي تكون متوترة، 
أنت يونس العزازي يابني!

لف عينيه بضيق.

_وأنا مالي؟

_مالك؟! ده أنت دخلت عندها كأنك داخل تشتري شركة!

_أنا داخل أشتري بدلة.

_ما هي دي المشكلة! 
كنت تقدر تتعامل معاها بشكل أحسن.

سكت يونس، 
وبص من شباك العربية وهو ساكت، 
ملك ضيقت عينيها وهي بتبصله.

_وبعدين...

_وبعدين إيه؟

_أنت كنت مركز معاها يا خلبوص. 

لف وشه ناحيتها بسرعة، 
لإن كلام ملك مش حقيقي، هو مخدش باله منها أصلًا،
 لدرجة إنه لو شافها في مكان تاني مش هيقدر يتعرف عليها. 

_أنا؟

_آه، أنت.

_إمتى دا؟

_طول الوقت.

ضحك بسخرية.

_ نفسي تبطلي أفكارك دي، 
أنا كنت مركز في البدل.

_آه طبعًا.

_أيوة.

_علشان كده سألتها عن كل تفصيلة بنفسك،
 وفضلت تبص على الديزاينز بتاعتها،
 وفي الآخر سيبتها تختار كل حاجة! 

_ما أنا قولتلك، عايز أشوف هتعمل إيه، 
وعشان أنا مش فاضي. 

ابتسمت ملك ابتسامة جانبية.

_أنت فضولي بقى؟

_لأ، بس عايز بدلة شيك، 
تليق بيونس العزازي.

_ماشي يا سيدي.

_بس مش قادر أفهم، 
ليه بنت تفكر تشتغل في حاجة مش ليها؟ 

استغربت ملك سؤاله وقالت: 

_مش ليها إزاي؟ 

_يعني حوار تصميم بدل رجالي دا، 
يفهم فيه الرجالة أكتر، معروف إن البنات للدريسز والحاجات البناتي دي. 

_أنا استغربت زيك كدا أول ما عرفتها، 
ولكن هي قالتلي إنها حابة الموضوع. 

_اممم

سكتت ملك ثواني، 
وبعدين قالت وهي بتبصله:

_بس على فكرة...

_اممم؟

_دخلتك عليها كانت رخمة بجد، 
وهي كانت غريبة. 

عقد يونس حواجبه، 
وبصلها باستغراب.

_غريبة إزاي؟

_مش عارفة... 
بس شوفت كانت متوترة منك أوي.

_ما هي كانت متوترة فعلًا.

_أهو!

ابتسمت بانتصار.

_يعني لاحظت.

_طبيعي ألاحظ، 
كانت واقفة قدامي ومش عارفة تتكلم من كتر التوتر.

_مش يمكن عشان...

سكتت وهي بتبصله بمكر.

_عشان إيه؟

_عشان أنت يونس العزازي؟

ضحك بسخرية.

_ملك، بلاش هبل.

_ليه؟ مش احتمال؟

_لا.

_متأكد؟

_آه.

_طب ما يمكن كانت معجبة بيك فعلًا. 

لف وشه ناحيتها، 
وبصلها بنظرة باردة.

_وأنا مالي؟

_مالَك إيه؟ بس بسألك.

_حتى لو كانت معجبة، دي حاجة تخصها.

رفعت ملك حاجبها،
 وكأنها مكنتش تتوقع منه الرد ده.

_غريبة.

_إيه اللي غريب؟

_ولا حاجة.

سكتت لحظات، وبعدين قالت:

_بس أنا حاسة إنك ظلمتها.

_ظلمتها في إيه؟

_أنت دخلت عندها، وفضلت ساعتين ونص تقلب في شغلها،
 وفي الآخر رفضت كل حاجة.

_أنا قولتلك، مفيش حاجة عجبتني خلاص بقى. 

_بس أنت اعترفت بنفسك إن الديزاينز حلوة.

_حلوة، بس مش مناسبة ليا.

_وعلشان كده طلبت منها تعملك بدلة مخصوص؟! 

_آه.

_في أسبوع؟

_آه.

_وأنت عارف إنها لوحدها 
ومفيش عندها الإمكانيات الكبيرة بتاعة دور الأزياء؟

بصلها يونس للحظة.

_قالتلك كده؟

_لأ، بس أنا عارفة بما إنها صاحبتي. 

سكت، وبعدين قال:

_هي وافقت.

_لأنك استفزيتها.

_مش ذنبي.

_أنت مستفز بطبعك.

_وأنتِ أختي،
 المفروض تكوني عارفة ده من زمان،
أنتِ اللي ألحيتي عليا أروح.

ضحكت ملك.

_للأسف.

رجع يونس يسند راسه على الكرسي، 
وسكت شوية.

لكن بعد لحظات، 
سألها من غير ما يبص لها:

_هي فعلًا شاطرة؟

ابتسمت ملك.

_آه.

_للدرجة دي متأكدة،
 يعني مش هتسوحنا؟

_أكتر مما تتخيل.

_هممم.

_ليه؟

_ولا حاجة.

_يونس.

_ملك.

_أنت بدأت تهتم.

_أنتِ بجد خيالك واسع أوي يا ملك،
 يابنتي أنا لسه شايفها لأول مرة في حياتي، 
بجد أنتِ عبيطة!

اتنهد وكمل: 

_ بس عشان أريحك يا فراكة،
 عايز أعرف هل هتقدر تعمل اللي طلبته ولا لأ.

ضحكت ملك بصوت عالي وقالت: 

_طب ولو عملته؟

_هلبس البدلة.

_ولو عجبتك؟

_هقولها إنها كويسة.

فتحت ملك عينيها بصدمة. 

_بس؟!

_أقولها إيه يعني؟

_على الأقل قولها شاطرة، 
شكر شوية في شغلها، أي حاجة كدا! 

_طيب لو شاطرة هقول.

ضحكت ملك وهزت راسها.

_ربنا يكون في عونها منك.

سكت يونس بعجرفة، فضحكت ملك عليه بقلة حيلة، 
بينما هو رجع يبص من الشباك، وكل اللي كان شاغل تفكيره وقتها هو البدلة...

إزاي هتكون؟
وهل فعلًا هتقدر تعملها في أسبوع؟
أما رُهام...
مخطرتش على باله حتى للحظة.

ــــــــــــــ

رجعت البيت بعد ما يومي خلص في الأتيليه،
وأول ما دخلت، رميت شنطتي على أقرب كرسي،
 ووقفت قدام المراية الموجودة في طرقة البيت.

فضلت باصة لنفسي ثواني،
وبعدين انفجرت في ضحكة صغيرة من غير ما أحس.

_أنا عملت إيه في نفسي؟

حطيت إيدي على وشي،
 وغمضت عيني، 
أنا وافقت، 
وافقت إني أصمم بدلة ليونس العزازي.

يونس العزازي، 
نفس الشخص اللي كنت بتابع أخباره، وأشوف صوره في المجلات، 
وأقف عند كل إعلان أو لقاء يظهر فيه، 
وأتخيل في دماغي شكل البدلة اللي ممكن أصممهاله يومًا ما، 
واللي تكون بدلة فرحنا...! 

ودلوقتي...
هو بنفسه جه عندي، 
فتحت عيني فجأة، وبصيت لنفسي في المراية.

_ولأول مرة شافني كمان.

اتكسفت من نفسي،
 فهزيت راسي بسرعة.

_رُهام، فوقي!
مش وقت أحلام، 
أنا قدامي أسبوع واحد بس، 
أسبوع عشان أصمم بدلة تليق براجل زي يونس العزازي.

رجعت أخدت شنطتي، ودخلت على أوضتي،
 وفتحت اللابتوب، وقعدت قدامه.

فتحت ملف جديد،
 وكتبت في أول الصفحة:

يونس العزازي.

فضلت باصة للاسم شوية،
 وبعدها مسحته بسرعة.

_إيه العبط ده؟

كتبت بدل منه:

"بدلة افتتاح الفرع الجديد"
 
بدأت أدون الملاحظات اللي أخدتها منه، 
الميعاد: بعد أسبوع.
المناسبة: افتتاح فرع جديد للشركة.
التصميم: مختلف.
الاختيار: متروك ليا بالكامل.

ضغطت على القلم بين صوابعي،
 وبدأت أفكر.

_طيب يا يونس بيه...

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

_أنت اللي اخترت تسيبلي كل حاجة،
 استحمل النتيجة بقى.

قومت من مكاني، وفتحت الدولاب اللي بحط فيه عينات الأقمشة،
 وبدأت أطلع واحدة ورا التانية.

أسود؟
تقليدي أوي.

كحلي؟
شيك، بس مش مختلف.

رمادي غامق؟
ممكن...

وقفت قدام مجموعة الأقمشة،
 وبصيت لها بحيرة.

_عايز إيه بالظبط؟

ضحكت وأنا فاكرة رده:

_"مش عارف... أنتِ الديزاينر، مش أنا."

_يا سلام!

رميت قطعة القماش اللي في إيدي على الترابيزة.

_يعني هتسيبلي كل حاجة،
 وبعدين لو معجبتكش هتقول مش ذوقي؟

قعدت على الكرسي، 
وسندت دقني على إيدي، 
وبدأت أتخيله واقف قدامي بالبدلة، 
طوله...
هيبته...
ملامحه الجامدة...
نظراته الباردة...
سكت لحظة، وبعدين ضربت القلم على الترابيزة.

_يا نهار أبيض!
أنا قاعدة بتخيل شكله بالبدلة ليه أصلًا؟!

قومت بسرعة، وفتحت اللابتوب تاني، وجبت دفتر تصاميمي،
 وحاولت أركز في شغلي، 
لكن بدل ما أركز في الديزاين...
لقيت نفسي بفتكر أول مرة بصيت في عينه.

نظرة واحدة كانت كفيلة إنها تنسيني أنا واقفة فين، 
اتنهدت، وحاولت أخرج الفكرة من دماغي.

_هو أصلًا مش واخد باله مني.

قولتها لنفسي كأنها حقيقة لازم أفضل فاكرها.

_بالنسبة له أنا مجرد ديزاينر، وهو جه عشان بدلة،
 وبعد أسبوع هياخدها ويمشي، ويمكن منتقابلش تانب؟! 

سكت، 
وبعدين ابتسمت بحزن خفيف.

_وأنا المفروض أتعامل معاه بنفس الطريقة.

رجعت بصيت للشاشة، وبعدين للورقة وبدأت أرسم أول خطوط للديزاين.
قلم رصاص...
ورقة...
خطوط بتتداخل مع بعضها، 
كل ما أرسم حاجة، أمسحها، 
لحد ما بعد وقت مش قليل، بدأت ملامح ديزاين واضح تظهر قدامي.

بدلة كلاسيكية، لكن بتفصيلة مختلفة عند الياقة، وقصة مظبوطة على جسمه، وتفاصيل بسيطة تخليها مميزة من غير ما تبقى مبالغ فيها.

وقفت أبص للرسم، 
ابتسمت.

_أيوة...

قربت الورقة مني.

_دي... 
دي هتبقى مناسبة ليه.

مديت إيدي للموبايل، 
وبصيت للساعة.

_لسه بدري.

وبعدين افتكرت
 إني من الصبح تقريبًا ما أكلتش حاجة عدلة.

_رُهام، أنتِ هتفضلي كده لحد ما تموتي من الجوع! 

ضحكت على نفسي، وقومت من على المكتب، 
لكن قبل ما أخرج من الأوضة، رجعت بصيت للديزاين مرة تانية، 
وقولت بصوت منخفض:

_هخليك تندم إنك شككت فيا يا يونس يا عزازي.

وبعدين ابتسمت.

_وهخليك تلبس أحسن بدلة لبستها في حياتك.

قفلت النور، وخرجت من الأوضة. 

                 الفصل الثاني من هنا
تعليقات



<>