رواية عتبة الابواب الفصل الاول1بقلم مي عيد
يا بنتي افهمي.. لو اتقبلتي في الشركة دي، هتقدري تعتمدي على نفسك بجد، بس مشوارها طويل والتوتر واكل عقلك."
قالتها صاحبتي وأنا بظبط ورق التقديم في شنطتي بإيدين بترتجف من كثر الخوف والتوتر. كنت واقفة قدام مبنى ضخم وعملاق لشركة استثمارية كبيرة في قلب البلد. كنت مقدمة على وظيفة إدارية هناك محتاجاها بشدة عشان أقدر أثبت نفسي وأستقل بحياتي شوية من الضغط المستمر اللي كنت عايشة فيه.
دخلت المبنى، وعديت بكل خطوات الصعوبة والتجهيز لمقابلة العمل مع مدير الموارد البشرية، والمقابلة الحمد لله مشيت بشكل كويس جداً، وخرجت من الشركة وأنا حاسّة بنوع من الارتياح المؤقت، وكلي أمل إن ربنا يكتب لي فيها الخير وأتقبل.
ركبت المواصلات وأنا مروحة على البيت، والطريق كان طويل ومتعب، وكل شوية قلبي يقبضني من إحساس غريب بالخوف والضيق كأن فيه مصيبة استنياني. وأخيراً وصلت الشارع، طلعت السلم بخطوات متعبة وثقيلة، وفتحت باب الشقة ودخلت وأنا بتمنى ألاقي كلمة طيبة تريحني من تعب اليوم كله.
بس للأسف، مكنش في انتظار غير أمي.. الست اللي دايماً جافّة معايا، واللي عمرها ما حسستني بحنان الأمومة ولا كانت بتحبني زي باقي اخواتي. أول ما دخلت وشافتني، بصت لي بنظرة قرف وسخرية وقالت بصوت حاد:
"لسه فاكرة تيجي يا هانم؟! رايحة تلفي في الشارع ورا شغل وهمي وكلام فاضي، وأنا واقفة أخدم البيت لوحدي! اتفضلي اطلعي بره مش عايزة أشكال فاشلة زيك تقعد قدامي، يلا بره!"
اتصدمت من كلامها الجارح اللي نزل على قلبي زي السكينة. بصيت لها بدموع نازلة بغزارة، وقولت بصوت مهزوز ومكسور:
"يا ماما حرام عليكي.. أنا كنت في مقابلة شغل ، ليه بتعملي معايا كده دايماً ليه مش بتحبيني؟!"
صرخت في وشي بعنف وقالت بصوت أعمى من القسوة:
"بقولك بره! متقعديش دقيقة واحدة هنا، روحي شوفي ليكي حاجه تلمك، مش عايزة أشوف وشك قدامي!"
وقبل ما أقدر أنطق بكلمة ثانية، زادت في طردي ومدت إيديها ودفعتني لبره بقوة، ورزعت باب الشقة في وشي بعنف وقفلته بالمفتاح!
بقيت واقفة على السلم لوحدي.. الشنطة في إيدي، ودموعي أطرافها بتغرق هدومي، وجسمي كله مكسر من العياط والرعشة. الدنيا ليلت، والجو كان ساقع، ومكنش قدامي أي مكان أروحه أو شخص ألجأ له. نزلت السلم وأنا بترعش لدرجة مش قادرة أثبت على رجلي، وطلعت للشارع الرئيسي وأنا تايهة ومش عارفة أعمل إيه أو أروح فين.
فضلت ماشية في الشارع لوحدي، جسمي كله بينفض من البرد والقهر والخوف، والناس رايحة جاية وأنا حاسّة إني غريبة ومنبوذة في الدنيا دي كلها. وفجأة.. وسط ظلام الليل وزحمة الشارع، حسيت بنور عالي جاي من عربية وقفت قدامي مباشرة!
الباب اتفتح ببطء، ونزل منها شخص طويل، ملامحه حادة وصارمة زي الصقر، شعرا الأسود وعيونه الحادة بتلمع في النور. بص لي باستغراب وقلق أول ما شاف حالتي المنظرية دي، وقرب مني بخطوات سريعة وقال بصوت عميق:
"إنتي.. كويسة؟ إيه اللي جابك هنا في الوقت المتأخر ده وبحالتك دي؟"
رفعت عيني بصعوبة ودموعي مالية وشي، ولقيته.. رعد! ابن عمي والظابط اللي الكل بيعمله ألف حساب، وهو واقف قدامي بيبص لي بنظرة كلها صدمة ودهشة ومد إيده بهدوء قلع جاكت البدلة بتاعه لبسهولي وقال بصوت عميق:
"إيه اللي رماكي في الشارع كده يا ليل، ومين اللي عمل فيكي كدة؟!"
بصيت له بضعف وصوتي مقطوع:
"ماما طردتني.. عشان كنت مقدمة في شركة، ومش عارفة أروح فين!"
رعد بص لي نظرة حاسمة وقال بجدية:
"اركبي معايا."
ركبت معاه، وطول الطريق محدش فينا نطق بكلمة. وصلنا فيلا بيت العيلة الكبير، ودخلنا الصالون، وكانت العيلة كلها متجمعة. أول ما شافوني بالمنظر ده، عمتي نطت وقالت بتهكم:
"إيه اللي جاب دي هنا في نص الليل مع رعد كمان؟! هي دي طالعة لأمها ومش نافعة!"
رعد وقف قدامي ورد بصوته الخشن الحاد:
"بسس.. مهما كان دي بنت عمي، ومش هسمح بكلمة زيادة، وهتقعد في الجناح بتاعي!"
في اللحظة دي، الجد دخل وقال بنبرة صارمة:
مفيش صفة رسمية تجمعكم!"
من غير ما يفكر ثانية واحدة، رعد رد عليه بسرعة وبكل تلقائية:
"خلاص.. هكتب عليها."
الجد بصله برضا، والكل اتصدم. رعد اتصل بالمأذون فوراً، وجه في نص الليل وسط استغراب الكل وغيظهم، واتكتب الكتاب رسمياً، وبقيت مراته قدام الكل.
بعد ما المأذون مشي والكل دخل نام بغيظه، طلعنا جناحنا فوق. رعد قلع جاكت البدلة ورماه على الكنبة، وبص لي ببرود تام وملامح جافة وقال:
"تقدري ترتاحي وتنامي، والسرير ليكي.. وأنا هنام هنا على الكنبة. وبكرة الصبح لينا كلام في موضوع الأوراق والشركة."
من غير ما أنطق حرف واحد، هزيت راسي بهدوء، ودخلت الأوضة وقفلت الباب ورايا. قلعت هدومي ورميت نفسي على السرير ونمت من كتر التعب اليوم ده.
تاني يوم الصبح..
صحيت على صوت خبط خفيف على الباب، فتحت لقيتها كيندا (أخت رعد الصغيرة اللي عندها 9 سنين) دخلت تجري ونطت قدامي وهي بتضحك بصوت عالي وقالت بشقاوة لمضة:
"صباح الخير انتي مرات أبيه رعد! سمعت العيلة كلها تحت مفروسة منك ومولعة من العصبية!"
ضحكت غصب عني على طريقتها ولسانها الطويل، وقعدت أكلمها شوية لحد ما باب الجناح اتفتح، ودخل رعد ووشه عابس وبارد كعادته، وبص لكيندا وقال بجدية:
"كيندا.. اطلعي على أوضتك دلوقتي عشان ورايا كلام مهم مع ليل."
كيندا طلعت لسانها لرعد وجريت بسرعة وهي بتضحك. رعد قفل الباب وراه، وبص لي وقال بنبرة جافة:
"جهزي نفسك، هننزل دلوقتي عشان نشوف موضوع الشركة والتقديم اللي كنتي رايحا له، عشان أخلص من الصداع ده."
