رواية اسميتها ريحانه الجزء الثاني2من عشقت محتالة الفصل السادس6بقلم سلمي جاد


رواية اسميتها ريحانه الجزء الثاني2من عشقت محتالة الفصل السادس6بقلم سلمي جاد
سليم فتح عينيه بصدمة من المنظر أمامه؛ ريحانة تصرخ بغضب وهي تقف أعلى ترابيزة المكتب، وكاميليا أمامها تقف كالفأر المبلول من شدة الرعب.نهض  بفزع، وركض بسرعة خارج مكتبه، متجهًا نحو مكتبها.

أما عند ريحانة، فكانت تصرخ بغضب:
"أنا هعلّمك إزاي تجيبي سيرة سمعتي"

قالت كاميليا برعب حقيقي:
"ريحانة، افهمي، أنا بس كنت..."

لتشهق برعب وهي ترى ريحانة تقفز من أعلى المكتب باتجاهها.
أغمضت عينيها بفزع، لكن في اللحظة نفسها، فُتح باب المكتب بواسطة سليم، الذي لم يكد يستوعب الصدمة، ليركض فورًا باتجاه ريحانة ويقف بينها وبين كاميليا.
وفي لحظة قفزتها، أمسك بها قبل أن تصل إليها، بينما كانت تصرخ بغضب وتسب كاميليا دون وعي، غير مستوعبة أنها أصبحت الآن بين ذراعي سليم.

تحدث سليم بغضب، موجهًا حديثه إلى كاميليا:
"كاميليا، اخرجي فورًا!"

ركضت كاميليا فورًا خارج المكتب، وهي تقول بفزع:
"يا لهوي... دي مجنونة!"

كانت ريحانة ما زالت تصرخ:
"تعالي هنا يا جبانة ،أنا هعرفك إزاي تغلطي فيا يا..."

لكن قاطعها صوت سليم الغاضب، وهو يهزها محاولًا إعادتها إلى وعيها:
"ريحانة... خلااااص"

شهقت بصدمة عندما وقعت عيناها عليه، لتجده محاوطًا خصرها بشدة، ويقف أمامها كحائط صد.
فورًا استوعبت الوضع، فأبعدت يده عن خصرها، وتراجعت بخطوات إلى الخلف، وما زالت أنفاسها سريعة من أثر الانفعال.

تحدث سليم بصوت خشن هادئ:
"إيه اللي إنتي عملتيه ده؟ إنتي مجنونة؟"

جزّت على أسنانها، وقد عاد غضبها من جديد:
"آه، أنا مجنونة... وسنين مجنونة كمان. ارتحت؟"

رفع حاجبه من نبرتها، وقال باستفهام:
"هي عملتلك إيه لكل ده؟"

تحدثت فجأة بانفعال:
"الزفتة دي بتقول إن... إن أنا وإنت يعني..."

توقفت عن الكلام، وهي تنظر له، وصدرها يعلو ويهبط من أثر تنفسها السريع.
هز رأسه حتى تكمل:
"أيوة، قالت أنا وإنتي إيه؟"

ابتلعت ريقها بتوتر، وصمتت لثوانٍ، قبل أن تنفخ بغضب وهي تخرج متوجهة نحو الباب، قائلة بضيق:
"مفيش."

ولكن قبل أن تتجاوزه، أمسك سليم يدها أثناء توجهها للباب.رفعت بصرها نحوه، وعيناها تلمعان بالدموع.
همس بصوت أجش:
"ريحانة..."

ابتلعت ريقها محاولة منع الغصة، ثم أجابت:
"نعم؟"

"عايزك تتحكمي في أعصابك أكتر من كده. متنسيش إننا في شغل."

ظلت صامتة لثوانٍ، تنظر إليه بهدوء ممزوج بالحزن، قبل أن تسحب يدها بقوة من بين كفه الصلب، قائلة:
"إنت متعرفش هي قالتلي إيه."

تنهد بهدوء:
"أنا سألتك وإنتي مردتيش."

هزت رأسها بابتسامة باهتة:
"عندك حق... بس عايزة أعرفك حاجة، اللي شوفته من شوية ده ربع جناني. ربنا ما يوريك جناني كله بقى، لأنك هتتخض منه."

ابتسم بمكر:
"مستني أشوفه."

تنهد بهدوء قبل أن يغير الحوار:
"عفكرة، إحنا المفروض نسافر بكرة عشان الصفقة الجديدة... العملاء لسه مكلمني إن الصفقة هتتم في شركتهم اللي هناك."

قطبت حاجبيها بتساؤل:
"والشركة دي فين؟"

صمت قليلًا، ثم أجاب بنفس البرود:
"أمريكا."

شهقت بعنف، وارتسم الغضب على وجهها، قائلة بغيظ واضح:
"عند كاميليا؟!"

لم يستطع تمالك نفسه، فضحك بقوة من قلبه، لدرجة أنه رفع رأسه إلى الأعلى، وملأ صوت ضحكته المكان.
ابتلعت ريحانة ريقها بتوتر وهي تتأمله؛ لأول مرة تسمع ضحكته بهذه الطريقة. فمعظم ضحكاته كانت مجرد ابتسامة خفيفة بجانب فمه، وفي العادة تكون ابتسامة سخرية.

نفخت بضيق:
"يا ترى إيه اللي بيضحكك أوي كده؟ ما تضحكني معاك."

حاول التحدث أخيرًا، فحمحم حتى يستعيد صوته الخشن:
"مفيش... بس عايزك تعرفي إن كاميليا مقيمة في إيطاليا، مش أمريكا أصلًا."

شعرت بفرحة غامرة بداخلها، لكنها رفعت كتفها بلامبالاة:
"حتى لو عايشة في أمريكا، ميفرقليش عفكرة."

رفع حاجبه بمراوغة، محاولًا استنباط الصدق من كلماتها، لكنه تنهد بهدوء وتحدث بجدية:
"المهم استعدي عشان هنسافر بكرة بدري، يعني مش هنلحق تيجي الشركة حتى."

هزت رأسها موافقة.
وقبل أن يتحدث سليم، قال فجأة بفضول حقيقي:
"صحيح يا ريحانة، أنا مسألتكيش قبل كده... إنتي قولتيلي إنك لسه فاضلك سنة في الجامعة، إزاي مبتروحيش خالص؟"

ابتسمت بهدوء لاهتمامه، قبل أن تقول:
"الجامعة بتاعتي بتخصص آخر سنة للتطبيق العملي والتدريب في الشركات، وقبل التخرج بقدم تقرير من الشركة اللي اتدربت فيها أو اشتغلت فيها عن أدائي والـfeedback بتاعتي."

هز رأسه بفهم، ثم قال بابتسامة:
"يعني كده مستقبلك بين إيديا؟"

قطبت حاجبيها باستغراب:
"مش فاهمة."

ابتسم سليم بمراوغة:
"يعني مثلًا لو أنا كتبت في التقرير بتاعك إنك عصبية ومجنونة، أكيد هيأثر على تخرجك، ولا إيه؟"

ضيقت عينيها، ورفعت طرف شفتيها العلوية، ثم اتجهت نحو الباب وهي تقول بثقة:
"تبقى تعملها."

ابتسم سليم وهو يتابع خروجها من المكتب، وحرك رأسه ببطء قائلًا:
"مجنونة."

خارج المكتب...
كانت سهيلة المختبئة بجانب الباب تجز على أسنانها بغضب، بعدما كانت تتابع الحوار بينهما منذ خروج كاميليا، مرورًا بحديثهما وتقاربهما.
همست بحقد في نفسها:
"فيها إيه زيادة عني عشان يبقى مهتم بيها كده؟ ماشي يا ريحانة، والمصحف لنكد عليكي طول ما إنتي شغالة هنا، لحد ما تكرهي الشركة وتسيبيها من نفسك، وساعتها هنشوف مين اللي هيكسب سليم في الآخر... وأنا مابخسرش."

____________________________________________________

كانت في طريقها إلى المنزل داخل إحدى سيارات الأوبر، عندما جاءها اتصال من يزن.
أجابت بابتسامة:
"يزن ."

جاءها صوت رجل من الجهة الأخرى:
"ألو... حضرتك مدام فتون؟"

اتسعت عيناها بدهشة امتزجت بالخوف، وانتفض قلبها وهي تسأله بسرعة:
" أيوة حضرتك مين؟ ويزن فين؟"

"أنا زميل يزن."
تنهد الرجل قبل أن يقول بصوت جاد:
"للأسف، يزن اتصاب وإحنا في مهمة، ودلوقتي موجود في المستشفى. وقبل ما يدخل العمليات، وصاني آخد رقم حضرتك وأتصل بيكي."

شهقت فتون، وشحب وجهها في لحظة، وهمست بصوت مرتجف:
"مستشفى إيه؟!"

أجابها سريعًا:
"المستشفى العسكري بمدينة نصر."

لم تشعر بنفسها إلا وهي تصرخ:
"لو سمحت... هو كويس؟ إصابته خطيرة؟!"

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يجيبها الرجل بحذر:
"متقلقيش... هو كان واعي قبل العملية، لكن فجأة فقد وعيه والدكتور قال لازم يدخل العمليات بسرعة."

ارتجفت يدها بقوة، وسقط الهاتف منها فوق المقعد، بينما بدأت دموعها تنهمر دون إرادة.
انتبه سائق الأوبر إلى بكائها من خلال المرآة، فسألها بقلق:
"حضرتك كويسة يا آنسة؟"

التقطت الهاتف بيدٍ مرتعشة، ثم قالت بصوت يكاد يختنق من البكاء:
"لو سمحت... غيّر الطريق، ووديني على المستشفى العسكري بمدينة نصر... بسرعة، أرجوك."

أومأ السائق فورًا، وضغط على دواسة الوقود، بينما كانت فتون تضم الهاتف إلى صدرها، وتهمس بين شهقاتها:
"يارب... احفظه... يارب متحرمنيش منه."

____________________________________________________

في الهايبر ماركت 

ابتسمت آيات بخجل، وقالت:
"دكتور ياسين."

لم يستطع إخفاء ابتسامة الشوق التي ظهرت على ملامحه:
"مدام آيات."

لكن ابتسامته اختفت في اللحظة التالية، حين لمح الكدمات المنتشرة على وجهها، وخصوصًا أسفل عينيها العسليتين، حيث استقرت كدمة زرقاء واضحة.

أما هي، فعندما لاحظت نظره المركز على الكدمة، رفعت يدها محاولةً إخفاءها بتوتر وإحراج.نظر إليها، وعيناه تملؤهما التساؤلات، لكنه أجبر نفسه على الصمت، ثم ابتسم قائلًا:
"أهلًا يا مدام آيات، إيه الصدفة دي؟"

ابتسمت آيات:
"هي فعلًا صدفة غريبة، لأني مش متعودة أجي الماركت ده."

تنهد ياسين، وهو يداعب ياسين من شعره، ثم همس بصوت منخفض:
"شكل القدر مش ناوي يسيبني أرتاح وأنساكي."

لكنه قال بعدها:
"طيب، إنتوا خلصتوا ولا إيه؟"

هزت رأسها:
"آه، أنا خلاص اشتريت كل حاجة. كان ناقص بس المربى، لكن للأسف مش لاقياها."

أشار إلى رف بجانبه:
"ليه؟ ما المربى هناك أهي، وكل النكهات."

ضمت شفتيها بخجل:
"لا، ما هو مش لاقية الطعم اللي بحبه. أصلي بجيب طعم معين عشان سكره خفيف."

قطب حاجبيه:
"طعم إيه؟"

أجابه إياد بشقاوة:
"طعم مربى بالجزر."

رفع ياسين العلبة أمام نظرها باستغراب:
"دي؟"

ابتسمت فجأة:
"إيه ده؟ إنت لقيتها!"

هز رأسه، وعلى وجهه معالم عدم التصديق:
"آه... أصل أنا كمان بحبها."

ثم مد يده نحو برطمان المربى، فهزت رأسها بابتسامة خجولة:
"لا خلاص، حضرتك خد دي، أنا هجيب واحدة تانية."

تحدث إياد للمرة الثانية:
"يا مامي، ما دي كانت العلبة الأخيرة على الرف."

رفع ياسين نظره إليها ليجدها تنظرله بحيرة، ثم فجأة وضع البرطمان في عربة التسوق الخاصة بها:
"مش مشكلة، أنا هجيب من السوبر ماركت اللي تحت بيتي، بس أنا جيبتها من هنا بالمرة وأنا بشتري الحاجات."

هزت رأسها نفيًا:
"لا، حضرتك أكيد مش هتلاقيها. الطعم ده مش موجود، وأنا نفسي مش بلاقيه بسهولة."

ابتسم وقال:
"أنا عارف إن الشركة مش بتنزل كمية منه علشان مش مطلوب، بس أنا متعاقد مع الماركت اللي تحت بيتي إنه كل فترة يجيبلي كمية أشيلها في البيت، بس حظي إن اللي عندي خلص."

ثم غيّر مجرى الحديث:
"طيب يلا نحاسب."

توجها إلى الكاشير، ليبدأ بمسح الباركود الخاص بمشتريات ياسين. مد ياسين يده بحافظة نقوده ليعطيه الفلاش كارد، ثم همس للكاشير ببعض الكلمات، فهز الشاب رأسه بتفهم:
"تمام يا فندم."

حمل ياسين إياد بخفة، ثم وجه حديثه إلى آيات:
"مدام آيات، أنا هخرج بإياد وأستناكي عند الباب لحد ما تخلصي."

هزت رأسها بابتسامة.
تقدمت آيات بعربتها، ليفعل الكاشير الشيء نفسه. وعندما مدت يدها داخل حقيبتها لتحضر المال، قال الكاشير:
"الأستاذ اللي كان واقف قبلك حاسبلك يا مدام."

نظرت إليه بتفاجؤ، ثم رفعت عينيها لتجد ياسين يقف عند بوابة الهايبر، وهو يحمل إياد ويلاعبه بابتسامة.
بعد دقائق، اقتربت منهما وهي تحمل بيدها الشنط، وعندما لمحها ياسين، أنزل إياد بهدوء، وقال وهو يمد يده ليأخذ عنها الشنط :
"عنك يا مدام آيات."

أمسكت آيات بالشنط، وقالت:
"معلش يا دكتور، كفاية اللي حضرتك عملته عند الكاشير."

ابتسم ياسين بخفة:
"أنا معملتش حاجة."

ضيقت بين حاجبيها باستنكار:
"معملتش إزاي؟ حضرتك دفعت حساب مشتريات شهر كامل، وده أكيد كلفك كتير."

ابتسم بجانب فمه:
"صدقيني، مكلفنيش. أنا بشتري قدهم مرتين، لأن أكلي كله معلبات وأكل جاهز."

ثم مد يده ليأخذ الشنط منها:
"ممكن الشنط بقى؟"

أعطته الشنط باستسلام، ثم خرجوا من الهايبر.وقف ياسين بجانب إياد، وبجانبهما آيات، ثم سألها:
"طيب، إنتوا بتروحوا إزاي؟"

أجابته آيات بهدوء:
"بناخد تاكسي يوصلنا البيت."

مسح على شعره بإحراج، وظل صامتًا لثوانٍ يفكر، قبل أن يقول:
"عندكِ مشكلة أوصلك بعربيتي؟"

ضمت آيات شفتيها بتردد.
لاحظ ياسين ترددها، فأشار بيده نفيًا وقال:
"لو فيه مشكلة خلاص، مفيش إحراج. الفكرة بس إن بدل ما تقفوا تستنوا تاكسي، عربيتي موجودة."

كادت آيات أن ترد، لكن إياد قاطع حديثهما وهو يشير بيده إلى محل آيس كريم:
"مامي، عايز آكل آيس كريم."

أجابته بحزم:
"لا يا إياد، إحنا خلاص مروحين. مرة تانية."

مد الصغير شفتيه بحزن، ليداعب ياسين شعره، وقال:
"بس لو ياسين فضل مؤدب، ممكن ندخل ناكل آيس كريم."

تحدث الصغير بلهفة:
"هبقى مؤدب والله"

رفع ياسين نظره إلى آيات، وقال:
"ده بعد إذن مامتك طبعًا."

ترددت قليلًا، ثم قالت:
"بس..."

قاطعها ياسين برجاء:
"من فضلك، عشان الولد ميزعلش."

صمتت لثوانٍ، قبل أن تهز رأسها باستسلام:
"تمام..."

ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه ياسين، ثم حمل الصغير، وتوجهوا إلى محل الآيس كريم.

____________________________________________________

في المستشفى العسكري
وصلت فتون أخيرًا، وأنفاسها تتسارع من شدة خوفها. تقدمت بخطوات سريعة لتقف أمام باب العمليات، ثم تحدثت إلى الشخص الذي وجدته يقف عند الباب:

يزن فين؟!

أجابها الرجل:  حضرتك مرات يزن بيه اللي كلمتني في التليفون؟

أيوة، هو يزن فين؟ وعامل إيه؟

متقلقيش، الدكتور لسه خارج ومطمني إنه العملية عدّت على خير. الرصاصة، على الرغم من إنها كانت قريبة من قلبه، إلا إنها ما أصابتوش إصابة خطيرة، فيه بس كام كسر في ضلوعه.

"يعني هو هيبقى كويس بجد؟"

"إن شاء الله. زمانه أصلًا هيخرجوه من العمليات دلوقتي."

لم يكد يُنهي جملته حتى انفتح باب العمليات، وبعد ثوانٍ خرج يزن، الذي كان فاقدًا للوعي، على السرير الذي يدفعه الممرضون.
همست بصوت يرتعش:  يزن... إنتوا رايحين بيه فين؟

تحدث أحد الممرضين:  متقلقيش، الحمد لله هو كويس، وهننقله دلوقتي لغرفة عادية. إحنا كنا فاكرين إننا هنخرجه من العمليات على العناية المركزة، بس سيادة الرائد، ما شاء الله، جسمه قوي ومش محتاج عناية.

ابتسمت والدموع تغرق وجنتيها:  الحمد لله يا رب.

بعد دقائق، تم نقله إلى غرفة، وخرج الممرضون ومعهم صديقه، ليتركوا فتون وحدها بالغرفة مع يزن، الذي ما زال فاقدًا للوعي.
جلست بجانبه، وهي تلمس جبينه بيدها المرتعشة من شدة اللهفة، وصوت شهقاتها الضعيفة يملأ الغرفة ويكسر صمتها.

مرت دقائق على هذا الحال، أسندت فتون رأسها إلى كتف يزن السليم، وأخذت تحمد ربها بكلمات متقطعة. وفجأة، تسارعت أنفاسها عند سماع تأوه خافت صدر من يزن.

رفعت رأسها بلهفة، لتجده يفتح عينيه الزرقاوين وينظر إليها بابتسامة دافئة.

ابتسمت بعدم تصديق، والدموع تغرق وجنتيها:  يزن حبيبي

همس بصوت مبحوح خشن:  قلب يزن ونور عينيه.

"إنت كويس؟ حاسس بأي وجع؟ في حاجة وجعاك؟"

ابتسم بخفة:  متقلقيش يا فوتي، أنا كويس وزي العفريت أهو. أقوم ألعبلك عشرة ضغط عشان تصدقي.

ضغط إيه بس يا يزن؟ ده إنت واخد رصاصة جنب قلبك، وعندك كسر في ضلوعك! بطل هزار بقى.

همس بصوت خافت:  فتون...

أجابته بلهفة:  نعم؟ محتاج حاجة؟

هز رأسه وهو يقول:  آه، محتاج حضن... بس مش هقدر أنا أحضنك عشان الإصابة. حطي دماغك على صدري.

ابتسمت بصفاء، ودفنت رأسها في صدره، ليخفض رأسه قليلًا ويقبّل خصلات شعرها أسفل فمه.
"لو عارف إنك هتقلقي عليَّ كده، كنت اتصبت من زمان."

ضربته بيدها على صدره، فتأوه:  آه!

وضعت يدها على فمها بأسف:  أنا آسفة، والله ما خدتش بالي.

تنهد بتعب:  بتضربيني وأنا في الحالة دي يا فوتي؟ هُنت عليكي؟

ضمت شفتيها بحب: ما إنت اللي بتقول كلام يعصب.

ابتسم بخفة:  ماشي، أقولك حاجة؟

" قول."

أول ما اتصبت ووقعت على الأرض، وفي وسط كل صوت النار اللي كان حواليا، مكنتش بفكر غير في شخص واحد.

تنهدت بحالمية: ومين هو الشخص ده؟

نظر إليها بعينين لامعتين:  إنتي يا فتون. مكانش في بالي غيرك، ومكنتش عايز غيرك جنبي. حتى لو كنت هموت، أول ما نقلوني المستشفى كنت خلاص بفقد الوعي، ومكنتش بهمس غير باسمك. وقولت لزميلي اللي معايا إنه ميعرفش حد من عيلتي إني اتصبت، حتى إنتِ مكنتش عايزك تعرفي إني اتصبت، عشان عارف إنك هتخافي. بس أول ما حسيت إني بغيب عن الدنيا وعينيَّ بتقفل غصب عني، قولت له إنه يفتح موبايلي ويخرج رقمك ويتصل بيكي؛ عشان حتى لو مت، أموت وإنتي جنبي.

وضعت كف يدها على خدها وهمست بحب:  بعد الشر عنك يا حبيبي.. أنا قلبي كان هيتخلع من مكانه لما عرفت إنك اتأذيت.

قبّل كف يدها، ثم وضعه على خده بحنان:  ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي.

شهقت فتون فجأة:  ينهار! إحنا لسه معرفناش حد من العيلة .. ده إنكل أدهم لو عرف إننا معرفناهوش كل ده، هيطلع عينينا!

ضرب يزن جبهته:  يا نهار! أنا نسيت خالص! أصل أنا كنت عامل حسابي إني داخل العمليات وهموت جوا، وقولت هم كده كده هيبقوا يعرفوا.

ضربته فتون للمرة الثانية على صدره، ليتألم هذه المرة بوجع حقيقي.

وضعت فتون يدها على فمها بخوف، لكنها قالت:  أقولك بقى؟ تستاهل، عشان تبطل الكلام اللي بتقوله ده.

مال برأسه ونظر إليها بعينيه الزرقاوين:  أهون عليكي برضه يا فوتي؟

حمحمت:  آه... تهون شوية صغيرين.

همس يزن بصوت خافت: بحبك.

ابتسمت فتون، ليختفي غضبها في ثانية، وهمست: وأنا كمان بحبك.

______________________________________________________________

دقّت الساعة السادسة، وبدأ الموظفون بالمغادرة واحدًا تلو الآخر من الشركة، بعد أن أنهوا دوامهم.في مكتب ريحانة، كانت ما تزال جالسة، وأمامها كومة من الملفات تقرؤها بتركيز.

نفخت بضيق، وهي تمسح عينيها بإرهاق من تعب اليوم. شعرت بالعطش، لتقرر أن تحضر مشروبًا من الخارج، لكنها أمسكت بهاتفها أولًا لترى الساعة، إلا أنها تفاجأت بعدد مكالمات فائتة من والدها.

قطّبت جبينها باستغراب، وما إن همّت بفتح الهاتف لتهاتفه، حتى انطفأ الهاتف معلنًا عن نفاد شحنه.
نفخت بضيق:
"يووووه... مش وقتك تفصل شحن
"
نهضت لتبحث عن شاحن، لكنها لم تجد في مكتبها، لتقرر أن تخرج وتبحث عنه، لكنها تفاجأت بأن الجميع قد غادروا المكان، ولم يتبقَّ سواها.

تنهدت بضيق:
"هاخد شاحن من مين دلوقتي؟"

لمحت بالصدفة باب مكتب سليم مفتوحًا.تنفست بتوتر، لتأخذ قرارها بأن تستعير منه الشاحن.

وقفت بتوتر أمام باب مكتبه، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تطرق الباب ببطء، لكنها لم تسمع ردًا، لتقرر الدخول.

دخلت، لتجد المكتب فارغًا.
همست بخفوت:
"شكله هو كمان روح."

مسحت بعينيها أرجاء المكتب، لتبتسم فجأة وهي تلمح شاحنًا موضوعًا في مقبس الكهرباء الموجود بمكتبه.

التقطته بسعادة، وقررت العودة إلى مكتبها لشحن هاتفها.

في نفس الوقت...
خرج سليم من المصعد، ثم تقدم تجاه مكتبه بحثًا عن هاتفه.
تمتم لنفسه:
"شكلي نسيته في المكتب."

وما إن وصل إلى باب مكتبه، وكاد يدخل، لمح باب مكتب ريحانة مفتوحًا.
قطّب جبينه باستغراب، وهو يتأمل الساعة الملفوفة حول معصمه.
"غريبة... إزاي لسه مروحتش؟"

قرر أن يراها أولًا، ثم يعود لأخذ هاتفه.
وقف أمام باب مكتبها، وتنفس بعمق قبل أن يطرق الباب، ليسمع صوتها من الداخل:
"ادخل."

دخل بهدوء، ليجدها تقف أمام مقبس الكهرباء وتحاول شحن هاتفها.
سأل باستغراب:
"إنتي بتعملي إيه؟"

نظرت إليه ريحانة بتفاجؤ:
"سليم! إنت مروحتش؟"

تقدم منها، وأجاب:
"لا، رجعت عشان نسيت موبايلي في المكتب."

وأثناء حديثهما، فجأة دوّى صوت إغلاق الباب بشدة، تبعه صوت قفل بالمفتاح.
نظر الاثنان خلفهما بسرعة.

تحدث سليم باستغراب:
"الباب اتقفل ليه؟"

تحدثت ريحانة ببساطة، وهي تحاول إدخال الشاحن في هاتفها بصعوبة:
"تلاقيه من الهوا. روح افتحه لو سمحت."

تقدم سليم نحو الباب، ووضع يده على مقبضه محاولًا فتحه، لكنه تفاجأ بأن الباب مغلق.
تحدث بصدمة:
"الباب اتقفل علينا من برة"

في الخارج...
كانت سهيلة تقف أمام المكتب، وهي تضحك بمكر لنجاح خطتها في حبس ريحانة داخل المكتب، لكنها لم تكن تعلم أنها لم تحبس ريحانة وحدها.
ثم توجهت إلى الخارج، ظنًا منها أن ريحانة بمفردها داخل المكتب.
_____________________________________________________________

كان كلٌّ من ياسين وآيات يجلسان على طاولة صغيرة في محل الآيس كريم، وأمامهما إياد الذي ذهب للعب مع أطفال من نفس سنه.

تحدث ياسين:

"مدام آيات، مش بتاكلي الآيس كريم بتاعك ليه؟ أوعى يكون مش عاجبك."

ابتسمت بخجل:

"لا، بالعكس، ده جميل."

ابتسم وهو يتأملها دون وعي:

"طيب يلا، ملي كوبايتك."

هزت رأسها بهدوء، ثم وضعت ملعقة من آيس كريم الشوكولاتة في فمها، تحت أنظار ياسين المسلطة عليها.

لاحظت تركيزه معها، فتوردت وجنتاها وابتلعت ريقها بتوتر، أما هو فحاول النظر بعيدًا، وهو يهمس بينه وبين نفسه:

"ما تحترم نفسك بقى يا غبي، وتبطل تبص لها."

حمحم بخشونة:

"احم... إياد شكله مبسوط أوي."

ابتسمت وهي تنظر إلى إياد الذي كان يلعب أمامهما مع الأطفال:

"أيوة، فعلًا."

رفع كف يده ليغرسه بين خصلات شعره البنية الناعمة، وحرك قدمه أسفل الطاولة بسرعة وتوتر، حتى لم يستطع كبت ما بداخله، فنطق باسمها فجأة:

"مدام آيات."

رفعت رأسها نحوه بتفاجؤ:

"نعم؟"

أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يفجّر قنبلته التي لم يستطع إخفاءها بداخله:

"هو... أنا عرفت إنك بتتعرضي للعنف في البيت؟"

فتحت عينيها بصدمة، وضمت شفتيها بتوتر، ليكمل سريعًا:

"أنا آسف إني سألت سؤال زي ده، بس أنا عايز أساعدك. القانون بيديكي فرصة دلوقتي إنك ترفعي قضية وتثبتي إنك بتتعرضي للعنف الأسري."

فركت يديها بتوتر، وأنفاسها تتسارع، وعلى وشك البكاء، لتنهض فجأة:

"من فضلك... أنا لازم أمشي."

وقف بخوف:

"مدام آيات، إيه اللي حصل؟"

حاولت ألّا تنظر إليه حتى لا يرى دموعها التي تغرق وجهها، ثم نادت إياد فجأة:

"إياد، يلا عشان نمشي."

اقترب إياد منهما، فأمسكت يده وسارت بخطوات سريعة خارج المحل، فلحق بهما ياسين وهو يحاول التحدث:

"مدام آيات، أنا آسف، مكانش قصدي... أرجوكي استني."

توقفت فجأة، وهي تتنفس بسرعة، ثم التفتت إليه:

"نعم يا دكتور؟ عايز إيه؟"

ابتلع ريقه بتوتر:

"أنا آسف لو كلامي ضايقك، بس والله نيتي إني أساعدك."

تحدثت بحدة، وعلى الرغم من ذلك ظل صوتها رقيقًا:

"وأنا مقولتش إني محتاجة مساعدة. عن إذنك، لازم أمشي."

قال بلهفة:

"طيب، مش هوصلكم؟"

ردت وهي ترفع يدها لإيقاف سيارة أجرة كانت تمر بالشارع:

"شكرًا، إحنا هنروح بتاكسي."

حملت إياد، الذي كان يبكي دون أن يفهم ما يحدث، واستقلت سيارة الأجرة، بينما ظل ياسين واقفًا في منتصف الشارع يتابعها بعينيه.

مرر يده بين خصلات شعره بغضب، ثم تمتم بندم:

"غبي."

__________________________________________________________

عند سليم وريحانة

قالت ريحانة بتوتر: "اتقفل علينا إزاي؟"

مرر سليم كفه بين خصلات شعره وأجابها باستغراب: "مش عارف، بس الباب مقفول علينا من برّه."

اقتربت منه ريحانة: "طيب وهنعمل إيه؟ ده كل الموظفين روحوا بيوتهم، ومفيش حد في الشركة خالص."

فكر سليم لثوانٍ قبل أن يقول فجأة: "لقيتها!"

سألته ريحانة بحماس: "هااا؟"

"نتصل بأي حد ييجي يفتحلنا."

مد يده في جيب بنطاله حتى يخرج هاتفه، لكنه بعد ثوانٍ ضرب على جبهته: "أوف! أنا نسيت إن موبايلي في المكتب."

اتجهت ريحانة نحو هاتفها لتحاول إدخال الشاحن به، لكن دون فائدة.

مال سليم برأسه باستغراب وتمتم: "إنتِ بتعملي إيه؟"

نفخت بضيق: "الشاحن مش راضي يدخل في الموبايل."

اقترب منها ليأخذ الهاتف من يدها، وحاول هو الآخر، لكن دون فائدة.

"إنتِ متأكدة إن ده الشاحن بتاعه؟"

فركت يدها بتوتر: "أحم... لا، بصراحة أنا جايباه من مكتبك."

أغمض عينيه بتعب، وهمس: "وبدل ما يكون الشاحن بتاعي، هيِدخل إزاي في موبايلك؟ وإحنا موبايلاتنا مش نفس النوع."

هز رأسه بنفي، وأكمل وهو يقول بغضب: "إنتِ السبب. لو مكنتيش سيبتي موبايلك يفصل، كان زماننا بكل سهولة اتصلنا بحد ييجي يفتحلنا."

رفعت حاجبها بغيظ: "والله دلوقتي بقيت أنا اللي غلطانة؟ ما إنت بردو لو مكنتش سبت موبايلك في مكتبك، كان زماننا بردو عرفنا نتصرف."

رفع إصبعه في وجهها: "ما إنتِ بردو السبب؛ لأني كنت داخل المكتب عشان أجيبه، لكن لما شوفت باب مكتبك مفتوح، روحت لكِ الأول والباب اتقفل علينا."

بلغت ريحانة بقلة حيلة، وهمست: "طيب وهنعمل إيه؟ مش معقول هنفضل محبوسين هنا للصبح لحد ما حد ييجي يفتحلنا."

نفخ سليم بضيق، ثم اقترب من الأريكة الموضوعة في ركن المكتب، وألقى جسده بإرهاق، ورفع كف يده على عينيه.

كانت ريحانة تتابع تحركاته وعيناها مفتوحتان على اتساعهما بعدم تصديق، لتقول: " بجد؟ أنا مش مصدقة البرود اللي إنت فيه! إنت هتنام وتسيبني؟"

نفخ بقلة حيلة: "هعمل إيه يعني؟"

رفعت كتفها بجهل وهي تقترب منه وتجلس على الأرضية المفروشة بسجادة بجانب الأريكة المستلقي عليها : "مش عارفة، بس أكيد متسبنيش لوحدي وتنام."

همس بصوته الرجولي الرخيم: "طيب، وإنتِ عايزاني أعمل إيه؟"

ثم أضاف بسخرية: "نلعب مثلًا؟"

لمعت عينا ريحانة من الفكرة: "طيب والله فكرة حلوة! إحنا فعلًا نلعب."

رفع حاجبه بسخرية: "نلعب؟ نلعب بقى يا ست ريحانة عسكر وحرامية؟"

نفخت بضيق: "من فضلك بلاش تريقة، بس أكيد فيه أنشطة نلعبها وإحنا محبوسين كده، بيها نضيّع وقت."

نظر لها بصمت قبل أن يرفع كفه مرة أخرى ويعيده على عينه بتعب: "ريحانة، والنبي، سيبيني في حالي."

نهض فجأة، وهي تتجه نحو مكتبها الخاص: "لا، مش هسيبك، وهتشوف هعمل إيه."

ثم أضافت وهي تبحث في أحد أدراج المكتب: "يارب بس ألاقيها."

تجاهلها سليم وهو يتثاءب بتعب، ويغمض عينيه ليتجه إلى النوم، ثوانٍ قبل أن ينهض بفزع من صوت صراخ ريحانة المتحمس وهي تقول:

"لقيتهااا!"

قال سليم من بين أسنانه: "لقيتي إيه؟"

تقدمت منه وعلى وجهها ابتسامة واسعة، ثم أخرجت الذي تخبئه وراء ظهرها: "لقيت دي"

ظل سليم ثوانٍ في صمته، وهو ينظر إلى العلبة في يدها ببلاهة، قبل أن يقول بصدمة: "كوتشينة؟!"

هزت رأسها بسعادة، ثم جلست أمامه على الأرضية، وبدأت تخرج الأوراق: "يلا، تحب نلعب الشايب ولا فيه نوع معين بتحبه؟"

هز رأسه ببطء، وما زال على نفس صدمته: "إنتِ إزاي معاكي كوتشينة في الشركة؟"

هزت كتفها بلامبالاة: "عادي، قلت أجيبها أتسلى، بس للأسف ملقتش حد ألعب معاه."

تنهد بتعب، وهو يغمض عينيه مرة أخرى بعدم اهتمام: "لمي الهبل ده يا ريحانة، واتخمدي في أي ركن في المكتب."

صرخت ريحانة: "سليم!"

نفخ سليم باستسلام، وهو يجلس أمامها على الأرضية: "ماشي، يلا، مع إني شايف إن النوم من أفضل الأنشطة."

بدأت ريحانة بتوزيع الأوراق حتى انتهت، ثم قالت: "بص، هنلعب الشايب، إيه رأيك؟"

هز رأسه بموافقة، ليبدآ في إخراج الأوراق المتشابهة حتى أصبحا مستعدين للبدء.

بدأ الوقت يمر، وهما يتبادلون الأوراق، حتى صرخت ريحانة بسعادة: "هييييه بالهنا والشفا عليك الشايب"

قلب سليم عينيه بملل، وهو ينظر إلى ورقة الشايب التي تبقت بيده: "ماشي، أنا خسرت."

همَّ أن ينهض ليجلس على الأريكة، لكن قاطعته ريحانة وهي تقول: "على فين يا باشا؟"

ليتحدث ببساطة: "إيه؟ مش لعبنا وخلصنا؟"

"آه، خلصنا، بس لسه فاضل آخر حاجة."

"حاجة إيه؟"

"الحكم."

رفع حاجبه وهو يقول: "حكم؟ بقى أنا يتحكم عليا؟ انسي."

"سليم، إنت كده مبتتقبلش الخسارة."

تنهد بهدوء: "لا، بتقبلها، بس مش موافق على الحكم."

"هو إنت عرفته الأول عشان ترفضه؟"

نفخ بضيق: "إيه هو الحكم يا ريحانة؟"

صمتت لثوانٍ معدودة وهي تفكر في حكم مناسب، قبل أن يقطعها بصرامة:

"وبلاش جو أجري حوالين المكتب عشر مرات، ولا أقف على رجل واحدة والجو ده."

قطبت جبينها بغضب، لأنه خرب عليها الحكم الذي فكرت فيه، لانها بالفعل كانت تفكر في هذا النوع من الأحكام.

صمتت لثوانٍ أخرى قبل أن تقول: "خلاص، عرفت الحكم."

"إيه؟"

"احكيلي قصة حياتك، طفولتك وشبابك وكده."

رفع طرف شفته العليا بسخرية: "إيه؟ قاعد مع منى الشاذلي؟ إيه الجو ده؟"

"لو سمحت، التزم باللعبة ونفذ الحكم واحكي."

تنهد بهدوء: "أحكي إيه؟"

"قصة حياتك مثلًا. كنت عامل إزاي وإنت صغير؟ كنت بتتعامل إزاي مع إخواتك؟ كنت طفل شقي ولا عادي؟ الحاجات دي."

بلع ريقه بتوتر، ليقول بصرامة: "مش عارف، مش فاكر حاجة."

نفخت بضيق، وسألته: "طيب مثلًا... علاقتك بأنكل سعد كانت عاملة إزاي؟ أو مثلًا تحكيلي ذكرياتك مع مامتك."

صمت وهو ينظر لها دون أي تعبير على وجهه، دام صمته لثوانٍ لدرجة جعلت ريحانة تستغرب، حتى كادت تسأله، لكنها صُدمت بما قاله:

"أنا أبويا وأمي ماتوا وأنا عندي عشر سنين."

ظلت ريحانة تنظر له بصدمة، لتقول بعدم فهم: "إزاي؟ طيب، وأنكل سعد يبقى مين؟"

رفع رأسه على الأريكة، وبدأ في التحدث: "يبقى الراجل اللي اتبناني بعد موت أهلي... أو بمعنى أصح، بعد ما اتقتلوا."

همست ريحانة بصدمة: "اتقتلوا؟"

هز رأسه بشرود، وبدأ يسرد ما حدث وكأنه عاد إلى ذلك الوقت:

"أيوة، أمي وأبويا ما اتقتلوش بمعنى الكلمة، لكن كان فيه شخص سبب موتهم بقهرتهم... شخص كان السبب في سجن أبويا، وبعدين موته في السجن بحسرته، وأمي لما حاولت تاخد حقها، معرفش عمل فيها إيه، بس كل اللي أعرفه إن اليوم ده، وأنا راجع البيت، لقيت ناس كتير عند بيتنا، ناس أول مرة أشوفهم، ولقيت الستات في الشارع بتقول إن أمي ماتت."

"وقتها أنا محستش بنفسي غير وأنا بجري... بجري بدون هدف. معرفش حتى أنا رايح فين، لحد ما لقيت نفسي في الشارع لوحدي، دموعي على خدي ومش لاقي مكان أروح له."

تنهد بوجع وأكمل :"حطيت إيدي في جيبي ولقيت معايا خمسين جنيه. قررت أشتري ورنيش، وقعدت على الرصيف وبقيت ألمّع جزم الناس في الشارع."

وضعت ريحانة كفها على فمها، والدموع تغرق وجنتيها، ليكمل:

"الشارع اللي كنت قاعد فيه كان قصاد مدرسة خاصة بتاعت ولاد الناس الأغنية، وفي الوقت اللي كنت بمسح فيه جزمة الراجل، لقيت شوية عيال في ابتدائي متجمعين على ولد وبيضربوه. جريت بسرعة وبعدتهم عنه، وبعدها خدت الولد من إيده وقعدنا مع بعض على الرصيف."

"الولد كان هادي جدًا ومنطقش بكلمة، فأنا طبطبت عليه وسألته: إنتَ إسمك إيه؟ قالي إن اسمه ياسين، ولما سألته العيال كانت بتضربه ليه، قالي إن العيال بتتنمر عليه عشان هو أصم ومبيسمعش غير بسماعة في ودنه، وإنهم كانوا بيضربوه عشان ياخدوا السماعة منه."

"عدت الأيام، وياسين كل يوم كان بييجي يقعد معايا شوية بعد مدرسته، لحد ما بقينا صحاب جدًا، وعرفني كل حاجة عنه، وإنه يتيم زيي، لأن أهله ماتوا وهو صغير، وإنه عايش مع صاحب والده في البيت."

"وفي يوم لقيت ياسين جاي يقعد معايا زي كل يوم، بس المرة دي مكانش لوحده، وكان معاه صاحب أبوه، اللي كان سعد الدالي."

"قرب مني وشكرني إني ساعدت ياسين، وعرض عليا أروح معاهم البيت أتغدى معاهم. في الأول رفضت، لكن بعد كده وافقت ودخلت بيتهم. وبعد ما كنت هتغدى وأمشي، سعد بيه طلب مني أقعد النهارده كمان، ويوم جر يوم، لحد ما في يوم سعد بيه عرض عليا إنه يتبناني ويبقى أبويا؛ لأنه معندوش ولاد، معاه بنت واحدة بتدرس في أمريكا. أنا وافقت، وبعدها على طول سافر بيا أنا وياسين لأمريكا، وكتبني على اسمه، ودخلني المدرسة، وكان بيتعامل معايا أنا وياسين زي ولاده."

"لحد ما دخلنا الجامعة. ياسين قرر يرجع مصر؛ لأنه حب يكمل تعليمه ويدخل كلية الطب هناك، بس أنا كملت في أمريكا وتخرجت واشتغلت مع سعد، اللي بقيت أقوله يا بابا. وياسين كان من وقت للتاني بيسافر لنا أمريكا يقضي معانا الإجازة ويرجع تاني مصر، لكن أنا مرضتش أنزل مصر خالص، لحد ما ندى، أختي الكبيرة بنت سعد، اتجوزت. وقتها بابا قرر ينقل شغله لمصر؛ لأنه حابب يستقر هنا، ونزلنا كلنا."

ثم تنهد: "وبعدها إنتي عارفة، هو شارك أبوكي في الشركة دي، وأنا نزلت مصر عشان أمسك الشركة."

هزت ريحانة رأسها بعدم تصديق، ودموعها تنزل بتأثر: "مش معقول! إنت عشت كل ده؟ أنا فكرتك إنك طول عمرك غني ومتبهدلتش، لكن إنت فعلًا عديت بحاجات كتير أوي."

ابتسم سليم وهو ينظر لها، ليته يستطيع إخبارها بالحقيقة كاملة، وأن الشخص المسؤول عن موت أهله هو نفسه والدها، والأهم أن يخبرها بما حدث بالتفصيل يوم موت أمه، وماذا كان يفعل قبل أن يعود إلى بيت أمه ويعلم بموتها.
كيف يخبرها أنها كانت معه ؟!!

قال سليم بهدوء: "عشان تعرفي إني اتبهدلت كتير، وياريت دلوقتي مرتاح. ده أنا ربنا رزقني بواحدة، أعوذ بالله، منكدة عليا عيشتي... وكمان من حظي الهباب إن مكتبي بيطل على مكتبها، يعني شايفها أربعة وعشرين ساعة."

مسحت ريحانة عيونها، وهي تخبطه في كتفه: "قصدك تشكر ربنا إن في حياتك واحدة اسمها ريحانة؟ ده إنت أكتر إنسان محظوظ إني قدامك طول الوقت."

ضحكا الاثنان بقوة، لكنهما توقفا عن الضحك لينظرا لبعضهما فجأة، ويصرخا في الوقت نفسه:

"المكاتب!"

وقف سليم بسرعة أمام الفاصل بين المكتبين، ليبحث عن أي شيء يكسر به الشيش.

صرخت ريحانة: "خد الكرسي"

"صح، الكرسي"

التقط الكرسي وبدأ في كسر شيش النافذة بقوة، حتى نجح في عمل فجوة كبيرة استطاع أن يمر منها. وما إن خطا أول خطوة في مكتبه، حتى ركض بسرعة تجاه الباب، وخرج منه، وأخيرًا فتح باب مكتب ريحانة بالمفتاح الذي وجده ساقطًا على الأرض أمام الباب.

بمجرد أن فتح باب المكتب، حتى صرخت ريحانة بسعادة وهي تركض نحوه:

"هييييه! الباب فتح!"

وضع سليم يده على رأسه: "أوف، مفكرناش فيها من الأول."

بعد دقائق، كانت ريحانة تقف وهي تشحن هاتفها، وبجانبها سليم الذي يقف بهدوء. ابتسمت بفرح حين شُحن الهاتف بمقدار يجعلها تجري مكالمة، وأول ما فعلته أنها هاتفَت والدها.

بعد دقائق، جاءها صوت والدها:

"ألو؟"

"بابا، معلش موبايلي فصل."

"إنتِ فين يا ريحانة؟"

"أنا لسه في الشركة، بس هروح أهو، ويبقى أحكيلك اللي حصل."

"لا، متروحيش. تعالي لنا على المستشفى."

شهقت ريحانة بخوف: "إيه؟ مستشفى ليه؟ إنتوا كويسين؟"

ساد الصمت لثوانٍ، ثم سمعت حديث والدها. رفعت الهاتف عن أذنها، ليتحدث سليم باستغراب:

"فيه إيه؟"

أجابته بتوتر: "يزن أخويا اتصاب واتنقل للمستشفى."
                الفصل السابع من هنا
تعليقات



<>