رواية زينة اسد الصعيد الفصل الواحد والعشرون21والاخيربقلم فاديه النجار


رواية زينة اسد الصعيد الفصل الواحد والعشرون21والاخيربقلم فاديه النجار

مرت الأسابيع على عائلة "الهواري" كأنها نسيم دافئ جاء بعد عاصفة عاتية. عادت البسمة لتشرق في أركان السرايا، واكتملت فرحتهم بامتثال مروان للشفاء تماماً، ليبدأ حماد وزينة وحضرة العمدة اسد الهواري  بالتجهيز لليوم الذي انتظرته فريدة طويلاً.. يوم عقد قرانها وزفافها على مروان. والحمد لله عدت كل التجهيزات علي خير والان فريده تحضرها زينه في جناح الضيوف 
كانت السرايا تتزين بالمصابيح والورود، وأصوات المزامير والطبول الصعيدية تهز الأرجاء في الخارج. كانت زينه تتنقل بين الغرف لتساعد فريدة في الاستقرار بعدما انصرفت بنات الميكب الذين جاءؤ حتي يحضرو العروسه فريده وزينه التي رفضت أن تضع علي وجهها اي من الزينه ، بينما تحاول إخفاء ذلك الشحوب الخفيف الذي يطارد ملامحها منذ أيام.
في غرفة فريدة، كانت الأخيرة تقف أمام المرآة بفستانها الأبيض الناصع، بينما زينه ترتب لها طرحتها بابتسامة حنونة:
ـ ألف مبروك يا فريدة، طالعة زي القمر يا حبيبتي.. مروان محظوظ بيكي والله ربنا يسعدكو .

التفتت إليها فريدة بابتسامة مشرقّة، لكنها سرعان ما قطعت ضحكتها ونظرت لزينة بتمحيص واهتمام:
ـ الله يبارك فيكي يا زينه.. بس قوليلي، أنتِ مالك يا زينه؟ وشك أصفر كده ليه وشفايفك دبلانة؟ أنتِ تعبانة يا خيتي ولا مكان العملية لسه بيوجعك؟
زينه وهي تبتسم بضعف وتمسك رأسها بخفة:
ـ لأ يا فريدة، الحمد لله العملية تمام والدكتور طمني..في آخر كشف وخصوصا أن عده عليها سته شهور  بس يمكن إرهاق من كتر الجري والتجهيزات بتاعة الفرح.. حاسة بشوية دوخة وبس، هقوم أجيب لك الطقم الدهب من الأوضة التانية.والهدايا اللي اجاتلك انا ودتهم اوضه الضيوف 

ما إن خطت زينه خطوات معدودة خارج الغرفة متجهة ونحو الدرج، حتى شعرت بدوار شديد يلف الأرض من تحت قدميها، وأظلمت الدنيا في عينيها فجأة!
سقطت زينه فاقدة الوعي عند بداية السلم..
في تلك اللحظة بالذات، كان أسد يصعد الدرج بهيبته وجلبابه الصعيدي الفاخر ليطلب من زينه إحضار بعض الأوراق،ليسلمها لرجل من رجاله فهو قرر أن يأخذ اجازه حتي يعوض نفسه وزينه عن تعب التجهيزات ليفزع قلبه من منظرها وهو يراها تسقط أمامه كالزهرة المقطوفة!
صرخ أسد بصوت هز جدران الدار، وقفز ينزل الدرج بلهفة مرعبة:
ـ زييييييييينه!
التقطها أسد بين يديه قبل أن تصطدم بالأرض، وحملها متجهاً بها بسرعة نحو الأريكة الكبيرة في الصالة الرئيسية، وسط صراخ غرام وركض حماد ومروان وفريدة من الغرف والخدم الموجودين ليساعدو في الداخل للفرح !

غرام برعب ودموع:
ـ يا مري! بتي زينه! مالها يا أسد؟! جرى لها إيه يا بني؟!
أسد بذهول ويدين ترتجفان وهو يربت على وجهها بحنان وفزع:
ـ مش عارف يا أمي! وقعت فجأة من طولها! هاتوا برفان بسرعة.. زينه! زينه رد عليا يا روح قلبي!
رعشة الخوف في صوت أسد كانت كفيلة بأن تجعل الجميع يحبسون أنفاسهم. ركض مروان وهو بيجري ويجلب القليل من العطر ليضعه أمام أنفها، بينما ضرب أسد برأسه للهاتف ليطلب طبيب العائلة فوراً وهو يصرخ فيه:
ـ دقيقة واحدة وتكون قدامي يا دكتور، وإلا مش هتحصل خير!
مرت الدقائق كأنها سنين على قلب أسد، الذي كان يجلس بجوارها يمسك يدها ويقبلها بلهفة ورجاء، يخشى أن يكون جسدها قد ضعف بعد تبرعها بالكلية لمروان  الذي هو الآخر كان يشعر بأنه السبب في تعب أخته وإخراجهم من خوفهم عندما فتحت زينه عينها ببطء، لتجد عيون أسد ممتلئة بالدموع والخوف.هو ومروان وأبيها وامها وحتي فريده
زينه بصوت خافت جداً:
ـ أسد.. أنا فين؟ إيه اللي حصل؟ومالكو كده 
أسد وهو يضم رأسها لصدوره وينفس بحرارة:
ـ أنتِ في حضني يا قلب أسد.. قلقتيني عليكِ يا زينه.. حاسة بإيه يا حبيبتي؟ في حاجة بتوجعك؟
وصل الطبيب مسرعاً، واستأذن الجميع لفحص زينه. كان أسد يذرع الغرفة جيئة وذهاباً كالأسد المحبوس، وعيونه لا تفارق وجه زوجته، وحماد يقف يدعو الله في سره أن يحفظها.
بعد لحظات من الفحص الشامل وقياس الضغط، قال الطبيب والابتسامة تملأ وجهه، ليلتفت إلى أسد المترقب.
أسد بنبرة حادة من شدة التوتر:
ـ طمني يا دكتور! جراحة الكلية فيها حاجة؟ التعب رجع لها تاني ولا ايه اللي خلها يغمي عليها ؟!

ابتسم الطبيب وقال بنبرة هادئة ومبشرة:
ـ إهدى يا أسد بيه.. الجرح بفضل الله ميه ميه والكلية التانية شغاله وزي الفل.. المدام زينه مش مريضة بفضل الله..

اسد ..اومال غميت ليه 

الطبيب ... المدام تعبها ده تعب طبيعي جداً ومبروك مقدماً!
ساد الصمت لثوانٍ، ولم يفهم الجميع القصد، ليرفع أسد حاجبيه بدهشة وحيرة:
ـ يعني إيه تعب طبيعي؟ مبروك على إيه يا دكتور؟!
الطبيب بابتسامة واسعة:
ـ مبروك يا أسد بيه.. المدام زينه حامل في الشهر الاول ! الإرهاق والدوخة دول من أعراض الحمل، وبسبب نقص الفيتامينات وإجهاد التحضيرات هبط ضغطها وسقطت.
تسمر أسد في مكانه، وكأن الزمن توقف به عند تلك الكلمة.. "حامل"!
اتسعت عينان أسد وشعر بقشعريرة تسري في كل جسده، ونظر إلى زينه التي اتسعت عيناها هي الأخرى بذهول ودموع الفرح تترقرق في حدقتيهما.
انطلقت زغاريد غرام وفريدة لتهز جنبات السرايا، واحتضن الحاج حماد ابنه مروان بدموع الفرحة، واقترب مروان من أسد يربت على كتفه بضحكة أمل:
ـ مبروك يا ولد عمي! المرة دي هتبقى أم للمرة التانية، وأختي هتعوضك وتبني معاك العيلة اللي تحلم بيها..ربنا يقومها بسلامه وصحه !

أسد لم ينطق بحرف..غير امين و ترك الجميع واقترب بخطوات بطيئة نحو زينه التي كانت تجلس على الأريكة تبكي بدموع ونظرات حب صافية. جثا أسد على ركبتيه أمامها، وأمسك يديها الاثنين ووضعهما على وجهه ليبللهما بدموعه التي سقطت لأول مرة فرحاً وأملاً.
أسد بنبرة تهتز حباً وشوقاً:
ـ حامل يا زينه؟ بجد يا بنت عمي؟ ربنا هيرزقنا بحتة منك ومني؟
زينه بدموع وهي تمسح دموعه بيدها الصغيرة:
ـ حامل يا أسد.. ربنا عوضنا بعد كل التعب اللي شفنا.. وعوضك أنت يا حبيبي عشان قلبك الطيب النضيف.
ضمها أسد إلى صدره بقوة ولكن بحذر شديد وكأنه يحمل جوهرة زجاجية يخشى عليها من الكسر، وقبل رأسها ويديها أمام الجميع دون خجل، وقال بصوت يسمعه الجميع:
ـ أنتِ اللي عوض ربنا ليا يا زينه. ودلوك بتشيلي حتة من قلبي جوة بطنك.. كرم ربنا كبير قوي يا بنت الأصول يا حته من القلب يا غاليه !
الحاج حماد وهو يمسح دموعه بابتسامة رضا:
ـ الحمد لله يا رب.. الفرحة بقت فرحتين يا هواري! فرحتك بطفلك الجديد، وفرحة مروان وعروسته النهاردة!
ضحك مروان وهو يقول بنبرة مرحة:
ـ والله يا بوي اني كنت خايف الواد اللي جاي ياخد الجو مني في ليلة فرحي.. بس يلا مسامح،في حقي اني والبت فريده والخبر ده بالدنيا وبعدين الحفلة كملت وزينه رجعت لينا روحنا من تاني.وهي بتملي علينا القصر والأحفاد وهتكون عجوز يا حج حماد انت والحاجه غرام 

اقتربت الصغيرة "لين" وهي تركض بنعومة وتتسلق حجر والدها أسد:
ـ بابا.. ماما زينه بتعيط ليه؟ فهي أصبح عمرها سنتين 

رفعها أسد وقبلها بحنان، ثم نظر لزينه وقال:
ـ لا يا حبيبتي هي مبتعيطش هي مبسوطه لأنها هتجيب للين.أخ ولا أخت جايين في الطريق عشان تبقي أختهم الكبيرة وتحميهم.وتلعبو سوافرحه الطفله 

وفي المساء، اكتملت الفرحة بعقد قران مروان وفريدة وسط أهازيج أهل الصعيد، وكانت زينه تجلس بجوار أسد الذي لم يترك يدها لحظة واحدة طوال الليل، يحيطها بعطفه وحمايته.
تطلعت زينه إلى السماء وقلبها يفيض بالشكر لله، فقد انزاحت كل الغيوم والشرور، واحتوت السرايا حبهم الكبير، ليثبت الحق، وتكتمل حكاية "زينه أسد الصعيد" بالأمل والنسل الصالح والسلام.

مرت الأيام والأسابيع على سرايا الهواري كأنها أحلام وردية تُغزل بماء الذهب. انقضت أيام الفرح الكبير وعقد قران مروان وفريدة، لتبدأ العائلة مرحلة جديدة يملؤها الدفء والحنان، واستقبال الضيف العزيز المنتظر في أحشاء زينة.
كانت السرايا بأكملها تقف على قدم وساق خدمةً لنجمة الدار وزهرة الهواري.. أما "أسد الهواري"، فقد انقلب حاله رأساً على عقب؛ الرجل الشديد الهيبة، صاحب الكلمة المسموعة والوقار الصعيدي، تحول في حضرة زوجته وابنة عمه إلى عاشق ملهوف لا يتوانى عن تنفيذ أي من طلباتها، مهما كانت غريبة أو في أوقات متأخرة من الليل!
في منتصف إحدى الليالي من الشهر الرابع للحمل، كانت الشقة الخاصة بأسد وزينة تعم بالهدوء الشديد. استيقظت زينة من نومها ببطء، وتطلعت إلى أسد الذي كان يغط في نوم عميق، ويمسك بفيض من الحنان خصرها بيده القوية وكأنه يخشى عليها وهي في حضنه.
ابتسمت زينة بخبث ونعومة، ثم بدأت تمسح على لحيته بأطراف أصابعها، وتهمس قرب أذنه بدلع وصوت ناعم:
ـ أسد.. أسد يا حبيبي.. قوم يا ابن عمي..قوم بقي يا حبيبي 
تململ أسد في فراشه، وفتح عينيه المجهدتين بصعوبة، ولكنه بمجرد أن رأى وجهها القريب منه، غابت ملامح التعب من وجهه وحلت محلها ابتسامة حنونة.
أسد وهو يشدها إلى صدره برفقة:
ـ صباح الفل والياسمين يا روح قلبي.. مالك يا زينة؟ حاسة بحاجة بتوجعك؟ النونو مضايقك يا جمر؟
قعدت زينة على الفراش، وربعت قدميها بطفولية وهي تدير وجهها بعيداً عنه بنظرة عتاب مصطنعة وتدبدب بقدمها تحت الغطاء:
ـ لأ مش مضايقني.. بس أنت اللي مش حاسس بينا يا أسد!
اتسع ذراعا أسد بذهول وابتسامة دافئة، وجلس بجوارها مسرعاً يمسك يديها الاثنين ويقبلهما بشغف:
ـ أنا مش حاسس بيكم برضه يا بنت عمي؟! ده أنا عقلي وقلبي معاكِ في كل ثانية! قوليلي يا ست البنات، إيه اللي يرضيكِ ودلوك يتعمل؟
أسبلت زينة جفنيها بدلع صعيدي ساحر، وقالت بنبرة قطة وديعة:
ـ جعانا  يا أسد.. ونفسي في حاجة معينة قوي مش قادرة أقاومها..
أسد بلهفة وهو يرتدي جلبابه فوراً:
ـ رقبتي ليكي يا زينة! قوليلي عايزة إيه؟ أطلب الحكيم، ولا أخلي الشغالة تقوم تعمل لك اللي تشتهيه انتي بس تؤمري؟
مسكت زينة طرف جلبابه بسرعة وقالت بصوت همسي مليء بالدلع:
ـ لأ.. مش عايزة الشغالة تعملها.. نفسي آكل مانجه حمرا ويكون فيها طعم الصيف، وأنت اللي تقشرها لي بإيديك يا أسد.. ومش كده بس.. عايزة معاها جبنة قريش بالطماطم والنعناع الصعيدي اللي بتعمله أنت بالذات!
تسمر أسد في مكانه ونظر إليها بذهول ثم أطلق ضحكة رجولية هزت أركان الغرفة:
ـ مانجه وفي نص الليل وفي الشتا يا زينة؟! ومن إيدي أنا؟!
زينة وهي تفرك يديها ببعضهما وتبتسم بنعومة وتدنو منه لتضع رأسها على صدره:
ـ أيوة.. النونو هو اللي بيطلب كده يا أسد، مش أنا.. هترفض طلب ابنك ولا طلب حبيبتك وبنت عمك؟
هز أسد رأسه بحب جارف، وقبل رأسها بقوة:
ـ أرفض؟! ده أنا أقطع لك من شرايين قلبي يا زينة وأطعمك! خليكِ مرتاحة في سريرك، ودقيقة واحدة وتكون طلبات السيدة زينة قدامها.
نزل أسد الهواري إلى المطبخ، يبحث في الثلاجات التي كان قد أمر بجلب كل أنواع الفواكه المخزنة خصيصاً لها.
في هذه الأثناء، خرجت "غرام" من غرفتها لتشرب الماء، فتفاجأت بأسد يرتدي المئزر بيده القوية ويقشر المانجو بكل عناية، ويرص الطماطم والجبن ببراعة!
وقفت غرام على باب المطبخ، وتغطت فمها بكفها وهي تحاول كتم ضحكاتها العالية،،فهي تعلم جنون زينه في هذه الفتره ، ثم نادت بصوت خفيض:
ـ يا مري! أسد الهواري واقف في المطبخ بينضّف مانجه وبيجهز فطور في الساعة اتنين بالليل؟!
التفت أسد بقلة حيلة وابتسامة خجل ملأت وجهه:
ـ معلش يا مرات عمي.. زينة توحمت على المانجه والجبنة، وقالت لازم من إيدي أنا بالذات.. أعمل إيه بس في دلع بنتك اللي يجنن العقل ده؟

في تلك اللحظة، كان الحاج حماد ينزل هو الآخر السلم، فسمع الحوار ووقف بجوار غرام يراقب أسد وهو يتودد لابنته بهذا الشكل.

ابتسم حماد برضا وفرحة عارمة، وربت على كتف أسد وهو يضحك:
ـ عفارم عليك يا ولد أخوي! اللي ما يدلعش مرته وبنت عمه وحرمته دي يبقى ما يعرفش الأصول! ادلع يا بني ودلعها، دي بنتي الغالية شايلة حتة منك ودخلت الفرحة دارنا بعد كل الوجع اللي شفنا.
غرام بدموع الفرحة والرقة وهي تنظر لابنتها التي أصبحت الملكة في قلب أسد:
ـ ربنا يخليكم لبعض يا بني ولا يحرمكم من بعض أبداً.. زينة بتي تستاهل كل خير، ودلعها عليك ده هو اللي محلي العيشة ورادد فينا الروح.
ابتسم أسد بحب وقال لعمّه وزوجة عمّه:
ـ ادعولنا بس ربنا يتمم على خير وتقوم بالسلامة.. أنا لو لفيت الدنيا دي كلها مش هلاقي زي زينة.
أخذ أسد الصينية المعبأة بالخيرات وصعد بها إلى الغرفة.. كانت زينة تتكئ على الوسائد بانتظاره، وما إن رأته يحمل الصينية حتى تهلل وجهها بالفرح.
قعد أسد بجوارها على الفراش، وبدأ يطعمها بيده قطعة قطعة، وهو يمسح على بطنها المنتفخة بحنان بالغ:
ـ ها يا زينتي. عجبك أكلي يا زينة الدار؟
زينة وهي تأكل بسعادة وتنظر لعينيه بأسى وعشق:
ـ يسلملي إيديك يا أسد.. أحلى أكل أكلته في حياتي.. ربنا ما يحرمها من حنيتك ولا يحرمني منك يا ولد عمي وسيد الرجال.
أسد وهو يقترب منها ويهمس بلهفة:
ـ ولا يحرمني من دلعك يا زينة الصعيد.. أنتِ قلبي ونوري اللي أضاء حياتي بعد الضلام.
ومرت الأيام والشهور وزينة تزداد دلالاً، وأسد يزداد عشقاً وجنوناً بها، حتى امتلأت السرايا بدفء الحب الصادق، وانتظار المولود الجديد الذي سيضيء بيت الهواري بالنسل الصالح والسلام الدائم.

في  منتصف الشهر التاسع.

في ساعة متأخرة من الليل، كانت زينة تستريح في سريرها، وفجأة شعرت بآلام حادة ومفاجئة تجتاح جسدها. أمسكت بالغطاء بقوة وصصرخت بدموع ونبرة متقطعة:
ـ أســــد! الحقني يا أسد.. النونو جاي دلوقتي يا ابن  عمي شكلي بولد !
قفز أسد من نومه كالمرعوب، ونظر إليها ليرى وجهها المبتل بالعرق ودموعها المنهمرة. انخلع قلبه من الخوف، وحملها بين يديه فوراً دون تفكير متجهاً بها نحو الأسفل، وهو يصرخ بصوت هز جنبات السرايا:
ـ مروان! يا أبوي! يا أمي! افتحوا الأبواب بسرعة.. زينة بتولد!
خرج الجميع من غرفهم في حالة استنفار؛ ركض الحاج حماد وغرام ووراءهما مروان وفريدة، وانطلقوا جميعاً بأقصى سرعة نحو مستشفى الخاص بالمدينة.
أمام غرفة العمليات، تحول "أسد الهواري" إلى أسد حبيس داخل قفص.. كان يذرع الممر جيئة وذهاباً، يفرك يديه برعب، ودموعه المعلقة في عينيه تشهد على حبه الجارف لزوجته وابنة عمه.
كان يمسك بياقة الممرضات والطبيب كلما خرج أحدهم:
ـ طمنوني عليها! لو جرى لها حاجة مش هسيب حد فيكم حاي! زينة أمانتي ونور عيني!
الحاج حماد وهو يمسك بكتفي أسد ويهدئه:
ـ إهدى يا ولد أخوي واذكر الله.. زينة قوية وهتقوم بالسلامة بإذن الله، ادعيلها يا بني بدال الخوف ده كله.
وبعد ساعة من الانتظار المرير الذي بدا وكأنه دهر كامل، شق الممر صوت بكاء صغير ورقيق نزل كالمطر الدافئ على قلب أسد!
خرجت الطبيبة وهي تحمل المولد الصغير الملتف بوشاح أبيض ناصع، والابتسامة تعلو وجهها:
ـ ألف مبروك يا أسد بيه! جالك ولد زي القمر، والمدام زينة بفضل الله بخير وصحتها ممتازة جداً.
توقف الزمن بالنسبة لأسد.. اقترب بخطوات ترتجف، ونظر إلى طفله الصغير.. وضعت الطبيبة الوليد بين يديه، فكبّر أسد في أذنه بدموع غزيرة تسيل على لحيته، وقبل رأسه بحنان بالغ ثم رفعه وهو يقول بنبرة ملؤها الشموخ والفخر:
ـ نورت الدنيا يا "حماد".. هسميك على اسم جدك كبيرنا !
بكى الحاج حماد واحتضن أسد بقوة، بينما غرام وفريدة تعلو زغاريدهما لتهز جدران المستشفى وسط فرحة عارمة.

دخل أسد غرفة زينة بعد أن فاقت من البنج.. كانت مستلقية بتعب جميل، وحين رأته يحمل طفلهما، ابتسمت بضعف وأمدت يديها إليه.
جثا أسد بجوار رأسها على الركبتين، وقبل جبهتها ويديها بعشق لا ينتهي:
ـ حمد الله على سلامتك يا أم حماد.. يا روح قلبي ونور حياتي.. رفعتي رأسي وجبتيلي اللي هيشيل اسمنا ويحافظ على أرضنا.
زينة بنبرة حنونة وهي تمسح على خد أسد:
ـ الله يسلمك يا حبيبي.. مبروك علينا "حماد الصغير" يا أسد.. ربنا يخليك لينا وما يحرمناش من حنيتك أبداً.

بعد مرور أسبوعين على ولادة زينة، وعودة السرايا لإقامة العقائق والمآدب احتفالاً بالمولود الجديد، كانت فريدة تقف في المطبخ تساعد غرام في تجهيز الأطباق، ولكنها شعرت بدوار خفيف وللثغرات متتالية تجعلها تتكئ على الطاولة.
لاحظت غرام ذلك فوراً، فاقتربت منها بابتسامة أمومة وخبرة:
ـ مالك يا فريدة يا بتي؟ وشك اصفر فجأة ليه كدة؟
فريدة بحياء وهي تمسك رأسها:
ـ مش عارفة يا طنط غرام.. حاسة بررغبة في النعاس ودوخة بقالها كم يوم بتكرر معايا أول ما أشم ريحة الأكل.
نظرت إليها غرام بفرحة مفاجئة وصرخت بنبرة تهليل:
ـ يا بوي! دوخة وريحة أكل؟! تعالي معايا دلوك حالا نطلب الدكتورة!
استدعت العائلة الطبيبة فوراً لفحص فريدة، بينما كان مروان يقف عند الباب يفرك يديه بتوتر وقلق على زوجته وحبيبته.
خرجت الطبيبة تضحك وتزف الخبر:
ـ مبروك يا مروان بيه! القافلة مشيت بسرعة.. المدام فريدة حامل في شهرها الأول!
طائر مروان من الفرحة، وقام بضم فريدة أمام الجميع دون اهتمام بوقار الصعيدية، وهو يدور بها في الصالة وسط ضحكات أسد وزينة والحاج حماد!
مروان بفرحة جنونية:
ـ حامل يا فريدة؟! يا بوي على الفرحة اللي زادت في دارنا! هبقى أب يا ناس!
الحاج حماد وهو يرفع يديه للسماء والدعاء يخرج من قلبه:
ـ الحمد لله والشكر لك يا رب! بيتي بقى مليان بالخير والبركة.. ولادي وبناتي وأحفادي حواليا في أمان وسلام.
احتضنت زينة فريدة بقوة وهي تبارك لها:
ـ ألف مبروك يا خيتي.. عقبال ما تشيلي ولدك في حضنك زي ما شيلت حماد!
وتواصلت الأهازيج في سرايا الهواري، واجتمع الجمع حول الطعام ؛ أسد يمسك يد زينة ويطعمها بحب أمام الجميع، ومروان يهتم بفريدة بدلال، والحاج حماد وغرام ينظران لأولادهما برضا وعيون دامعة من شدة الفرح والامتنان لله على هذه النهاية السعيدة.

                      تمت بحمد الله
تعليقات



<>