رواية اولاد الباشا الفصل الثاني والعشرون22بقلم شيماء منير


رواية اولاد الباشا الفصل الثاني والعشرون22بقلم شيماء منير


يقولون إن الأرواح التي كُتب لها أن تلتقي، ستلتقي حتمًا مهما طالت الدروب أو تعقدت. كان الفراق اختبارًا قاسيًا لعمق الشعور، ومتاهةً بدا الخروج منها مستحيلاً. لكن القدر، الذي يملك دائمًا الكلمة الأخيرة، رتب تفاصيل هذا اللقاء ليكون مكافأة الصبر. في هذا الفصل، نخطو معًا إلى عتبة جديدة، حيث تتصالح القلوب مع ماضيها، وتفتح الأذرع لتستقبل دفء الأحبة، مؤكدةً أن كل ليلٍ، مهما طال، لا بد أن يعقبه فجر يجمع الشتات

كان يقف خلف الباب بهدوء بينما تقف "منال" أمامه والدهشة تشلّ لسانها.

نظر إليها وابتلع ريقه قائلًا بنبرة مهذبة:
— "أنكل خالد موجود؟"

قبل أن تجد منال الكلمات لترد، ارتفع صوت "خالد" من الداخل وهو يقترب:
— "مين يا منال؟"

وصل خالد إلى الباب، وتسمرت قدماه مكانهما. اتسعت عيناه بذهول وهو ينظر إلى الطارق، ليخرج اسمه منه مخنوقًا بالاستغراب:
— "مالك!!!"

تحركت ملامح مالك بابتسامة باهتة تحاول استعطاف الموقف، وقال بنبرة هادئة:
— "مساء الخير يا أنكل.. أنا آسف جدًا إني جيت من غير ميعاد."

عقد خالد حاجبيه، ونظر إليه بنظرات فاحصة:
— "أهلاً يا ابني.. في حاجة؟"

شعر مالك بحرج الموقف والوقوف على الأعتاب، فتنحنح قائلًا بعتاب خفي:
— "طيب حضرتك يعني.. مش هتقولي اتفضل؟ هنتكلم على الباب كدا، والا حضرتك مش عايزني أدخل؟"

ارتسمت ابتسامة خفيفة وساخرة على شفتي خالد، وهز رأسه قائلًا بقيمة الأصول:
— "لأجل عين تكرم ألف عين يا مالك.. وأنت أبوك صاحب عمري. اتفضل، البيت بيتك."

تنفس مالك الصعداء ودخل، بينما أغلقت منال الباب وراءه وعقلها يدور في آلاف التساؤلات. 

التفت خالد إلى زوجته وقال:
— "لو سمحتِ يا منال، اعمليلنا قهوة.." ثم نظر لمالك وأضاف مداعبًا ذوقه القديم: "مش قهوة برضه يا مالك؟"
ابتسم مالك بامتنان:
— "أيوة.. سادة."

منال أومأت برأسها في وجوم: "حاضر."

خالد مشيرًا بيده نحو غرفة الاستقبال: "تعالى يا مالك نقعد في الصالون."

دخل خالد ومالك الصالون، وأُغلق الباب خلفهما.

 في تلك الأثناء، فُتح باب الغرفة الأخرى ببطء. خرجت "يمنى" وهي تستنشق الهواء.. شمت رائحة عطر مألوفة، عطر حفر نفسه في ذاكرتها ولم تنسه يومًا. تتبعث الرائحة بخطوات مرتبكة حتى دخلت على والدتها المطبخ، وكانت منال تضع الكنك على النار.
سألت يمنى بصوت منخفض ومتردد:
— "هو احنا عندنا ضيوف يا ماما؟"

التفتت إليها منال بشك، وضيقت عينيها تقرأ ملامح وجهها:
— "يعني أنتِ مش عارفة مين؟!"

يمنى بنبرة حائرة وصادقة:
— "بجد معرفش، أنا لسه خارجة من أوضتي حالا."

نظرت إليها منال بتركيز شديد وقالت كلمة واحدة هبطت كالصاعقة:
— "مالك."

شحب وجه يمنى، واهتزت نظراتها بتوتر حاولت مداراته:
— "مالك مين؟"
منال بسخرية مريرة:
— "هو احنا في حياتنا كام مالك؟.. مالك الباشا."

ساد الصمت لحظة، شعرت فيها يمنى بدقات قلبها تطرق صدرها بعنف، فسألت بصوت مرتعش:
— "ليه.. هو في حاجة؟"

منال وهي تلتفت للقهوة:
— "معرفش، اهو قاعد مع بابكي جوه."

في هذه اللحظة، دخل "آسر" المطبخ مستغربًا الهدوء والهمس:
— "هو احنا عندنا ضيوف يا ماما؟"

منال وهي تصب القهوة في الفناجين:
— "أيوة، مالك الباشا مع باباك جوه.. خد القهوة دي دخلها لهم."

تصلب جسد آسر، ونظر لأمه بصدمة وغضب مكتوم:
— "ودا جاي يعمل إيه تاني؟!"

منال بتنهيدة قلقة:
— "أنا معرفش حاجة.. دلوقتي هنعرف. خد القهوة وادخل."

قبض آسر على الصينية بقوة، وعيونه تشتعل بالرفض، ثم اتجه نحو الصالون.

كان مالك يجلس بتوتر يظهر في حركة أصابعه، وقال معتذرًا من جديد:
— "طبعاً أنا بعتذر مرة تانية يا أنكل إني جيت من غير ميعاد.."

قاطعه خالد بنبرة عملية حاسمة:
— "ولا يهمك يا مالك، البيت بيتك.. بس ياريت تقولي أنت جاي في موضوع إيه؟ أو بمعنى أصح.. ندخل في الموضوع على طول."

جمع مالك كل شجاعته، ونظر في عيني خالد بنظرة مليئة بالرجاء والصوت الخفيض:
— "أنا جاي تاني أجدد طلبي.. وأطلب إيد يمنى بنت حضرتك."

في نفس اللحظة، دُفع الباب ودخل آسر وهو يحمل القهوة. 

وقعت الكلمات على مسامعه كالجمر. وضع الصينية على الطاولة بعنف أحدث رنينًا، والتفت لمالك متحدثًا بحدة ونبرة هجومية:
— "بس أختي اتقدم لها عريس مناسب.. وإحنا وافقنا!"

شعر مالك بضيق شديد حاول جاهدًا كبته احترماً لوجود الأب، ونظر لآسر قائلًا بتحدٍ هادئ:
— "ويمنى موافقة؟ أنت سألتها وقالتلك موافقة؟!"

احتقن وجه آسر بالضيق والغيرة الأخوية، وتقدم خطوة نحو مالك:
— "أولاً متنطقش اسمها، ومالكش دعوة برأيها.. ثانياً أنت مالك أصلاً؟ دا شيء يخصنا إحنا!"

تدخل صوت خالد الصارم ليقطع النزاع:
— "اهدى يا آسر.. واقعد."

جلس آسر على مضض، وهو يرمق مالك بنظرات حادة كالسكاكين. التفت مالك لخالد مجددًا، متجاهلًا آسر، وقال بنبرة صادقة وخارجه من قلبه:
— "والله العظيم يا أنكل، أي حاجة حضرتك هتطلبها أنت وطنط أنا هعملها. وأي شرط هتشرطه هيكون سيف على رقبتي وهنفذه."

نظر إليه خالد بهدوء وقال بحكمة الأب:
— "أنا مش ببيع بنتي يا مالك.. مش بيعة عشان أطلب وأتشرط. أنا راحة بنتي وسعادتها عندي أهم من كل حاجة في الدنيا."

مالك بلهفة:
— "وانا أوعدك إني والله هسعدها وعمري ما هقبل أزعلها أبداً.." سكت قليلاً، ثم أكمل بنبرة نادمة وخفيضة: "أنا عارف إن حضرتك معترض على حاجات كتير . بس صدقني أنا اتغيرت، وبعتذر عن أي تصرف اتصرفته قبل كدا. وكان نفسي أجي وأعتذر من زمان، بس بابا مكانش راضي يخليني أجي.. عشان خايف على زعل حضرتك."

ساد صمت ثقيل في الغرفة، قطع خالد الصمت وهو يشير للفنجان:
— "طيب.. اشرب قهوتك قبل ما تبرد."
مد مالك يده المرتعشة قليلاً وأمسك بالفنجان، وبدأ يشرب وعيونه معلقة بالأرض، بينما ارتشف خالد من قهوته بهدوء قاتل. أما آسر، فكان يجلس مربع اليدين، يرسل لمالك نظرات خانقة تكاد تفتك به.

وضع خالد فنجانه، وتنحنح قائلاً:
— "بص يا مالك.. أنت دلوقتي جيت وعرضت طلبك. اديني أسبوع، وابقى رن عليا.. على ما أكون شوفت الأمور. بس أياً كان الرد.. عايز يكون رد فعلك رجولي، زي ما أنا شايف قدامي دلوقتي."

هز مالك رأسه باحترام:
— "تمام.. أوعد حضرتك بكدا."

خالد: "تمام."

نظر آسر لوالده بضيق شديد واستغراب من موقفه الليين، لكنه لم يستطع التحدث فوق كلمة أبيه.

بعد دقائق، وقف مالك مستأذنًا. سلم على خالد وآسر ببرود متبادل من الأخير، ثم تحرك نحو الباب الخارجي.

في تلك اللحظة، كانت يمنى تقف خلف باب غرفتها الموارب. فتحته جزءًا صغيرًا للغاية، ونظرت بلهفة وشوق جارف لملامحه التي غابت عنها. تطلعت إلى ظهره وهو يغادر، وقلبها يخفق بشدة.
ولكن فور أن لمح صرير باب الصالون يعلن خروج أخيها، أغلق الباب بسرعة وعادت لداخل الغرفة، تسند ظهرها على الباب وتتنفس بصعوبة، واضعة يدها على قلبها.

ــــــــــــــــــــــــ
تعالت صوت خطوات «مالك» الخافتة وهو يدفع باب البيت بهدوء، كمن يحمل على كاهله ثقل العالم. لم يكد يخطو بضع خطوات في الردهة حتى قطعت عتمة المكان هيئة «فارس» الذي اقترب منه بخطوات متسارعة، وملامحه مشدودة بعلامات الاستفهام واللقلق.
توقف «فارس» أمامه مباشرة، ونظر إليه بنظرات تفحصية وهو يسأله بانفعال مكتوم:
— إيه يا بني؟ كنت فين كل ده؟
رفع «مالك» عينيه ببطء، وتنهد تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدره، ثم رد بنبرة هادئة غير متناسبة تمامًا مع حالة التوتر التي تملكت أخاه:
— كنت عند أنكل خالد.
اتسعت عينا «فارس» لبرهة، وحلّ الذهول على ملامحه، قبل أن يطلق ضحكة قصيرة مشدودة يخالطها الشك:
— أنت بتهزر صح؟!
نزل «مالك» بنظره للحظة، ثم أعاده بثبات وصمود، ورد بصوت قاطع لا يحتمل التشكيك:
— لا، بتكلم جد يا فارس.. أنا رحت وطلبت إيد "يمنى" منه. أنا مش هسيبها تضيع من إيدي مهماً حصل.
ساد الصمت للحظات بينهما، وكأن كلماته وقعت كالصدمة على مسامع «فارس». اقترب منه الأخير خطوة إضافية، وارتسمت على وجهه علامات الذهول والترقب، وهمس وهو يعقد حاجبيه:
— وقالك إيه؟ وافق؟
أغمض «مالك» عينيه لثانية، وكأنه يسترجع تلك اللحظات الثقيلة التي عاشها ثم فتحهما وهو يهز رأسه بهدوء ويقول:
— قالي أكلمه بعد أسبوع..

ــــــــــــــــ

كانت الأجواء مشحونة بالتوتر، و«آسر» يروح ويجيء في الصالة بخطوات غاضبة ومتسارعة، قبل أن يتوقف فجأة أمام والده ونبرة صوته تفيض بالاعتراض:

— ازاي يا بابا منهتش الموضوع ده من الأساس؟!

رفع «خالد» نظره إليه بهدوء رصين، ورد بصوت هادئ يحاول امتصاص ثورة ابنه:

— اهدى شويه يا آسر.. الكلام دلوقتي بقا في إيد «يمنى».

ضيق «آسر» عينيه بذهول واستنكار:

— يعني إيه؟!

تنهد «خالد» وتراجعت ظهره للخلف وهو يسترجع ما لاحظه، قائلاً بحكمة الأب:

— أختك صحيح بتسمع كلامنا وبتنفذه، وقعدت مع «عمر».. بس عينها ما كانتش معاه. كانت بتسمعه بودانها، لكن كل جوارحها في حتة تانية خالص. وعشان ما أكونش ظلمتها...

التفت «خالد» نحو زوجته، ووجه حديثه لها بنبرة هادئة:

— نادي «يمنى» يا «منال».

أومأت «منال» برأسها دون تردد:

— حاضر.

توجهت «منال» نحو الغرفة وفتحت الباب ببطء لتنادي على «يمنى»، التي لم تتأخر ثانية واحدة في الخروج؛ إذ كانت تنتظر خلف الباب وقلبها يدق كطبول الحرب، يتملكها التوتر والفضول لمعرفة ما دار بين والدها و«مالك»، وما الذي يريده منها الآن.

خطت «يمنى» خطوات مترددة نحو الصالة، وفركت يديها بارتباك وهي تقول بصوت خافت:

— حضرتك طلبتني يا بابا؟

التفت إليها «خالد»، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة مليئة بالحنو الأبوي، مشيرًا إلى المقعد المجاور له:

— آه يا حبيبتي.. تعالي جنبي هنا.

اقتربت «يمنى» بخطوات هادئة وقعدت بجواره، فمد «خالد» ذراعه ولفها حول كتفيها برفق يحتوي ارتباكها، ومسد على ظهرها وهو يتحدث بابتسامة حنونة:

— بنتي الأمورة كبرت وبقت عروسة، وبقى يجيلها العرسان...

احمرّت وجنتا «يمنى»، وابتسمت ابتسامة مرتبكة وهي تخفض رأسها للخجل.

استأنف «خالد» حديثه بجدية أبوية متفهمة:

— بصي يا حبيبتي.. دلوقتي أنتِ متقدملك عريسين؛ الأول دكتور محترم ومن عيلة كويسة وهو تلميذي «عمر».. والتاني برضه كويس ومن عيلة وابن ناس وهيعيشك في مستوى مريح، اللي هو «مالك».

سكت لبرهة ليترك كلماته تستقر في مسامعها، ثم أكمل بنبرة واضحة:

— ودلوقتي القرار قرارك أنتِ، وراحتك هي أهم حاجة.. اختاري اللي أنتِ حاسة إنك عايزاه.

اتسعت عينا «يمنى» بتوتر ملحوظ، وتبدّلت ألوان وجهها بين الخجل والحيرة، بينما لم تغفل عين والده عن ملاحظة هذا الارتباك الصامت.

 أردف «خالد» برفق:

— عمومًا.. أنا أديت لـ«مالك» مهلة أسبوع، و«عمر» منتظر ردنا في أي وقت. فكري برواقة وردي على ماما، وهي تبلغني.

أومأت «يمنى» برأسها بالإيجاب دون أن تنبس ببنت شفة، ورسمت ابتسامة صغيرة مرتبكة على شفتيها، ثم قامت بخطوات سريعة وعادت إلى غرفتها لتستوعب ما حدث.

بمجرد أن أُغلق باب الغرفة خلفها، التفت «خالد» إلى ابنه وقال بنبرة هادئة ولكن بثقة:

— أنا عملت كده عشان عارف إن اختك بتحبه واتعلقت بيه خلاص.. أنا شايف ده كويس في عيونها.

زفر «آسر» بضيق شديد، واقترب من والده محاولاً الاعتراض مجددًا:

— يا بابا أنت مش عارف «مالك» ده...

توقف «آسر» فجأة عن إكمال جملته، وكأنه أدرك أن القرار قد حُسم بالفعل، فبلع بقية كلامه وتنهد بقلة حيلة:

— خلاص يا بابا.. طالما رميت الكورة في ملعب «يمنى»، يبقى الكلام ما بقاش له لازمة.

قام «خالد» من مقعده وربت على كتف «آسر» بحنو وتأكيد:

— بس أهم حاجة تفضل أنت جنب اختك.. أوعى تتخلى عنها أبداً.

نظر «آسر» باتجاه غرفة أخته، وجرت في عينيه نظرة حماية ودفء أخوي، وقال بثبات:

— أكيد يا بابا.. أنا جنبها طول الوقت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرّ الأسبوع بطيئاً وثقيلاً على «مالك»، حابساً أنفاسه ينتظر رد «خالد». وحين جاء الموعد المحدد، أمسك هاتفه بيدين ترتجفان من الترقب ورنّ على «خالد». وبمجرد أن سمع منه كلمة الموافقة، غمرته موجة عارمة من الفرحة كادت تجعله يحلق في السماء.

لم يضيع «مالك» لحظة واحدة، فتوجه فوراً إلى والده «صلاح» وأخبره بالأمر. و«صلاح»، الذي لم يمانع طالما أن «خالد» قد أبدى موافقته، رحّب بالخطوة دون تردد.

في إحدى الليالي، اجتمعت العائلة بأكملها وتوجهوا إلى منزل «خالد» لطلب يد «يمنى» رسمياً. كانت الأجواء مفعمة بالسعادة والبهجة التي ارتسمت على وجوه الجميع.

ودار الحديث حول تفاصيل الخطبة:

— اتفق الطرفان على أن تكون فترة الخطوبة ستة أشهر.

— واقترح «مالك» إجراء كتب الكتاب الآن، إلا أن «خالد» رفض بصرامة هادئة، مُصراً على أن يكون كتب الكتاب قبل الزفاف بأيام معدودة.

— وعند الحديث عن مكان حفل الخطوبة، طلب «مالك» إقامته في قاعة كبيرة، بينما فضل «خالد» أن يكون الحفل بسيطاً وفي شقتهم. وهنا تدخل «صلاح» بمقترح وسط قائلاً بابتسامة: «إيه رأيك يا خالد نعملها في الحدائق الخاصة بأحد فنادقنا؟»، ولم يشأ «خالد» أن يكسر كلمة «صلاح»، فوافق على اقتراحه

جاء اليوم الموعود، وتجمّع العائلتان والأقارب في حديقة صغيرة بأحد فنادق عائلة «الباشا». كانت الحديقة مجهزة ومصممة باحترافية عالية وفاخمة تليق برقيّ وحجم اسم «أولاد الباشا».

طلّت «يمنى» كالأميرات بفستان رقيق باللون الأزرق الفاتح (البيبي بلو)، بينما أطلّ «مالك» بأناقة لافتة مرتديًا بدلة باللون الرصاصي الفاخر.

اقترب «مالك» من «يمنى» ووجهه يفيض حباً وسعادة وهو يبدأ في إلباسها الشبكة. غير أن هذا المشهد لم يمر بسهولة، فقد اعترض «آسر» بشدة، مُصراً على أن تتولى «منال» أو «نجوى» إلباس الشبكة لـ«يمنى». لكن «مالك» تجاهل اعتراضه بابتسامة واثقة ونفّذ ما أراد وسط نظرات «آسر» المشدودة، قبل أن تتدخل «منال» برفق وتهمس لـ«آسر» كي يتجاوز الأمر وتمر الليلة على خير.

غمرت الفرحة المكان، واقتربت «غادة» لتبارك للجميع. في البداية، شعرت «نجوى» بإنقباضة وعدم تقبل لوجودها، لكنها تصرفت بلباقة وسلّمت عليها بعدما بادرت «غادة» بالسلام والمباركة. ثم توجهت «غادة» لتسلم على «سمية» و«بنان».

في منتصف الحفل وبينما كان الجميع غارقين في الفرحة، اتسعت عينا «صلاح» و«فارس» بذهول صامت وهم يرون «عبد الرحيم عزام» يخطو داخل الحديقة بكل ثقة!

انقبض وجه «فارس» بضيق شديد، وهمّ بالاندفاع نحوه بخطوات غاضبة، لكن دست يد «صلاح» الثقيلة على كتفه لمنعه بهدوء، ليتقدم «صلاح» بنفسه ويقف سداً أمام «عبد الرحيم».

قال «عبد الرحيم» بنبرة تحمل خفايا كثيرة وابتسامة مقتضبة:

— جولت أجي أبارك...

رد «فارس» باندفاعية وعصبية لم يستطع كبحها:

— هو حد كان عزمك أصلاً؟!

رمقه «صلاح» بنظرة حادة ومحذرة، ثم التفت إلى «عبد الرحيم» بنظرة ملؤها الشك والتحفظ، قائلاً بنبرة هادئة وحازمة:

— خلاص يا فارس.. الراجل ضيف عندنا، هياخد واجبه ويمشي.

سحب «صلاح» ابنه «فارس» خطوتين إلى الجانب بعيداً عن الأعين، وهمس في أذنه بنبرة صارمة وعينيه تلاحقان تحركات «عبد الرحيم»:

— في حاجة مش مظبوطة يا فارس.. وجود الراجل ده هنا في الوقت دا.. أكيد يدبروا لحاجة!

نظر «فارس» باتجاه «عبد الرحيم» بعينين تملؤهما الشكوك. استدار بخطوات حازمة وخرج من الحديقة، مشيراً بسبابته لرئيس حراسته ليلحق به فوراً... كل ذلك كان يتم تحت أنظار «عبد الرحيم» الذي لم تغفل عيناه عن متابعة تحركات «فارس».
بعد دقائق معدودة، عاد «فارس» للداخل، وكانت عيونه تتفحص المكان حتى التقت بـ«عبد الرحيم»، الذي كان يرمقه بابتسامة باردة ومستفزة. قابل «فارس» تلك الابتسامة ببرود أشد وهو يتوجه ليجلس على أحد المقاعد.
سريعاً، اقتربت «بنان» وقعدت بجواره، فعدّل «فارس» جلسته والتفت إليها، لتتسع ابتسامته الحنونة:
— إيه يا روحي.. عامله إيه؟
ردت «بنان» بنبرة تدلل ونسائم عتاب لطيف:
— زعلانة منك.. أنت ناسيني خالص اليوم ده!
مسك «فارس» يدها برفق وهو يقول:
— هو أنا أقدر يا روحي؟! بس عشان مشغول مع الضيوف والجو ده..
قاطعة بابتسامة عتاب:
— مش أنت قولتلي مافيش حاجة في الدنيا ممكن تشغلك عني؟
ابتسم «فارس» بحب وهو يحوطها بنظراته:
— ولا أي حاجة يا عمري.. بس عشان ما أسيبش بابا لوحده. وبعدين أنتِ أصلاً كنتِ مشغولة طول الوقت مع صاحبتك!
التفتت «بنان» تنظر نحو «مالك» و«يمنى» والسعادة تملأ وجهها:
— والله أنا مش مصدقة.. أنا كنت فقدت الأمل خالص في موضوعهم ده!
ابتسم «فارس» بخفة وهو يقترب منها، يضع يده حول خصرها ليضمها إليه بتمكّن:
— أنا عارف أخويا.. عنيد وما كانش هيتنازل عنها أبداً.. إحنا «ولاد الباشا» يا بنان، ومش بنتنازل عن اللي يخصنا أبداً.
اتسعت ابتسامة «بنان» وهي تنظر في عينيه اللتين تعشقهما، مستمدة منهما القوة والأمان.

في هذه الأثناء، قامت «غادة» وغادرت الحديقة متجهة نحو الممر المؤدي لغرف الاستراحة. وفي نفس اللحظة، نهض «عبد الرحيم» وتبع خطواتها للخارج.
لاحظ «فارس» خروج «عبد الرحيم» خلف «غادة»، فنظر سريعاً نحو والده «صلاح»، فوجده مستغرقاً في الحديث مع «خالد». التفت «فارس» لـ«بنان» وقام واقفاً وهو يربت على كتفها:
— حبيبتي.. ثواني وراجع
أومأت «بنان» برأسها بالإيجاب، بينما انسحب «فارس» بخطوات سريعة وراءهما.
كانت «غادة» تسير في الممر المتجه نحو «التواليت»، حين سمعت نبرة صوت خشنة ومتهكمة من الخلف:
— أهلاً بـ «غادة هانم».. اللي ما صدقت أخويا مات وراحت اتجوزت «صلاح الباشا».. الحب القديم!
توقفت «غادة» لحظه والتفتت بذهول وصدمة:
— عبد الرحيم؟!
اقترب منها «عبد الرحيم» ونظراته تشتعل غيظاً:
— أيوه عبد الرحيم.. اللي أخدتي فلوس أخوه وهربتي!
ردت «غادة» بغضب وانفعال مدافع:
— أنا لا أخدت فلوس أخوك ولا هربت! الفلوس دي حقي وورثي الشرعي!
احتدت ملامح «عبد الرحيم»، وقدم خطوة غاضبة مدّ فيها يده ليقبض على ذراعها، لكن فجأة... ظهر «فارس» كالسد المنيع ليقف بينهما تماماً، مدافعاً عن «غادة» التي تراجعت خلف ظهره فوراً.
صاح «فارس» بنبرة غاضبة وحازمة وهو يحدث «عبد الرحيم» بنظرة نارية:
— في حاجة ؟
عدّل «عبد الرحيم» وقفته، ورسم ابتسامة صفراء وهو يقول بخبث:
— أصل إحنا عشيرة قديمة.. كانت متجوزة المرحوم «يحيى عزام» أخويا.
على الرغم من صدمة «فارس» المفاجئة حين علم أن «غادة» كانت زوجة عم «بنان»، إلا أنه لم يظهر أي ارتباك، بل ردّ بثبات وصلابة:
— أهو أنت قولت.. «المرحوم»! والنهارده هي تخص عيلة «الباشا».. مش من حقك تفكر تلمس إيدها أو حتى تقف تتكلم معاها! وبعدين دي مش أي حد.. دي تخص «صلاح الباشا» نفسه!
اتسعت ابتسامة «عبد الرحيم» بمكر مكتوم:
— ماشي يا... ابن الباشا.
قابله «فارس» بنظرة ثاقبة وابتسامة باردة لا تهتز.
في تلك اللحظة، اقترب «صلاح» بخطوات متسارعة بعدما لاحظ غيابهم، وتساءل وهو ينظر بين الجميع حائراً:
— في إيه هنا؟!
التفت «فارس» لوالده، وبنبرة خالية من أي توتر وهو ينظر لـ«عبد الرحيم» ببرود:
— مافيش يا باشا.. ده الحاج «عبد الرحيم» كان خارج، وكنت بوصله لحد الباب.
رمق «عبد الرحيم» «فارس» بنظرة غل مكتومة، دون أن ينبس بكلمة، ثم استدار وغادر المكان بسرعة.

انتهت حفلة الخطوبة، وغادر الضيوف وسط أجواء الفرح، واسترخت العائلة تمهيداً للعودة إلى المنزل.
ولكن... ما إن وصلت سيارات عيلة «الباشا» أمام أسوار الفيلا، حتى توقفت أنفاس الجميع مذهولين!
كانت أضواء الشرطة  باللونين الأحمر والأزرق تملأ المكان، وسيارت مدرعة وأفراد من الشرطة يحاصرون الفيلا بالكامل من كل جانب....!!!

تعليقات



<>