رواية اولاد الباشا الفصل الخامس والعشرون25بقلم شيماء منير
الحب الحقيقي مقدر له إنه يرمم مش يكسر، ويطمن مش يوجع. الوجع بيبقى إشارة إننا قدمنا مشاعر صريحة وغالية في المكان الغلط.. وده معناه إن قلبك نقي وبيعرف يحب بجد، حتى لو المقابل كان خيبة أمل.
مرّ أسبوعٌ كامل... سبعة أيام لم تُفلح في محو أثر مواقفه الأخيرة معها.
كان آسر يصعد درجات السلم بخطوات ثقيلة كأنما يحمل العالم فوق كتفيه، عائداً من عمله والإنهاك يظهر في جسده، لكن الوجع الأكبر كان في صدره. قلبه يعتصره الندم كلما تذكر قسوته الأخيرة عليها، وتجاهله المبالغ فيه كلما قابلها في الشركه
رفع رأسه ليفاجأ بها أمامه تماماً، تحث الخطى وهي نازلة.
تسمّر في مكانه للحظة، فرك عينيه بذهول كمن يصارع طيفاً في منامه:
"رحمة؟"
ارتبكت رحمة، وتوقف نبضها لحظة قبل أن يدق بجنون. كانت تخطط للخروج والتسلل بعيداً قبل أن يعود من الشركه، لكن الأقدار كان لها رأي آخر.
دنا منها آسر بخطوة حذرة، وقال بنبرة هادئة يُغلفها الحذر:
— مساء الخير.
ردت وهي تحاول الحفاظ على ثباتها، بينما الحزن يشي بنفسه في صوتها المرتعش:
— مساء النور...
تطلع إليها وتساءل بفضول:
— أنتِ كنتِ عندنا؟
أجابت باختصار جاف دون أن تنظر في عينيه:
— اه.
تحركت لتهبط وتتجاوزه، لكن حركة سريعة من آسر أوقفتها؛ إذ مدّ يده ووضعها على سور السلم، قاطعاً عليها الطريق.
رفعت عينيها إليه بذهول من جرأته، فنظر إليها بأسف وقال:
— أنا عارف إنك زعلانة مني.
حاولت رسم ابتسامة باردة وهي ترفع رأسها بكبرياء أنثوي مجروح:
— وهزعل ليه؟ هو أنت قولت ولا عملت حاجة تزعل؟
ضيق آسر عينيه، ومال برأسه قليلاً وقال:
— ما يمكن أنتِ اللي عملتِ حاجة تزعل؟
ترقرق الدمع في عينيها، وحاربت بشدة كي لا تسقط دموعها أمامه، وقالت بقلة حيلة ونبرة متألمة:
— أنا عملت ايه؟! أنا مش عارفة...
في تلك اللحظة، ضعفت قسوته، وصعبت عليه دموعها التي تحبسها بتحدٍ، فاندفعت من بين شفتيه مشاعر الغيرة التي طالما حاول كبتها، وقال بنبرة حادة واندفاع:
— إيه علاقتك بزياد؟!
مسحت رحمة دمعة خانتها وهربت من عينها على وجنتها، وقالت باستغراب:
— زياد؟! عادي... زميلي.
اقترب منها خطوة أخرى، والضيق يأكله:
— وزميلك تخليه يمسك إيدك؟!
هزت رأسها بضيق واستكار:
— إمتى دا؟ محصلش!
— يوم ما كنتوا واقفين قدام المكتب!
صمتت رحمة للحظة، واسترجعت المشهد في ذاكرتها، قبل أن تتنفس براحة وتستوعب سر غضبه القاتل طوال الأسبوع، فقالت بتوضيح:
— ااااه... بس هو ممسكش إيدي! هو كان بيحط الفلوس في إيدي.
زفر آسر بنفاذ صبر، وعقد حاجبيه:
— وليه أصلاً؟!
— افهم الموضوع الأول وبعدين احكم...
— فهميني!
بدأت رحمة تسرد له تفاصيل الحوار وما حدث بدقة، بينما كان آسر يستمع إليها، وتدريجياً بدأت ملامحه المشدودة ترتخي، وتلاشى الغضب من عينيه ليحل محله الخجل والراحة.
بعد أن أنهت كلامها، حكّ آسر رقابته بتوتر وقال بجدية محاولاً فرض حمايته:
— لما تبقي محتاجة أي حاجة بعد كده قوليلي أنا... وأنا أجيبهالك.
ارتسمت ابتسامة رقيقة ودافئة على شفتي رحمة؛ لم تستطع إخفاء فرحتها بغيرته الواضحة وطريقته الطفولية في فرض حمايته عليها.
لاحظ آسر ابتسامتها وتأملها له، فشعر بالارتباك وسارع بالتبرير بتوتر:
— قصدي... إحنا زمايل يعني! وكمان... أنتِ كنتِ اتبرعتِ بدم عشاني لما كنت في المستشفى.
ردت رحمة بنبرة هادئة وامتنان:
— دي كانت أقل حاجة أعملها... أنت كنت بتدافع عني.
تنفس آسر الصعداء، ثم أشار بيده نحو الأسفل وقال بنبرة قاطعة:
— طيب يلا عشان أوصلك.
رفضت بلطف وهي تنظر لوجهه المجهد:
— لا، أنت لسه راجع من الشغل وتعبان... أنا هاخد أي تاكسي.
تحرك آسر أمامهامعلناً حسم الأمر، وقال بابتسامة خفيفة
— لا يلا، أنا مش تعبان... وكمان عشان منقفش على السلم كتير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت رائحة السجائر تنتشر في أرجاء السيارة. خرج الدخان من فم فارس كثيفًا وهو يتأمل شاشة هاتفه، يُقلّب في صور ديكورات الجناح، بينما عيناه تسرقان النظر نحو بنان الجالسة بجواره.
بنان (بابتسامة متسائلة):
" دا حلو اوووي.. الألوان دي هادية وكويسة، صح؟"
أخرج فارس زفيرًا محمّلاً بالدخان، ثم أومأ برأسه دون حماس مفرط:
"ماشي.. تمام. هبعتهم للمهندس عشان يخلص بقا ونخلص."
قطعت بنان حاجبيها باستغراب:
"إيه دا؟ أنت مستعجل ليه كده؟"
التفت إليها فارس، وبنبرة حادة تغلفها رجاء مكتوم، قال:
"مستعجل عشان تكوني جنبي .. ولا أنتِ مش فارق معاكي أصلًا؟"
ابتلعت بنان ريقها بتوتر وضغطت على طرف حقيبتها:
"لا طبعًا فارق.. بس، بس أنا كنت فاكرة إن لسه بدري على الحوار ده، يعني.. بعد ما أخلص جامعة."
أطفأ فارس السيجارة في المطفأة المجاورة بضغط قوي، ثم قال ببرود وهو ينظر أمامه:
"مش فارقة يعني.. عادي."
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تقرر بنان كسر جموده بطريقتها الطفولية والمتهورة، فمدت يدها ونظرت لعلبة السجائر الموضوعة بينهما:
"بقولك إيه.. إيه رأيك نفسي أجرب سيجارة؟"
ازدرد فارس غضبه وبص لها بضيق واضح:
"أنتِ عبيطة؟"
بنان (امتدت يدها وأمسكت العلبة بالفعل):
"نفسي أجربها! أكيد تأثيرها حلو وطعمها بيظبط الدماغ طالما أنت بتشربها كده على طول!"
شدّ فارس العلبة من يدها بقوة وحدّة:
انتي هتستهبلي ولا إيه؟! أنا اصلا بفكر أبطلها.. بلاش جنان
بنان: اهدا أنا أصلًا كنت بهزر معاك.. مالك مقفول كده؟
فارس وبصلها بنظرة صامتة طويلة، ثم عاد ليرمي بجسده على المقعد، تنفسه أسرع من المعتاد.
بنان (بدأت تلاحظ شروده وسوء مزاجه):
"مالك يا فارس؟ شكل في حاجة مضايقاك بجد.. من بدري وأنت مش طبيعي."
لم يرد.. بل أخرج سيجارة ثانية، أشعلها بسرعة، وسحب منها نفسًا عميقًا وطويلًا، وكأنه يزن الكلمات في عقله قبل أن تنفجر. فجأة، التفت إليها بكسر المسافة بينهما، وقرب وجهه من وجهها حتى كادت أنفاسه المشتعلة تلفح بشرتها. كانت ملامحه حادة، محتقنة بالغضب والشك.
فارس (بنبرة منخفضة لكنها حارقة):
"أنتِ كنتِ في أوضة مالك الصبح ليه؟"
تردّدت بنان وتراجعت بجسدها للخلف بقلق:
"عـ.. عادي يا فارس! يمنى كانت عايزه توصله، فـ.. فكنت بوصله الموبايل مش أكتر."
ارتفعت نبرة فارس بغضب مكتوم:
"وإيه اللي يدخلك أوضته أصلًا؟!
بنان (تدافع عن نفسها ببراءة):
"مش قصدي حاجة والله! هو أخويا يعني.. في إيه؟"
فارس (بنبرة قاطعة وقاسية):
لا! هو أخويا أنا.. مش أخوكي أنتِ! وأنا أصلًا محذرك من الحوار ده قبل كدا
عقدت بنان حاجبيها بضيق ورفض، وبدأت ملامحها تتصلب. وفي لحظة غضب عارمة، ضرب فارس بيده القوية على دركسيون السيارة ضربة هزت جنباتها، وصاح بها:
فارس:
"أنتِ فاهمة يعني إيه ولد في أوضته؟! دا شاب وممكن يبقى براحته في أي لحظة، وأنا عارف أخويا كويس بيبقى براحته إزاي في اوضته ! تدخلي أنتِ ليه عنده الأوضة وتحوطي نفسك في موقف زي ده؟!"
بنان (بنبرة خائفة ودموع تهرب من عينيها):
"يا فارس افهم.. كانت يمنى عايزه تكلمه وهو موبايله كان مقفو...
قاطعها بقسوة وأمسك ذراعها بضغط شديد، جعلها تتأوه بصوت مكتوم:
"وأنا مالي بست زفتة عاوزة تكلمه ولا زفت!! أيا كان السبب.. أنا شايف كذا تصرف منك الفترة دي مش عاجبني، غير إنك تدخلي أوضته وتقعدي كمان؟!"
انهمرت دموع بنان على وجنتيها من الألم والتكذيب، فرفع فارس يده عنها باهمال غاضب:
ثم تكلم بغضب اكثر
"قسمًا بالله.. أبوي لو كان شافك طالعة من عنده، كنا دخلنا في حوارات مالهاش أول من آخر، والموضوع ده كله كان هيتقفل وماكانش هيكمل أصلًا!"
نظرت بنان من النافذة وهي تمسح دموعها بكسرة، ثم زمّت شفتيها وقالت بصوت خافت يُخفي التخمين:
"وبعدين.. مين قالك أصلًا؟"
فارس (بحرقة):
"هو ده يعني اللي فارق معاكي في الحوار كله؟!"
بنان (بتأكيد وسخرية مريرة):
اكيد طنط نجوى.. هي الوحيدة اللي شافتني وأنا خارجة من الاوضه
ساد الصمت داخل السيارة، وظل فارس ينظر أمامه بثبات متجهم.
بنان (بتسرع وضيق):
"تمام أوي.. هي بقا بدأت تشتغلني في شغل الحموات من دلوقتي؟"
التفت إليها فارس بنظرة نارية كادت أن تحرقها:
"تعرفي تسكتي؟! هي قالتلي عشان خايفة عليا وعليكي! وكويس أوي إن هي اللي شافتك ومحدش تاني من البيت أخد باله!"
ردت بنان بتهكم أخير قبل أن تطبق فمها:
"ده خوف ده؟ ولا توقيع بيني وبينك؟"
فارس (بصوت كالبصق):
"اسكتي شوية.. وبطلي تخاريف!"
شغّل فارس المحرك بغضب، وقاد السيارة بسرعة جنونية نحو الفيلا.
داخل الفيلا
كان الجو يسوده الشحن المكتوم. يجلس صلاح على أحد المقاعد، يضع كمبيوتره المحمول على قدميه ويتابع عمله بتجهم، وإلى جواره تجلس غادة ونجوى.
دُفِع الباب ودخل فارس وبنان، وكان التوتر يسبقهما كالهواء البارد.
فارس (بنبرة محاولة إخفاء الانفجار):
"مساء الخير.."
الجميع:
"مساء النور."
قامت نجوى فورًا واندفعت نحوهما بابتسامة دافئه
"إيه يا حبايبي.. خلصتوا ونقيتوا الحاجة؟"
فارس وبيحاول يكون عادي
"آه.. خلاص."
اقتربت نجوى أكثر من بنان، ولحظت نظراتها المنكسرة ووجهها المحمر من أثر البكاء:
"إيه يا حبيبتي.. مالك؟ في إيه؟"
بنان (بنبرة جافة وهي تحيد بعينيها):
"مفيش.."
تربت نجوى على كتفها بحنو:
ايه يا بنان.. مالك يا حبيبتي
سكتت بنان تمامًا ونظرت لها بضيق واضح يُعبر عن معرفتها المسبقة بما فعلته نجوى. في تلك اللحظة، رفعت نجوى عينيها نحو فارس بعتاب ممثوب بنظرة يفهمانها جيدًا، ثم قالت بمرح لتلطيف الجو:
"أوعى يكون الواد ده زعلك في حاجة بس؟"
بنان فانفجرت بنبرة مشحونة بالغضب والحدّة وهي تنظر لنجوى مباشرة:
"وهيفرق يعني معاكي؟ ولا هيبسطك أصلًا؟!"
ساد الذهول المكان. وفي أقل من ثانية، كان فارس قد اندفع ونشلها من يدها، ضاغطًا على ذراعها بكل قوته أمام الجميع:
"اتكلمي عدل! أنتِ اتهبلتي ولا إيه؟!"
بنان (وهي تتلوى من الألم والدموع تتجمع مجددًا):
"سيب دراعي بقا.. سيبني!"
رفع صلاح عينيه عن شاشة اللاب توب، وبصوت حاد يحمل هيبة ورعب وهو ينظر ل بنان
قال متدخلًا دون أن يتحرك من مكانه:
"مش وقته اللي بتعمله ده يا فارس! الكلام ده بعدين لما تكونوا لوحدكم.. مش قدامنا!"
نفض فارس ذراعها بإهمال شديد وصاح بها:
"اطلعي فوق!"
لم تنتظر بنان ثانية واحدة؛ تحركت بسرعة وصعدت الدرج وهي تخفي وجهها، بينما تبعها فارس بعد لحظات خطوة بخطوة وهو يشتعل.
زفرت نجوى بضيق وقعدت على أقرب كرسي، بملامح حزينة.
صلاح (بجفاف وهو يغلق اللاب توب بحركة حاسمة):
"هو في إيه بالظبط؟"
نجوى:مفيش حاجة يا صلاح..
صلاح (بعقدة حاجبين):
"هي معوجة ليه؟"
نجوى:
"مش معوجة ولا حاجة.. هي البنات كلها في السن ده بتبقى حساسين شوية."
لوى صلاح فمه بسخرية قاسية:
"آه.. ماشي. خليه يشبع بقا بالدلوعة اللي كان هيموت عليها وهيجنن نفسه عشانها!"
نجوى بدفاع
:وإيه يعني دلوعة؟ ما تدلع براحتها.. أهم حاجة يتجوز البنت اللي بيحبها ونفرح بيه.
صلاح :معنديش مشكلة يتجوزها.. بس يارب يعرف يشكمها
تنهدت نجوى بضيق وهي تنظر الى الدرج
ـــــــــــــــــــ
اخر النهار
في بيت خالد
منال وابتسمت بفرح دا يوم المنى
اسر:اهدي بس ياماما انا لسه باخد رائيك
منال:ومالوه ياحبيبي اقول ل بابا وتاخد لنا ميعاد مع مامتها ونروح نطلب ايدها
اسر:ياماما اصبري بس انا لسه هكلمها واعرف رائيها
منال بفرح:ان شاء الله هتوافق ياحبيبي رحمه مؤدبه وبنت حلال
وفعلا اسر كلم تاني يوم رحمه اللي ابدت بموافقتها
واخدت ميعاد مع والداتها ورحوا طلبوها
وحددوا ميعاد كتب الكتاب والخطوبه
الكل كان معزوم
يستريح المأذون بعد أن طوى دفتره، والجميع يلتفون حول آسر يُباركُونَ له بحرارة. يقف صلاح وفارس بجانبه كشاهدين على العقد، والابتسامة تعلو وجه آسر الذي يبدو وكأنه امتلك العالم أخيراً.
على مقربة منهم، يجلس مالك بجوار يمنى. يجول مالك ببنصره وعينيه في أركان الشقة البسيطة، متفحصاً الستائر والأثاث بنظرات تقليل وازدراء، ثم يميل على يمنى ويهمس بنبرة ساخرة:
مالك: (بتهكم مكتوم) اخوكي ده ذوقه بيئة أوي..
تلتفت إليه يمنى سريعاً، وتستقر عيناها عليه بنظرة حادة ملؤها الضيق والرفض، وتجيبه بنبرة حاسمة ولكن بصوت خفيض:
يمنى: "على فكرة... كل حاجة تتعوض والشكل مش كل حاجة. أهم حاجة إنها بنت ناس، مؤدبة وهتصون أخويا."
يرفع مالك يديه بقلة حيلة ومكر، محاولاً امتصاص غضبها:
مالك: "اهدي شوية في إيه؟ أنا بتناقش معاكي عادي!"
تلقي يمنى عليه نظرة صامتة طويلة تُعبّر عن رمي الكلام جانباً، ثم تدير وجهها عنه للجهة الأخرى مفضلة السكوت على الاستمرار في الجدال.
في ركنٍ آخر من الصالة، يبتعد قليلاً فارس وبنان. ينظر فارس إلى الزغاريد والفرحة حول آسر، ثم يلتفت إلى بنان مبتسماً بحديث دافئ:
فارس: (بنبرة هادئة ومبتسمة) "عقبال فرحك يا قمر..."
تلتفت له بنان وترتسم على شفتيها ابتسامة خفيفة باهتة، قبل أن يتحول وجهها إلى عبوس طفولي ناتج عن القلق. ترفع رأسها وتتطلع بنظرها نحو سقف الغرفة، وتهمس بنبرة خائفة:
بنان: "فارس... أنا قاعدة مرعوبة أوي."
يتفاجأ فارس من رعبها غير المبرر، وينظر إليها باستغراب:
فارس: "ليه بس؟! إيه اللي يخوف هنا؟"
تشير بنان بسبابتها نحو السقف بقلق، وهي تتخيل الأسوأ:
بنان: "بص فوق كده... شايف الشرخ الكبير ده؟ أنا خايفة البيت يقع علينا في أي لحظة!"
ينظر فارس للسقف ثم يعود بنظره إليها، وتتردد في المكان ابتسامة هادئة محاولة لتهدئة روعها:
فارس: (بابتسامة خفيفة) "لا متخافيش، مش هيقع ولا حاجة... البيت ماسك نفسه."
تتنفس بنان بصعوبة وتُحرك رأسها بنفي وهي تصب تركيزها على تفاصيل المكان المتواضعة:
بنان: "مش عارفة... أنا أعتقد لو عايشة هنا، معرفش أنام دقيقة واحدة من القلق."
ينظر إليها فارس بنظرة حكيمة وعطوفة، ويحاول تعديل رؤيتها للأمور بنبرة دافئة:
فارس: "متكبريش الأمور يا بنان... في ناس عايشة في أقل من كده بكثير ومبسوطين، الرضا هو اللي بيجيب الأمان مش الحيطان."
(تلتزم بنان الصمت وهي تنظر حولها مجدداً، بينما تتعالى زغروتة جديدة من إحدى الجارات لتملأ البيت البسيط بالدفء والأمل)
ــــــــــــــــــــــــــــ
في صبيحة يوم الحنة.. داخل أروقة "فيلا الباشا"، وتحديدًا في غرفة "بنان".
كان التوتر يملأ أرجاء الغرفة، بينما تقف "بنان" أمام المرآة وهي تتفحص فستانها بنظرات غاضبة و مستاءة، قبل أن تلتفت إلى العاملة وصيحت بضيق:
— "مش عاجبني كل دا.. اخلعي الأكمام دي فورًا!"
تردّدت العاملة بلباقة يحوبها الحذر، وقالت ناهيةً ارتباكها:
— "يا فندم.. التصميم متنفذ بالظبط زي ما طلب فارس باشا، وحضرتك كنتِ موجودة وقتها وما اعترضتيش!"
ضيقت "بنان" عينيها بغضب ونبرة حادة:
— "أنتِ هتحاسبيني ولا إيه؟! نفذي اللي بقولك عليه وبس!"
في تلك اللحظة، تدخّلت "يمنى" بنبرة هادئة وهي تحاول امتصاص غضبها:
— "بنان.. أهدي شوية، الفستان تحفة بجد ومش محتاج أي تعديل."
ردّت "بنان" بقلة صبر وهي تشير إلى أعلى الفستان:
— "مش عاجبني حوار الرقبة العالية دا خالص!"
ابتسمت "يمنى" محاولة إقناعها:
— "بالعكس! دي أكتر حاجة مديالة رقي وشياكة."
قاطعتها "بنان" بإصرار، ثم وجهت حديثها الآمر للعاملة:
— "لا مش عاجبني.. شيلي منه الأجزاء اللي هقولك عليها."
تراجعت العاملة للخلف خطوة، وتحدثت بنبرة اعتذارية ولكن حاسمة:
— "آسفة جدًا يا فندم، ما أقدرش أمد أيدي في الفستان أو أعدل فيه إلا بعد ما أرجع لمدام منى.. صاحبة البوتيك."
زفرت "بنان" بنفاذ صبر، وقالت وهي توميء برأسها:
— "ماشي.. كلميها حالا!"
سحبت العاملة هاتفها فورًا، وبدأت في طلب رقم "منى"...
--------------------_---------------
.....
خرج فارس من الحمام يمسح قطرات الماء عن شعره، حينها تعالي صوت نغمات هاتفه. ألقى نظرة على الشاشة ليرى اسم المتصل: "منى الحسيني".
فتح الخط وضع الهاتف على أذنه:
— "أيوة يا منى.. صباح الخير."
ردت منى بنبرة عمليّة وبشوشة:
— "صباح النور يا فارس.. شكلك لسه صاحي من النوم؟"
— "لا، فايق من شوية.. خير؟"
تنهدت منى وقالت بأسلوب لا يخلو من العتاب المهني:
— "طيب.. عروستنا الحلوة معترضة على الفستان ليه؟!"
عقد فارس حاجبيه باستغراب:
— "مش فاهم.. هو أنتم وصلتم الفيلا؟"
— "لا، البنات العاملات هما اللي عندك.. بس عروستك معترضة على الأكمام والرقبة! يا فارس أنت متفق معايا قدامها على كل التفاصيل، اختارتوا الشغل والتصميم قدامي وأنا نفذت المطلوب بالظبط. سوري يعني، أنا مش هعك في شغلي! الفستان ده متصمم كوحدة واحدة على بعضه، حتى الطرحة الطويلة متظبطة مع رسمة الكم.. فمش هسمح يبوظ شغلي."
تنهد فارس بتعب وثقل، ومسح على وجهه قائلاً:
— "طيب.. أنا هشوف الموضوع ده بنفسي."
أكملت منى بحسم وودّ في آن واحد:
— "تمام، بس لو الفستان مش عاجبها، ياريت تبعتهولي كله.. أنا مقبلش حد يخسرني سمعتي أو يعدل على شغلي. ويا سيدي أنا هحولك المبلغ كله مش هخصم حتى تعب العاملات.. احنا عشرة عمر برضو."
رد فارس بنبرة حاسمة:
— "ومين قالك إني هغيره؟! اهدِي أنتِ بس وأنا هتعامل مع الموضوع."
أغلق فارس الخط، وارتدى على التوّ "تيشيرت" وبرمودة هادئة، ثم اتجه فورًا نحو غرفة بنان.
بمجرد وصوله، طرق الباب بضربات متزنة.
جاءه صوت يمنى من الداخل: "مين؟"
رد بنبرة جادة: "أنا.. فارس."
في الداخل، سارعت بنان بارتداء "جاكيت" صيفي طويل وأغلقت أزراره بضيق، بينما فتحت يمنى الباب وهي تبتسم: "اتفضل يا فارس."
قبل أن يدخل، لاحظ وجود العاملتين واقفتين في زاوية الغرفة وقلق بادي على وجهيهما. ألقى نظرة سريعة على بنان التي كانت تجلس على أحد الكراسي، تهز قدمها بتوتر وغضب مكتوم.
قال فارس بنبرة هادئة ومسيطرة:
— "لو سمحتوا.. سيبونا لوحدنا شوية."
خرجت يمنى والعاملات وأغلقن الباب خلفهن.
اقترب فارس من بنان محاولاً الحفاظ على هدوئه، وتساءل بضغط متزن:
— "في إيه يا بنان؟ إيه اللي مش عاجبك في الفستان؟"
ردت بنان بضيق وهي تشيح بجهها:
— "مش عاجبني.. شكله فلاحي أوووي!"
رد فارس بتكذيب:
— "فلاحي إيه؟! الفستان تحفة، ومنى كانت بعتالي صورته قبل كدة وأنتِ المختاراه!"
قاطعتها بنان باعتراض حدّي:
— "بس مش عاجبني دلوقت! يا إما تعدلوا اللي أنا عايزاه فيه يا إما مش لابساه!"
بدأت علامات الضيق تظهر على ملامح فارس وهو يوضح:
— "أنتِ عايزة تشيلي الكم والرقبة؟! الفستان متصمم على كدة وشكله هيخرب لو اتعدل.. ده غير إنه أصلاً تصميم محجبات!"
وقفت بنان دفعة واحدة، وصيحت بصوت عالٍ وانفعال:
— "بس أنا مش محجبة!!"
برقت عين فارس بغضب شديد، واقترب منها خطوة وشرر الغضب يتطاير من عينيه، ونهرها بحدة:
— "وطّي صوتك!!.. وبعدين دي غلطتي أنا إني سايبك على راحتك.. بس فعلاً أنا اللي غلطان!"
في تلك اللحظة المحمومة، فُتح الباب بحدة ودخلت "سمية" و"نجوى" بعدما ارتفعت أصواتهما
أسرعت سمية بنبرة قلقة: "في إيه يا جماعة؟! مالكم صوتكم جاب آخر الفيلا؟!"
استغلت بنان وجودهما وصارخت بتوتر وغضب أعمى:
— "أنا مش عايزة الجوازة دي! الغوها فورًا!"
اندفع فارس نحوها بغضب جارف وهو يتوعدها:
— "هو بمزاج أمك ؟!!"
اقتربت نجوى سريعًا لتوقف فارس وتتوسط بينهما قبل أن يتطور الأمر:
— "اهدى يا فارس! اهدى الله أكبر في إيه بس؟!"
صاحت بنان وهي تتراجع للوراء: "مش هحضر حاجة ومش هلبسه!"
نظرت إليها عين فارس الحادة وقال بنبرة تهديد قاطعة:
— "طيب ابقي اعمليها كدة.. وشوفي أنا هعمل إيه!"
ضربت سمية على صدرها بزعل: "مالكم بس في إيه؟! هو أنتم محسودين ولا إيه اللي جرى لكم الايام دي؟!"
أمسكت نجوى بذراع فارس بقوة وحنان، وهي تحاول سحبه للخارج:
— "تعالى معايا يا فارس.. تعالى يا حبيبي وسيبها تهدى كدة ونبقى نتكلم."
رمق فارس بنان بنظرة أخيرة محمّلة بالنار والوعيد، ثم خرج برفقة نجوى.
في غرفة فارس
ألقى بنفسه على طرف السرير بنفاذ صبر وخلع "التيشيرت" الذي ابتعد تمامًا وجُسد بالعرق من شدة العصبية والتوتر.
جلست نجوى بجواره على السرير، وبامتداد يدها حنت على كتفه وقالت بأسلوب دافئ:
— "إيه يا حبيبي كل العصبية دي؟ اهدى شوية.."
مسح فارس وجهه بفتور وضغط بكفيه على عينيه وهو يجيب بغضب مكتوم:
— ردودها كلها مستفزه يا امي..وعايزه تمشي كلامها. وتعلى صوتها عليا
ابتسمت نجوى بحيرة محاولة الامتصاص غضبه وقالت:
— "معلش يا حبيبي.. هي أكيد متوترة، البنات في الفتره ده بيبقى عندهم رهبة وخوف ومش عارفين بيعملوا إيه."
قال فارس بنبرة ساخرة حادة: "قال مش عايزة الجوازة قال!"
طبطبت نجوى على كتفه بحنان، وأردفت بيقين:
— "بتقول كدة من كتر الضغط والتوتر، صدقني هي بتحبك يا فارس.. قوم يلا خذ لك شاور دافي وروّق أعصابك، ساعتين والفيلا هتتملي ناس والكل مستني العريس."
نظر إليها فارس بصمت، يحاول استرجاع أنفاسه لتهدئة النيران المشتعلة بداخله...
ــــــــــــــــــــــــ
تجمّع أقارب العائلة جميعهم في أرجاء "فيلا الباشا"، وكانت أجواء الدفء والبهجة تملأ المكان.
في الأعلى، وبعد محاولات مستميتة ومتواصلة من "يمنى" و"سمية" تجاوزت الساعة، انتهت "بنان" من ارتداء فستانها. كانت فيه تشبه أميرة من أميرات القصص الخيالية؛ فستان بلون نبيتي دافئ يميل للحمرة، مرصع بدقة بخرز ذهبي براق، بأكمام طويلة ورقية أنيقة، وتنسدل منه من الخلف طرحة طويلة أضفت عليها مهابة ورقة.
وقفت تنظر إلى انعكاسها في المرآة وتنفسها يتسارع بتوتر ملحوظ. اقتربت منها أمها "سمية"، واندفعت تحتضنها بحنو بالغ وهي تهامسها:
"قمر يا بنتي، ربنا يحفظك ويحميكي من كل عين." ابتسمت "بنان" بخفة ورقة لأمها وهي تحاول أن تهدئ من روعها.
صاحت "يمنى" بفرحة عيناها:
"قمر يا روحي، أجمل عروسة! يلا بقا نتصور كام صورة حلوة."
ردت "سمية" بحذر الأم الخائفة على ابنتها:
"بس بلاش تنزلوا حاجة على النت، كفاية اللي احنا فيه."
طمأنتها "يمنى" بابتسامة:
"متقلقيش يا طنط، مش هنزل أي حاجة خالص."
وفي الغرفة المجاورة، كان "فارس" ينهي استعداده. زفر بضيق مكتوم وهو يسترجع في ذهنه كلمات "بنان" الأخيرة. كان يرتدي بليزراً باللون النبيتي الرفيع ينسجم مع قميص أسود أنيق وبنطال أسود حدد هيبته. صفف شعره بعناية فائقة ووضع قطرات من عطره المفضل الذي يملأ المكان بقوة.
وبينما كان يربط حزام ساعته، دُق الباب.
"ادخل."
فتح "مالك" الباب ودخل وهو يمازحه بنبرته المرحة:
"إيه يا عريس؟ خلصت ولا لسه؟"
حاول "فارس" رسم ابتسامة هادئة:
"اه، خلصت."
قرب منه "مالك" وهو يمد يده ليعدل ياقة قميص أخيه بحب:
"باشا من يومك يا خويا، يلا بقا عشان تجيب البت وننزل، الناس كلها مستنية تحت."
انعقدت حواجب "فارس" بضيق حقيقي وقال بنبرة حادة:
"هي البت دي ملهاش اسم؟!"
ضحك "مالك" بسخرية وهو يرفع يديه باستسلام:
"خلاص يا عم، عشان تجيب 'الهانم'."
رد "فارس" ببرود وثبات:هانم غصب عنك وعن أي حد.
ابتسم "مالك" على غيرته الواضحة وحبه المكتوم، وخرجا معاً باتجاه غرفة "بنان".
مع فتح باب الغرفة، أطلت "بنان". التي خُطفت انَفَاس "فارس" للحظة؛ كانت كلوحة فنية ناطقة بفستانها الرقيق وجمالها الساحر. ابتسمت له بتوتر وخجل ارتبك معه قلبها.
ارتمت "سمية" في أحضان "فارس" وهتفت بدعواتها:
"ما شاء الله، ربنا يحميكم من العين، مبروك يا قلب عمتو."
ابتسم "فارس" بامتنان وهو يقبل رأسها:
"الله يبارك فيكي يا عمتو."
ترك "فارس" عمته واقترب خطوات ثابتة نحو "بنان". كانت نظراته تتحدث بدلاً عنه؛ مزيج حارق من الحب ، العتاب، والوعد بالحماية الأبدية. لم يستفق من غيبوبة تأمله فيها إلا على صوت زغروتة انطلقت من حنجرة "سمية" لتملأ الأرجاء.
أمسك "فارس" يد "بنان" برفق وحنان بالغ، وأدخل ذراعه تحت إبطها ليحيطها بأمان، وخرجا سوياً ليهبطا الدرج.
في الأسفل، استقبلتهما "نجوى" و"صلاح". سلموا عليهما، بينما كانت "نجوى" تمسح دموع فرحة أنثوية غالية لا تُكتَم.
وصل "فارس" بـ "بنان" إلى الجزء المخصص للنساء، ثم ذهب ليجلس مع الرجال، لكن قلبه وعقله ظلا معلقين داخل الغرفه كانت عيناه تسرقان النظر كل بضع دقائق نحو الباب.
لاحظ "مالك" شروده وغمز له بمكر:
"إيه، مش قادر تصبر ولا إيه؟"
رد "فارس" بعقلانية متصنعة وهو يدعي عدم الفهم:
"مش فاهم تقصد إيه؟" ابتسم "مالك" بخفة وهز رأسه بسكوت.
بعد فترة، استأذنت "نجوى" وطلبت من "فارس" أن يدخل للجلوس مع "بنان" قليلاً. سبقتهم "نجوى" لتنبه الفتيات بالداخل لارتداء حجاباتهن واستعدادهم لدخول الشباب بعد فترة "الحنة".
دخل "فارس"، وانطلقت نغمات الموسيقى والأغاني الشعبية والتراثية المفرحة. التفت الفتيات والشباب حول العروسين، وشدّوا "بنان" و"فارس" للرقص.
بدأت "بنان" ترقص برقة وخجل بينما كان "فارس" يدور حولها على إيقاع الموسيقى. لم تكن أقدامهم فقط هي من ترقص، بل كانت عيونهم تتبادل حديثاً طويلاً لا يفهمه غيرهما.
كان "فارس" يمسك بطرفي بليزره ويحركهما على أنغام الموسيقى وهو يطوف حولها، وكأنه ينسج حولها هالة حماية، يحلم بأن يضمها بين أحضانه ويخفيها عن أعين العالم أجمع. ابتسمت "بنان" بخجل ملأ وجنتيها بالحمرة، ودارت عيناها بعيداً عن نظرته الثاقبة.
في تلك اللحظة، أمسك "مالك" بوعاء الحناء وأخذ يطوف حولهما وهو يرقص بحماس ومرح، فتعالت ضحكات الجميع. وسرعان ما انضم بقية الشباب والفتيات محيطين بـ "فارس" و"بنان" في حلقة رقص مليئة بالبهجة.
على الجانب الآخر، كانت "نجوى" و"سمية" تراقبان المشهد بدموع الحب والفرح بجانبهم منال
بينما كانت شفتَا "سمية" تتحركان بهمس لا يتوقف، تقرأ آيات من القرآن الكريم لترقيتهما وتحصينهما من كل عين تراقبهم ....
