رواية اولاد الباشا الفصل الثامن والعشرون28بقلم شيماء منير


رواية اولاد الباشا الفصل الثامن والعشرون28بقلم شيماء منير

بين ظلمات الفقد ومرارة الانتظار، كانت كل ثانية تمر كأنها دهراً كاملاً من العذاب. تتخبط الأفكار، ويتصارع الأمل مع اليأس، حتى تلتقي العيون أخيراً.. في تلك اللحظة الفاصلة، تنهدم كل الأسوار، وتتلاشى صرخات الوجع لتبقى فقط شهقة الخلاص. لقاءٌ لم تكن فيه الأجساد هي التي تتعانق، بل أرواحٌ أرهقها الغياب، وتشبثت بالوجود لمجرد أن ترى نظرة أمانٍ واحدة تُعيد ترتيب العالم من جديد

تتوقف سيارة فارس على مقربة من المكان  يترجل منها بخطوات سريعة وحازمة، وعيناه تتطلعان الي  المنزل المهجور. يتقدم نحوه رئيس الحرس بخطوات ثابتة ومحسوبة، ليلتقيا في بقعة معتمة بعيدًا عن الأنظار.

​فارس (بصوت خفيض ونبرة يكسوها الجدية):

— إيه الأخبار؟

​رئيس الحرس (بتركيز شديد):

— محدش دخل ولا خرج يا باشا.. المكان معزول تماماً.

​فارس (وهو يتفقد محيط المبنى بعينيه):

— عرفتوا عدد الأشخاص اللي جواه؟

​رئيس الحرس:

— العدد مش كبير، بس يا باشا المكان متأمن بأشخاص معاهم سلاح حي ومستعدين لأي هجوم.

​تتصلب ملامح فارس، وتلمع عيناه ببرود قاتل، ثم يصدر أوامره بنبرة قاطعة لا تقبل النقاش:

​فارس:

— هنبدأ هجوم من الباب الخلفي. أنا مش عايز خساير نهائي في رجالتنا.. وعايز اللي اسمه "عمرو" ده في إيدي.

​رئيس الحرس (يومئ بطاعة تامة):

— تمام يا باشا.

​يعطي رئيس الحرس إشارة البدء، ليتحرك الجميع في صمت قاتل كظلال الأشباح. يطوقون المنزل بحرفية، وبحركة مباغتة يهجمون على الباب الخلفي. بضربات خاطفة ومحكمة، يتم إسقاط الرجال المتمركزين عند الباب دون إصدار ضجة تلفت الانتباه.

​يقتحم فارس المكان بخطوات واثقة، يتبعه اثنان من أكفأ رجاله لتأمين ظهره. رغم تهالك الجدران والرائحة العفنة التي تملأ الطابق الأرضي، تقع عينا فارس على سلم حجري متآكل يقود إلى طابق علوي لم يكن ظاهراً بوضوح من الخارج.

​يصعد فارس الدرج، وكل خطوة تزيد من وتيرة التوتر. بمجرد وصوله إلى بسطة الطابق الثاني، يجد باباً مغلقاً، يقف أمامه حارسان متأهبان.

​يتقدم فارس ليقف أمامهما مباشرة بجمود تام. ما إن يستوعب الحارسان الموقف ويرفعان أسلحتهما باتجاهه، حتى ينقض عليهما رجاله من الخلف بحركات قتالية بارعة وسريعة، يوجهون لهما ضربات قاصمة تسقطهما فاقدي الوعي في ثوانٍ معدودة قبل أن يضغط أي منهما على الزناد.

​يتقدم رئيس الحرس ويرفع قدمه، ثم يوجه ركلة عنيفة ومفاجئة للباب، ليتحطم القفل وينفتح الباب على مصراعيه بارتطام مدوٍ زلزل الجدران.

​تتعالى صرخة رعب مدوية من مايسة التي انكمشت بخوف، بينما ينتفض عمرو من مكانه مذعوراً، ويسحب سلاحه بسرعة البرق ليوجهه نحو الباب.

​تتلاقى الأعين؛ نظرات فارس القاسية التي لا تعرف الرحمة، مع عيني عمرو الزائغتين.

​عمرو (بصوت يرتجف وهو يتراجع خطوة للخلف، وعيناه تتنقلان بين فارس ورجاله):

— اللي هيقرب مني.. هفضي السلاح ده فيه

اندفع "عمرو" بخطوات سريعة وملتهبة، ينزع الهدوء عن المكان وهو يفتح باب الغرفة بعنف. كانت "بنان" غارقة في نومها حين جذبهما من على السرير بقسوة لا ترحم، لتخرج منها صرخة وهت باهتة لا تقوى حتى على التعبير عن ألمها.

​في تلك اللحظة الحرجة، تحرك "فارس" ورجاله كالصاعقة، ينشرون السيطرة في أرجاء المكان... لكن "عمرو" باغتهم وهو يخرج متراجعاً، مُلصقاً فوهة المسدس برأس "بنان"، ونظراته تتطاير منها التهديدات:

ـ لو حد قرب خطوة واحدة، هفرغ الخزنة كلها في دماغها!

​تجمدت عينا "فارس" وهو ينظر إلى "بنان" بصدمة شلت أركانه. كانت واقفة أمامه كجسد بلا روح، ترتدي ملابس قديمة ومتهالكة، ووجنتها تحمل علامات حمرة داكنة تؤكد ما تعرضت له من ضرب وإهانة. تلاقت عينام بـ "عمرو"، الذي ابتسم بنصر وشماتة، وكأن عينيه تنطقان بكبرياء مجرم: "أيوة.. أنا اللي عملت فيها كده".

​تحولت الصدمة في عيني "فارس" إلى جمر متقد من الانتقام.. وفجأة، وبحركة خاطفة وبارعة من رئيس الحرس،باغت "عمرو" بضربة مسددة بإتقان على يده، ليطير المسدس بعيداً ويسقط معلناً نهاية التهديد!

​لم ينتظر "فارس" ثانية واحدة؛ انقضّ عليه كالأسد المتوحش، يهوى عليه بضاربات متتالية حملت كل غله وغضبه، يفرغ فيه ايام من القهر، ممتزجة بأبشع الألفاظ والشتائم التي تعبر عن ناره المشتعلة.

​في تلك الأثناء، تعالت صيحات سيارات الشرطة التي اقتحمت المكان. اقترب الضابط "مصطفى" يحاول سحب "فارس" بالقوة وهو يهتف:

ـ سيبه يا فارس! سيبهولنا بقى.. ده حسابه تقيل وعنده بلاوي مش هيخرج منها!

​انتزع "فارس" نفسه من فوق "عمرو" بأطراف مسدودة بالغضب، وتحرك بخطوات واجفة نحو "بنان"، التي كانت تجلس على أحد الكراسي المتهالكة، تحاول التقاط أنفاسها بضعف قاتل.

​انحنى "فارس" ورفعها بين يديه برفق يتناقض تماماً مع العاصفة التي كانت بداخله. نظر إلى وجهها المجهد بوجع يمزق قلبه، بينما تشبثت هي بملابسه بضعف، وجسدها يرتجف بشدة وينبعث منه لهيب الحمى... كانت بين يديه، لكن روحها غائبة في عالم آخر من الخوف والتعب.

​دون أن ينطق بكلمة، اتجه بها نحو السيارة، وانطلق بأقصى سرعة يسابق الزمن باتجاه المستشفى

ظلام الممر لم تكن أشدَّ حلكةً من سواد عينيه في تلك اللحظة. اقتحم بوابات المشفى الطوارئ بخطوات هادرة وزئيرٍ هزّ الأرجاء، وهو يضمّها إلى صدره بشدة كأنه يحميها من الموت ذاته:
— «عايز دكتورة هنا فوراً!»
تردَّد صداه بين جدران المشفى الرخامية الباردة، ففزعت الممرضات ونهرنَ نحو حاملةٍ متحركة. وضعها ببطءٍ يحمل كل خوفي العالم، وأصابعه المرتجفة تأبى أن تفارق طرف ثوبها.
وبينما بدأت العجلات بالدوران بسرعة باتجاه إحدى الغرف، تثبّتت نظراته عليها... كانت نظرةً معجونة بالوجع والانكسار، يراقب وجهها الشاحب وهو يبتعد عنه تدريجياً، حتى انغلق الباب دونها وابتلعها داخل الغرفة.
تراجع خطوة للوراء كأن الطاقة سُحبت دفعة واحدة من جسده. انهوى على أقرب كرسي بلاستيكي في الممر، وطأطأ رأسه بين يديه المشتعلتين بالتعب والخوف، ينصت لطرقعة عقارب الساعة وهي تزنّ في أذنيه كصوت نفاذ يتلاعب بأعصابه المتوترة.

 
​بعد دقائق مرت على «فارس» كأنها سنين، فُتح باب الغرفة أخيراً.

​خرجت الطبيبة واضح عليها الضيق، مسحت وجهها بقلة حيلة، ثم اقتربت خطوات من فارس وهو يقف كالمسمار في منتصف الممر.

​الطبيبة (بنبرة حادة وهي تتفحصه بشك):

— انت اللي جاي معاها؟

​فارس (بصوت مخنوق ويده ترتجف وهو يقترب منها):

— ايوه أنا.. طمنيني أرجوكي، هي عاملة إيه؟!

​الطبيبة (بضيق ونظرة اتهام صريحة):

— أوعى تكون انت اللي عملت فيها كدا؟ الجسم متبهدل ضرب!

​فارس (صرخ بنفاذ صبر ونبرة ألم وقهقهة مكسورة):

— لا طبعاً! هي.. هي كانت مخطوفة! لوسمحتي سيبك مني وحياتك طمنيني.. الزفت ده أذاها؟ اعتدى عليها؟!

​انكسرت حدة نظرة الطبيبة، وتغير ملامحها للأسى والتأثر وهي تهز رأسها بقلة حيلة:

الطبيبة (بنبرة خافتة):

— في الحقيقة مش متأكدة.. اللي متأكدة منه  علشانه إنها انضربت بشكل بشع . بس أنا طلبت دكتورة زميلتي متخصصة، حتوصل حالاً ونتأكد بنفسنا ونفحصها كويسة.

​هز فارس رأسه بالوافقة، وكأن كلمة "اعتدى عليها" كانت كالسيف على رقبته، بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مجهد:

— تمام..

​مشى الوقت ببطء قاتل.. كل ثانية كانت تحرق أعصاب فارس، حتى وصلت الطبيبة الأخرى ودخلت الغرفة. كانت الدقائق بالداخل أشبه بالدهر، وفارس يذرع الممر جيئة وذهاباً، يده على فمه وصوت أنفاسه المتسارعة يعلو في الممر الفارغ.

​أخيراً، فتح الباب.. خرجت الطبيبتان، وعلى وجه الأولى ابتسامة طمأنينة خفيفة.

​الطبيبة:

— اطمن  حضرتك. الفحص تمام، وهو  ما لمسهاش  بس ضربه ليها كان قاسي جداً.. حرارتها مرتفعة جدا ، ولازم تفضل تحت الملاحظة لحد ما الحرارة تنزل وتفوق.

​شعر فارس وكأن جبالاً زيلت من على صدره، أغمض عينيه براحه
بعد ما تحركت الطبيبه 

​سحب هاتفه بيد ما زالت ترتجف، واتصل بـ «نجوى».. وبصوت يحاول تقويته قدر المستطاع، نقل لها الخبر، وطلب منها أن تحضر لها ملابس نظيفة ..

​لم تمضِ حتى ساعة، حتى كان الممر الممتد أمام الغرفة مكتظاً بالجميع.. وجوه شاحبة، وأنفاس متلاحقة، والكل ينتظر انه يطمن على بنان

​لكن «فارس» منع الجميع من الدخول.. لم يسمح إلا لـ «سمية» فقط، لتكون بجانبها، تطمئن قلبها الأمومي، وتساعدها في تغيير ملابسها الملوثة بآثار الرعب.

​ما إن خطت سمية داخل الغرفة ورأت جراح ابنتها ووجهها الذابل، حتى انثقبت حنجرتها بجبل من الدموع وانهمرت تبكي بحرقة.. اقترب منها فارس بثبات، وضع يده على كتفها بصرامة حنونة وصدق وهو يهمس:

— اهدئي يا عمتي.. أقسم لكِ، الكل..ب ده هياخد عقابه، وحقها هييجي لحد عندها.

​وبعد ساعات   استطاع  فارس بشدة ولين أن يقنع عمته بالعودة إلى الفيلا لترتاح، ليبقى هو وحده يحرس نومها.

​جلس على الكرسي المجاور  للسرير، ثنى جسده واقترب منها.. تتفحص عيناه وجهها المتعب وخدها الشاحب. مدّ يده ببطء شديد كأنه يخشى أن يكسرها، وأمسك بكفها الصغير بين كفيه.. رفعه إلى شفتيه وقبّله بحنان بالغ، قبلة طويلة بث فيها كل خوفه وشوقه 

​كانت «بنان» غارقة في نوم عميق لا تشعر بشيء حولها، لكن العقل الباطن كان ما يزال يصارع الرعب.. كانت شفتها ترتجف خفيفة، وتخرج منها بين الحين والآخر همسات باسمه، نبرة متقطعة كأنها تستنجد به من وسط كابوس مظلم:

— فـ.. فارس..

​انحنى فارس نحوها أكثر، واقترب من أذنها، واضعاً يده الأخرى على شعرها يربت عليه برقة، وهمس بصوت دافئ يملؤه الحب والصبر:

— أنا جنبك يا روح فارس.. أنا هنا ومش هسيبك، نامي واطمني يا قلبي.

​وظل على حاله.. يده تمسك يدها، وعيناه لا تفارق وجهها طوال الليل، يقاوم النعاس حتى غلبته غفوة قصيرة وهو واضع رأسه على طرف السرير بجوار يدها.

​مع إشراقة الصباح، استيقظ فارس بفتور على صوت فتح الباب بهدوء.. رفعت الممرضة رأسها وابتسمت بلطف:

— صباح الخير يا فندم.

​مسح فارس وجهه بكفه محاولاً استعادة تركيزه، ورتب جلسته بصوت مجهد:

— صباح النور..

​اقتربت الممرضة من السرير، أخرجت حقنة وفرغتها بحذر في أنبوبة المحلول المعلق بفرع يد بنان. نظر فارس إلى وجه بنان الساكن، وقال بنبرة يتخللها القلق:

— هي.. هي هتفضل نايمة كده كتير؟

​أخرجت الممرضة الترمومتر ووضعته بحذر في فم بنان، ثم التفتت إليه بابتسامة هادئة لتطمئنه:

— معلش يا أستاذ فارس، ده طبيعي جداً.. الدكتورة كشفت عليها وإدتها منوم، وغير كده الأدوية والمطهرات فيها نسبة منوم عشان جسمها يرتاح.. هي شكلها مجهده أوي والجسم محتاج يرتاح عشان يخف.

​انتظرت الممرضة ثوانٍ، ثم سحبت الترمومتر وقرأت القراءة، ثم تنهدت براحة:

— بس الحمد لله.. الحرارة نزلت تماماً وبقت ممتازة جداً عن إمبارح.

​تنفس فارس الصعداء، وكأن الروح ردت إليه، واستند بظهره للوراء يبتسم بخفة:

— الحمد لله.. 

​أعادت الممرضة أدواتها إلى الصينية وقال وهي تتراجع للخلف:

— ربنا يقومها بالسلامة يارب . عن إذنك.

​ خرجت الممرضه فارس وحده مجدداً مع بنان، ينتظر لحظة واحدة تفتح فيها عينيها لتجد أن كل ما مرت به كان مجرد كابوس وانتهى
ــــــــــــــــــ

في مكالمه بينهم

يمنى:يعني ايه؟؟

مالك يعني مش هتعرفي تشوفيها فارس مانع اي حد يدخل. عليها نهائي عمتي بس اللي سمح لها تشوفها لانها كانت في دماغها انها ماتت

يمنى:بس هي واحشاني اووي والله

مالك:شويه كدا الموقف كان صعب كويسه انها هي جاءت على قد كدا

يمنى:الحمدلله انها رجعت

مالك:ايوه انا كنت فقد الامل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
​بعد يومين مرّا كأنهما دهور، اطمأن فيها «فارس» على استقرار حالة «بنان» وتنظيم حرارتها، أخيرًا سمح الأطباء لها بالخروج. فاقت بنان، لكن روحها ظلت غائبة.. لم تنطق بحرف واحد منذ استيقاظها، وفارس بوعيه وعميق حبه، رفض تمامًا أن يضغط عليها أو يستحثها على الكلام.

​توقفت السيارة أمام باب الفيلا.. كان الجميع منتظرًا على أحر من الجمر في الصالة.

​ترجّل فارس، فتح باب السيارة خلفه، وبدون أن ينطق بكلمة واحدة، انحنى وشال «بنان» بين ذراعيه بحذر كأنها قطعة من زجاج قد تنكسر بلمسة.

​ما إن خطى بها الداخل ورأت الجميع، حتى سارعت «بنان» ودفنت وجهها المليء بالكدمات وعلامات الضرب في عنق فارس وفي أحضانه.. تختبئ من عيونهم، خجلاً وخوفاً من أن يرى أحد انكسارها.

​توقف فارس في منتصف الصالة، وشعر بخنقة ، شعر بغصّة قاسية  جرحت كبرياءه وهو يشعر بردة فعلها.. بضعفها وهروبها من مواجهة العالم. نظر للجميع بملامح حادة ونبرة هادئة تحمل في طياتها ضيقًا مكتومًا وجرحًا غائرًا:

— لو سمحتوا.. محدش يقرب.

​تراجع الكل خطوات للخلف احتراماً لخوفه عليها وتفهماً لموقفه.

​تأملته «نجوى» بعيون يملؤها الحزن والألم الدفين على ما آلت إليه حالة تلك المسكينة، وقالت بنبرة أمومية دافئة:

— اطلعوا يا حبيبي.. اطلعوا ارتاحوا فوق.

​أما «سمية» فلم تنطق بحرف.. كانت تنظر لـ «فارس» بعيون تفهم الوجع والمسؤولية القاتلة التي يحملها فوق كتفيه، فضّلت الصمت لتترك له مساحته.

​صعد فارس الدرج بخطوات ثقيلة، ودخل بها إلى جناحهما المخصص..

​كان الجناح معطراً، مرتّباً، وعلى السرير تتناثر بعض بتلات الورد التي وُضعت يوم زفافهما.. ذلك الزفاف الذي لم يُكتب لهما أن يعيشا فرحته، والجناح الذي لم يدخلاه معاً كأي زوجين سعيدين.

​أغلق الباب بخفة بظهر قدمه، واقترب من السرير لينزل «بنان» برفق ويجلسها على طرفه.

​بدون أي كلام، اتجه نحو الدولاب، أخرج لها ملابس مريحة وناعمة، ثم عاد إليها بخطوات هادئة.. جثى على ركبتيه أمامهما على الأرض، وضع الملابس بجانبها، ونظر إلى عينيها الشاحبتين بحنوّ بالغ:

— يلا يا حبيبتي.. عشان تاخدي شاور يرّيح جسمك شويه.

​رفعت بنان عينيها الثقيلتين، ونظرت إليه في صمت مُرّ، صمت أبلغ من آلاف الكلمات.

​تأمل فارس وجهها المجهد، وشعر برغبته العارمة في أن يسمع نبرة صوتها التي افتقدها، فقال بصوت خافت يملؤه الشوق والترجي:

— واحشني صوتك أوي.. نفسي أسمعه يا بنان.

​في تلك اللحظة، لم تتمالك بنان نفسها، وسقطت دموعها حارة متلاحقة على خديها.

​رفع فارس يده فوراً، وبإبهامه مسح دموعها برقة متناهية، ونظر في عينيها بنبرة قوية، صلبة، لكنها مفعمة بالحماية والحب:

— مش عايز أشوف الدموع دي أبداً يا قلبي.. إنتي مرات «فارس الباشا»، ودموع مراتي متتنزلش أبداً ولا ينكسر لها رأس.

​لم تستطع بنان الصمود أكثر أمام هذا الكم من الأمان والحنان، فارتمت في حضنه فجأة، وطوقت عنقه بيديها، وبكت بوجع وقهر . بكاءً هزّ جسدها الضئيل.

​ضمها فارس بكل قوته، شدّها إلى صدره وكأن يسترد روحاً كانت ضائعة منه، وقفت دقات قلبه تتصاعد بألم وهو يشعر بانهيارها بين يديه.. تركها تبكي كما تشاء، تدفن رأسها في صدره وتفرغ كل الرعب والوجع المخزون داخلها، وهو يمسح على شعرها ويهمس لها بكلمات الأمان.

ــــــــــــــــــــــ

​بعد مرور عدة ساعات...

​ساد السكون الجناح، قبل أن يمزقه صوت صراخ "بنان" المكتوم، الخائف.

​استيقظ "فارس" بفزع، ومدّ يده سريعًا ليعبث بـ "أباجورة" الفراش ويضيئها. نظر إليها بقلب يعتصره القلق؛ كانت تنهد بصعوبة، وتلهث والدموع تترقرق في عينيها بذعر، كأنها ما زالت محاصرة في كابوسها.

​لم يتردد؛ سحبها إلى حضنه بقوة ورفق في آنٍ واحد، واضعًا يديه على رأسها لينظم أنفاسها:

— اهدي... اهدي يا قلبي، أنا جمبك ومعاكي... محدش يقدر يأذيكي تاني.

​بدأت "بنان" تهدأ تدريجيًا في أحضانه، وإن ظلت تأنّ بصوت خفيض ينمّ عن ألمٍ وجعٍ لا يزول بسهولة. في تلك اللحظة، رفَع "فارس" عينيه ونظر أمامه بغضب مكتوم، عينيه تشتعلان بقسوة محاولًا السيطرة على وجعه الداخلي من أجلها.

​بعد دقائق معدودة...

ابتعدت عن حضنه بهدوء، محاولة لملمة شتات نفسها.

​ابتسم لها "فارس" ابتسامة خفيفة باهتة، يخفي وراءها كدره وغضبه كي لا يحمّلها فوق طاقتها، وقال بنبرة حنونة:

— إيه يا حبيبتي؟ يلا عشان أعملك أكل؟

​حركت رأسها بالنفي ببطء، وعيناها مثبتتان في الأرض.

​فارس بنبرة دافئة فيها شيء من الإصرار:

— لا مش هينفع، لازم تأكلي  

​قبل أن تنطق، طرقات خفيفة على الباب قطعت حديثهما.

التفت "فارس" ناحية الباب، ثم نظر إليها مطمئنًا:

— ارتاحي أنتِ، هشوف مين.

​استسلمت "بنان" ونامت على السرير بصمت، متأوهة بألم مكتوم وهي تتطلع إلى السقف.

​قام "فارس" وفتح الباب ليجد والدته.

نجوى باهتمام:

— إيه يا حبيبي؟ عاملين إيه؟ أنا جيت أطمن عليكم.

​فارس بابتسامة هادئة:

— تمام يا ماما. كويسين، الحمد لله.

​نجوى بقلق أمومة:

— طيب ما أكلتوش من بدري، أنا هبعت أكل مع حد من الشغالين و...

​فارس باعتراض قاطع ولكن بأدب:

— لا يا ماما متبعتيش نفسك، مش عايز حد من الشغالين يقرب من هنا خالص 

​نجوى باستغراب:

— بس يا حبيبي ا...

​فارس مقاطعًا برفعة حاجب حنونة:

— يا ماما الثلاجة اللي جوه فيها أكل كتير وجاهز كمان من يوم الفرح، لو كده هنأكل منه.

​نجوى بقلة حيلة:

— براحتك يا حبيبي.. بس لواحتاجت اي حاجه كلمنى

​فارس:

— ماشي يا أمي، تسلميلي.

​نجوى:

— تصبح على خير.

​فارس:

— وأنتِ من أهله.

​أغلق الباب بإحكام ودخل مجددًا. كانت "بنان" متسطحة على الفراش، تتأمل الفراغ بشرود تام. لم يرغب في الضغط عليها بالحوار، فتوجه مباشرة إلى المطبخ الملحق بالجناح.

​بدأ يخرج أطباق الأكل الجاهز من الثلاجة ويسخنها. طالع ساعته بنظرة سريعة؛ كانت تشير إلى الحادية عشرة مساءً.

​في تلك اللحظة، مرّت بباله ذكراها منذ ساعات، حين رفضت أن يدهن جسمها بالكريم بنفسه وأصرت على دهانه في الحمام بمفردها، بينما اكتفى هو بمسح وجهها بلمسات خفيفة.

​تنهد بقلة حيلة، وأنهى إعداد الطعام. وضعه على صينية صغيرة، وعاد بها إلى الغرفة ليضعها على طرف السرير بجوارها.

​دنا منها وقال بحنو بالغ:

— إيه يا روحي؟ مش يلا ناكل بقا؟ أنا أصلاً جعان ومستنيكي.

​نظرت "بنان" إلى الطعام بصمت، ثم حركت رأسها بالرفض.

​فارس بإصرار حنون:

— طيب.. أنا هأكلك بإيدي.

​أخذ قطعة لحم صغيرة بوسط الشوكة وقربها من فمها. حركت رأسها ثانية بالنفي.

​فارس برجاء ورجاء عاشق:

— عشان خاطري.. متكسفيش إيدي.

​نظرت إلى عينيه المترقبتين، ففتحت فمها فتحة صغيرة وأكلتها.

ابتسم "فارس" بخفة وقد أشرق وجهه قليلاً، ثم مسك الملعقة وقال بمرح يحاول به انتشالها من ظلام أفكارها:

— عايزك بقا تدوقي شوربة لسان العصفور دي.. على فكرة أنا جايب الوصفة من على النت!

​ثم أضاف بغمز ومرح:

— وشات جي بي تي مأكدلي إنها تطلع حلوة جداً!

​ابتسمت "بنان" ابتسامة خفيفة وسط حزنها، تذكرت على الفور حوار شات جي بي تي.. لكن سرعان ما خانتها دموعها، فنزلت مسرعة على وجنتيها.

​وضع "فارس" الملعقة جانبًا فورًا، وسحبها إلى حضنه بقوة، همس عند أذنها بصوت يفيض بالأمان:

— ممكن متعيطيش؟ خلاص.. كل حاجة وحشة خلصت. أنتِ بقيتي جمبي هنا، وفي حضني.. وعمري ما هبعد عنك أبداً، ومعاكي لأخر نفس فيا.

​أخرجها من حضنه بهدوء، ومسح دموعها بأطراف أصابعه:

— يلا بقا ناكل؟

​ابتسمت "بنان" ابتسامة رقيقة صادقة هذه المرة، وحركت رأسها بالإيجاب.

ـــ

بعد مرور أسبوع...

​مرّت الأيام ببطء ولكن ببلسمٍ شافٍ؛ بدأت "بنان" تسترد عافيتها شيئًا فشيئًا، والعلامات التي كانت تطوق وجهها وتُطفئ ملامحها بدأت تخف وتتلاشى آثارها تدريجيًا، لتفسح المجال لرقتها الطبيعية كي تعود من جديد.

​فتحت عينيهـا بتمهل مع شعاع الشمس الخفيف، لتجد "فارس" يقف أمام المرآة يُعدل هندامه وينسق هيئته للخروج.

​اعتدلت في جلستها على الفراش، وسألته بصوتٍ ناعم يُغالبه النعاس:

— أنت خارج؟

​التفت إليها "فارس" فورًا، وانقشعت جديته لتبتسم ملامحه بالكامل. اقترب منها بتمهل، وانحنى ليطبع قبُلة رقيقة دافئة على خدها همس معها:

— صباح الورد يا قلبي.

​أرجعت "بنان" خصلة شاردة من شعرها وراء أذنها ببطء، وردت بابتسامة خجولة:

— صباح النور...

​تنهد "فارس" وهو يتأمل تحسنها، وقال بنبرة هادئة:

— أنا رايح الشركة، للأسف مش هقدر أغيب أكتر من كده.. في شغل كتير متعطل ومحتاج أخلصه بأسرع وقت، عشان هنفضي نفسنا ونسافر أنا وأنتِ.

​رفعت عينيها بنظرة استفسار فضولية:

— هنسافر فين؟

​ابتسم بزاوية فمه وهو يناظرها بتشويق:

— إيطاليا... مش أنتِ كان نفسك تروحيها من زمان؟

​ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة تحمل ذكريات وأمنيات قديمة، وقالت بصوت خفيض:

— اممم...

​أكمل "فارس" بحنو وهو يربد على يدها:

— خلاص هانت، هنسافر نغير جو ونبعد عن كل الصداع ده.. أنا وأنتِ وبس.

​أومأت له بابتسامة أرق:

— أوكي...

​مال عليها فجأة، وطبع قبُلة خاطفة رقيقة على شفتيها قبل أن يبتعد ببطء.

​احمرّ وجه "بنان" واختلست نظرة للأرض بحرج أضفى عليها جمالاً فوق جمالها.

​عاد "فارس" للمرآة يرتدي ساعته الذكية، وقال وهو يلقي عليها نظرة حانية من خلال انعكاسه:

— يلا، أشوفك أول ما أرجع... وعلى فكرة، لو حابة تنزلي تحت وتقعدي معاهم انزلي براحتك. صح، عمتو "سمية" جات امبارح بالليل متأخر عشان تطمن عليكِ، بس لقيتك نائمة.

​تأففت "بنان" بضيق طفولي محبب، وقطمت شفتيها بضجر:

— العلاج ده بينيمني طول الوقت! أنا عايزة أوقفه بقا، تعبت منه...

​التفت إليها "فارس" بنظرة حازمة لا تخلو من الدفء، وقال بنبرة لا تقبل الجدال:

— لا طبعاً.. هنخلص الكورس كله زي ما الدكتورة قالت بالحرف، مش هنلعب في الأدوية.

​نظرت له "بنان" بصمت واستسلام، فهي تعرف جيدًا أنه حين يتعلق الأمر بصحتها، فلن ينفذ إلا ما في رأسه.

​ارتدى جكت بدلته وقال وهو يتجه نحو الباب بابتسامة مشعة:

— يلا يا روحي.. سلام، نكمل كلامنا لما أرجع.

ــــــــــــــــــ

لم يكن النهار عاديًا في الشركة؛ تراكم الشغل على مكتب "فارس" كالجبال، لكنه اندفع فيها بتركيزٍ عالٍ ليُنهي ما يمكن إنهاؤه قبل خطوة السفر المنتظرة.
في مكتب "صلاح"، كان الهدوء يسيطر على الجلسة عكس زحمة العمل خارج المكتب.
رفع صلاح عينيه عن الأوراق أمامه وخطب بحزمٍ أبوي:
— يعني انتوا ناووين تسافروا خلاص؟
اعتدل فارس في جلسته وأجاب بهدوء:
— أيوه يا باشا، هظبط بس باقي الشغل مع حضرتك ونجهز للسفر 
صمت صلاح لبرهة قبل أن يعرض برفق:
— لو حابين نعمل فرح تاني حتى لو بسيط في الفيلا وبعدها تسافروا.. مفيش مانع.
ابتسم فارس ابتسامة دافئة تحمل بعض الرفض اللطيف:
— لا.. بنان مش حابه موضوع الفرح دا خالص، وهي من زمان كان نفسها تسافر إيطاليا، فهنسافر إيطاليا ونقضي وقتنا هناك.
أومأ صلاح برأسه متفهمًا:
— تمام.. زي ما تحبوا، أهم حاجة راحتكم.

انتهى يوم العمل الشاق، وعاد الاثنان إلى المنزل. سلم فارس على الجميع في الأسفل، ولمّا لم يجد "بنان" بينهم، صعد بخطوات هادئة نحو الجناح.
فتح الباب برفق شديد كي لا يحدث صوتًا؛ كانت الغرفة غارقة في هدوءٍ أثيري، وبنان غارقة في نومٍ عميق كأنها هربت من الانتظار بالسيطرة على أحلامها.
قرر ألا يزعجها. توجه إلى الحمام، وأخذ حمامًا دافئًا يزيل عنه عناء اليوم. خرج وهو يلف المنشفة حول خصره ويمسك بأخرى يجفف بها شعره المبتل، وقطرات الماء تتساقط ببطء على صدره العاري.
وقف لحظة يتأمل ملامحها الهادئة وهي نائمة، ابتسم بدفء، ثم تحرك بنعومة وقعد إلى جوارها على الفراش. سحبها إلى حضنه بحنوٍ بالغ، وطبع قبله رقيقة حنونة على جبهتها، قبل أن يغمض عينيه بتعبٍ ليغط في نومٍ خفيف.
مرت ساعة كاملة..
بدأت بنان تستعيد وعيها ببطء، لتجد نفسها مطوقة تمامًا داخل أحضان فارس. انقبض قلبها بخجل وهي تشعر بدفء جسده العاري ونبضات صدره المتزنة. حاولت أن تتملص ببطء ولطف من قبضة يده القوية دون أن توقظه، وجهها يشتعل حمرة.
دون أن يفتح عينيه، انطلقت نبرته الرخيمة المبحوحة من أثر النوم:
— هتروحي فين؟
توقفت بنان وتطلعت إليه بحرج، متلعثمة:
— مصحتنيش ليه لما رجعت؟
ردّ وهو يشدد من ضمها قليلاً بنفس النبرة الهادئة:
— محبتش أقلقك.. كنتِ باينة تعبانة.
قالت وهي تحاول تبرير اختفائها:
— أصل استنيتك كتير تحت ولما تأخرت طلعت نمت
فتّح عينيه ببطء ونظر إليها بعطف:

— معلش يا حبيبتي.. كان في ضغط شغل كتير في المكتب.
بمهارة خفيفة، استغلت بنان لحظة استرخائه وفكت نفسها من حصاره، ثم وقفت وهي تنظر إليه بتهديد طفولي مزيف:

— أوعى تكون أكلت تحت وسيبتني!قالت كلماتها واندفعت بخطوات سريعة نحو المطبخ الصغير الملحق بالجناح.

ابتسم فارس بخفة وانسحب من الفراش يتبع خطواتها وهو يقول بنبرة ملؤها الغزل:
— هو أنا أقدر آكل من غيرك يا عمري؟
بدأت بنان تخرج الأطباق وتعد الطعام بتوتر تحاول إخفاءه، لكن فارس لم يمهلها؛ اقترب منها وحاضنها من الخلف بدفء، واضعًا ذقنه على كتفها.
نطق بلطف:
— لو مش عايزة تتعبي نفسك ممكن تطلبي من الشغالين يجهزوا لك كل اللي أنتِ عايزاه.
ارتبكت بنان من قربه المفاجئ وحرارة أنفاسه، واضطربت يداها وهي تحضر الطعام، فقالت بتلعثم:
— لا.. أنا حابة أعمل الأكل ليك بنفسي.. ولا أنت مش عايز تأكل من إيدي؟
طبع فارس قبلة رقيقة على خدها المحمر، وزمجر بنبرة دافئة:
— لا يا حبيبتي.. هو أنا أطول آكل من إيدك الحلوة دي؟

ابتسمت بنان بخفة واطمأن قلبها قليلاً، لكن فارس، وهو ما زال يحتضنها ويمسك بها بتملك لطيف، أردف بنبرة جادة تحمل في طياتها الرغبة والمداعبة:
— بنان.. إيه رأيك نشيل الحواجز اللي بيننا شوية؟
التفتت إليه بابتسامة متوترة، متسائلة:
— قصدك إيه؟
غمز لها بعينيه وقال بنبرة هادئة:
— يعني أقصد نعدي بقا جو المخطوبين دا.. ونتعرف على حياة المتجوزين بجد.
اتسعت عيون بنان بذهول وصدمة طفولية، وصاحت باحتجاج:
— انت بتلمح لحاجات مش كويسة فيها قلة أدب على فكرة!
رفع فارس يديه في الهواء بمرح وكأنه يستسلم، محاولاً تلطيف الجو:
— أنا؟! دا انتِ اللي دماغك بتروح لحاجات غريبة وتفكيرك وحش! أنا قصدي بريء . أقصد حياة المتجوزين من الناحية العملية والتفاهم.. 
حاولت بنان أن تهرب من الموقف ومن نظراته الذكية، فقاطعت كلامه بتوتر واضطراب:
— بقولك إيه..
أعاد دراعيه حولها يضمها بامتلاك وهو يهمس عند أذنها:
— اممم.. قولي يا ستي.
ردت بنان وهي تحاول تنظيم أنفاسها:
— يُمنى كانت عايزاني نخرج سوا  هاتجيب شوية حاجات ناقصاها كدة..
أراح فارس ذقنه على كتفها مجددًا،  وقال بهدوء:
— مفيش مشكلة.. خدوا السواق معاكم، وهبعت معاكم واحد من الحرس.
عقدت حاجبيها وتساءلت:
— مش أنت قولت خلاص مفيش خطر 

— أيوه، بس عشان أبقى مطمن أكتر عليكِ يا قلبي.

استسلمت بنان ونقرت رأسها:
— أوكي.. ممكن بقا تسيبني عشان أخلص الأكل؟

ثبت فارس في مكانه ولم يتحرك، ثم سألها بنبرة عميقة، عيناه تتفحصان خبايا عينيها:
— بنان.. أنتِ خايفة مني؟
تهربت بعينيها وقالت بلجلجة واضحة:
— لا.. هخاف ليه يعني؟
تنهد فارس وقال بصراحة:
— أصل الوضع دا مش لطيف عليا خالص..
عقدت حاجبيها باستنكار:
— وضع إيه؟
ابتسم فارس بقلة حيلة وقال:
— بطلي استعباط بقى.. أنتِ فاهمة كويس أوي أنا قصدي إيه.

انسحبت بنان ببطء ورتبت الأطباق على الطاولة الصغيرة الموجودة بالجناح لتشغل يديها بأي شيء. اقترب منها فارس بخطوات هادئة، وأمسك يدها برفق ليوقف حركة يديها المضطربة.
نطق بعاطفة وصراحة:
— بنان.. أنا عارف إن البنات بيبقى في دماغهم حاجات وتخيلات وخوف من الخطوة دي.. بس على فكرة، الدكتور مطمنني عليكِ جِدًا وأنا في المستشفى وقالي إنك بنوتة زي القمر فمتقلقيش

تجمعت الغيمة في عيني بنان وازداد توترها وضيقها، وسحبت يدها بحدة وهي تقول:
— أنت تقصد إيه؟ إني مش واثقة في نفسي يعني ولا إيه؟

رفع يديه يهدئ من روعها بسرعة:
— والله العظيم ما قصدي كدا خالص! أنا بس بحاول أشيل حاجز الخوف والرهبة اللي بيننا دا.. مش أكتر.

نظرت بنان للأرض، وانخفض صوتها بتردد صادق:
— الفكرة.. إني حاسة إني مش جاهزة.. لسه.
هدأت ملامح فارس وتلاشت مداعباته، حلّ محلها التفهم والاحتواء، فسألها بنبرة حنونة:
— طيب.. هتكوني جاهزة امتى؟
فركت بنان يديها بقلة حيلة، وهمست بتردد:
— مش عارفة..
ساد الصمت بينهما للحظة، قبل أن يبتسم فارس ابتسامة دافئة تسلل إليها الأمان، وقال بنبرة هادئة ومتقبلة:
— طيب.. أنا هسيبك على راحتك تمامًا، ولما تحسي إنك جاهزة بجد نخطو الخطوة دي.
ثم اقترب منها قليلاً وغمز بعينه بروح مرحة ليتغلب على الخجل الذي يلف الغرفة:
— بس ياريت مطوليش بقا ها؟ شكلي بقى وحش اووي . إحنا صعايدة برضه والمسائل دي عندنا لها هيبة!
ضحكت بنان بخفة متخلصة من التوتر، وذاب الخوف 
ــــــــــــــــــــــــــــ

بعد اسبوع

في أحد المولات الكبيرة، وسط زحمة المحلات وتدقيق يمنى في اختيار مستلزماتها

كانت بنان تتنقل بجوارها بشرود، ترفع إحدى القطع وتنظر إليها دون تركيز حقيقي.

يمنى وهي بتقارن بين حاجتين: بصراحة بقى.. عنده حق!

بنان بضيق وتنهيدة مكسورة: ممكن.. بس أنا حاسة إني فعلاً مش جاهزة لده.

يمنى بتبتسم وتحاول تطمنها: بنان.. أنتِ اللي موترة نفسك على فكرة، الموضوع أبسط من كده.

بنان بتحرك رأسها بنفي وشرود: مش حوار توتر يا يمنى..

يمنى بصلتها بفضول وضيقت عينيها: تقصدي إيه؟ عدم قبول يعني؟!

بنان بقلة حيلة وهي بتسيب الحاجة من إيدها: مش عارفة.. أنا بفكر أروح لدكتور نفسي.

يمنى وقفت مكانها بصدمة وسابت اللي في إيدها: بت! بطلي هبل.. الموضوع مش مستاهل كل ده! فارس كويس أوي وبيحبك وده أهم حاجة.

بنان بصتلها بصمت طويل، عينيها مليانة حيرة وعجز عن الشرح، واكتفت بالسكوت.

خلصوا وكل واحدة رجعت على بيتها.

بنان دخلت الفيلا وكان الكل موجود في اللفينج، سلمت عليهم بصوت هادي وطلعت على فوق مباشرة.

فارس حس إن في حاجة مش مظبوطة في نبرتها وهيئتها، فاستأذن وطلع وراها

تحت نظرات نجوى اللي بدأت تحس إن في مسافة وغرابة بين الاثنين.

دخلت بنان جناحها وبدأت تحط الحاجة اللي اشترتها، وكانت محتاجة تاخد شاور يريح جسمها. أخدت هدومها ودخلت التواليت.

في الوقت ده، دخل فارس الجناح وهي جوه، فعدى على المطبخ الصغير الملحق بالجناح وبدأ يعمل قهوة.

خرجت بنان من التواليت وكانت لابسة كاش أزرق كب 
لحد الركبة، بارز جمال بشرتها البيضا ومخليها تلمع. ما اتكلمتش ووقفت قدام المراية تسرح شعرها في جو هادي.

فارس بصلها بانبهار واضح من جمالها، وخلص تجهيز القهوة وخرج من المطبخ. قرب منها بالراحة من ضهرها وحضنها بلهفة: انتِ وحشتيني اوووي النهاردة.

بنان بتوتر، وفي نفس الوقت نفسها تبعد ومش عارفة، ردت بصوت مبحوح: وانت كمان.

فارس وضع قبلة رقيقة على كتفها وسألها بشغف: بجد وحشتك؟

غمضت بنان عيونها بتوتر أشد: اممم..

لاحظ فارس انقباض جسمها، فاستغرب وابتعد خطوة بسيطة: بنان.. أنتِ ضاغطة نفسك كده ليه؟

فتحت عيونها بهدوء وتحفظ: أنا قلتلك قبل كده مش جاهزة دلوقت لكل ده.

فارس باستغراب: بس أنا معملتش حاجة! ده عادي يعني بين أي اثنين..

بصتله بنان بتوتر وكأنها بتاخد قرار صعب: فارس.. ممكن نأجل السفر شويه؟

أبعد إيده عنها تماماً وبصلها بصدمة وذهول: ليه؟!

بلعت ريقها بالعافية: محتاجة وقت.

فارس بنبرة بدأت تحدة: لإيه؟!

بنان: فارس.. أنا حاسة إني مش قادرة أتعامل.

فارس بزهول: مش قادرة تتعاملي معايا؟!

بنان بسرعه: مش كده..

فارس: أومال إيه؟!

بنان بتردد وحرج شديد: بصراحة بقى.. حاسة إني مش قادرة أبدأ حياة زوجية، معنديش استعداد.

فارس: ما أنتِ قلتي سيبني شوية وأنا سايبك براحتك وعلى راحتك خالص!

بنان اتكلمت بحرج وتلعثم: أنا مش عايزة.. خالص.

فارس بصلها بصدمة وعينيه اتسعت: إيه الهبل اللي بتقوليه ده؟!

بنان بجمود محاولاً التماسك: ده اللي أنا حاساه.

فارس بحزم وصوت بدأ يعلى: يعني أنتِ حاسه إنك مش عايزاني؟ ولا عايزاني أقرب منك؟!

بنان: مش بالمعنى ده و..

قاطعها فارس بحتة ونداء حاد: أومال أنهو معنى غير ده؟! كلامك مفهومه كده، لو ليه مفهوم تاني وضحي!

فركت بنان في إيدها بتوتر شديد وما كانتش عارفة تقول إيه ولا تبرر إزاي بعد اللي قالته.

بصلها فارس بحزن عميق وخيبة أمل كاسرة، وتحدث بكرامة رجل انجرحت مشاعره في مقتل: تمام كده.. الرسالة وصلت. أنا هريحك خالص، حتى مش هبات هنا عشان تبقي براحتك على الآخر، ولو حابة أي خطوة تانية مفيش مشكلة طالما ده هيريحك.

لف فارس وخرج من الجناح ورزع الباب بقوة هزت المكان.

ضغظت بنان على شفايفها بضيق وحرج، وقعدت على طرف السرير بتوتر وهي مش استوعبة هي قالت كده إزاي، ولا العواقب اللي هتترتب على كلامها إيه.

تعليقات



<>