رواية قلوب تلوذ بالكتمان الفصل الثاني2بقلم سارة علي


رواية قلوب تلوذ بالكتمان الفصل الثاني2بقلم سارة علي 


تابعت شمس ملامح زوجها المشدودة بقلق بينما ينهي الأخير مكالمته مع شقيقه ليخبرها وهو يعتصر الهاتف بيده :-
" خالد في لندن …. ترك الشركة وسافر هناك بشكل مفاجئ …."
هتفت بإستغراب :-
" حقا ..؟! لماذا …؟!"
أجاب بصوت محتقن :-
" تارا هناك .."
هتفت والدهشة تسيطر على ملامحها :-
" تقصد إنه ذهب لأجلها …." 
أومأ قيصر برأسه وغضبه يتضاعف بينما شمس ما زالت مدهوشة وآخر ما توقعته أن يحمل خالد شيئا داخله اتجاه تارا …
ورغم دهشتها أعجبتها الفكرة بينما تتابع الغضب المرتسم على ملامح زوجها فتسأل بجدية :-
" حسنا أنا لا أفهم … لمَ أنت غاضب هكذا …؟!"
هدر من بين أسنانه :-
" حقا لا تفهمين …؟! خالد وتارا … هل ترين الأمر عاديا …؟! ومقبولا …؟!"
" ولم لا …؟!"
سألت ببساطة مغيظة فهدر بحنق :-
" لا تستفزيني يا شمس …"
نهضت من مكانها سريعا تتقدم نحوه وهي تتمتم بتمهل :-
" حسنا اهدأ يا قيصر … أنا لا أرى حقا مشكلة في ذلك …"
هتف بعدم تصديق :-
" تقولين هذا وأنت تعرفين بكل شيء …"
تمتمت بجدية :-
" أنت تتحدث عن عقد الزواج الذي كان بينكما …"
صاح مندهشا :-
" وهل هذا أمرا عاديا …؟!"
هزت كتفيها ببساطة :-
" لكنه كان زواجا مشروطا وعلى الورق ولسبب محدد …"
سأل بإنفعال مكتوم :-
" وهل سيفهم خالد هذا …؟! ولمَ أصلا سأضع نفسي في موقف كهذا …؟! ماذا تظن تارا نفسها فاعلة …؟! كيف تفعل بي هذا …؟! لقد حذرتها من هذا سابقا ولم تسمع كلامي …"
" على مهلك يا قيصر … ربما الفتاة لا دخل لها وخالد من يلاحقها …"
قالتها بتروي ليصيح بعصبية :-
" لو لم يجد قبولا منها ما كان ليترك كل شيء خلفه ويسافر إليها …"
أضاف وعيناه تشتعلان بقوة :-
" لقد ترك الشركة رغم إنه المسؤول الأول بها حاليا وضرب بكل شيء عرض الحائط وسافر إليها … هل تدركين معنى هذا ..؟! معناه إن علاقتهما تطورت إلى حد كبير ولن أتفاجئ إذا ما أراد الزواج منها فيما بعد …"
سألت بمنطقية :-
" وما شأنك أنت …؟! ليتزوج منها طالما يريد ذلك …"
صاح معترضا :-
" لا تجعليني أجن يا هذه … ما بالك أنتِ اليوم …؟!"
تمتمت ببرود :-
" أنت تبالغ حقا … ما جمع بينكما مجرد عقد لم يتم توثيقه قانونيا حتى … وهو بالتأكيد سيتفهم سبب هذا العقد عندما تشرح تارا له كل شيء …"
هتف وهو يتمالك أعصابه بصعوبة :-
" لنفترض إن ما تقولينه صحيح وإن خالد تغاضى عن هذا العقد اللعين … ماذا عن ماضيها …؟! طليقها المهووس …؟! عائلتها …؟! ألم تفكري بهذا أيضا …؟! ماذا سيحدث بخالد …؟! هل سيدخل في حرب مع طليقها وعائلتها …؟! "
أكمل بخوف صادق :-
" طليقها مجرم وأنا أخشى على خالد منه … لا أريد لخالد أن يدخل في حرب معه … لا أريد ذلك يا شمس …"
" حبيبي اهدأ قليلا … أتفهم خوفك لكن خالد وحده من سيقرر ما يريد وما هو مقبل عليه …"
قالتها بعقلانية ليصيح بحدة :-
" كلا يا شمس … أنا أتحمل جزءا من المسؤولية … كان عليّ أن أخذ أمر إعجاب خالد بتارا بجدية أكبر وأضع حدا له كي لا يتطور .."
سألته بوجوم :-
" ماذا كنت ستفعل حينها …؟! هل ستمنعه عنها …؟!"
" كان علي تدمير هذا الإعجاب في بدايته قبلما يتطور لشيء أكبر …"
قالها بحنق وهو يضيف  بجدية :-
" لكن لا بأس … أنا سأتصرف وأمنع هذه العلاقة بأي شكل …"
طالعته شمس بعدم تصديق قبلما تهتف بسرعة وعصبية :-
" كلا أنت لن تفعل شيئا … لن تتدخل بهما … لا شأن لك بهما …"
" لا تتدخلي أنت يا شمس .. لا شأن لك بما يحدث …"
صاحت معترضة :-
" بلى لي شأن … تارا صديقتي ويهمني أمرها …"
أكملت بنبرة محذرة :-
" إن فعلت أي شيء يضر علاقتهما فلن أسامحك حينها يا قيصر … والله لن أسامحك وأنت تعلم …"
إندفعت بعدها مغادرة غرفة النوم وداخلها قررت ألا تسمح لزوجها بأن يتصرف بأي شكل قد يسبب الأذى لتارا حتى لو إضطرت أن تقف في وجهه وتدمر مخططاته … 
***
هتفت كارلا وهي تجمع بعض أغراض تارا بينما الأخيرة شردت مجددا :-
" مجيئه إلى هنا متعمدا يا عزيزتي … "
" وهذا ما يخيفني حقا يا كارلا …"
تمتمت بها تارا وهي تتأمل إنعكاسها في المرآة لتهتف كارلا بجدية :-
" لم الخوف لا أفهم …؟! "
أضافت بسرعة :-
" أنت لن ترفضينه كغيره يا تارا …"
نهضت تارا من مكانها تلقي نظرة على هندامها :-
" بل سأفعل …"
قالت كارلا برفض :-
" إلى متى يا تارا …؟! لقد رفضت الكثير من الرجال الذي أرادوا قربك … هل تنوين أن تبقي عزباء طوال حياتك …؟!"
أخذت تارا نفسا عميقا ثم قالت بجدية :-
" غريب أن تتحدثي بهذا الأمر مجددا وأنت تعرفين أسبابي …"
" ربما لأن الوضع هذه المرة مختلف …"
قالتها بجدية لتستدير تارا نحوها تسأل بدهشة :-
" كيف يعني …؟! "
تنهدت كارلا بصمت ثم قال بجدية :-
" لأن هذه المرة الإعجاب لم يكن من طرف واحد ككل مرة يا عزيزتي … أنت تبادلينه هذا الإعجاب وربما تبادلينه ما هو أكثر ولا تنكري هذا من فضلك …."
إلتزمت تارا الصمت ولم تنكر ما تفوهت به صديقتها التي وقفت تطالعها بثبات لتقول أخيرا بعد لحظات :-
" حتى لو ما تقولينه صحيح … فهذا لن يغير من الواقع شيء …"
ثم جذبت هاتفها وهمت بالتحرك لتجد كارلا تقبض على معصمها فترفع عيناها نحوها لتخبرها بثبات وإصرار :-
" أنت تستحقين حياة طبيعية مع رجل يحبك وتحبينه يا تارا … من الظلم أن تقضي عمرك وحيدة بلا زوج وأسرة … لا تفعلي بنفسك هذا أرجوك …"
هتفت تارا ببسمة مريرة :-
" تتحدثين وكأن القرار بيدي يا كارلا …"
أخذت نفسا عميقا ثم ربتت فوق كفها تخبرها برجاء :-
" اتركيني أذهب لعملي ولا تفتحي هذا الموضوع مجددا من فضلك …"
ثم اندفعت تغادر غرفتها تتبعها كارلا متوجهة إلى مكان التصوير هناك حيث وجدت المخرج وطاقم العمل في إستقبالها …
تبادلت التحية مع الموجودين قبلما تبدأ التصوير ورغما عنها كانت تنتظر مجيئه المتوقع لموقع التصوير بين الحين والآخر …
حبست أنفاسها داخل صدرها وهي تراه يطل عليهم أخيرا ليهرع البعض لإستقباله فيمنحهم تحيته الباردة المعتادة قبلما يتجه ببصره نحوها …
منحها نظرة شاملة جمدتها لثواني قبلما تستعيد رباطة جأشها بينما ينتبه المصور لشرودها فيتجه نحوها يسألها إذا ما كانت هناك آية مشكلة …
تبادلت الحديث معه بينما وقف خالد على مسافة منهما متكئا بجسده على الحائط خلفه يتأملها بحرص بينما عادت هي تنشغل بالتصوير محاولة أن تتجاهل وجوده حوّلها رغم صعوبة ذلك …
" لمَ يتبقَ سوى لقطة واحدة اليوم …"
قالها المخرج بينما تقدم أحد العاملين نحوها يعدل خصلاتها بحرص فتشتعل النيران في صدره وهو الذي بقي مكانه يتابعها بتركيز لم يغب عنها ليشعر بضيق شديد وهو يرى ذلك الشاب يعدل خصلاتها بحرص قبلما تمنحه تارا بسمة هادئة وهي تربت فوق ذراعه تشكره على عمله كعادتها …
تشنجت ملامحه بينما يرى الشاب يخرج هاتفه ليلتقط صورة معها وجسده شبه ملامس لجسدها فتحرك بعصبية بعيدا عن المكان وقد بدت الأجواء غير مناسبة له بتاتا …
عاد بعد دقائق ليجدها انتهت من التصوير وتقف تتحدث مع المخرج ومساعده وبسمة واسعة تزين ثغرها …
انتبه المخرج لعودته فسارع يلتفت نحوه فتقدم خالد بدوره يمنحه التحية ليقابله الرجل بترحيب حار ثم تبادل التحية مع مساعده وأخيرا جاء دورها ليمنحها تحية هادئة بادلتها إياه بتحية مقتضبة قبلما تشير لهم عن قصد :-
" عن إذنكم … عليّ الذهاب … سنلتقي غدا بالتأكيد …"
همت بالتحرك عندما وجدته يشير لها :-
" هل يمكننا التحدث …؟! لن آخذ من وقتك كثيرا …"
تحركت معه جانبا قبلما تقف قباله وجها لوجه ليخبرها بنبرة رخيمة :-
" سأنتظرك مساءا  لنتناول عشائنا سويا …"
طالعته بدهشة قبلما تقول بضحكة غير مصدقة :-
" كأنك تتحدث عن قرار مسبق دون أن تأخذ رأيي حتى …"
هتف ببرود :-
" أنا أدعوك على العشاء ولا أعتقد إنك ستمانعين فلا يوجد سبب يجعلك ترفضين دعوتك …"
تمتمت ببرود مماثل :-
" ربما لدي موعد آخر …"
قال بجدية :-
" لقد سألت مساعدتك وأكدت لي فراغ جدولك الليلة …."
إحتقنت ملامحها بقوة بينما وجدته يضيف بملامح ماكرة :-
" سأنتظرك مساءا يا تارا …. في التاسعة … لا تتأخري فأنا أحب الالتزام بالمواعيد …"
ثم تحرك مغادرا لكن صوتها الذي هتف فجأة جعله يتوقف مكانه :-
" لماذا تفعل هذا …؟!"
إستدار نحوها يتأمل ملامحها الثابتة بينما تسأله مضيفة :-
" لماذا تحاول التقرب مني …؟!" 
تقدم نحوها بهدوء ثم وقف قبالها مرددا بثقة :-
" لأنني معجب بك …."
اضطربت دواخلها كليا وصراحته وترتها بشكل مضاعف لتسأل مجددا وقد شعرت ببداية فقدانها لثباتها وتماسكها :-
" لماذا …؟! "
" لماذا …؟!"
رددها بدهشة قبلما يضيف :-
" هل تسألين حقا عن سبب إعجابي بك …؟!"
" أليس سؤالي منطقيا ..؟!"
سألته بوجوم ليتمتم بعد لحظات :-
" لا أعلم … أنا فقط معجب بك …"
" فهمت إنك معجب بي لكن مالذي يعجبك بي بالضبط …؟!"
سألت بنفاذ صبر ليبتسم بهدوء :-
" كل شيء بك يعجبني يا تارا …"
شعرت بثباتها المصطنع ينهار كليا أمام صراحته المفاجئه لتأخذ نفسا عميقا ثم تهتف ببسمة مرتبكة :-
" أنت جريء جدا …"
قاطعها :-
" بل صريح …. "
تنهدت بعمق ثم قالت بصدق :-
" أنت لا تعرفني بعد يا خالد … "
" لهذا أريد التعرف عليك …"
قالها بجدية لتخبره بخفوت :-
" عندما تتعرف عليّ عن قرب سيختفي إعجابك …"
هتف ببساطة :-
" سنرى حينها …."
" أنت مصر إذا …"
سألت بوجوم ليخبرها بصدق :-
" لم آتِ إلى لندن لأعود خاليا الوفاض يا تارا … أحتاج لمعرفتك عن قرب على الأقل …"
ابتسمت بعدم تصديق وفكرة قدومه إلى لندن خصيصا لأجلها أعجبتها وإن كان العقل والمنطق يرفضانها …
بادلها بسمتها وهو يخبرها بجدية :-
" سأنتظرك مساءا …. اتفقنا …"
أومأت برأسها مرغمة قبلما تراقب رحيله بقلب مضطرب وكل جزء منها يخشى ما هو قادم لكنه يرغب بمعايشته رغم هذا …
**
أخذت لميس تتأمل الصور بإعجاب فقد أدهشها ذلك المدعو ثائر بتصويره ليتبين لها إنه مبدع بحق عكس ما تصورت …
كانت منهمكة في تأمل الصور ولم تنتبه لوصوله ووقوفه جانبا يتفحصها بعينيه مفكرا إنها تحمل جاذبية خاصة وإطلالة مميزة لفتت إنتباهه منذ النظرة الأولى …
لطالما كان ضعيفا أمام الجنس الناعم وهذا ليس بجديد عليه .. ابتسم بتهكم مفكرا إن وضعه الحالي لا يتحمل مغامرات نسائية جديدة ..
تقدم نحوها على مهل بينما وجدها تلتفت هي نحوه وعلى ما يبدو إنها شعرت بخطواته ليمنحها تحية عابرة بينما يشير إلى بعض العاملين لضرورة إعداد المكان وتهيئته لإكمال جلسة التصوير المحددة .. 
وضعت الصور جانبا ثم تعمدت البقاء في المكان تتابع عمله وهو يتحرك بثقة وخيلاء وسط العاملين يمنح أوامره لهم ثم يتحدث مع بعض العارضات بحميمية أثارت إستهجانها …
الغريب إنه تحول لشخص مختلف تماما حالما بدأ التصوير فانهمك في عمله وغابت ابتسامته الجذابة التي يغدق بها على العارضات وغابت روح الفكاهة عنه فتحول لآخر هادئ جدي يعمل بحزم وصرامة بل إنه أظهر غضبه من إحدى العارضات اللتي حاولت التدلل عليه قليلا أثناء إحدى اللقطات ففوجئت بطريقته الصارمة معها والتي أحرجت الفتاة وجعلتها تتجنبه بحذر بقية الجلسة …
أكمل عمله وتقدم نحوها يتأملها وهي تجلس على احد الكراسي تتابع الجلسة باهتمام ليسأل ببرود متعمد :-
" أين سليم …؟!"
" لم يأتِ بعد …"
تمتمت بها وهي تنهض من مكانها تضيف عن قصد :-
" كما إنك لن تحتاجه فأنا المشرفة عن هذا العمل .."
" جيد …"
غمغم بها بخفوت وهم بالتحرك مغادرا لكنه وجدها تنادي عليه فإستدار مجددا نحوها يرمقها بصمت لتتقدم نحوه تخبره بجدية :-
" أريد أن أحييك على عملك .. في الحقيقة فاجئتني … أنت مبدع حقا …"
لم تغب الدهشة عنه فقال بتروي :-
" غريب ما أسمعه …"
سألت بتعجب :-
" ما الغريب فيما قلته …؟!"
مال نحوها قليلا يسألها ببسمة متلاعبة :-
" هل أعتبره إعتذار عن حديثك السابق …"
وجمت ملامحها وهي تردد :-
" عم سأعتذر بالضبط …؟! لم أقل شيئا خاطئا في المرة السابقة … أنا فقط كنت حذرة بشأنك لأنني لا أعرفك ولم أسمع عنك في هذا المجال من قبل …"
تراجع إلى الخلف قليلا وهو يسأل بخفة :-
" والآن ما رأيك …؟! غيرتِ رأيك تماما كما قلت سابقا …"
قالت ببساطة :-
" أنت مبدع حقا …"
أضافت بصدق :-
" أنا أقدر الإبداع  … تأكد من هذا …"
ابتسم مرددا بخفة :-
" جيد …"
أضاف مازحا :-
" لكن لا تطلبي مني العمل معكم مجددا لأنني لن أقبل …"
سألت بإهتمام :-
" لماذا …؟! هل لديك عملك الخاص …؟!"
تنهد ثم قال :-
" أنا لا أعمل في مجال التصوير … التصوير مجرد هواية …. لكنني أعمل في شركات العائلة ولأجل سليم فقط قمت بتصوير هذه الدعاية …"
تمتمت بأسف :-
" لكنك موهوب حقا … خسارة ألا تعمل في هذا المجال …"
تنهد بضيق خفي وكلماتها عادت تؤجج الحسرة داخله لتضيف بصدق :-
" اتمنى أن تراجع نفسك وتتخذ التصوير كعمل إضافي لك … "
" الأمر ليس بهذه السهولة …"
قالها وهو يتذكر جده و تحكماته التي لا تنتهي ورفضه لهذا العمل رفضا قاطعا ليجدها تخبره بجدية :-
" لا يوجد شيء سهل لكنه في ذات الوقت لا يوجد شيء مستحيل …"
" معك حق …"
تمتم بها وهو يبتسم مجاملة لتبتسم له بدورها قبلما تستأذنه للمغادرة ليتابعها هو بعينيه حتى رحلت قبلما يجمع أغراضه هو الآخر ويغادر بدوره ..
**
وقفت كارلا جانبا تتأملها وهي تستعد للمغادرة ببسمة شقية انتبهت لها تارا التي سألت بملامح متغضنة :-
" ما سبب هذه الابتسامة ..؟!"
ردت كارلا وهي ما زالت محتفظة بذات الابتسامة :-
" أبدا ، أنا فقط منبهرة بجمالك …"
رفعت تارا حاجبها وملامحها تدل على عدم التصديق فتضيف كارلا عن قصد :-
" أنا فقط ظننت إنك مجبرة على قبول الدعوة لكن استعدادك لها بهذه الطريقة يشير لعكس ذلك …"
تمتمت تارا بتجهم :-
" توقفي عن طريقتك هذه .. لا شيء غريب في إطلالتي .. أنا انيقة وجذابة كعادتي .."
" بالطبع عزيزي .."
قالتها كارلا بسرعة بينما ألقت تارا نظرة أخيرة على نفسها بالمرآة قبلما تتحرك خارجا ..
تقدمت إلى صالة الاستقبال عندما وجدته جالسا هناك ينتظرها لينهض من مكانه حالما رآها وعيناه تتأملانها بنظرة خاصة أشعلت قلبها ومشاعرها  بطريقة تجربها للمرة الأولى …
ابتسم لها مرددا بصوت هادئ :-
" هل نذهب …؟!"
أومأت برأسها ليشير لها كي تتقدمه فتسير أمامه يتبعها هو حتى ركبا سيارته فتسأله بنعومة :-
" أين سنذهب ..؟!"
أجاب وهو يدير مقود سيارته :-
" إلى مطعمي المفضل … لكنه بعيد قليلا .."
ابتسمت بتفهم والتزمت الصمت بعدها وهو كذلك بينما كان توترها يتضاعف مع مرور الطريق ..
كان الأمر مختلفا بالنسبة لها … هو وهي وبينهما مسافة لا تذكر …
هي حاليا تتعرف على نسخة مختلفة من الرجل الذي بدا لها باردا مستفزا و مغيظا …
رغما عنها شردت به وإنتبه هو لذلك فحافظ على هدوءه وهو يقود سيارته دون أن يلتفت نحوها كي لا تدرك إدراكه لتأملها له …
لا يريد أن يحرجها ولا يعرف حقا متى بات مراعيا لهذا الحد ..
لكن معها كل شيء مختلف …
هو نفسه مختلف معها ..
يتصرف بشكل لا يشبهه … يندفع بمشاعره … ويراعيها بتصرفاته بل ويتخلى معها عن قناع البرود واللا مبالاة …
نطق فجأة مخرجا إياها من شرودها :-
" ما رأيك بسماع بعض الأغاني فالطريق يبدو طويلا وأنتِ لا تتحدثين …؟!" 
نطقت بتعجب :-
" منذ متى وأنت تسمع الأغاني …؟! "
هتف ببسمة هادئة :-
" أخبرتك إنني أسمعها بين الحين والآخر …"
" تقصد في أوقات فراغك …"
قالتها وهي تطالعه بتمعن لتتسع ابتسامته وهو يهتف عن قصد :-
" ربما تعلمت سماعها في أوقات أخرى أيضا …"
سألت بحاجب مرفوع :-
" وهل ما زلت متمسكا بسماعك للأغاني الأجنبيه والطربية فقط …؟!"
هتف بنبرة ماكرة :-
" كلا ، اكتشفت وجود عدد من المطربين الجدد يستحقون الإستماع أيضا …"
سألت بنعومة :-
" حقا … مثل من …؟!"
هتف مراوغا :-
" هناك مطربة صوتها جميل للغاية … وتجيد الأغاني الطربية بشدة …."
مال قليلا نحوها يسأل وعيناه تتطلعان نحو عينيها بتركيز  :-
" هل تحبين سماعها …؟!"
تراجعت إلى الخلف لا اراديا بتوتر وخجل معتدلة في جلستها تخبره ببسمة مكتومة :-
" لم لا …؟  لنسمعها …."
سرعان ما اتسعت ابتسامتها وهي تسمع صوتها ينساب بتلك الأغنية القديمة التي أهدتها لها في تلك الحفلة وعلى ما يبدو إنها تركت آثرا خاصا في قلبه ما زال موجودا حتى الآن …
شردت في الأغنية وفعل هو المثل حتى وجدها تسأل بإهتمام :-
" أنت أحببتها لدرجة إنك تحتفظ بها في سيارتك …"
هتف بإبتسامة جانبية :-
" نعم ، أسمعها بإستمرار …"
أضاف وهو يلتفت نحوها بنظرة سريعة :-
" حتى إنني إعتدت سماعها دائما وبشكل شبه يومي …"
تنهدت بقوة وما يقوله يضاعف من توترها واضطرابها ….
انكمشت على نفسها بقية الطريق ملتزمة الصمت تماما وهو احترم ذلك وترك لها المساحة التي تحتاجها من الصمت …
وصلا إلى المطعم الذي وجدته تارا راقيا بجلسة هادئة 
حميمية للغاية …
جلسا على إحدى الطاولات التي حجزها لهما مسبقا قبلما يأتي النادل بالمياه وقائمة الطعام …
اختارا ما يفضلان تناوله ورحل النادل بعدما أخذ طلباتهما ليبقيا وحديهما مجددا وجها لوجه فعاد التوتر يغزو ملامحها وقد لاحظ هو ذلك فمنحها ابتسامة هادئة قبلما يسأل بجدية وبصراحته المعتادة :-
" لماذا تبدين متوترة بشكل غير مفهوم ….؟! لم أعتد أن أراك على هذا النحو …"
سألت ببسمة ناعمة :-
" وكيف اعتدت أن تراني …؟!"
" واثقة من نفسك لدرجة تجبرني على الإعجاب الشديد  بك … "
قالها بصدق لتسحب كأس الماء خاصتها وترتشف القليل منه ..
ماذا عليها أن تخبره …؟! إنها تتوتر لأول مرة أمام أحدهم بهذا الشكل …؟!
هي اعتادت على سماع كلمات الإعجاب والإطراء دائما وحاول الكثير الاقتراب منها كما يفعل هو لكنها لأول مرة تكون على هذا النحو من التوتر والاضطراب عاجزة عن السيطرة على مشاعرها فاقدة لثباتها المعتاد حتى  ثقتها بنفسها بدأت تتزعزع لسبب غير مفهوم …
" ربما لأنك صريحا معي بشكل يجبرني على التوتر .."
قال بعدم تصديق :-
" هل تصريحي عن إعجابي بك يستدعي هذا الكم من التوتر ..؟!"
أضاف عن قصد :-
" بالتأكيد لست أول من يعبر عن إعجابه بك يا تارا ولا أعتقد إنني أول شخص يدعوك على العشاء …"
عادت تجذب كأسها ترتشف منه القليل قبلما تخبره بصدق :-
" لم يسبق لي أن خرجت في موعد خاص مع أحدهم يا خالد …"
طالعها بدهشة لتومأ برأسها وهي تضيف بخفوت :-
" بالطبع لدي الكثير من المعجبين وتلقيت الكثير من المحاولات للتقرب مني ومعرفتي وغير ذلك لكنني لم أقبل بأي منهم … "
سأل وعيناه مأخوذتان بذلك الخجل الذي طغا عليها :-
" ومالذي تغير الآن …؟!"
همست بصعوبة وهي تنخفض بعينيها نحو كفيها المتشابكين :-
" لم أستطع الرفض كعادتي …"
" هل تعرفين معنى هذا …؟!"
سألها وعيناه تتأملانها بقوة لترفع عينيها المضطربتين نحوه فيضيف بجدية :-
" معناه إنك تبادليني الإعجاب وربما ماهو أكثر منه يا تارا …"
أخذت نفسا عميقا ثم نطقت بجدية :-
" حتى لو كان ما تقوله صحيحا .. مشاعري هذه لا يجب أن تتطور …."
أضافت برجاء :-
" ليكن هذا العشاء آخر لقاء يجمعنا يا خالد .. من فضلك .."
تمتم بدهشة :-
" مالذي تقولينه يا تارا … ؟! نحن نتحدث عن وجود مشاعر حقيقية بيننا وأنت تطلبين مني عدم اللقاء مجددا .."
قالت بصعوبة :-
" افهمني ارجوك … أنا لا أناسبك ولا أنت لا تناسبني … هذه المشاعر ستسبب الكثير من الألام لكلينا يا خالد …"
" لا تتحدثي نيابة عني من فضلك …"
قالها بحزم وهو يضيف عن قصد :-
" لا يوجد شيء يمكنه أن يجعلني أتراجع عن هذا … ليس بعدما أدرك كلا منا شعوره بل وأعترف به أمام الآخر …."
" أنت لا تعرفني يا خالد … لا تعرفني أبدا …"
" جيد .. دعيني أعرفك جيدا إذا …."
قالها ببرود لتأخذ نفسا عميقا ثم تقول بجدية :-
" لا أريد التسبب بأي أذى لك يا خالد .. لا أريد جرحك .."
هتف باستغراب :-
" ما سبب حديثك هذا ..؟! كيف ستجرحيني أنا لا أفهم …؟!"
تنفس بقوة ثم قال :-
" مالذي يجعلك تؤذيني وتجرحيني يا تارا …؟! مالذي تريدين قوله … لا تتحدثي بالألغاز … كوني صريحة معي وتحدثي بوضوح …"
بصعوبة نطقت :-
" أنت لست أول رجل يدخل حياتي يا خالد .."
لوهلة تجمدت ملامحه وهو يسمع اعترافها فيسأل بصعوبة :-
" ماذا تقصدين بالضبط ..؟!"
تنهدت بقوة ثم قالت :-
" لقد سبق لي الزواج مسبقا يا خالد …"

**

" حارث سيخطب سوزان …"
هتفت بها حوراء بعدم تصديق لتومأ دينا برأسها وهي تضيف ببسمة واسعة :-
" مفاجأة ، أليس كذلك …؟!"
" مفاجأة سيئة …."
قالتها بملامح عابسة وهي تضيف بوجوم :-
" سوزان لا تستحقه وحارث يستحق من هي أفضل منها …"
سألت دينا بدهشة :-
" لماذا تقولين هذا …؟! سوزان ابنة  عمنا ويجب أن تفرحين لها وحارث بمثابة شقيقنا الكبير  .." 
" لأن حارث بمثابة شقيق لي فأنا لست سعيدة بهذا الاختيار .. سوزان لا تستحقه …"
تمتمت دينا بعدم تصديق :-
" لماذا لا تستحقه …؟! سوزان جميلة ولا ينقصها شيء وهي تساويه من ناحية المستوى المادي والاجتماعي بل وحتى الدراسي …"
أكملت عن قصد :-
" قولي إنك لا تحبينها ولا تريدين لها زيجة جيدة كهذه .."
هتفت حوراء ببساطة :-
" نعم أنا لا أحبها ولن أنكر ذلك …"
" أنت لا تحبين أحدا يا حوراء …"
قالتها دينا بسخرية بينما عبست حوراء قائلة :-
" كوني إنتقائية في مشاعري فهذا لا يسيء لي  … هذا طبعي … لا أحب أيا كان …"
توقعت عن حديثها وهي ترى والدتها تتقدم نحوهما ثم تسألها بجدية :-
" ماذا سأقول لخالتك بشأن طلب كريم يا حوراء ..؟! متى ستحسمين قرارك ..؟!"
هتفت دينا بعدم تصديق :-
" أنت لن تقبلي بكريم حقا يا حوراء .. هو لا يناسبك أبدا …"
هتفت والدتها بنبرة محذرة :-
" لا تتدخلي أنت يا دينا … كريم ابن خالتك … هو عريس ممتاز …"
أضافت بجدية :-
" يكفي إنه وحيد والديه ووالده يمتلك ثروة خيالية … "
أضافت تشير لحوراء عن قصد :-
" ثروة والده كاملة ستكون له لن يشاركها به أحد … فكري بهذا جيدا يا حوراء … كريم مناسب لك من كافة النواحي …ابن خالتك ومناسب لك ماديا واجتماعيا .." 
" أنا لا أصدق ما تقولينه يا ماما …. ستقبل به فقط لانه مناسب ماديا ووحيد والديه …"
قالتها دينا بعدم تصديق لتتفاجئ بحوراء تخبرها :-
" ولكن ماما معها حق … هذه ميزات لا يمكن تجاهلها .."
" سأنهض بدلا من سماعي لأحاديثكما المستفزة …"
تابعت كوثر رحيلها بعدم رضا قبلما تعود ببصرها نحو حوراء تسألها بجدية :-
" ماذا قلت …؟! هل أخبر خالتك بموافقتك ..؟!"
تنهدت حوراء ثم قالت بتردد :-
" امنحيني القليل من الوقت .."
" ماذا تنتظرين بعد …؟! ألا ترين ما يحدث حولك …؟! حتى سوزان ستتزوج … ستتزوج حارث … ماذا ينقصك أنت كي تتزوج هي قبلك ومن رجل كحارث …؟! فكري جيدا يا حوراء .. كريم عريس تتمناه أي فتاة … لا تخسريه … ستندمين حينها … صدقيني …"
طالعتها حوراء بصمت امتد للحظات وداخلها تدرك إن والدتها محقة في حديثها لتهتف أخيرا أمام إصرار والدتها :-
" ما تقولينه صحيح لذا أبلغيها بموافقتي يا ماما …" 

                   الفصل الثالث من هنا 

                  
تعليقات



<>