رواية فتاة القارب الفصل الثاني2بقلم مريم الشهاوي
"فين هيام؟!"
نظر إليها حسن بابتسامة مريبة وهو يفتح الباب ويشير لها بالدخول. دخلت هالة، وعيناها تطارده بغضب متزايد. وقفت أمامه من جديد، وقالت بنبرة لم تخلُ من التحدي: "جاوبني يا حسن،فين هيام؟!"
ضحك حسن ضحكة خبيثة وقال بصوت لا يخلو من السخرية: "هيام؟ آخ يا هالة...مكنتش متوقع إن هيام هتطلع بالروعة دي كلها جمالها مكانش خارجي بس ده كل حاجة فيها جميلة...فرسة بحق وحقيقي."
اتسعت عينا هالة في خوف وغيرة، وسألته بصوت مخنوق: "سيبتها في مكان بعيد ؟؟"
اقترب منها حسن بابتسامة باردة وقال: "بعيد جدًا...معرفش روحها حاليا بقت في السما ولا لا بس اللي متأكد منه إنها في حتة لا يمكن تقدر توصلنا بيها أبدا."
شهقت هالة وقد اجتاحتها الدهشة: "أنت تقصد ايه؟؟ماتت؟!!"
أجابها حسن بلا مبالاة: "قولتلك معرفش،رميناها في البحر."
صُدمت هالة من كلماته، فتلعثمت وهي تقول: "ر-رميناها؟!"
أطلق حسن ضحكة مقيتة ثم أشعل سيجارته، وقال بنبرة خبيثة: "أيوة رميناها أنا وصحابي ،لما اقترحتي عليا اني اتخلص منها بفضيحة تبعدها عن البيت ومتفكرش ترجع تاني خطرتلي فكرة أفضل،صحابي كانوا معجبين بيها زيي فاستغليت الفرصة وأخدت منهم فلوس مقابل ...مقابل..."
ضحكت هالة ببرود وهي تتابع: "أنت مش سهل أبدا يا حسن."
ابتسم حسن واقترب منها بنظرة شهوانية، وقال: "ولا أنتِ كمان..."
أغلق حسن باب المنزل، وأصبحا الإثنان في خلوة والشيطان ثالثهم.
___________________________
بعدما انتهى الجميع من الصلاة، جلس عم جميل في ركن هادئ من المسجد، ورفع يديه إلى السماء بخشوع، متضرعًا إلى الله أن يحفظ ابنته هيام ويعيدها سالمة، وأن يحميها من كل سوء. لم يستطع أن يخفي القلق الذي ينهش قلبه، فكل لحظة تمر تزيد من مخاوفه.
خرج من المسجد بعد أن أنهى دعاءه، وتوجه مباشرة إلى بيت زهرة، والدة هيام وهالة. طرق الباب، ففتحت له بوجه متعب وعينين غارقتين في القلق.
قالت له بصوت مرتعش: "عم جميل... سمعت باختفاء هيام؟"
أومأ برأسه وأجاب بحزن: "أيوة عرفت...هي هالة مرجعتش؟"
هزت زهرة رأسها بتوتر وقالت: "لا ...خرجت ندور عليها من ساعة ومرجعتش هي كمان قلبي بيتعصر من الخوف والرعب على بنتي وأنا معرفش هي فين دلوقتي ولا ايه اللي أخرها كده !"
حاول عم جميل أن يطمئنها، وقال بنبرة واثقة: "هروح انا كمان ادور عليها وبإذن الله هنلاقي هيام متقلقيش يا ست زهرة هي بين ايدين الحفيظ."
____________________________
عند أول خيوط النهار خرجت "فاطمة"لتنغمس في روتينها المعتاد، تغسل الملابس عند حافة البحر قبل شروق الشمس وقبل زحام أهل القرية، كما اعتادت دائمًا. السماء كانت ملبدة بغيوم داكنة، وكأنها تحمل في طياتها نبوءة بشيء غير مألوف، لكن الفتاة لم تلقِ بالًا لذلك؛ فقد اعتادت أن تجد في البحر صوتًا مريبًا.
بينما كانت تغمس قطع القماش في الماء، تاركة البرودة تتسلل إلى أصابعها، شعرت باضطراب غير مألوف يعكر صفو البحر. توقفت للحظة، مترددة، قبل أن تقرر أن تستقصي مصدر ذلك الشعور الغامض. رفعت عينيها ببطء نحو الأفق الملبد، لتصدمها رؤية لم تكن في الحسبان.
هناك، على سطح الماء، بدأت تتضح معالم جسد بشري. فتاة عائمة، تحمل علامات الموت في كل ملمح، وجسدها مكشوف بالكامل، عارٍ بلا أي ستر. كان المشهد كابوسًا متجسدًا؛ لم يكن الجسد فقط عائمًا، بل كان أيضًا ينجرف ببطء نحو الشاطئ، كما لو أن البحر يسلمه لها شخصيًا، ليكشف لها عن سر غامض ومخيف !
"فاطمة"، وقد شُلّت حركتها، لم تعد قادرة على التمييز بين صوت الأمواج الخافتة وصوت نبضات قلبها المتسارعة. شعرت أن الزمن قد توقف، وأن العالم بأسره قد غرق في صمت مهيب.
سارعت فاطمة بانتشال هيام من الماء، وعيناها تلتفتان بوجلٍ خشية أن يبصرها أحد في هذا الحال. حاولت جاهدة أن تغطي جسد هيام بوشاحها، وحينما أحكمت الستر نادت بقلق: "مامااا....مامااا..تعالي بسرعة. "
جاءها صوت والدتها من الداخل، هادئًا لكنه متوجس: "يا فاطمة، الجو ساقعة أوي النهاردة خلصي اللي في ايدك وادخلي قبل ما تاخدي برد."
نادتها فاطمة مرة أخرى، بصوت يختلط بالاستغاثة: "ماما أرجوكِ تعالي دلوقتي حالا...محتاجاكِ ضروري."
وقطعها صوت إياد من الداخل قائلاً: "أنا جايلك يا فاطمة استني...هاخد عنك طبق الهدوم المبلولة عارف ان حمله بيبقى تقيل عليكِ."
لكن فاطمة صرخت بذعر وهي تضم هيام إليها محاولًة ستر جسدها بذراعيها: "لا، إياد،اوعى تقرب...نادي ماما بس."
نظَر إليها إياد من بعيد، ورأى ملامح القلق الشديد تعلو وجهها، فرفع حاجبيه وقال بفضول مشوب بالقلق: "في إيه يا فاطمة مخبية ايه؟؟مالك !"
اقترب منها بخطوات مترددة، لكن صرخة فاطمة قطعت خطواته: "لا، أرجوك، إياد، متقربش."
ازداد قلق إياد، ومع ذلك اقترب أكثر، حتى سمع كلماتها التي تخللتها رائحة الكارثة: "معايا بنت...مش كويسة زي اللي مغمى عليها وكمان هي...عر يانة. "
تراجع إياد، وقد تملكته الصدمة، والتفت ليجري نحو المنزل صائحًا: "ماما فاطمة عايزاكِ ضروري روحيلها بسرعة معاها بنت محتاجة للمساعدة."
تملك والدته الذعر وهي تقول متعجبة: "بنت في ساعة زي دي جاية منين؟؟!"
ردّ وهو يركض للخارج: "معرفش بس هي محتاجالك بسرعة."
هرولت فادية إلى الشاطئ، وما إن اقتربت حتى تجمدت أطرافها من هول المشهد. كانت فاطمة تضغط على جسد هيام محاولةً الحفاظ على دفئه، فيما نظرات الأم تلاحق ما يحدث بذهول. فجاءهم صوت إياد من بعيد، وهو يشيح بنظره بعيدًا: "هرجع بعد شوية دخلوا البنت لجوا. "
وبعدما أدبر، حاولت فادية وفاطمة رفع هيام وإدخالها المنزل، وكلتاهما في حالة من الذهول. وحينما وضعوها داخل المنزل، كانت فادية تراقب الفتاة بذهول وصوتها يخنقه القلق: "يا قلب أمها...ايه اللي حصلها بس وليه بالمنظر ده مرمية في البحر... تفتكري هي لسه عايشة؟"
ردّت فاطمة بارتباك: "معرفش يا ماما ..خلينا ننتظر إياد أما ييجي يبقى يكشف عليها."
ألبسوها ملابس دافئة، وغطّوها بأغطية سميكة، ثم وضعوها على الفراش، وفاطمة تحاول تدفئة يديها بفركها سريعًا. وبعد قليل، دقّ الباب، وكان إياد قد عاد، وعيناه تبحثان عن هيام بتوجس. قالت فاطمة، بصوت يتخلله الأسى: "كان جسمها كله متلج حاولنا ندفيها..طمّنا عليها يا إياد وشوف مالها."
اقترب إياد ببطء من سرير هيام، كانت تبدو كدمية محطمة، بشعر بني متناثر وبشرة بيضاء باهتة، وشفتين شاحبتين.جثا على ركبتيه، وتحقق من نبضها، فتمتم قائلًا: "الحمد لله عايشة."
تنفست فادية وفاطمة الصعداء، بينما استمر إياد في محاولاته لإنقاذها، ضاغطًا على صدرها بلطف محاولًا تحرير رئتيها من الماء. قال وهو يكرر المحاولة بإصرار: "يمكن بلعت مايه كتير لازم نخرج من رئتها كل المايه اللي بلعتها دي."
وبعد محاولات عديدة، اقترب إياد من وجهها بتردد... ثم أخذ يعطيها التنفس الاصطناعي، يحاول أن يبعث في رئتيها الهواء من جديد. أدارت فادية وفاطمة وجهيهما بخجل، بينما تمتمت الأم بامتعاض: "فين حياءك يابني ! "
لكن إياد أجاب بجديّة ممزوجة بالإصرار: "ماما ده واجبي اكيد مش هسيبها تموت وأقعد ساكت...شغلي اني انقذها."
وبعد محاولات عديدة، أخيرًا لفظت هيام الماء من صدرها، وشهقت شهقة الحياة، وفتحت عينيها. امتلأت وجوه الجميع بالفرح، فاقتربت فاطمة منها تربت على رأسها مطمئنة: "أنتِ بخير... متقلقيش."
نظرت هيام حولها بارتباك، ثم رفعت يدها ببطء لتغطي فمها، وشعرت بالغثيان. سارعت فاطمة بإحضار سلة المهملات، وقد أدركت ما ستفعله هيام، فبدأت الأخيرة تتقيأ بضعف وسعلت بقوة، حتى جلبت فادية لها كوب ماء لتطمئن عليها، إلا أن هيام أبعدته عنها بيد مرتجفة، وراحت تحدق بالغرفة.
وحينما التقت نظرتها بإياد، اتسعت عيناها بذعر.....
