
رواية حب وفراق بقلم داليا السيد
رواية حب وفراق الفصل الواحد والثلاثون31والاخيربقلم داليا السيد
عدالة السماء
ما أن نطق زين بكلماته وهو يظهر أمام عبد الهادي والعصابة، حتى بدء رجال والدها والذين معه يشهرون أسلحتهم ولكن رجال الشرطة ظهرت من كل مكان حولهم
اقترب زين وقال "لا داعي للمقاومة، قلت أن المكان كله محاصر فاخفضوا أسلحتكم"
بالطبع كانت الصدمة من جانب حسين وعبد الهادي كبيرة وهم يحدقون بزين وهو يتقدمن منهم حتى وقف أمامهم وقال "ماذا؟ هل الصدمة كانت شديدة هكذا؟ هل من الصعب تصديق عودتي من الموت مرة أخري؟ هل نسيتم أني رجل الموت؟ كان عليك يا عبد الهادي بيه أن تعلم أن موتي ليس بالسهل لأني لن أموت إلا بعد أن أنظف البلد من أمثالكم"
ثم نظر إلى حسين وقال بقوة ممتزجة بالاشمئزاز "سيادة اللواء، صدمتي بك كانت كبيرة، ولكن على العموم كل شيء أصبح متوقع في هذا الزمن وأنت يا عبد الهادي.. بيه... كنت تعايرني بأمي الخياطة وأبي العامل الآن لا أظن أنك ستجرؤ على ذلك فهم إذا كانوا فقراء إلا أنهم شرفاء وبالطبع أفضل من قاتل ومهرب آثار وأسلحة، رجل يفعل أي شيء من أجل المال؛ يقتل، يخون بلده، يبيعها لمن يدفع أكثر ويدمر حتى حياة أقرب الناس إليه بدون رحمة، ولكن لقد انتهى كل شيء الآن ولم يعد أمامكم إلا الاستسلام"
ابتسم عبد الهادي وقال "حتى ولو لم تمت، حتى وإن أصبحت ذلك الضابط الذي يهابه الجميع ستظل بالنسبة لي ابنهم وأنا عبد الهادي بيه، ولا يهم تاجر ماذا فأنا سأظل عبد الهادي بيه، لا تظن نفسك ذكي بكل ذلك لأنك لن تستطيع تحقيق أي شيء، بنفوذي سأخرج منها"
ابتسم زين وقال "لم يعد لك أي نفوذ يا باشا، لقد نسيت أن أخبرك أن كل خططكم مسجلة صوت وصورة وبشكل قانوني ليس به أي ثغرة، هيا أخبره سيادة اللواء كيف ندبر أمورنا، آه نسيت أن أخبركم أن الأوامر صادرة من أعلى الجهات ولن تقبل للتفاوض، إنها أمن دولة يا باشا..."
نظر عبد الهادي إليه بغضب وقال "اللعنة عليك، لا تظن أن فزت فما زلت املك ملك ولن تستطيع أن تفعل أي شيء معي وإلا لن تصل إليها وستفقد حبها وقلبها لأنك دمرت والدها"
ضغط أصابع زين على سلاحه من دناءة الرجل الذي يضع ابنته بمواجهة المدفع بلا اهتمام وقد أدرك لعبته وشعر بمرارة عندما تذكرها وهي تترجاه ألا يواجه والدها ولكنه لم يستطع، الواجب أكبر من حبه..
ابتسم وقال "لا تقلق يا باشا، ما بيني وبينها أكبر من كل ذلك وهي ستتفهم أنني كنت على حق في كل ما فعلته وأفعله ولن أحيد عن الواجب وبالنهاية مهما كانت العقبات فقلوبنا لابد وأن تلتقي دائما، ما يحزنني وسيمزق قلبها حقا هو ما تفعله أنت بها وأنت والدها"
سالت الدموع من عيونها وهي تسمع كل كلماته وكلمات والدها وتألم قلبها.. أرادت أن توقف تلك المواجهة منذ أن عرفت الحقيقة ولكنها لم تعرف ماذا تفعل..
من داخلها تتمنى أن تجري عليه وتلقي نفسها بين أحضانه لتعبر له عن اشتياقها الشديد إليه لكنها لم تستطع..
كانت تتمنى أن تكون بكابوس مزعج وتستيقظ منه ولا ترى أن والدها ذلك المجرم الذي يواجه الشرطة بجرأة ووقاحة، ولكنها تعلم أنها ليست بحلم وإنما هو واقع مؤلم تحياه وقد قارب على النتهاء
الآن تكتب النهاية التي تخشاها، فكلاهما أقرب الناس لقلبها وتتمنى أن تبقى معهم إلى آخر العمر، تريد أن تصرخ بهما أن يتوقفا أو أن تذهب وتقف بينهم لتجد حلا يهد كل ذلك
ولكنها كانت جامدة.. وكأنها أصيبت بالشلل فجأة
قدماها لا تطاوعها وجسدها ثقيل وبرودة غريبة سرت بشرايينها جمدتها ومنعتها من الحركة..
ربما كانت تعلم أن حبيب قلبها ما زال حي يرزق ولكن أن تراه هنا والآن أمام والدها فهذا يؤلمها ويشل تفكيرها وحركتها، كم كانت تخشى من تلك المواجهة
أفاقت على صوت الرصاص حيث لم يكثر عبد الهادي من الجدال ولم يستسلم وأطلق النار على زين في سرعة لم يتوقعها أحد وهو يصرخ "موت.. فقط موت وخلصنا منك.. أنا سأقتلك بنفسي هذه المرة لأنك لابد أن تموت"
وظل يطلق الرصاص تجاه زين وهو يسرع إلى التلال المحيطة بهم بينما تفادى زين الطلقات بمهارة وتدحرج على الأرض وهو يطلق النار عليهم
بالطبع انطلقت الرصاصات منز كل مكان واشتبك الجميع وتعالت الطلقات ولم تعد هي ترى من ضد من ولكنها رأت والدها يسرع بالهرب إلى داخل الصحراء وزين يتبع بإصرار وهو يصيب العديد من الرجال المجرمين بطريقه
تخلت أخيرا عن مكانها وأجبرت قدماها علي الحركة وأسرعت خلفهم
ووصل زين إلى عبد الهادي الذي تقلصت النسافة بينهم جدا وألقى زين بنفسه عليه واشتبك معه في معركة أودع فيها زين كل غضبه من ذلك الرجل الذي كان سبب بكل أحزانه والآلامه ولم يعد يسيطر على نفسه حتى كاد يقتله من كثرة اللكمات لولا أن وصلت هي وصرخت من بعيد
"زين كفى، أرجوك"
علقت يده في الهواء عندما سمع صوتها والتفت إليها واهتز لرؤية وجهها الملطخ بالدموع الغزيرة وعيونها التي لمعت بالرجاء فشعر بحزنها وعادت كلماتها السابقة تهمس داخل أذنه "إنه دادي"
ظلت قبضته بمكانها، لم تسقط على وجه عبد الهادي ولا ترتد لجوار صاحبها بل انقبضت أصابعه بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه من الجنون الذي سيطر عليه وهو ينظر إليها بعيون غاضبه وهتف بنفس الغضب
"لقد كاد يقتلنى ويقتلك ويدمر حياتنا ملك، هو الذي فرق بيننا هو سبب كل أحزاننا وأوجاعنا، ولا يستحق الرحمة"
همست بقلب مجروح "ولكنه دادي زين، أرجوك لا تفعل بي ذلك، أرجوك، أنت زوجي وحبيبي وهو دادي"
ضعفت قبضته وهو يدرك كلماتها ويعلم كم الألم الذي تشعر هي به بل وكان يخشى من تلك اللحظة..
ولكنها لم تكن تدرك الغضب الكامن داخله، ومع ذلك كان حبها الساكن بقلبه أقوى من غضبه، لذا أخفض قبضته وترك الرجل وهو ينهض مبتعدا
نهض عبد الهادي بضعف وهو يترنح من أثر لكمات زين وقد امتلأ وجهه بالدماء، ابتعد عن زين الذي نظر إليها وهي تقف بألم ولا تعلم إلى أي ناحية تتجه
ولكن فجأة أخرج والدها سلاحا ووجهه تجاه زين وهو يقول بقوة "من الخطأ أن تسير وراء قلبك يا حضرة الضابط، أنت الآن أصبحت لي كي أُنهي هذه القصة السخيفة، لقد ضقت ذرعا منك ومن حماقاتك، ألا تموت!! أنا الذي صنعتك وأنا الذي يجب أن ينهي حياتك"
وصوب مسدسه تجاه زين وكاد يطلق النار ولكنها أسرعت بكل قوتها إلى زين ووقفت أمامه تفتح ذراعيها عن آخرهم لتحمي حبيبها وتواجه عبد الهادي وهي تصرخ
"لا، لا داد أرجوك لا تفعل، لقد تركك من أجلي فاتركه من أجلي، أرجوك داد لا تكسر قلبي أكثر من ذلك، لماذا تصر على أن تقضي على كل ما بداخلي تجاهك؟ ألا يكفي ما فعلته؟ أنا أعلم داد، أعلم من أنت وماذا تفعل، أعلم أنك الذي حاولت قتله، لماذا داد؟ لماذا حولت حياتي إلى جحيم؟"
قال بغضب لم يتغير حتى بعد كلماتها وكأن ما عرفته عنه لا يهمه "لأنه لابد أن يموت وسأقتله طالما هو على قيد الحياة، هو الذي دفعني لذلك، منذ أن دخل حياتك انتهيت أنا منها هو الذي أبعدك عني، لابد أن يموت فقط ابتعدي أنت"
ولكنها الصقت ظهرها بصدر زوجها وقالت بألم "لا، إذا شئت اقتلني أنا أولا قبل أن تقتله، إنه زوجي وحبيبي ولن أعيش لحظه بدونه، لو مات سأموت معه، من فضلك داد اتركه، أرجوك اتركه ولا تقتله من أجلي داد، أرجوك لا تفعل بي ذلك"
أمسك زين بكتفها وقال وهو يدفعها بعيدا بقوة "ملك ابتعدي، أرجوك، أنا لست بجبان لأحتمي خلف امرأة، ابتعدي ملك لن اسمح لاحد أن يصيبك بأي مكروه أو يفرقنا مرة أخرى، إنه حساب بيننا لابد وأن ننهيه، أخرجي أنتِ من بيننا أرجوك"
ولكنها لم تتحرك وزاد تمسكها بمكانها أمامه وهي تنظر لوالدها بإصرار وتقول بألم "أعلم أنك لست بجبان زين بل أنت أشجع رجل عرفته بحياتي، لكن هل تظن أني سأتحمل أن أفقدك مرة أخرى؟ لقد تعبت يا زين تعبت من الألم والحزن على فراقك ولا أقوى على تحمله مرة أخرى، إما أن نعيش سويا أو نموت معا، ؟ فقط أنا لن أتحمل أيضا أن يصيبه شيء، سامحني يا زين فهو داد"
خفف من قبضته على ذراعيها وقد أدرك أنها بين نارين، لا تقل إحداهما شدة عن الأخرى، نارين يأكلان قلبها وينهشان راحتها
بينما صرخ الأب بلا رحمة "أنتِ مجنونة، لا يمكن أن تموتي هو الذي لابد أن يخرج من حياتنا، هيا ابتعدي الآن فالأمر بيني وبينه"
سالت دموعها وقالت "لا داد، الأمر بيننا نحن الثلاثة فقلبي ملكه وقلبه ملكي، أي أنا وهو واحد ولن يمكنك التفريق بيننا حتى بالموت، أرجوك داد اتركه من أجلي"
حاول زين أن يبعدها مرة أخرى لأنه يعلم أن عبد الهادي في النهاية مجرم ولابد ألا يتركه فقال "ملك أرجوكِ ابتعدى، لا مكان لكِ هنا، حياتك بخطر"
ولكنها لم تتحرك وهي تنظر لوالدها وتقول "الخطر لم يعد يمثل لي أي شيء بعد كل ما مررت به، لم أعد أريد أي شيء سوى أن ينتهي ذلك الكابوس، حبيبي وأبى الاثنان يتقاتلان أمامي، يا الله كم هو مؤلم، لماذا داد لماذا..؟ لماذا اخترت أن تكون مجرم؟ أنا لا أصدق "
أخفض الرجل سلاحه وقال بخزي "من أجلك حبيبتي، كي أوفر لكِ تلك الحياة التي عشتيها، لم يكن يمكنني أن أتركك تعيشين حياة الفقر والعذاب، المال هو سبيل السعادة يا ابنتي"
زادت دموعها وأشاحت بيداها بيأس وقالت "وأين هي السعادة الآن؟ انظر لنا.."
وأشارت لما حولهم وأكملت "الآن أنت مجرم نهايتك أن تتركني وتدخل السجن، وسيلحق بي العار ما تبقى لي من عمر، فماذا ستفعل لي الأموال؟ من أين ستأتيني بالسعادة داد؟ من أين ستأتيني السعادة وأنت دمرت سعادتي بما فعلت وبما تفعل الآن؟ أرجوك داد لا تزيد الأمر سوء"
سمعوا صوت حسين وهو يتقدم منهم ويهتف "ألن ننهي تلك المسرحية السخيفة؟ هيا يا عبد الهادي اقتله ولا تخطئ هذه المرة ووقتها لن يشهد عليك أحد وسأقوم أنا باللازم، حتى لو قبضوا عليك سنة أو اثنان وتعود"
قال عبد الهادي وهو ينظر إلى حسين بذهول "أُسجن؟ لا أنا لن أدخل السجن وحدي لتتمتع أنت بأموالي حسين، ستكون معي، أنت شريكي في كل شيء، سأخبرهم بكل ما بيننا هل تفهم؟"
حدق به حسين بغضب وقال "ستبيعني إذن كما بعت السابقين؟ نعم هذا هو أنت، كان لابد أن أتوقع ذلك؛ من يقتل زوج ابنته وزوجته من أجل نفسه يقتل الجميع"
انتبهت ملك لكلمات حسين وصرخت قائلة "مامي؟ أنت قتلت مامي؟"
ضحك حسين وقال "لا يا حلوة، بل زوجته الثانية سلوى أمك يا زين"
انتبهت كل حواس زين وتسارعت دقات قلبه وقلبها وهو يردد "أمي؟ أمي أنا كانت زوجته؟ أنا لا أفهم ماذا تقول انطق"
صرخ عبد الهادي"أخرس يا ندل يا جبان، أخرس وإلا قتلتك"
صرخ زين وهو يحاول أن يزيح ملك بقوة من أمامه ليتقدم تجاه حسين ولكن ملك أدركت النار التي اشتعلت ولن يمكنها إخمادها الآن وزين يصرخ بقوة بحسين "انطق يا كلب وقل ما عندك قبل أن أقتلك واقطع جسدك بلا رحمة"
لم تمنحه فرصة ليبتعد عنها بل استدارت لتمسكه من ذراعيه لتقيد حركته وهتفت برجاء جديد وهي تعلم أنهم وصلوا إلى ذروة الأمور"زين أرجوك أهدئ ولا تسمع إليه"
ولكنها رأت النيران تشتعل داخل مقلتيه وصرخ دون الاهتمام بها وهو يحاول أن يبعدها عن طريقه بقوة وقد تملكه الغضب ولم يعد يسمعها "انطق وتحدث وإلا قتلتك أنا والآن"
ضحك حسين وقال "اهدأ وأنا سأخبرك بكل سرور، عبد الهادي تزوج أمك بعد موت أبوك بسنة عندما علم أنك وهي سترثون ثروة كبيرة"
تجهم وجه زين وسقط الصمت عليهم وحسين يكمل "لعب عليها دور المحب المخلص إلى أن تزوجها سرا ثم أخذ منها تنازل عن كل شيء، أموالها وأموالك وأنا بنفسي من شهد على الزواج ومن أنهى له إجراءات المجلس الحزبي، وما أن أدركت أمك حقيقته وحقيقة ما فعله بها حتى هددته بفضح أمره إن لم يرد لها أموالكم"
ضعف جسد ملك مما تسمعه عن والدها وتوهجت النيران داخل زين وحين لا يتوقف "لكن عبد الهادي بالطبع لم يكن ليفعل وإنما دبر أمر قتلها على أن يظن الجميع وأنت أولهم أن أهل والدك هم الجناة، وهكذا تخلص منها ولكن بقيت أنت، كان لابد أن يظل عبد الهادي رجل الخير الذي يشهد له الجميع ولكي لا يشك به أحد ظل يتولى أمورك كما كان يفعل"
وسكت أخيرًا فساد الصمت..
الغضب كان يتزايد بصدر زين..
عبد الهادي لا يعلم ماذا يفعل؟
حسين سعيد بانتصاره
أما الحائرة فقد تملكها الرعب من القادم والمجهول
وأخيرا صرخ الغضب من قلب زين وهو يهتف "أيها الندل الجبان سأقتلك"
ولأن ملك ما زالت تمنعه من التقدم فرفع مسدسه من جوارها وصوبه تجاه عبد الهادي وأطلق ولكن ملك دفعت يده بيدها فارتفع المسدس وانطلقت الرصاصة في الهواء وهي تصرخ
"لا يا زين، أرجوك لا"
بينما صرخ حسين "لكن أنا سأقتلك يا زين، لابد أن تموت"
ولكن عبد الهادي خاف على ابنته التي تقف بينهما فصرخ في حسين وهو يصوب مسدسه إليه ويطلق بلا وعي "لا.."
وانطلقت الرصاصة من سلاح عبد الهادي لتستقر بصدر حسين الذي ترنح من الإصابة وقد أدرك أن عبد الهادي هو الذي فعلها فوجه مسدسه رغما عن ألم صدره إلى عبد الهادي وصوبه إليه وأطلق وهو يسقط ويقول
"سنموت... سويا"
وانطلقت الرصاصة..
وتوقفت ملك عن صد زين بعد الرصاصة الثانية
وتراجع زين هو الآخر..
وتحجرت الدموع في عيونها وهي تحاول، بل ترفض أن تصدق ظنونها.. وابتعدت عن زين بخطا بطيئة وهي ترفع ذراعيها عن صدره وهو يسقط نظراته عليه بقلق حل محل الغضب
رأى عيونها تمتلىء بالفزع وقلبها لا يريد أن يصدق
حتى استدارت ببطء
قلبها يدق من الخوف وارتطفت رموشها على عيونها حتى ارتفعت تماما لترى والدها ممددًا على الأرض ورأت تلك الدماء تنساب بجواره
هل هي دمائه حقا؟
تسمرت بالأرض ولم تعد تشعر بأي شيء سوى أن قدمها لم تعد تحملها فترنحت حتى كادت تسقط كما لو كانت تتهاوى بسرعة من القمة إلى القاع ولكن..
يد زين أمسكتها بقوة وهمس "ملك.."
ولكنها لم ترد ولم تسمع..
حاولت أن تستعيد قوتها حتى تحركت ولم تشعر بيداه التي تؤازرها وهي بطريقها لوالدها حتى وصلت إليه
وسقطت بجواره.. انهار جسدها وعلقت روحها بلا هدى
وفتح الرجل عيونه بصعوبة ولف وجهه لها.. خرج صوته ضعيف.. كلماته متقطعة "ملك، حبيبتي.. سامحيني يا ملك..سامحيني.. يا ابنتي"
ولم تقو على النطق
لم يمكنها منحه أي كلمات، فقط دموع تنسال بلا توقف حتى ثبتت نظرات الرجل بالسماء وتهاوت يداه إلى الأرض بجواره..
وقتها فهمت.. أدركت.. تألمت بشدة
لقد رحل..
بلا وعي هتفت من بين السيول المتساقطة من عيونها "داد.. لا.. لا تذهب داد، لا تتركني، لماذا، لماذا داد لماذا؟ آه.. داد"
وسقطت على صدره.. تحاول أن توقظه.. تناديه فقد يفيق ويعود وستقبل بوجوده حتى ولو بالسجن، لكنه لم يرد.. لم ينظر لها.. هو رحل وانتهت المسرحية أخيرًا وسقط الشر وانتصر الخهير وتمزق قلبها الواهن من كثرة ما عاناه
جذبتها أيدي قوية.. رفعتها أيدي زوجها من فوق الجسد الهامد وأحاطها بذراعيه من الخلف فصرخت بقوة وألم من وسط دموعها "لا دادي، لا تموت، أرجوك لا تفعل"
ولكن.. الموت ليس بيد أحد سوى الله
أحتضنها زين بقوة وهو لا يدرك هل يتألم من أجلها أم من أجل ما كان، أم من الواقع الذي يعيشه الآن؟
كانت تنهار بين أحضانه، تبكى بين ذراعيه بقوة أوجعته دون أن يستطع فعل أي شيء لها.
لقد تحققت العدالة.. عدالة السماء وسقط الشر بقبره واندفن جاذبا معه كل الأحزان والآلام بلا عودة
****
وقفت أمام تلك الآثار التي لاحت أمامها من نافذة الغرفة وتاهت فيها أو ربما في ذكرياتها مع حبيب عمرها وربما ذكريات حزينة لموت والدها أمامها بعد أن أصبح مجرم يستحق العقاب وقد ناله
عادت فجأة إلى الواقع عندما شعرت بذراعين تندس حول خصرها وأنفاس دافئة تنطلق إلى عنقها في قبلة رقيقة وصوت حنون تعشقه يهمس
"لماذا استيقظتِ مبكرا حبيبتي؟"
أراحت رأسها على صدره طالبة للأمان وربما السكينة لقلبها بعد ما مرت به من مراسم العزاء والدفن وهي التي طلبت منه أن تعود هنا مرة أخرى
قد يكون هنا هو المكان الذي مات فيه والدها ولكنه أيضا موطن حبها لحبيب عمرها
تنهدت بين ذراعيه وقالت "لا شيء حبيبي، لا شيء"
أدارها إليه وأزاح خصلة من شعرها الذهبي واستمتع بعينيها الجميلة وقال "كيف يمكنك إخفاء أي شيء عني ألست زوجك؟ أم قد تكونتي نادمة.."
وضعت أصبعها على فمه ثم تركت فمه واستقرت رأسها على صدره وهمست "لم أعرف الندم معك بأي يوم زين، أنت لست فقط زوجي، أنت كل من لي زوجي وحبيبي و.."
وارتفعت مرارة الذكرى لفمها فلم تستطيع أن تكمل
جذبها لأحضانه أكثر وهو يدرك أن أحزانها لم تنتهي بعد، مرر يده على شعرها بحنان وقال "حبيبتي، أعلم أن الأمر كان صعب عليك، ولكن هو قضاء الله وعدالة السماء ولابد أن نقبل به"
ابتعدت ولم تنظر له بل قالت "ونعم بالله، ولكن، زين أنا أقصد، ألم تكرهني لأن داد حاول قتلك وقتل أمك أو لأنه مجرم؟ زين أنا.."
أمسك يدها ووضع قبلة على راحتها ورفع ذقنها بيده فنظرت إليه فقال "هل يمكن للإنسان أن يكره نفسه؟ ملك أنت لا تعرفين مقدار حبي لك، أنتِ حياتي، روحي، حب عمري كله، أنتِ نفسي التي لا يمكن أن أحيا بدونها"
ظلت تتجول داخل عيونه التاي تعشقها وهو يكمل "أنت لا دخل لكِ بوالدك، هو المجرم وليس أنتِ وقد نال عقابه على ما فعل، أنا الآن لا أفكر إلا بأنكِ معي، زوجتي التي تمنيتها عمري كله، الحلم الذي عشت سنوات أحلم به وقد أصبح حقيقة نعم حبيبتى حقيقة"
أحاط وجهها بيداه وأكمل "أنتِ واقع، حبنا حقيقي، أنتِ لي وأنا لكِ، آخذك بين أحضاني وأشبع شوقي إليك دون خوف من أي شيء، لقد أصبحنا الآن أحرار في أن نعيش حياتنا كما نشاء"
كان على حق ولكن ما زال لديها بعض الشكوك فسألته "ووالدتك؟ وقتل أبي لها؟ ألم تتمنى أن تقتله أنت و.."
أغمض عيونه من الذكرى المؤلمة وقال بصدق "لا أنكر أن الغضب الذي كان بداخلي تجاه الأمر لا يمكن أن تعبر عنه أي كلمات، ما فعلته أمي لم يكن بالأمر السهل عليّ، وظني بأهل أبي وابتعادي عنهم، عمتي التي خدعتني، كل من ظننتهم معي فجأة أدركت أنهم كانوا ضدي"
تنفس بقوة، غير راغب باستعادة تلك الحقائق "ربما تمنيت أن أقتل والدك انتقاما لأمي التي حرمت منها، ولكني حمدت الله أني لم أفعل، لأني لو فعلت لظللت طوال عمري بعيدا عنك، لأني وقتها لم أكن سأجرؤ على أن أقف أمامك وانظر بعيونك الجميلة هذه وأخبرك بمقدار حبي لك"
شعرت بالراحة تدفع أحزانها بعيدا لتفسح المجال لحبه الذي انتظرته ونالته فاندفعت لأحضانه مرة أخرى وقالت وهي تحاول إبعاد تلك الذكريات بعيدا
"كنت أعلم أنك لم تمت وأنك ستعود إليّ"
وضع قبلة على جبينها وأدرك أنها تحاول إنهاء الذكريات المؤلمة فقال "كنت أموت بكل لحظة وأنا أراكِ تتألمين وحدك بسببي، لكن لم يكن بيدي، لقد كانت الأوامر"
لم تترك أحضانه وقالت محاولة أن تقتل أحزانها بوجودها معه أخيرا "كنت تأتي لتراني أليس كذلك؟"
مرر يده في شعرها وقال "نعم، كنت أتمنى أن آخذك بين أحضاني، أربت عليكّ، أمسح دموعك، ولكن لم أكن أستطع، فقط أراكِ وأطمئن عليكِ وأذهب"
رفعت وجهها إليه وقالت "هل تخبرني كيف عرفتني يوم الفرح؟ لقد ظننت أنك لم تعرفني"
شعرت بشفاه تتحرك على وجنتها وهمس "ما زلت تذكرين؟ هل ستصدقينني لو أخبرتك أن قلبي هو الذي دلني عليكِ، كنت متأكد من أنكِ أنتِ حبيبتي"
تعلقت به وقد زادت قبلاته لها وقالت "ليتك أخبرتني بحبك منذ أول يوم، ليتني رأيتك وقتها، ليت حبنا ولد بيننا سويا، أنا نادمة يا زين على ما ضاع من عمري بدونك، حبني زين، حبني قد استطاعتك، فأنا بحاجة لحبك كي أنسى كل ما مر بي من أحزان والآلام، حبني وأنا أعدك أن أحبك بكل نفس وبكل دقة قلب وبكل لحظة أعيشها.."
ضمها أكثر لصدره وكأنه يتأكد أن ما يعيشه الآن حقيقة وليس حلم من تلك الأحلام التي طالما حلم بها، وأنها الآن معه ولن يستطيع أن يفرقهم أحد مرة أخرى
همس "أحببتك يا ملك عمري وأحبك وسأحبك لآخر العمر، لن ندع أي شيء يفرقنا مرة أخرى لن أسمح بذلك حبيبة العمر"
هكذا اختار القدر للاثنان.. اختار لهما الفراق، واختار لهما الماضي، واختار لهما الحب كما اختار الحزن والألم ثم أصدر الحكم
وفى النهاية اختار لهما المستقبل فماذا سيكون حكمكم؟
وشكرا
تمت بحمد الله