رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثالث3والرابع4بقلم سارة علي


رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثالث3والرابع4بقلم سارة علي


كان يتأملها غير مصدقا من جديد إنها هنا ليسمعها تعاتبه بنبرتها الجذابة المعتادة :-
" لماذا تنظر إلي هكذا ..؟! ولماذا لا تقل شيئا ..؟! هل وجودي أزعجك يا نديم ..؟!" 
" ألا تجدين حقا إن وجودك هنا غريبا للغاية ..؟!"
قالها أخيرا بعد صمته الطويل لتمنحه إبتسامة هادئة وهي تخبره متجاهلة سؤاله :-
" كنت أنتظرك أمام منزلك منذ الظهر .. فرحت كثيرا عندما رأيتك تغادر المنزل وقد جائتني الفرصة لرؤيتك .."
ظهرت الفرحة جلية على ملامحها وهي تتحدث بينما هو يتابعها بلا أي تعابير حتى خرج سؤاله مقتضبا :-
" لماذا ...؟! "
سألته بعدم فهم :-
" ماذا تعني بسؤالك هذا ..؟!"
وضح لها :-
" لماذا تنتظريني ولماذا ترغبين برؤيتي ..؟!"
أخذت نفسا عميقا ثم أجابت بإقدام :-
" لإنني إشتقت إليك يا نديم ولإنني كنت أنتظر خروجك طوال السنوات السابقة .."
حدق بها متمهلا بنظراته الخالية من أي شيء يدل على تأثره بحديثها ليصرح بفظاظة:-
" لم يكن عليكِ إنتظاري إذا ..." 
أكمل غير مكترثا بتلك العبرات التي تراكمت داخل مقلتيها :-
" مثلما لم يكن عليك المجيء خلفي ..."
ضغطت على فمها بقوة تمنع نفسها من البكاء لتأخذ نفسها وتهتف وهي ترفع ذقنها بكبرياء جريح  :-
" معك حق .. لم يكن علي التصرف هكذا ... " 
أشاح وجهه نحو الجانب الآخر كي لا يتأثر بمنظرها المتألم المتسبب هو به ويشعر بتأنيب الضمير ليسمعها تهمس بضعف :-
" لم أقصد إزعاجك يا نديم .. لم أرغب بهذا أبدا .. أعتذر كثيرا عن لحاقي بكِ ومقاطعتي خلوتك ..."
همت بالمغادرة لتسمعه يقول بصوته الرخيم  :-
" نانسي انتظري ..." 
إلتفتت نحوه بلهفة تتمنى سماع تبريرا لما حدث أو أي كلمة تمحي ذلك الألم الذي تلبس قلبها بسبب كلماته الفجة ..
نظر إليها قائلا بتمهل :-
" لا تنزعجي مني ... لقد تحدثت بقسوة غير مقصودة .. انا فقط ..."
صمت يحاول غربلة كلماته وهو يشعر إنه أصبح غليظ الطبع والإسلوب بعد دخوله السجن فحدثها بتروي :- 
" انا فقط مرهق قليلا ..."
" أعلم وأعذرك كثيرا ..."
أضافت وهي تقترب منه وتقف أمامه مباشرة :-
" انا لا أغضب ولا أنزعج منك مهما فعلت ... "
وعادت كلماتها ونظراتها العاشقة تدهشه من جديد ..
هي ما زالت تعشقه ولكن لماذا ...؟! 
لماذا ما زالت  تعشقه حتى بعدما رفضها وبعدما مر به ..؟!
هل يعقل إنها لم تستوعب بعد صعوبة ما حل به ..؟!
ودون وعي قال في خضمة أفكاره تلك :-
" ما زلت تحبينني يا نانسي ...!!"
تشكلت إبتسامة حزينة على شفتيها ليجدها تسأله بعد ثواني بشجن :-
" هل لديك شك في هذا هذا يا نديم ...؟! ألم تدرك بعد مدى حبي لك ..؟!" 
" كنت أظنه حبا صبيانيا يا نانسي .. حبا إنتهي بإعترافك الذي رفضته بشده وأنا أخبرك حقيقة هيامي بأخرى .. "
تبرمت بضيق وهي تسأله :-
" أمًا زلت تحبها بعد كل ما فعلته بك ..؟!"
وسؤالها جاء في وقت غير مناسب على الإطلاق حيث تجمدت ملامح وجهه كليا بينما تشكلت نظرة غريبة في عينيه جعلتها تدرك مدى فداحة خطأها فتحدثت بسرعة وتوتر:-
" أنا أعتذر يا نديم... لم أقصد ..." 
قاطعها بجمود :-
" لا تعتذري .. لا داعي لهذا ..."
ثم تحركت قدماه ينوي الإنصراف لتقبض على ذراعه تسأله بصوت متلهف :-
" إلى أين أنت ذاهب ..؟ !"
منحها نظرة قاتمة مخيفة جعلتها تتراجع قليلا بقلق  فتجده يحرر ذراعه من قبضتها بقسوة ويرحل ..

**
وقفت حياة أمام الطبيب تستمع الى حديثه بشأن وضع والدها الصحي بتركيز شديد وقلق جارف ...
سمعته يخبرها بصوته الجدي :-
" للأسف لا يوجد بوسعنا شيئا بعد الآن .. سنترك الرئتين كما هما فحالته الصحية لن تتحمل التدخل الجراحي أبدا .."
" سيعيش على المسكنات ...؟!"
سألته بعينين ترقرقت العبرات فيهما ليهز الطبيب رأسه ثم يهتف محاولا طمأنتها قليلا :-
" لكن إطمئني ... الحالة ليست متأخرة كثيرا .. سنعطيه علاجا الى جانب المسكنات ربما يساعد في تحسن الحالة ..."
مسحت وجهها بباطن كفيها ثم قالت بثبات مصطنع :-
" أشكرك يا حضرة الطبيب ... "
" لا داعي للشكر يا آنسة هذا واجبي ..."
رحل الطبيب بعدها وإتجهت حياة الى داخل الغرفة التي يقطن بها والدها ...
جلست بجانبه وهي تتأمله بملامح حزينة لتجده يرمش بعينيه ثم يفتحهما بعد لحظات لتهتف بغبطة :-
" أبي حبيبي ... إستيقظت أخيرا .. "
منحها الأب إبتسامة ضعيفة بينما قبضت هي على كفه تسأله بلهفة :-
" هل تشعر بالألم ..؟! هل تعاني من شيء ما ..؟"
هز رأسه بنفي ثم قال بصوت مرهق :-
" أنا بخير صغيرتي ... "
" خفت عليكَ كثيرا .. كنت سأموت من شدة خوفي ..."
قالتها ببحة متألمة وعبرات عادت تتراكم داخل عينيها ليهتف بها بسرعة :-
" بعيد الشر عنك يا صغيرتي ... لا تفعلي هذا يا إبنتي ... أنا أموت قهرا عندما أراكِ هكذا ... حزنك يزيد وجعي يا حياة ..."
مسحت عينيها بأناملها وقالت تصطنع إبتسامة خفيفة على ثغرها :-
" لن أحزن بعد الآن طالما أنت معي وبأفضل حال ..."
أكملت متسائلة :
" هل تحتاج شيئا الآن ..؟! هل تريد تناول شيئا ما أو شرب الماء ..."
أجاب بصوته الضعيف :-
" أريد بعضا من الماء .."
سارعت تحمل قنينة المياه وتعطيه منها ...
عادت بعدها تجلس أمامه تمسك كفه وتقبله بينما سألها هو :-
" كيف أتيتِ بي الى هنا ..؟!"
أجابت سؤاله :-
" ساعدني محمود جارنا يا أبي .. وفقه الله لقد ظل معي هو ووالدته حتى أخبرنا الطبيب بتحسن حالتك فطلبت منهما الذهاب رغم إصرارهما على البقاء معي ..."
" وفقهما الله يا حياة ... لا أعرف لولاهما ماذا كان سيحدث ..؟!"
" كان الله سيرسل لي أحدا يساعدني بالتأكيد ... اطمئن يا أبي ما زال هناك الكثير من الناس الطيبة والذين يساعدون الجميع ويقفون معهم في الشدائد ..."
" معكِ حق يا ابنتي ولكن .."
أخذ يسعل قليلا ثم أكمل :-
" ولكنني ما زلت أفكر بكِ وماذا سيحدث معكِ بعد رحيلي ... "
قاطعته مرتعبة من فكرة رحيله :-
" بعيد الشر عنك يا أبي ... لا تقل هذا أرجوك .. "
" يا ابنتي مهما عشت سيأتي يوم وأرحل من هذه الحياة ... أنا فقط أريد الإطمئنان عليك قبل رحيلي ... "
قالها بجدية وهو يشعر بالخوف منذ الآن على وحيدته وما سيحل بها بعد تركها خاصة إنه يشعر بقرب رحيله  .. 
" لا داعي لهذا الحديث الآن يا أبي .. أنت بخير الحمد لله ولن يحدث لك شيء بإذنه وحده ... لا تتحدث عن الموت أمامي أرجوك .."
قالت جملتها الأخيرة بتوسل ودموع متكومة داخل عينيها ليومأ برأسه وهو ينهي حديثه ويمتنع عن المزيد منه لأجلها ..

**
في صباح اليوم التالي ..
خرجت ليلى من الحمام  وهي ترتدي روب الإستحمام بعدما أخذت حماما طويلا  لتجده يجلس على الكرسي الموجود في أحد أركان غرفة النوم ينظر إليها بتمهل بطيء ..
سألته بنبرة جافة وملامح نافرة :-
" متى عدت ...؟!"
رد ببرود :-
" منذ مدة ... انتظرتك لتخرجي ونتحدث ..."
رمته بنظرات لا مبالية وهي تتجه نحو طاولة التزيين حيث حملت مشطها وبدأت تسرح شعرها الطويل لينهض من مكانه ويتقدم نحوها... وقف خلفها يتأمل ملامحها التي تتجاهله كعادتها فيرسم إبتسامة ملتوية وهو يردد :-
" هل تعلمين ..؟! أنتِ من النساء القليلات اللاتي يمتلكن وجها جميلا للغاية حتى بعد غسله تماما بالمياه ..."
لم ترد على كلماته ولم يظهر أي إهتمام على وجهها فقبض على ذراعيها يديرها نحوه بقسوة فترتسم الحدة على ملامحها كليا ...
إقترب بوجهه من وجهها بشدة حتى كاد أنفه يلامس أنفها بينما يداه تضغطان على ذراعيها بقوة تمنعها من التحرر من وضعيتهما تلك ..
سارت عيناه على ملامح وجهها ببطأ قبل أن يعاود النظر إليها بثبات قائلا بخفة :-
" أنتِ جميلة للغاية يا ليلى ... لكنكِ مع الأسف تمتلكين غباءا يماثل ما تمتلكينه من جمال وربما يغلبه ..."
أكمل غير مهتما بنظرات الإشمئزاز التي سيطرت عليها :-
" المرأة التي ترهن حياتها لرجل غبية ومجنونة أيضا .. نحن الرجال لا نستحق عشقا أفلاطونيا كعشقكِ يا ليلى .. "
" أنت لا تستحق لكن نديم يستحق ... "
قالتها بقوة وتصميم ليضحك عاليا بعدما حرر ذراعيها من تحكمه وإبتعد عنها ..
توقف عن ضحكاته وهي تطالعه بدهشة من طريقته الغريبة في الضحك لتسمعه يقول هازئا :-
" أعتذر ولكن كلامك هذا مضحكا للغاية ... ربما لم تستوعبي حديثي بعد... لا يوجد رجل يستحق هذا يا عزيزتي وحتى السيد نديم لا يستحق  ..."
أردف وهو يقترب منها يسألها بتهكم :-
" هل تظنين إن نديم لو كان مكانك كان سيضحي بنفسه وحياته ومستقبله لأجلك كما فعلتِ أنتِ لأجله ..؟! "
أردف وهو يتمعن النظر في ملامحها :-
" أو دعيني أغير السؤال قليلا ... هل تظنين إن نديم خاصتك سيعيش على أطلال حبك الى الأبد ..؟! بالطبع لا .. سيأتي يوم ويجد غيرك ... سيجد إمرأة تغنيه عن حبك ... "
إنتفضت من مكانها تردد بصوت منفعل :-
" لا .. لن يحدث هذا مطلقا .."
أردفت :-
" نديم يعشقني أنا ولا توجد إمرأة بإمكانها أن تغنيه عني .. "
" هل أنتِ متأكدة ..؟!"
سألها وهو يبتسم بإستهزاء لتشمخ برأسها وهي تجيب بثقة مطلقة :
" نديم لن يحب سواي مهما حدث ... لا شك لدي بهذا مطلقا ..."
" هل تعيشين على أمل أن تكوني معه يوما ما  ..؟!"
سألها فجأة لتكسو المرارة ملامحها  وهي تجيب :-
" إنه أملي الوحيد في الحياة أساسا .. هذا الشيء الوحيد الذي يجعلني حية ... "
" وماذا إن لم يتحقق ..؟!"
عاد يسألها بإهتمام غريب لتجيب بعينين شاردتين لكن مصممتين :-
" سأنهي حياتي حينها .."

**
يسير بخطوات رتيبة نحو المجهول .. لا توجد لديه وجهة محددة يذهب إليها ... كل ما يعرفه إنه يسير بإستمرار فقط لا غير ..
عقله مشوش ومشاعره هائجة .. يرغب بالكثير داخله وأكثر ما يتمناه الإختفاء او الهرب بعيدا عن كل ما يحيطه ويعذبه بلا رحمة ..
في اول يوم له خارج القضبان أدرك إن ما خشيَ منه طويلا تحقق ... هاهو ومنذ لحظة دخوله منزله يشعر بالضياع ، الضعف والخذلان ..
لم تخذله حبيبة عمره فقط بل خذلته الحياة بأكملها وسرقت منه كل أمل فيها ...
توقف في منتصف الشارع المظلم ينظر حوله بأنفاس متشنجة ومشاعر سوداوية ...
ماذا سيفعل الآن وكيف سيحيا بكل هذا الضياع ...؟!
هل يختار الرحيل ..؟! الإبتعاد والسفر الى أي مكان لا يوجد به شيئا من الماضي ..؟! هل سيختفي ماضيه بهروبه بعيدا حقا ..؟! هل ستنتهي أوجاعه بهذا ...؟!
سار بخطوات متكاسلة نحو احدى المصطبات  ليجلس بضعف وتخبط عليها ويرفع وجهه نحو السماء المظلمة يتأمل تلك النجوم المضيئة وهو يتمنى داخله لو يصبح مكانها محلقا بعيدا في تلك السماء ..
عاد ينظر أمامه للحظات قبل أن ينهض ويكمل سيره حتى فكر فجأة في الذهاب الى أحد البارات الليلية ..
أخرج محفظته من جيبه يتأمل بعض الأموال التي وجدها تنتظره في غرفته فيبدو إن والدته جهزت كل شيء لإستقباله وربما فعلت هذا كي لا تجعله يشعر بأي ضغينة وهو يحتاج المال فيضطر الى طلبه منها ...
نظر الى الوريقات المالية بشرود قبل أن يحسم أمره ويذهب الى هناك ..
بعد مدة هبط من سيارة الأجرة يتأمل المكان بنظرات مضطربة ...
لم يفعلها يوما ويدخل الى تلك الأماكن أبدا لكنه الآن بحاجة الى أي شيء يلهيه وينسيه وجع السنين السابقة ...
ضغط على قدميه يجبرهما على التحرك الى الداخل وهناك وجد المكان مكتظا بالرجال والنساء حيث يرقص بعضهم بإندماج غريب بينما يجلس البعض الآخر يتناولون مشروباتهم  ...
تأمل الجميع بعينين جامدتين فالكثير منهم سكارى يترنحون يمينا وشمالا ولا يعرفون ما يفعلون والنساء يتنافسن في إرتداء ما هو أكثر عريا ..
اتجه نحو البار يجلس عليه ويطلب من النادل مشروب كحوليا ...
نظر الى المشروب الذي وضعه النادل أمامه بتيه وفي داخله ما يخبره ألا يفعل .. ألا ينحدر إلى هنا .. ألا يفقد المزيد من ذاته ...
اعتصر قبضه يده بقوة وهو يمنع ذلك الشعور من السيطرة عليه فعاند شعوره وهو يقبض على الكأس ويتناول ما به دفعه واحدة ...
أعاد الكأس الى مكانه وفي داخله يعلم إنه لم يشعر بالراحة كما يظن لكن شيطانه يصر على هدم ما تبقى من كل شيء جيد فيه ..!!
أشار الى النادل يمنحه المزيد ليتناول الكأس الثاني دفعة واحدة يتبعه بالثالث ...
بعد مدة قصيرة بدأت تظهر الثمالة عليه فهذه المرة الأولى التي يتناول بها هذا النوع من المشروبات ...
هم بطلب المزيد عندما وجد إحداهن تجلس بجانبه تطلب من النادل مشروبا بدورها ..
كانت فتاة فائقة الجمال ترتدي فستانا قصيرا عاري الإكتاف وتضع مكياجا صارخا وعطرا قوية يثير أي رجل يمر جانبها ...
إلتفتت نحوه تتأمل وسامته بإعجاب لتهم بالسؤال :-
" أنت جديد هناك.. أليس كذلك ..؟!"
" كيف عرفتي ..؟!"
سألها مذهولا وقد بدأ يسيطر على وعيه من جديد فتجيب بدورها :-
" انا موجوده دائما هنا وأعرف الزوار دائمين التردد هنا من أولئك الذين يأتون لأول مرة أو يأتون قليلا ..."
أكملت ونظراتها المعجبه  تتفحصه :-
" ما أسمك ..؟!"
رد عليها :-
" اسمي نديم .."
" اسمٌغريب لكنه مميز .."
قالتها وهي ترفع حاجبها بتمهل فيلتوي فمه بإبتسامة متهكمة وهو يقول :-
" نعم مميز للغاية ... مميز مثلي ..."
" ألستَ كذلك ...؟!"
قالتها وهي تبتسم بخفة ثم تكمل :-
" بالنسبة لي أنت مميز وجذاب للغاية ..."
هز رأسه بعدم اكتراث لتجده يستعد للنهوض فتسأله وهي تمسك بكفه :-
" إلى أين ..؟!"
أجاب بجدية وهو يبعد كفه عن كفها :-
" سأذهب الى دورة المياة .. "
" سأنتظرك هنا .."
منحها نظرة فارغة ثم سار نحو دورة المياه وهو يشعر بإضطراب شديد في معدته ...
وقف أمام المرآة في الداخل ينظر الى وجهه للحظات قبل أن يفتح صنبور المياه ويبدأ في رش الماء على وجهه عدة مرات ...
بدأ يستفيق أكثر بينما ذلك الألم في معدته يزداد أكثر ...
وفجأة شعر بعدم قدرته على التحمل فبدأ يتقيأ ما يوجد في معدته ...
رفع وجهه أخيرا ينظر الى ملامح وجهه التي أضحت مضنية قبل أن يعاود غسل وجهه بالمياه عدة مرات ..
خرج بعد مدة عائدا الى البار ليجدها ما زالت تنتظره كما أخبرته ..
إتسعت إبتسامتها الفاتنة عندما وجدته يعود بينما أخذ هو ينظر إليها بصمت ...
" لماذا تنظر إلي هكذا ..؟!"
جلس أمامها وطلب من النادل أن يعطيه الماء ثم عاد ينظر إليها متأملا جمالها الشديد بإطراق ليقول بعدها :-
" ما إسمك ..؟!"
ردت بعدما إرتشفت القليل من مشروبها :-
" جالا ..."
نظر إليها ببطأ يتأمل كل إنش فيها بينما نظراتها كانت تخبره بما تريده منه وشيطانه يخبره بالموافقة على ما تريده وتجربة ما هو جديد ... 
ارتشف الكثير من الماء دفعة واحدة ليسمعها تسأل بجرأة :-
" هل لديك المال ..؟!"
ابتسم ملأ فمه ثم أجاب بسخرية لاذعة :-
" الكثير يا جالا .. لدي الكثير من المال ..."
" ماذا تنتظر إذا ..؟!"
سألته وهي تغمز له بإثارة ليردد مع نفسه بصوت مسموع :-
" بالفعل ماذا أنتظر ..؟!"
" تعال معي... هناك فندق جيد أذهب إليه دائما ..."
شعر بالتردد للحظات لكنه سرعان ما وضع تردده جانبها ونهض معها ..
وصلا الى الفندق بعد مدة حيث إستأجر إحدى الغرف ليسير معها بصمت ووجوم ...
وهناك ما إن أصبح معها في غرفة واحدة حتى أخذ يشعر برغبة قوية في الرحيل لتبدأ الحرب بين ما تربى عليه من قيم غرست داخله وإعتاد على التمسك بها وبين شيطانه الذي يغويه بلا رحمة ورغبته التي تزداد بلمساتها الجريئة الخبيرة فتشعل رغبته بها بقوة مخيفة ...
وما بين مبادئه ورغبته انتصرت الرغبة عليه فدفعها نحو السرير وإنقض عليها مانحا شيطانه إنتصارا لا ينتسى ..

الفصل الرابع 
في صباح اليوم التالي ...
عاد الى منزله منهكا يشعر بأثقال الدنيا كلها محمولة فوق جسده ...
دلف الى الداخل بعدما فتحت الخادمة له الباب ترحب به بينما هو لا ينظر إليها حتى ...
سار بخطواته نحو غرفته في الطابق العلوي تتبعه الخادمة حيث سارعت لإخبار والدته عن عودة إبنها بعد غياب ليلتين كاملتين ...
دلف الى غرفته وأغلق الباب خلفه ثم سارع في خلع سترته ورميها أرضا ...
اتجه نحو الحمام الملحق بالغرفة حيث وقف أمام المرآة من جديد يتأمل ذاته .. يرى في نفسه شخصا آخرا لا يشبه الشخص الذي كان عليه إطلاقا ...
أغمض عينيه مستندا على حافة المغسلة لتزوره ذكرى ما حدث البارحة بسرعة فيفتح عينيه بنفس السرعة وهو يشعر بشيء ما ثقيل يجثم على صدره ..
عيناه الزرقاوان احمرتا بقوة وذكرى ليلة البارحة تقتحم فكره تدريجيا منذ إستسلامه المخزي ونومه مع تلك العاهرة ..
لأي مستوى منحط هبط هو وأي مستنقع قذر أغرق نفسه فيه ..؟!
كان الذنب يقيد روحه بقسوة يفاقمه حقيقة إنه إستسلم لرغبته فيها بكامل وعيه وإرادته ..!
ماذا كان ينتظر مما فعله ..؟! الشعور بالراحة ..؟! الشعور بالسعادة ..؟!
لا يعلم لمَ فعل هذا وكيف انحدرت تصرفاته على هذا النحو لكنه يعلم إن خطيئته كبيرة وإن الأخلاقيات التي تربى عليها ذهبت سدى ..
لقد كان أضعف من أن يقاوم شيطانه ويسيطر على إنفعالاته ورغباته ...!!
فتح صنبور المياه وبدأ يغسل وجهه عدة مرات بقوة حتى أغلق الصنبور وحمل المنشفة يجففه عندما سمع صوت والدته وهي تقتحم الغرفة بلهفة ...
أعاد المنشفة إلى مكانها وخرج إليها بملامح ذابله لتقترب منه بسرعة وتسأله بلهفة وعيناها تتفحصانه بقلق :-
" هل أنتِ بخير يا نديم ...؟! أين ذهبت يا بني ..؟! كدت أن أموت من خوفي عليك .."
كان ينظر إليها بضعف شديد وملامح تملؤها الهزيمة فهتفت بسرعة وقد شعرت بمدى ما يعتمل داخله من عذاب :-
" ماذا حدث يا بني ..؟! ما بالك تبدو هكذا ..؟! أخبرني يا نديم .. بمَ تشعر يا بني وماذا يحدث معك ..؟! أنا أمك وأكثر من يفهمك ..."
" أريد الموت ..."
شهقت بعنف ثم جذبته نحو أحضانها تهتف بترجي :-
" مالذي تقوله يا نديم .. ؟! لا تقل هذا يا بني .. لا تفعل بي هذا يا نديم.. أرجوك يا بني ..."
إبتعد عنها وجلس على السرير بوهن مرددا :-
" لم يعد لدي رغبة بأي شيء يا أمي ... لقد فقدت كل شيء ... تدمرت حياتي وانتهى مستقبلي ..."
أردف بصوت ضائع :-
" كل شيء من حولي يخنقني ... لا أستطيع التعامل مع أي شيء ... ليتني بقيت في سجني .. كان سيكون أفضل من وضعي وما أشعر به الآن .."
" لماذا تشعر هكذا يا بني ...؟! أعلم إن خسارتك كبيرة ولكن عليك تجاوزها ... نحن جميعنا حولك ومعك "
" كيف سأتجاوزها وأنا أعلم جيدا إنني لن أستطيع العمل في مجال دراستي الذي أحببته كثيرا الى الأبد ..؟! وماذا عن نظرات الناس التي ستتوجه نحوي بكل تأكيد ..؟! كيف سأتجاوز نظراتهم الموجهة نحوي والمليئة بالإزدراء ... ؟! وكيف سأتجاوز حقيقة إنني سجنت بقضية مخجلة لن يتقبلها الناس ..؟!"
جلست بجانبه تربت على كفه وهي تقول محاولة التهوين عليه :-
" لست اول من يسجن ظلما يا نديم ولن تكون الأخير .... هل جميع من حدث معهم ما حدث معك سيفعلون مثلك .. ؟! سيفكرون بالإختفاء او يتمنون الموت ..؟! لا يا نديم .. انت رجل تجاوزت الثلاثين من عمرك .. رجل يستطيع الإعتماد على نفسه وتجاوز عقباته .. الحياة ما زالت طويلة وأنت عليك أن تحارب نفسك قبل أي شيء كي تتجاوز مشاعرك هذه وماضيك الذي لم يكن لك ذنبا فيه ..."
نظر إليها بعينين موجوعتين لتكمل بتعقل :-
" أعلم إن طريقك ليس سهلا على الأطلاق وإنه ينتظرك الكثير من الصعاب لكن أعلم أيضا إنك قوي وستهزم كل ما يقابلك من عقبات ... " 
وعندما لم تجد ردا هتفت بجدية :-
" إجلس قليلا مع نفسك يا نديم وفكر جديا في الطريقة التي ستهزم خلالها ضعفك هذا .. حاول أن تفكر فيما ستفعله لإحياء ذاتك من جديد يا بني .. فكر في عمل مستقل .. فكر بما ينتظرك وكيف ستنظم حياتك من جديد .. اسمع كلامي يا بني .. أعطي لنفسك فرصة كي تتجاوز كل ما مررت به .."
وبعد لحظات من الصمت هز رأسه بصمت لتبتسم والدته بحنو وهي تربت على كتفه بدعم ...
**

كان ممددا على سريره بعينين مفتوحتين تتطلعان الى السقف بشرود تام ..
عقله مليء بالأفكار التي لا تنتهي ومشاعره مبعثرة هنا وهناك ..
لا يدري ماذا يفعل وكلمات والدته تتردد داخل أذنه ..
هل ينهض بنفسه من جديد وهل يوجد أمل لذلك ..؟!
هل يستطيع الحياة من جديد في وسط مجتمعه الراقي وهل سيستطيع تجاهلهم تماما ..؟!
الأمر شاق للغاية عليه وهو الذي اعتاد أن يجذب أنظار الجميع دوما بالإهتمام والإعجاب ...
كيف يتعامل مع وضعه الجديد وكيف يتقبله ...؟!
عاد يفكر بليلى ووجودها مع عمار في نفس المكان بمشاعر ثائرة ...
وجوده في الفيلا معهم يصعب الأمر عليه ويزيد من همومه أضعافا ...
كيف يتقبل وجودها مع أخيه أمام عينيه ..؟!
هذا الأمر بالذات لا يستطيع التعامل معه ...
إنه لمن المستحيل تقبله والإعتياد عليه ..!!
عند هذه النقطة ومع ذلك الشعور الحارق الذي إقتحمه أخذ قراره بالرحيل ..
سيغادر الفيلا ويذهب الى مكان آخر يبقى فيه ..
لن يبقى معهم في مكان واحد مهما حدث ...
لن يتحمل قلبه ولا وضعه المتأزم شيئا كهذا ...
نهض من مكانه مقررا جمع بعضا من ملابسه وأغراضه مبدئيا كي يغادر حالا ..
هو غير مستعد لرؤيتها او رؤيتهما سويا أبدا ولن يتحمل ذلك الشعور الذي شعره عندما رأهما لأول مرة قبل يومين ..!!
أخذ يرمي بعضا من ملابسه بعشوائية في الحقيبة ...
كان يلملم ما يحتاجه بسرعة حينما سمع طرقات خفيفة على الباب ...
ترك ما بيده واتجه نحو الباب وفتحها لينصدم بها أمامه تنظر إليه بملامح يملأها الشوق .. شوق لا يخطئه أحد ..
شعر بالضعف يجتاحه لا إراديا وشوقه يعصف به يأمره بإحتضانها وتفريغ شوقه ذلك ..
سيطر على مشاعره وملامحه التي رقت قليلا بقوة بينما همست هي بصوتها الرقيق :-
" كيف حالك يا نديم ....؟!"
سألها بإقتضاب يحاول السيطرة على مشاعره الثائرة المشتاقة لها والغاضبة منها في نفس الوقت :-
" لماذا جئتِ ..؟!"
ضغطت على شفتيها للحظات وعينيها لمعتا بقوة لترد بعد لحظات بصعوبة :-
" جئت لأقول الحمد لله على سلامتك و ..."
" هل زوجك يعلم بمجيئك إلي ...؟!"
خرج سؤاله باردا رغم هدوئه المصطنع لتشعر بصفعة قوية تعيدها الى وعيها وإدراكها حقيقة إنه تغير كثيرا  وهذا ما كانت تتوقعه لكن أن يحدث وترى تغييره أمامها أمرا واقعا شيئ آخر ..
ترقرقت الدموع داخل عينيها وهي تجيب بصوت مبحوح :-
" كلا ، لا يعلم .."
ثم أكملت وهي تسيطر على دموعها تحصرها داخل عينيها بقوة :-
" لا أظن إنه توجد مشكلة في رؤية ابن خالتي والإطمئنان عليه بعد خروجه من السجن الذي بقى به لعدة أعوام .." 
كان يقسو على نفسه بشدة كي يظهر بهذا البرود والثبات ...
في داخله شعوران متناقضان .. أحدهما يتمنى أن يحتضنها ويقبلها ويطفئ شوقه نحوها ... وشعور آخر يتمنى أن يعاتبها ، يصرخ بها ويفعل أي شيء ليجعلها تشعر بكل ما عاناه بسببها ...
" أتمنى ألا ينزعج زوجك حقا من وجودك هنا فلا أظن إن هناك رجل عاقل يسمح لزوجته بزيارة خطيبها السابق حتى لو كان ابن خالتها يا مدام ليلى .." 
نظرت إليه بعينين دامعتين معاتبتين تتمنى لو بإمكانها الصياح عليه بألا يتعامل معها هكذا ... ألا يعاملها كغريبة بعدما كانت أقرب الناس إليه ...
تطلع إليها بضيق من تلك النظرات التي ترمقه بها بينما أخذت هي نفسها مقررة الرحيل فوجودها هنا كان خطأ خاصة وهي تقف أمامه لا تجد ردا مناسبا على حديثه ولا تستطيع أن تقول أي شيء يناسب هذه اللحظة ...
هتفت أخيرا بصوت خافت متردد :-
" انا جئت فقط لهذا السبب وسأرحل الآن ..."
ثم تحركت بخطوات آلية بعيدا عن المكان تتابعها عيناه بملامح فارغة حتى إختفت من أمامه ..
**
أكمل إعداد حقيبته وأغلقها بإحكام فسمع صوت طرقات على بابه من جديد يتبعها دخول غالية عليه وهي تهتف بسعادة :-
" وأخيرا عدت يا نديم ..."
إبتسم لا إراديا عندما إندفعت نحوه تضمه فيضمها بدوره ...
إبتعدت عنه بعد لحظات تهتف بسعادة :-
" كيف تتركنا ليومين وأنا لم أشبع منك ومن وجودك بعد ...؟!"
أكملت بجدية :-
" والدتي كانت ستموت من القلق عليك يا نديم .. لا تفعل هذا بها مرة أخرى أرجوك ..."
أضافت برجاء :-
" نحن لا نقوى على الحياة بدونك يا أخي ..."
إبتسم بخفة ثم قال بشعور نابع من أعماق قلبه :-
" إشتقت إليك كثيرا يا غالية ..."
" وأنا أكثر يا نديم ..."
قالها بفرحة وهي ترمي نفسها داخل أحضانه تحيط جسده بذراعيه بعفوية تامة ...
طبع قبلة على قمه رأسها بينما انتبهت وهي داخل أحضانه الى تلك الحقيبة فإبتعدت فورا متجهة نحوها تشير إليها وتسأله :-
" ما هذه الحقيبة يا نديم ..؟!"
صمت للحظات ثم أجاب بثبات :-
" سأترك الفيلا يا غالية .."
صاحت بلا وعي :-
" ماذا تقول أنت ..؟! ستترك الفيلا يا نديم .. !! ستترك منزلك وتتركنا نحن أيضا ..!!"
لم يجب عليها فأضافت بصوت متشنج :-
" لماذا تفعل هذا بنا يا نديم ..؟! لماذا تؤلمنا بهذا الشكل ...؟!"
" افهميني يا غالية أرجوك ... أنتِ بالذات يجب أن تفهميني ... أنا لا أستطيع البقاء معها في مكان واحد ... لا أستطيع تقبل هذا ... الأمر أصعب مما تتصورين بكثير ..
"
كانت تعلم إن هذا سيحدث وإن أخيها لن يتقبل أبدا وجوده مع عمار وليلى في مكان واحد لكنها حقا لا تريده أن يرحل ...
طوال السنين السابقة كانت تنتظره مع والدتها وتعدان الأيام سويا وهما تنتظران  عودته إليهما سالما ..
" ولكن نحتاجك يا نديم .."
تكلم محاولا تهوين الأمر عليها :-
" وأنا سأكون دائما معكما يا غالية ... ستجداني وقتما تحتاجاني عندكما ... انا فقط لا أستطيع ... إفهميني من فضلك ولا تضاعفي من همومي أكثر .."
شعرت غالية بالضيق من نفسها فهي لم تفكر بوضعه هو ومشاعره بينما أرادت بأنانية أن يبقى بجانبها ...
تعلم إن معه كل الحق فهو من الصعب عليه أن يتقبل كل هذا ...
كما إنها في داخلها تعلم إنه بحاجة الى الابتعاد قليلا ... الإنفراد بنفسه وتنظيم أفكاره عله يستعيد القليل من نفسه الضائعة ...
" أعتذر يا نديم ... لم أكن أقصد الضغط عليك .. انا فقط .."
قاطعها بجدية :-
" لا تعتذري يا غالية .. أتفهمك جيدا .. "
أكمل بعدما أطلق تنهيدة متعبة :-
" إعذريني أنتِ أيضا يا غالية .. إعذريني لإنني أتصرف على هذا النحو .."
إبتسمت مرددة بصدق :-
" أرجوك لا تفعل .. أنت أخي وأبي وصديقي يا نديم ... أنت أخر شخص يمكن أن أتضايق منه ..."
إبتسم رغم آلمه ليسمعها تردف :-
" لكن ماذا عن والدتي ...؟! ستحزن بالتأكيد ..."
نظرت الى تعبه الذي يظهر على ملامحه بوضوح فأكملت بسرعة :-
" سأتحدث أنا معها وأقنعها ... لا تقلق من هذه الناحية "
اومأ برأسه متفهما ثم منحها إبتسامة محبة وهو يخبرها :-
" أشكركِ يا غالية ... "
أسترسل وهو يتجه نحو حقيبته :-
" أنا سآخذ حماما سريعا ثم أذهب لتوديع والدتي وآخذ منها مفتاح شقتها ..."
" ستذهب الى شقة والدتي إذا ..."
هز رأسه وهو يقول :-
" نعم سأبقى هناك ... "
" جيد .. وأنا سأذهب لأخبر والدتي بقرارك وأقنعها بضرورة ذهابك الى هناك .."
خرجت غالية بعدها خارج الغرفة متجهة الى والدتها بينما اتجه نديم نحو الحمام ليأخذ حماما سريعا ثم يغير ملابسه ويودع بعدها والدته ويرحل ...
**

فتح عينيه سامعا صوتها وهي توقظه برفق :-
" إستيقظ يا عمار .. ستتأخر على موعدك ..."
إعتدل في جلسته بسرعة بعدما إستعاد وعيه كاملا ليجدها تقف أمامه بقميص نومها القصير تهتف به :-
" الحمام جاهز وينتظرك ... "
نهض من فوق سريره فيظهر جذعه العالي عاريا وبنطاله البيتي ...
سار بخطوات متكاسلة نحو الحمام بينما أخذت هي تعدل  الفراش ...
وقفت بعدها آمام المرآة تتأمل قميص نومها المثير والأنيق في نفس الوقت وملامح وجهها الجميلة والتي زاد من جمالها تزيينها بمستحضرات التجميل بعناية ...
إلتقطت روبها القصير فوق قميص نومها وأغلقته بخفة ثم خرجت من الغرفة كي تعد له إفطاره المكون من قهوته الخالية من التحلية وقطعتين من التوست السادة ...
خرج بعد مدة وهو يعدل من هندامه لتخبره وهي تبتسم له :-
" قهوتك جاهزة .."
سار نحوها حيث جلس أمامها حاملا قهوته المرة يرتشف القليل منها ثم يقضم من قطعة التوست بعدها ....
" هل ستعود مساءا هنا ..؟!"
سألته بإهتمام ليرد عليها بإقتضاب :-
" لا أعلم .. "
تبرمت وهي تهتف به :-
" أصبحتِ لا تأتي هنا إلا قليلا ... هل ستأخذك زوجتك مني ...؟!"
التوى فمه بتهكم مرددا ببرود :-
" تتحدثين وكأني أطيق البقاء معها ثانية واحدة ..."
" لماذا تزوجتها إذا طالما إنك لا تطيقها الى هذا الحد ..؟!"
سألته وهي تنظر إليه بينما إرتشف هو المزيد من قهوته ورد بعدها :-
" ألم أخبرك مسبقا يا بوسي .. ؟!زواجي لغرض محدد لا غير ... "
أكمل وهو ينظر الى كوب قهوته بشرود :-
" ليلى كانت هدفي منذ زمن ... منذ أن أدركت حقيقة مشاعره نحوها ... كانت هي الفريسة التي بإصطيادها سأحقق الجزء الكبير والأهم مما أتمناه ..."
" هل تخبرني إنك كنت تخطط لهذا منذ أعوام ..؟!"
سألته بتعجب وإهتمام شديد فهذه المرة الأولى التي تحصل منها على معلومات بشأن زيجته وأسبابها رغم إنها تعلم بالسبب الأساسي لهذه الزيجة وهو الإنتقام من أخيه لكنها لا تعلم بالتفاصيل مما جعلها تشك أحيانا بحبه لزوجته وإنكاره لذلك ليس سوى رغبة في الحفاظ على كبرياءه إلا إن ما تسمعه الآن وتراه من جدية على ملامح وجهه يؤكد صدق ما يقوله ...
" منذ أعوام طويلة يا بوسي ... منذ أن كبرت قليلا وإستوعبت كل شيء "
عاد ينظر إليها وهو يهتف ساخرا :-
" هل لديك سؤال آخر يا بوسي ..؟!"
هزت رأسها وهي تسأله :-
" ألا تنوي تطليقها ..؟! "
قست ملامحه وهو يجيب بهدوء مخيف :-
" مستحيل .. ليلى لن تتحرر مني إلا في حالة واحدة وهي موتها ..."
شعرت بالرهبة للحظة من تلك القسوة التي كست ملامحه التي أصبحت جامدة كالرخام وعينيه اللتين أصبحتي قاتمتين سوداوين متخليتين عن لونيها الأخضر الجذاب ...
سيطرت على شعورها هذا وهي تهم بسؤاله ليقاطعها ببرود :-
" يكفي الى هنا .. لا مزاج لدي بسماع المزيد ..."
ثم حمل هاتفه من فوق الطاولة وخرج من الشقة تاركا إياه تتابعه بملامح منزعجة ...
"
**

خرجت نانسي من غرفتها وهي تعدل من هندامها الأنيق قبل أن تهبط درجات السلم متجهة خارج منزلها ..
" إلى أين ..؟!"
صدح صوت شقيقتها متسائلا فإستدارت نحوها تجيب بإيجاز :-
" سأخرج مع أصدقائي ..."
تقدمت شقيقتها نحوها تهتف بنبرة جدية  :-
" أنت تخرجين يوميا منذ الصباح الباكر ولا تعودين حتى المساء ...!!"
 أضافت تسألها بإرتياب :-
" أين تقضين كل هذا الوقت يا نانسي ..؟!"
إحتدت ملامح نانسي وهي تصيح بها :-
" ماذا تقصدين يا هايدي ..؟! انتبهي على حديثك من فضلك ... أخبرتك إنني أذهب مع صديقاتي .. لماذا لا تفهمين ...؟!"
ردت هايدي بغضب :-
" وأنتِ لا ترفعي صوتك علي .. أنا خائفة عليكِ .. لماذا لا تفهميني أنتِ أيضا ...؟!"
جاءت والدتهما على صوت صياح إبنتيها تسألهما بقلق :-
" ماذا حدث ..؟! لماذا تتشاجران ..؟!"
نظرت نانسي الى والدتها تخبرها بعصبية :-
" ابنتك تحقق معي يا ماما .. إنها تتحدث معي بنبرة غريبة وكأنها تشكك بي .."
" أنا خائفة عليكِ لا أكثر ... لماذا لا تفهمين ...؟!"
أردفت تخبر والدتها :-
" إنها لا تتواجد في المنزل سوى وقت النوم ... أين تذهب كل هذه المدة ومع من ..؟!"
وقبل أن تصيح نانسي بها من جديد كانت والدتها تهتف مؤيدة أختها :-
" شقيقتك معها حق يا هايدي ... أصبحتِ لا تتواجدين في المنزل إلا نادرا ... أين تذهبين ..؟!"
أكملت وهي تقترب من ابنتها بملامحها التي تجهمت :-
" أين تذهبين يا نانسي ..؟! أخبريني وإلا منعتك من الخروج .."
صدح صوت نانسي حادا عاليا :-
" تمنعيني ..؟! هل تمزحين يا ماما ..؟! هل أنا طفلة صغيرة حتى تمنعيني من الخروج ..؟!" 
" كلا لستِ صغيرة ولكنكِ تتصرفين كذلك ... من حقي أن أعرف أماكن خروجك .."
قاطعتها نانسي بتأفف :-
" أخبرتكِ إنني أخرج مع أصدقائي ...لماذا لا تصدقاني ..؟!"
سألتها والدتها بنبرة ذات مغزى  :-
" حقا ..؟! ألا يوجد شيء آخر تخرجين لأجله ..؟!" 
أكملت وهي تلاحظ توتر ملامح ابنتها :-
" بالتأكيد علمتِ بأمر خروجه ...!! "
" عمن تتحدثين ...؟!"
سألتها نانسي بإرتباك بينما تكلمت هايدي بعدم تصديق :-
" من تقصدين يا ماما ..؟! نديم الخولي ، أليس كذلك ...؟!"
أردفت وهي تنظر إلى شقيقتها:-
" ألم ننتهِ من نديم هذا ... ؟! ألم تنسيه بعد ..؟!"
صرخت نانسي وقد فقدت سيطرتها على أعصابها :- 
" كلا لم أنسه ولن أفعل .. أنا أحبه.. لماذا لا تفهمان ..؟!"
جذبتها والدتها من ذراعها تخبرها بشدة :-
" إياكِ أن تنطقيها مرة أخرى .. هل فهمت ..؟! ألم أخبرك مسبقا و أحذرك من العودة الى هذا الموضوع ..؟! "
حررت ذراعها من قبضة والدتها تصيح بنزق :-
" نعم حذرتني ولم أفعل .. ماذا ستفعلين ..؟! كيف ستجبريني على التخلي عنه .."
" انا لا أفهم حقا .. مالذي يعجبك بخريج السجون هذا ...؟!"
نظرت نانسي إليها وقالت بنبرة مستفزة متعددة :-
" يعجبني كله ... هل إرتحتِ ..؟!"
" لقد فقدت ابنتك عقلها تماما يا ماما ..."
قالتها هايدي بعصبية بينما ردت نانسي بلا مبالاة :-
" أنا حرة في حياتي وحرة فيمن أحب وأريد ... هل فهمتما ...؟!"
اندفعت خارج المنزل بعدم إهتمام تاركة الإثنتين تنظران الى بعضهما بقلق لتنفجر هايدي:-
" ابنتك ستفضحنا ...إنها تلتصق كالعلكة به وهو بالتأكيد لن يرفضها هذه المرة كما فعل مسبقا ... كيف يرفضها من الأساس وهي أصبحت الوحيدة من ترضى به بعدما حدث معه ..؟!"
أكملت وهي تلوي فمها بتهكم :-
" بالطبع سيقبل .. من سترضى بخريج سجون مثله ...؟! لن يجد فرصة كهذه أبدا ..."
رمقتها والدتها بنظرات مستاءة ثم تحركت بإنزعاج بعيدا عنها وعقلها مشوش بإبنتها وجنونها بذلك الرجل ...

**
خرج من الفيلا بعدما ودع والدته وشقيقته يجر حقيبته خلفه يلقي نظرة أخيرة على منزله قبل أن يتفاجئ بها تخرج من الفيلا خلفه ..
تأملها وهي تسير نحوه ثم تقف أمامه تسأله بضعف :-
" ستترك الفيلا حقا ..؟!"
نظر الى الحقيبة للحظة  ثم عاد ينظر إليها وهو يهتف ساخرا :-
" ماذا ترين ...؟!"
" لماذا يا نديم ..؟! لماذا تترك منزلك ..؟!"
سألته بصوت شجن ليأخذ نفسا عميقا ثم يزفره ببطأ ويقول بعدها :-
" مغادرتي الفيلا يجب أن تحصل لا محالة ... وجودي هنا معكما في مكان واحد أمر غير مقبول بالنسبة لي ..."
قاطعته بجدية :-
" أنا لم أكن أرغب في السكن هنا لكن عمار من أصر ..."
إلتوى فمه بإبتسامة جانبية وهو يردد :
" أعلم ذلك .. تصرف متوقع منه ..."
" إذا كانت المشكلة تكمن بي فأعدك إنني لن أخرج من غرفتي أبدا طوال اليوم .. فقط ابقَ هنا يا نديم ... ارجوك ..."
كانت ترجوه بصوتها الرقيق والذي ما زال يترك آثرا به رغم كل شيء ...
سألها بصوت باهت :-
" لماذا تطلبين مني البقاء يا ليلى ..؟! ما غرضك من كل هذا ..؟!"
ردت بعينين ولهتين وصوت حنون  :-
" ألم تفهم بعد يا نديم ..؟! ألم تفهم إنني لا أريد أن أكون سببا في إيذائك بأي شكل ... لا أريد أن تخرج من منزلك الذي ولدت وكبرت فيه بسببي .."
" ألم تفعلي يا ليلى ..؟! ألم تكوني سببا في إيذائي ..؟!"
خرجت نبرته حارة معاتبة تحمل الكثير من مشاعر الوجع الذي تسببت هي به دونا عن الجميع ...
ترقرقت الدموع الحارة داخل عينيها عندما مدت كفها تلتقط كفه تخبره بعينيها الباكيتين ونبرتها الصادقة :-
" لم أرغب أن أكون سببا في ذلك أبدا ... أنت تعلم يا نديم ... تعلم ما أنت بالنسبة لي .. وما أشعره نحوك ..."
قبض على كفها الممسك بكفه ضاغطا عليه بقوة هاتفا بقسوة تشبه قسوة قبضته :-
" ربما لم تستوعبِ ِ بعد مع من أنتِ تتحدثين يا مدام ليلى ... أنتِ تتحدثين مع أخ زوجك .. أخ زوجك يا مدام ... كيف تفعلين هذا وكيف تتجاوزين حدودك الى هذا الحد ..؟!"
أكمل وهو يردد بتهكم مرير :-
" كيف تخبريني عن شعورك نحوي ... ؟! هل تظنين إن الذي يقف أمامك  الآن هو نديم ...؟! خطيبك وحبيبك ..؟! أفيقي يا ليلى .. أنا لم أعد نديم الذي كنتِ تعرفينه .. وأنتِ لم تعودي ليلي حب عمري ورفيقة الدرب .. انا لم أعد خطيبك وحب عمرك ..!! أنا أخ زوجك ... فقط لا غير .."
كان يتحدث وهو يقبض على كتفيها يهزها بعنف وكلماته تقتلها بلا رحمة حتى وجدها تهبط على ركبتيها تصرخ بإنهيار :-
" يكفي .. يكفي أرجوك ... لا أستطيع التحمل بعد .. لم يعد لدي القدرة على تحمل المزيد ..."
إبتعد عنها قليلا يناظر إنهيارها بقلب منهك بينما رفعت هي وجهها نحوه أخيرا تصيح به بوجع :-
" إرحل .. إرحل يا نديم .. إرحل أرجوك ... "

**

حل المساء وهو يسير على الشاطئ يتأمل أمواجه الهادئه هذا اليوم بملامح شاردة هادئة ...
كان قد قضى اليوم بكامله نائما في الشقة بعدما وصل إليها ليستيقظ بعد العصر وهو يشعر بالجوع فخرج ليتناول شيئا من أحد المطاعم ثم قرر الذهاب الى الشاطئ والسير هناك قليلا ...
توقف بعد لحظات بجانب احدى المصطبات  ينظر أمامه وعقله تراوده الكثير من الأفكار ..
لا يستطيع أن يقول إنه شعر بالراحة بعد خروجه من الفيلا لكنه على الأقل لا يشعر بنفس الضيق والإختناق ...
تنهد بصمت وهو يفكر فيما سيفعل بعد الآن وماذا سيعمل ..؟! نعم عليه أن يعمل في أقرب وقت فهو بالتأكيد لن يظل يطلب الأموال من والدته ...لم يفعلها وهو في سن أصغر وبالتأكيد لن يفعلها بعد الآن ...
فجأة صدح صوت صراخ فتاة فإلتفت نحو الخلف ليجدها تصرخ في شابين يحاولان التحرش بها ..
سارع في الذهاب نحوها مبعدا الشابين عنها واللذان هربا فورا ما إن هم بضرب أحدهما ...
هبطت الفتاة نحو الأسفل تجذب حقيبتها الملقية الى الأرض ثم رفعت جسدها نحو الأعلى ونظرت الى الشاب الذي أنقذها لتتسع عيناها بعدم تصديق ...
لقد كان هو .. بشحمه ولحمه .. من سيطر على أفكارها طوال الأيام السابقة وزارها في حلمها أيضا ..
سألها نديم غير منتبها لنظراتها الغير مصدقة وجودها أمامه :-
" هل أنتِ بخير يا آنسة ..؟!"
بينما هتفت هي بلا وعي :-
" نديم ..!!"
سيطرت الدهشة على ملامحه من معرفتها إسمه وهو لا يتذكر إنه رآها من قبل بينما أدركت هي ما تفوهت به لتعض على شفتها السفلى بقوة ..
" عفوا .. هل تعرفيني ..؟!"
سألها بإستغراب ليجدها تتحرك بسرعة وهي تردد :-
" كلا .. لا أعرفك .."
نظر إليها غير مستوعبا ما تفعله فمنذ لحظة ذكرت إسمه ويبدو إنها تعرفه جيدا وفجأة تحركت مقررة الرحيل وهي تنكر معرفته ..
وجدها تقدمت خطوات قليلة ثم توقفت في مكانها وهي توليه ظهرها ..
رفع حاجبه محاولا فهم تصرفاتها الغريبة تلك ليجدها تلتفت نحوه وهي تهتف بإستيحاء وتلعثم :-
" أنا أعتذر .. يعني أنا أعرفك ولكن ..."
صمتت تحاول صياغة حديثها بينما سألها هو بفضول :- 
" من أنتِ ومن أين تعرفيني ..؟!"
قضمت شفتها السفلى قليلا قبل أن تسيطر على توترها الذي تسبب به صدمة رؤيته أمامها بصدفة لا تحدث سوى في الافلام ..
أجابت أخيرا بهدوء وهي ترسم الثبات على ملامحها :-
" انا حياة .. حياة ابنة فاضل حارس الفيلا يا بك ..."

**
دلف الى الداخل ليجدها تجلس على السرير وهي تبدأ في كفكفة دموعها ..
نظر إليها مرددا بضيق :-
" كالعادة لا تفعلين شيئا سوى البكاء ... اقسم لكِ إنني مللت بل قرفت منك أيضا ..."
اندفعت تنهض من فوق مكانها تصرخ بإنفعال :-
" أنت قرفت إذا .. قرفت يا عمار باشا أليس كذلك ... ؟! وماذا عني أنا ..؟! هل أخبرك بشعوري نحوك ونحو حياتي معك ..؟! أنا مللت ونفرت وكرهت وقرفت وإشمئزيت منك ومن وجودي معك ..."
قبض على شعرها بقسوة يهتف بحدة مخيفة :-
" تتجاوزين حدودكِ كثيرا يا فتاة ... أصبحت بحاجة إلى التأديب ..." 
حرر شعرها وقبض على وجنتيها بأنامله يكمل وعيناه تحومان حول وجهها بتوعد :-
" هل ترغبين بتأديبك على طريقتي الخاصة ...؟! هل تودين ذلك ..؟!"
دفعته وهي تصيح متسائلة بإنهيار :-
" لماذا تفعل بي هذا ..؟! مالذي تريده مني ..؟! لماذا لا تتركني ..؟! ألم تحقق إنتقامك بعد ..؟! ألم يكفيك ما فعلته بي حتى الآن ..؟!" 
أكملت منتحبة :-
" لفقت له تهمة لم يفعلها وسجنته لأعوام .. أنهيت مستقبله ووصمته بذنب لم يرتكبه سيوصم بعاره حتى الأبد ... سرقتني منه وتزوجتني إجبارا و عذبتني معك لسنوات .. مالذي تريده بعد ...؟! أخبرني ..."
إشتعلت نظراته بحقد دفين بينما لسانه يخبرها بلهجة مخيفة :-
" أريد الكثير .. الكثير يا ليلى ..."
" طلقني .. طلقني ... لا أريد البقاء معك .."
قالتها بعدما حملت المزهرية الموضوعة على المنضدة ورمتها أرضا ليرد مستهزءا بها :-
" لن أطلقك يا ليلى .. تريدين الطلاق كي تعودين إليه ، أليس كذلك ...؟!"
نظرت إليه بعينين متوسلتين بصمت يقابلها هو بنظراته الباردة ويفكر داخله إن تلك الغبية لم ولن تفهم إنها إنتقامه الأكبر الذي لن يتخلى عنه مهما حدث .. 
عندما لم تجد سوى الجمود منه قالت ببكاء:-
" لماذا تفعل بي هذا ...؟! أنا لم أفعل بك شيئا .. لم أؤذك يوما .. ما ذنبي لتفعل بي كل هذا ...؟!"
" ذنبك هو .. هو ذنبك يا ليلى ..."
قالها بإعصاب هائجة ثم أكمل بإبتسامة شامتة :-
" ألم تتزوجي بي لأجله ...؟! ألم تضحي بنفسك لأجل حمايته ..؟! تحملي نتيجة تضحيتك يا عزيزتي ... "
مسحت دموعها بأناملها ثم تحدثت بصوتها المبحوح :-
" وماذا إن رفعت قضية طلاق ..؟! "
قاطعها بقوة :-
" سأطلقك حينها لكنني لن أتردد لحظة واحدة في قتله بعدها .. "
ذبلت عيناها وقد سمعت ما كانت تنتظره منه ... 
تهديداته التي لا تنتهي والتي تعلم جيدا إنه يستطيع  تنفيذها بسهولة فهو فقد قلبه منذ زمن ولا أمل فيه ...
أخفضت وجهها بيأس ليبتسم وهو يعلم إنها تستسلم من جديد ...
تقدم نحوها يقبض على ذقنها يرفع وجهها نحوه فتنظر إليه بملامح منهكة لتسمعه يهمس وهو يميل نحوها :-
" إشتقت إليك يا زوجتي العزيزة ..."
إبتعدت عنه وهي تنكمش على نفسها :-
" لا أريد ... إياك أن تقترب مني ..."
إنقض عليها قابضا على رسغيها بكل قوته بينما عينيه لمعتا ببريق مخيف أنبئها بما ينتظرها على يديه  ...

                       الفصل الخامس من هنا
تعليقات



<>