
رواية براعم الحب الفصل الخامس والثلاثون35 بقلم رشا عبد العزيز
أصعب ما يمر به "الإنسان" عندما يظن أنه على حق ومن حوله مخطئ، يضع لنفسه دور الضحية، يجلد غيره دون أن يحاسب نفسه، ويظلم من حوله دون أن يشعر أنه ظالم، لكن يستنكر على من ظلمهم تألمهم، يحبس نفسه داخل أفكاره دون أن يطلب الحرية.
فتح عينيه بنعاس وهب واقفا حينما سمع صوت ارتطام جسدها بالأرض، هرول نحوها كالمجنون، رفع رأسها عن الأرض وبدأ يضرب وجنتها ينادي عليها برعب:
_ "سندس" ... حبيبتي، ردي عليا.
لكنها لم تفتح عينيها ولم تجبه، وجهها الشاحب زاد من خوفه، ليركض نحو غرفة النوم ويضع حجابها على رأسها بإهمال، ثم حملها راكضا نحو سيارته يردد اسمها ويتوسلها أن تستفيق:
_ "سندس"، أرجوك افتحي عينك، مش هسامح نفسي لو جرالك حاجة.
كان في سباق مع الزمن، وكاد أن يصدم عدة سيارات، لكن استطاع أخيرا أن يصل بسلام، حملها من جديد وهرول نحو الداخل يستغيث بالأطباء كمن فقد عقله:
_ مراتي هتروح مني ... أرجوكم ساعدوني.
أدخلت ردهة الطوارئ، وظل هو ينتظرها في الخارج، خارت قواه ليجلس على الكرسي، ولأول مرة في حياته بدأ يبكي ... ضرب جبهته مرات يلوم نفسه:
_ غبي ... غبي.
انتحب كما ينتحب الصغار حتى غسلت دموعه وجهه، وتمنى لو غسلت جرحه لها وسامحته، لسانه كان يستجير ويلهج بالدعاء لها أن تعود له سالمة:
_ يارب نجيها يارب ... هي طيبة وانا حيوان أذيتها يارب .... ساعدها يارب وردهالي بالسلامة، أنا مش هقدر أعيش من غيرها.
خنقت عبراته صوته حتى اختفى بين توسلاته:
_ هموت لو جرالك حاجة يا حبيبتي.
توقف يلتقط أنفاسه ويحاور طيفها كأنها أمامه:
_ هتغير، صدقيني هتغير، مش ... مش هأذيكي بالكلام ومش هشك فيكي.
غطى وجهه بكلتا يديه وانهار بهستيريا:
_ أصلا أنت أطهر من أن حد يشك فيك ... أنا اللي حمار وضيعتك.
ظل يبكي حتى سمع الطبيبة تخرج إليه، مسح دموعه وركض نحوها يسألها بقلق:
_ طمنيني يا دكتورة، مراتي بخير؟
نظرت إليه تجيبه بعملية:
_ المدام حامل، ألف مبروك.
فرغ فاهه ينظر لها بصدمة وكرر حديثها مستفسرا:
_ حامل؟
لكن ملامحها سكنها الأسف تخبره باستياء:
_ هي حامل من شهرين، الظاهر ما كانتش واخدة بالها، جايز فاكرة أنها مجرد لخبطة هرمونات.
ثم أكملت بوجه ممتعض:
_ هي متعرضة لصدمة عصبية عشان كده الطفل وضعه ضعيف، احنا قدرنا أننا نحافظ عليه لكن هي ضعيفة ومحتاجه يتعلق لها محاليل.
طأطأ رأسه بخزي قبل أن يرفعه ليسألها بخوف:
_ يعني وضعها دلوقت مستقر؟
لتجيبه محذرة:
_ هي محتاجة ترتاح وتبعد عن أي مجهود جسدي أو ضغط نفسي.
عاد يسألها بلهفة:
_ أقدر أشوفها؟
_ هتتنقل لأوضة عادية عشان ترتاح وتقدر تشوفها، هي هفضل تحت المتابعة الأربعة وعشرين ساعة اللي جايين.
رحلت الطبيبة وتركته، استند يده على الحائط ينظر لباب الغرفة التي تقبع خلفه، ومشاعر مختلفة تعصف به ما بين الفرح والحزن والخوف، وقف عاجزا لا يعلم ماذا يفعل، لمس الباب بيده وقال يتوسل جنينه:
_ أرجوك خليك قوي أنت آخر أمل ليا ...
نقلت إلى غرفة عادية وسمح له برؤيتها، وقف أمام الباب مقيد بمخاوفه من ردة فعلها، أخذ نفسا عميقا قبل أن يزفره بقوة ويخطو إلى الداخل بخطوات مترددة، وجدها ممددة على السرير، يدها تشوهها تلك الأنابيب المثبتة بها.
اقترب منها يمسح على وجنتها بحنو يتأمل وجهها الشاحب وعيناها المغلقة، انحنى يمسك يدها يقبلها ولم يستطع مقاومة دموعه ليجهش بالبكاء مرددا:
_ سامحيني يا حبيبتي سامحيني، أرجوك فتحي عيونك وعاتبيني، قلبي هيوقف يا "سندس"، مش قادر أستحمل أشوفك كده.
استمر يقبل يدها عدة قبل قبل أن يرفع رأسه يمسح على رأسها ويقبل جبهتها ليشعر بحركة أهدابها وسمع أنينها ليخفق قلبه بابتهاج وينادي عليها:
_ "سندس"، أنت سامعاني ... حبيبتي ردي عليا.
مسح على وجنتها بجنان يسألها بخوف:
_ أنت كويسة يا حبيبتي؟
فتحت عينيها ببطء تحرك رأسها بثقل واستمر أنينها، قبل وجنتها وسألها من جديد:
_ حبيبتي أنت كويسة سامعاني يا "سندس"؟
فتحت عينيها وما إن رأته حتى أشاحت وجهها إلى الناحية الأخرى ليعتصره قلبه ويقول بارتباك:
_ حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
ظلت صامتة وامتنعت عن النظر إليه ليشعر بالأسى، هي لا تريد حتى رؤيته، ليحاول التخفيف عنها ليخبرها بسعادة كي يجبرها على الحديث معه:
_ مبروك يا روحي، أنت حامل، هتكوني أحلى أم في الدنيا.
اتسعت عينيها وهي تسمع ما يخبرها به لتنساب دموعها قهرا، هل جاء صغيرها بهذا الوقت كي يربطها به أكثر؟ لماذا الآن بعد أن قررت نزع قيوده والتحرر من قبضته القاسية؟
شعرت بأنامله تمسح دموعها لتبعد وجهها عن مرمى يده، فهم رفضها ليقبض على يده بحسرة حتى لمسته صارت تنفر منها لكن محاولاته استمرت:
_ أنا فرحان أوي يا حبيبتي، هكون أب وابننا هيشرف ويملى دنيتنا.
ختم كلماته يتلمس بطنها المسطحة لتدفع يده بقوة وتنكمش على حالها. تجمدت عينيه ولسعتها الدموع، ونفورها يمزق قلبه يخبره أنها النهاية لا محال. بلع ريقه باضطراب، مسح تلك الدمعة التي سالت هاربة من عينيه ندما، قبل أن يمسح أنفه يكبت عبرته أمامها ويكمل بحزن:
_ الدكتورة قالت لازم ترتاحي عشان هو لسه وضعه مش مستقر، أنا هكون هنا لو احتجت أي حاجة.
ابتعد يجلس على ذلك الكرسي القريب من سريرها، عيناه تتأملها بحب ويتمنى أن تسامحه وتمنحه فرصة أخرى. ليسخر من طلبه، فكم فرصة منحته وأضاعها!
ولم تكن السخرية من نصيبه فقط، هي أيضا كانت شاردة تسخر من اهتمامه وخوفه بعد أن كان سببا في انهيارها وحزنها، مدت يدها ببطء تتحسس جنينها بدهشة كيف لم تشعر بوجوده؟ كانت تظن أنها اضطرابات كما كان يحدث معها أحيانا.
غصة مرة ابتلعتها بألم، كان يجب أن تكون اليوم أسعد امرأة في العالم، لكنها عرفت بوجوده في أسوأ أيام حياتها، يوم تحطمت فيها حياتها وكسر قلبها تحت وطأة الخذلان وخيبة الأمل.
حركت يدها برفق ليخفق قلبها يخيل لها أنها تلمس صغيرها، لتدق أجراس الخوف في فكرها، ماذا سيحدث لو أخبرت والدها بطلبها الطلاق، بل الأدهى ماذا لو أخبرته ما تعانبه معه، مؤكد أنه سيصر على الطلاق؟
هاجمها سؤال، ماذا سيحل بصغيرها حتى وإن كانت الحضانة لها لكن سيعيش حياة ناقصة من بعيد والديها؟
لتستهزئ من قولها وهل "حسن" أب جيد؟ ليهمُس قلبه لكنه والده وسيحبه ويعامله بحنان مهما بلغت قسوته، تضاربت الأفكار في رأسها، لا تعلم ماذا تفعل هل تصر على طلب الانفصال أم تتريث من أجل صغيرها؟
سمعت شهقاته الخافته كأنه يقاوم دموعه لتتعجب، "حسن" يبكي! منعت نفسها من النظر باتجاهه وأشغلت نفسها في التفكير بسؤال واحد: هل تخبر والديها برغبتها في الانفصال أم تتحمل من أجل صغيرها؟
**************************
في الصباح كان الجميع يلتف حولها ينظرون لها بمشاعر امتزجت بين الفرح والقلق، أمسكت "هدى" يدها تخبرها بعين دامعة:
_ ألف مبروك يا حبيبتي ... ربنا يتمم حملك على خير يا بنتي.
ليكمل "علي" بسعادة:
_ أيوه كده الأخبار الحلوة، الغالي هيشرف وفرحنا.
وتابعت "مليكة" التي قبلت وجنتها بلطف:
_ حبيب عمته هينور دنيتنا ويخلي بيتنا ليه حس.
كانت تسمعهم وكلماتهم بدل أن تسعدها ألمتها وزادت من حالة التيه التي تعيشها، فالسعادة المرسومة على وجوههم ألجمت لسانها، كيف تخبرهم أنها تريد الابتعاد؟ كيف تخبرهم أن حفيدهم سيعيش بعيدا عنهم لو أصرت هي على الانفصال؟
اكتفت بابتسامة باهتة كرد على كلماتهم، أما هو فكان يقف بعيدا في إحدى زوايا الغرفة يلوم حاله بندم، كم كانت فرحتهم ستكون مكتملة لولا تهوره وجنونه، لقد حرم نفسه وحرمها من الفرح بهذه اللحظات.
*********'' '***************
كانت تجلس يتملكها الخجل وهي تجد نفسها وحيدة معه في منزلهم بعد أن دعتها والدته لتناول السمك والمأكولات البحرية عندما علمت منه أنها تحب السمك والأكل البحري، أصرت على أن تعد لها وجبة وتدعوها لمنزلهم.
لا تنكر أنها شعرت بالارتياح بعد استقبال والدته الحافل لها، فهي سيدة طيبة القلب ويبدو أنها سعيدة جدا بانضمامها لأسرتهم:
_ أوعي تتكسفي يا "ورد" دا خلاص بقى بيتك.
أجابتها بحياء:
_ متشكرة يا ماما بس ليه تعبتي نفسك كده؟
_ وإن ما كنتش أتعب لعروسة ابني القمر أتعب لمين؟ دا أنت ما تعرفيش سعادتي بوجودك النهاردة معانا.
قالتها والدة "مهاب" وهي تغرف لها كمية كبيرة من الطعام وتضعه أمامها:
_ تسلم إيدك يا ماما بس والله كده كتير.
لامتها والدته مازحة:
_ كلي يا "ورد" وشوفي طبخ حماتك يلا عشان أعرف رايك.
أمسكت الملعقة بخجل تستجيب لطلبها لتشرع في تناول الطعام حتى توقفت وازداد خجلها وهي تسمع تعقيبه:
_ أيوه كلي يا حبيبتي كويس أنا أحب مراتي تكون مربربة.
قبضت على الملعقة بغيظ وهي تختلس النظر نحوه فتجده يضحك مستمتعا بخجلها. بضع لقيمات تناولتها بصعوبة من شدة الحرج فتفاجأت به يزيل الشوك عن السمك ويضعه أمامها، ابتسمت وهي تراه يهتم بتلك التفاصيل الصغيرة حتى زالت ابتسامتها عندما وجدته يضع الطعام أمام فمها ليطعمها:
_ دوقي يا حبيبتي الحتة دي.
نظرت إلى والدته التي انفلتت ضحكاتها وقالت تشجعها بعد أن رأت احمرار وجهها:
_ كلي من إيده يا بنتي ما تتكسفيش.
ثم عاتبتها مؤنبة:
_ يا حبيبتي ادلعي وانبسطي بكره الولاد ينسوا إزاي يدلعك
فتحت فمها تلتقط منه تلك اللقمة بارتباك وتمضغها بتوتر، ابتسم يطالعها بعشق يزيد يوما بعد آخر:
_ ربنا يسعدكم يا حبيبي ويديم المحبة بينكم.
دعاء خرج صادق من قلب أم سعيدة لسعادة ابنها، لكن ما فعله هو زاد من إعجابها به حينما مد يده يطعم والدته كما أطعمها ويزيد عنها قبل أن ينحني يقبل يدها:
_ ربنا يحفظك لينا ويديم دعواتك اللي عايشين ببركتها يا ست الكل.
_ يرضى عنك ربنا يا حبيبي ويعطيك ويحبب فيك خلقه ويرزقك من حيث لا تحتسب ويرزقك الذرية الصالحة يا "مهاب" يا ابني.
أدمعت عينيها وهي تسمع دعاء والدته له واطمأنت أنها ستتزوج رجلا يحمل هذا الكم من الحنان، لكنه عاد يحرجها عندما نظر إليها قائلا:
_ هي "ورد" تشد حيلها يا ماما ونملالك البيت عيال إن شاء الله.
لتأمن والدته على دعائه وتردد:
_ إن شاء الله يا حبيبي.
تعالى رنين هاتف والدته لتنهض كي تجيب عليها، نظر إلى شاشة الهاتف ونظرت إليه تخبره هوية المتصل:
_ دي مرات عمك ... هشوفها عاوزه إي ... البيت بيتك يا "ورد" يا حبيبتي.
هكذا استأذنت منها قبل أن تدخل إحدى الغرف كي تجيب على الاتصال، وما إن أغلق الباب حتى قال مازحا:
_ تعرفي أول مرة أحب مرات عمي!
هزت رأسها بيأس وسألته ضاحكة:
_ ليه؟
لتجد وجهه يمتعص قبل أن يجيبها:
_ ما بحبش الإنسان اللي بوشين، بيضحك قدامك وبشتيمك في ضهرك.
_ مش جايز ظالمها واللي وصلك المعلومة حابب يفرق بينكم؟
نظر لها نظرة جانبية مستهجنة أربكتها:
_ أنت طيبة يا "ورد" ونقية وجايز عشان لسه صغيرة، لكن الناس دي موجودة أنا ما حكمتش من باطل، لكن كلنا عارفين الحقيقة، لكن بنمثل على بعض عشان نحافظ على الصلة اللي بينا.
طالعته بصمت تحمد الله أنها نشأت في بيئة سليمة وداخل عائلة مترابطة لم تدنسها سموم الحقد والغيرة. انتبه لصمتها وقال يداعبها:
_ سيبك من السيرة دي، أنا مش مصدق أنك في بيتنا وبتاكلي معايا، قلبي بيرقص من السعادة.
ختم حديثه يضع يده على قلبه بحركات فكاهية لتضحك على تصرفه، قرر أن يلاعبها ليقول لها:
_ حبيبتي ممكن تديني حتة جمبري من اللي قدامك؟
التقطت ما طلبه لتجده يفتح فمه يطلب منها إطعامه، قربت يدها من فمه باستحياء ليلتقطها بفمه وتعمد أن يعض أصابعه قبل أن يغمز لها بعبث لتسحب يدها بسرعة بعد أن شعرت بقشعريرة من تصرفه لتقول رافضة:
_ "مهاب" لو سمحت ما بحبش الحركات دي.
لمعت عينيه بخبث ليباغتها عندما انحنى يقبل وجنتها ويقول معتذرا:
_ آسف يا روحي.
شعرت بالغضب من إصراره على تماديه معها وجرأته التي تخجلها لتلتفت نحوه وتقول بحدة:
_ "مهاب" لو سمحت.
_ أعتذرلك تاني يا روحي.
هكذا فاجأها تحمر خجلا وهي تبصر نظراته الماكرة، لتزم شفتيها بضيق وتهرب من نظراتها، ضحك على عبوسها ليقول لها مازحا:
_ والله أنا راجل عاقل ومؤدب بس أما بشوفك عقلي بيطير وبقلب على مراهق قليل أدب.
ضحكت على كلامه وشاركها الضحك قبل أن يتوقف ويخبرها بهيام:
_ بحبك يا "ورد" ... وأتمنى يجي اليوم اللي أسمع فيه كلمة بحبك يا "مهاب".
ثم تنهد بتمني:
_ يااااه ساعتها هيكون أحلى يوم في عمري.
نبرة صوته الراجية أجبرتها على الالتفات إليه لتلتقي عيونها بعيونه التي تتأملها بحب، لحظات كان لحديث العيون فيه نصيب فكانت لغة صادقة منحته عيونها أملا لينطق لسانه بلوعه:
_ هستناكي يا "ورد" ... وهستنى حبك بشوق.
_ "مهاب" أنا ....
رفع يده يمنعها من إكمال حديثها يخبرها:
_ فاهم يا روحي أنك محتاجة وقت عشان تكوني صادقة معايا وأنا مع إني مشتاق لكن كفاية أنك معايا وجنبي، بسمتك بتصبرني وصوتك بيديني أمل.
ليتنهد بيأس ويتصنع الحزن قائلا بفكاهة:
_ أديني صابر.
بادلته الابتسامة وما يفعله يزرع براعم حبه في قلبها ترويها كلمات غزله التي تنعش أنوثتها وتسقي قلبها بمشاعر جميلة افتقدتها.
****************************
عادت معه إلى المنزل، أصر على حملها رغم اعتراضها، وضعها على السرير بحذر شديد يعدل لها الوسادة خلف ظهرها:
_ كدة كويس يا حبيبتي؟
لم تجبه ولم تحدث بل ولم تنظر حتى إليه، كانت تستخدم معه الصمت العقابي وكان هذا ما يؤلمه، تمنى لو يسمع صوتها الذي اشتاق إليه، لكن يبدو أنها تحرمه من كل شيء كأنها تؤكد له أنها هنا معه بجسدها فقط.
اعتصره قلبه بندم لكنه لن يتراجع عن قراره، سيحاول بشتى الطرق كي يعيدها إليه:
_ هعملك حاجة تاكليها.
دثرها بالغطاء ورحل لتتكور على حالها تحتضن الغطاء وتغمض عينها، فقد أصبح النوم هو الوسيلة التي تتخذها للهروب من أفكارها المشتته.
عاد بعد مدة من الزمن يحمل إناء من الحساء وجلس أمامها:
_ "سندس" ... يلا عشان تاكلي.
لم تجبه ليحاول إقناعها برجاء:
_ أرجوك يا حبيبتي عشان خاطر ابننا، أنت عوزاه يضعف أكتر ونخسره؟ يلا عشان تاخدي الدوا.
ذكره لاحتمالية خسارة ابنها جعلها تفتح عينيها ليقترب منها يساعدها على الجلوس، والتقط الملعقة يغرف القليل من الحساء ويقربه من فمها لتشيح وجهها رافضة أن يطعمها، فهم هو نفورها منه ليضع الطبق بجانب السرير وينهض يطالعها بحزن ويقول بصوت مختنق:
_ طب أنا هسيبه هنا، يا ريت تاكلي..
أخفض رأسه بأسى وقال بحسرة:
_ عارف أنك مش حابة وجودي هنا، أنا هخرج لو احتجت حاجة ناديني.
خرج من الغرفة وأغلق الباب تارك إياها بروح مجهدة بالهموم والأفكار المتضاربة، مدت يدها تلتقط الطبق بضعف وتتناول الحساء بصعوبة فتنساب دموعها بحرقة حتى سقطت بعض قطراتها فخالطت الحساء لتتناول بقهر
'***********************
عاد إلى المنزل مجهدا، فقد خرج لاستلام بضاعة منذ الفجر، فتح الباب ينشد الراحة وقليل من الطعام فقد كان يتضور جوعا، لكنه تفاجأ برائحة شيء يحترق تملأ المكان، ليركض يبحث عنها وينادي عليها بفزع:
_ "أحلام" ... "أحلام" .... أنت فين؟
حتى توقف عند باب المطبخ ليتنهد بارتياح عندما وجدها تجلس باكية أمام أحد صواني الفرن المتفحمة. اقترب منها يسألها بقلق:
_ مالك يا "أحلام"، حصل إي؟
لتشير له نحو الطعام المحترق وتخبرها بقهر:
_ الأكل احترق.
مسح على رأسها وانحنى يقبل رأسها فقد أحزنه منظرها:
_ فداكي يا حبيبتي، المهم أنك بخير.
_ يعني مش زعلان؟
سؤال طرحته بتوجس لتقابله ابتسامته وهو يحرك يده على معدته:
_ لا مش زعلان بس جعان، هاخد شاور وأنت اعمليلي أي حاجة يا حبيبتي، عاوز آكل وأنام تعبان موت.
رحل يأخذ حماما يريح جسده ويمني نفسه بغداء بسيط يسد جوعه، خرج متجها نحو المطبخ وجلس على الطاولة ليجدها تضع أمامه طبق من النودلز، نظر إلى الطبق بدهشة ورفع رأسه يشير إلى محتواه ويسألها:
_ إي دا؟
ابتسمت وأجابته بعفوية:
_ إندومي.
ثم استرسلت تفسر له:
_ أنت مش قلت حاجة بسيطة؟
امتعض وجهه وقال بتهكم:
_ حاجة بسيطة يعني إندومي؟
ليرفع يده وينظر إلى الأعلى ويقول بغيظ ساخرا من صنيعها:
_ يارب أنا أبويا وأمي كانو دايما بيدعولي بزوجة صالحة، أنا شايف زوجة بس صالحة راحت فين مش عارف! لا حول ولا قوة إلا بالله ... جعان يا بنتي.
أخفض يده والتفت إليها ليجدها تنظر له بعبوس وعينيها تملؤها الدموع ليشفق عليها وينفجر ضاحكا، فاستفزتها ضحكاته وكادت أن تهرب من أمامه لكنه أمسك يدها يمنعها واستقام يحتضنها رغم تملصها:
_ خلاص.. خلاص تعالي يا قموصة .. ما تزعليش بهزر معاك.
لتعاتبه من داخل أحضانه بصوت باكي:
_ أنا زوجة فاشلة ومش صالحة.
_ قطع لسان اللي يقول كده، أنت ست البنات وأجمل زوجة في الدنيا .... ولا يهمك يا ستيدي هنطلب دليفري وإلا تحبي أعزمك في مطعم؟
لتخرج من أحضانه بسرعة وتجيبه بحماس:
_ أعزمك في مطعم!
ضيق عينيه ينظر إليها بقلة حيلة:
_ أنا اللي جبته لنفسي، روحي البسي.
رفعت سبابتها وقالت مبتسمة:
_ فريرة.
ركضت نحو غرفتها بسرعة لينظر لأثرها ويتنهد بتعب لكنه قال ضاحكا:
_ مجنونة...
*************************
فتح عينيه ليجد نفسه قد غفى على الأريكة من شدة الإرهاق، اعتدل في جلوسه يدعك عينيه ويمسح على وجهه يزيل آثار النوم عنه، نظر إلى الساعة ليجد أنه قد مضى أربع ساعات، نهض نحو غرفتهم فتح الباب بحذر خشية إيقاظها وابتسم عندما رآها تنام بهدوء.
اقترب منها، مسح على شعرها وانحنى يطبع قبلة على جبينها ويسأل نفسه:
_ هل ستسامحه وتعدل عن قرارها بعد حملها بجنينهم؟
عاد يتأملها بحب خالطه الندم ثم تركها وخرج، لتفتح عينيها فملمس شفتيه على جبهتها وشعورها بأنفاسه الساخنة قد أيقظها لتنظر إلى الباب الذي أغلقه خلفه، هل ستفتحه من جديد أم سيظل بينهما باب مغلق إلى الأبد؟
بعد مدة ليست بقليلة من الزمن عاد الباب ليفتح من جديد ويدخل هو يحمل صينية ملئت بالطعام، ابتسم عندما وجدها تفتح عينيها وقال لها وهو يضع الطعام بجانب السرير:
_ ماما جابت الأكل دا بس لما عرفت أنك نايمة مشيت وقالت هتيجي وقت تاني.
أشاحت وجهها وسندت بكفيها على السرير تحاول النهوض ليهرول نحوها بغية مساعدتها:
_ خليني أساعدك.
لكنها رفعت يدها ودفعته عنها بغضب ليبتعد بحزن شديد وتنهد بعمق وهو يراها تقف وحدها رغم ترنحها تستند على الجدار متجهة نحو الحمام.
مسح على شعره يخلل أصابعه بين خصلاته يجذبها والقلق ينهش قلبه، نفورها منه ومكابرتها ألمها كي لا يقترب منها كلها علامات على إصرارها على قرارها.
خرجت من الحمام وعادت تستند إلى الجدار لكنه لم يتركها، اتجه نحوها وحملها مرغمة وسط نظراتها المعترضة ومحاولتها الإفلات منه، وضعها على السرير وأشار لها نحو الطعام:
_ تحبي أكلك وإلا تاكلي لوحدك؟
لفت وجهها نحو الطعام ولم تجيبه ليقول بضيق:
_ أنا هخرج بس أنت لازم تاكلي، هرجع بعد نص ساعة لو ما أكلتيش هاكلك بنفسي، بلاش تعاندي في صحتك.
خرج وتركها أغلق الباب واتجه نحو الكرسي القريب يجلس عليه بجسد مثقل من الألم، يسأله نفسه من سيعيد انكسار روحها وبسمتها الجميلة؟ غبي عندما ظن أنها ستظل تتحمل جنونه فقط لأنها طيبة ومتعقلة.
دقات على الباب أخرجته من شروده ظن أن والدته قد عادت، لكنه تسمر أمام الباب عندما وجد "شمس" تقف أمامه وتسأله بوجه متجهم ودون تحية:
_ "سندس" فين؟
ابتلع ريقه وابتسم ببلاهة قائلا:
_ أهلا يا خالتو ... اتفضلي.
دخلت وخطت بعض الخطوات وعينيها مسلطة نحوه تطلب منه الإجابة ليشير لها نحو الغرفة:
_ في الأوضة.
اتجهت حيث أشار لها ليتبعها لكنها رفعت يدها توقفه:
_ عاوزه أتكلم معاها على انفراد.
سقط قلبه صريع مخاوفه وتجمد جسده برعب، ماذا تفعل خالته هنا ولماذا تعامله هكذا؟ هل جاءت لتأخذها أم ماذا؟
احتضنتها "شمس" لتجهش بالبكاء كأنها أخيرا وجدت حضنا بديلا عن أحضان والدتها، سردت لها ما حدث بتفاصيله لتمسح على ظهرها تهدئها:
_ اهدي يا حبيبتي أنا هنا معاك واللي تطلبي أنا أجبر "حسن" ينفذه بس فهميني أنت عاوزه إي.
صمتت لا تعلم بماذا تجيبها حتى سألتها "شمس":
_ يعني أنت عاوزه تنفصلي عن "حسن" بجد وإلا أنت قلت الكلام دا في ساعة غضب؟
خرجت من أحضانها تنظر لها بضياع. مسحت "شمس" على وجنتها بحنان تزيح تلك الدموع عن وجنتها وتنظر لعمق عينيها كأنها تبحث عن إجابتها:
_ "سندس" أنت عاوزه تنفصلي عن "حسن"؟
وبحركة تلقائية وضعت كفها على بطنها تسألها بتيه:
_ وابني؟
_ ماله ابنك يا حبيبتي؟
زاغت عينيها كأنها تخيل ما يمكن أن يحدث لو علم أهلها، والدها، شقيقها، والدتها، حتى أخذها خيالها نحو حياة ابنها لو انفصلت وابتعدت عن والده وعاش كيتيم والده على قيد الحياة حتى لو كانت عائلته طيبة وهو أصبح أب جيد، فتللك المسافة البعيدة ستكون عائقا، وأن تفقده اليوم لن تفقده غدا وربما تزوج بأخرى تنسيه وجوده وربما تجبر هي أيضا على الزواج كي تتخلص من لقب مطلقة.
إضافة إلى أن انفصالها ربما يعود بضرر على شقيقها بعد خطبته من شقيقته.
عادت عينيها تتعلق بـ "شمس" وتهز رأسها رافضة:
_ لا مش هقدر، مش عاوزه أبني يعيش الحياة دي.
_ يعني أنت مستعدة تكملي حياتك مع "حسن" بالوضع دا بس عشان خاطر ابنك؟
سؤال طرحته "شمس" لتحسم الموقف معها لتكون إجابته بإيماءة بسيطة منها:
_ يعني أنت خلاص وجودك مع "حسن" عشان ابنك وبس وإلا أنت بتحبي "حسن" رغم كل مساوئه؟
أطرقت رأسها بقلة حيلة ثم رفعته نحوها ببطء كأن الإجابة كانت محتجزة في صراع ما بين العقل والقلب:
_ "حسن" مش دايما وحش ويمكن أنا عارفة أنه بيحبني بس...
تحشرجت هذه المرة إجابتها تخنقها عباراتها وهي تتذكر صور جارحة من الماضي:
_ بس عصبيته وشكه بتمسح كل حاجة حلوة هو بيعملها وجرحي منه بتنسيني طبطبته عليا عشان جرحه بيوجع أوي.
ختمت كلماتها تنهار بالبكاء أما نظرات "شمس" وشعورها بالشفقة عليها:
_ اهدي يا حبيبتي ... أنا معاك يا "سندس" حتى لو أهلك بعيدين أنا قريبة .. ليه ما جتيش وكلمتيني؟ مش يمكن قدرت أعمل حاجة أتكلم معاه؟
_ الكل بيتكلم معاه عشان يبطل عصبيته، ماما "هدى" وعمو "علي" و"حسين" وحتى "مليكة" بس ما فيش فايدة، "حسن" وقت عصبيته بكون "حسن" تاني غير اللي أعرفه.
تنهدت بيأس وتطلعت إليها:
_ طيب أنا هتكلم معاه بس هفهمه أن أنا اللي ترجيتك تنسي موضوع الطلاق عشان يفضل أداة ضغط عليه، وأنت خليكي ماشية في حكاية الصمت العقابي عشان يتأدب وربنا يهديه يارب.
أمنت على دعائها بتمني.
خرجت "شمس" لتجده يجلس على الأريكة شاردا يهز قدمه بتوتر لينتفض بمجرد رؤيتها يتجه نحوها بخطوات سريعة:
_ خالتو أنا ....
بترت جملته وأشارت إليه بالجلوس:
_ اقعد يا "حسن" عاوزه أتكلم معاك.
جلس وقلبه يخفق باضطراب وارتبك من نظرات "شمس" الحادة:
_ شوف يا "حسن"، "سندس" دي أمانة عندي هنا في القاهرة وباعتبرها بنتي وأكتر، هي حكتلي على سوء التفاهم اللي حصل بينكم وللاسف هي مصرة على الطلاق.
اتسعت عينيه بذعر وقال برجاء:
_ يعني إي يا خالتو؟
_ واضحة يا "حسن"، "سندس" عاوزه تنفصل عنك.
_ وابننا؟
سؤال طرحه بأمل لكن "شمس" أجابت بامتعاض:
_ ابنك زي أي ابن أمه وأبوه انفصلوا، عادي يعني.
بهتت ملامحه وارتجف قلبه بخوف فتوسلها أن تقنعها:
_ طب يا خالتو كلميها أنا مستعد أعتذر لها، أعمل اللي هي عاوزه بس بلاش الطلاق، أنا بحبها أقسم بالله بحبها.
_ واللي يحب يعمل في حبيبته كده يا "حسن"؟
تعجبت "شمس" وهي تجده يبكي كطفل صغير:
_ غصب عني لما بتعصب ما بعرفش بيحصل إي، ما بتحكمش بأعصابي.
_ بس أنت كده بتأذيها يا "حسن"، يعني الحب ما منوش فايدة في الحالات دي.
عاد يترجاها:
_ أرجوك يا خالتي كلميها، قوليليها "حسن" هيتغير عشان خاطرها وخاطر ابنه، قوليها يا خالتو تنسى موضوع الطلاق.
زفرت أنفاسها بحزن على حال الاثنين لتقول له مطمئنة:
_ أنا فعلا كلمتها يا "حسن" وترجيتها عشان تتراجع وقدرت أُقنعها على الأقل الفترة دي عشان خاطر وضعها، بس يا "حسن" لو بدرت منك غلطة تانية أنا مش مسئولة...
وققبل أن تكمل هز رأسه نافيا يعدها:
_ مش هتتكرر صدقيني يا خالتو، هحاول أتحكم في نفسي على قد ما أقدر، أنا ما أقدرش أعيش من غيرها.
لمست صدق حديثه لتبتسم:
_ ربنا يهدي سركم يارب.
************************" "" "" "
وقفت تنظر إلى حقيبته المعدة للسفر فقد أخبره أنه ذاهب في رحلة عمل إلى الساحل الشمالي بعد ساعة من الآن، فذهب ليودع والديه قبل أن يغادر، اقتربت من تلك الحقيبة تتلمسها وتنهدت بحزن سوف تشتاق إليه كثيرا.
منذ أن أعترفت لنفسها بحبه، أصبح قلبها يترقب حركاته ونظراته التي أصبحت تسحرها، كلماته أصبحت نغمات يرقص لها قلبها بعشق. كانت تمسك هاتفها تقلب صورهم معا، تشاهد ابتسامته الحزينة، كيف تغافلت عن حبه؟ لماذا كانت تكن له كل هذا الحقد وكيف كانت تعامله بجفاء؟
هل ذكريات طفولتها معه هي سبب تلك الصورة التي رسمها له عقلها حين وضعه في خانة عدم القبول؟
ابتسمت تتذكر كيف كان أكثر أبناء خالاتها مشاكسة لها، يسرق منها الدمى ويجعلها تجري خلفه كي تستعيدها؛ كم كانت تكره تصرفاته ومزاحه الثقيل! لم تتوقع يوما أن يعشقه قلبها إلى هذه الدرجة، ولم تكن تعلم أن حبه سيكون سجين قلبها لا تستطيع أن تحرره.
انتفض قلبها بشوق عندما سمعت صوت مفتاحه في باب مسكنهم، تطالعه بلهفة وهو يدخل، لكن لهفتها تضاءلت عندما وجدته يطالعها بتجهم ويسألها بضيق:
_ أنت اللي حكيتِ لخالتو "شمس" عن مشكلة "حسن" و"سندس"؟
ابتلعت لعابها بخوف وأجابت بتهتهة:
_ أيوة.
ليصرخ بانفعال:
_ ليه عملت كده؟!
وقفت تفرك يديها ببعضها وقالت بثبات مصطنع، فقد أصابها انفعاله بالتوتر:
_ عشان "حسن" ظلمها وأذاها، كان لازم حد يساعدها ويقف معاها.
استشاط غضبا من تدخلها ليصيح بها مستنكرا:
_ وأنت مالك بتدخلي ليه؟! أنت عارفة عملت إي؟ أهلك ممكن يعرفوا ويبعدوها عنه!
أثار دفاعه عن شقيقه غيظها لتجيبه بعناد:
_ أحسن! "حسن" محتاج حد يوقفه عند حده.
تحديها ضاعف من غضبه لتخرج كلماته بلا وعي:
_ أنت بتقولي إي؟! "حسن" بيحبها، وإلا أنت ما بتستحمليش تشوفي اتنين بيحبوا بعض؟!
جرحتها كلماته وحطمت قلبها نظرته لها لتترقرق الدموع في عينيها، ارتعشت شفتاها تشير لنفسها بصدمة وتسأله بصوت مهزوز:
_ أنا يا "حسين"؟! أنت شايفني حقودة للدرجة دي؟
مسح على وجهه بضيق عندما أدرك تسرعه ليقول معتذرا:
_ آسف يا قمر أنا ما قصدتش الكلام اللي سمعتيه أنا بس اتعصبت وقلت الكلام الغبي دا ... عارف أن أخويا غلطان بس أنا متاكد أنه بيحبها .... وصعبان عليا الطفل اللي بقا بينهم
.
ظلت صامتة قلبها ينزف بألم لا تتخيل أنه يراها هكذا، صمتها أوجعه ليلوم نفسه على التفوه بتلك الكلمات، اقترب منها وضع أصابعه تحت ذقنها ليرفع وجهها فالتقت عينيه بعينيها الباكية تعاتبه في صمت لينفطر قلبه لأجلها.
مد يده يمسح دموعها بأنامله:
_ آسف يا قمر أرجوك سامحيني أنا عمري ما شفتك حقودة زي ما بتقولي بالعكس أنا عارف أنك بتحبي "سندس" وبتتمنيلها الخير.
عينيه كانت مثبتة عليها ينتظر منها أي إشارة تدل على مسامحتها له ليتجرأ ويحني يقبل جبهتها، أغمضت عينيها التي غشيتها الدموع تستشعر تلك القبلة وقلبها يخفق بقوة من قربه:
_ مش عاوز أسافر وأنت زعلانة عليا خلاص قلبك أبيض.
عقد لسانها ولم تستطع السيطرة على دموعها التي لم تنفك تغرق وجهها بقهر، ثار قلبه الخائن يلومه على تلك الدموع التي تنساب تحرق قلبه قبل وجنتها ليعاود رجائها:
_ "قمر" أرجوك ما بحبش أكون سبب زعلك ودموعك.
أصبحت كلماته وصوته كتعويذة سحرية تلقى عليها فتأسرها وتجعلها رهينة لعينه وقلبه الجميل، غابت هي تتأمله بحب حتى سمعته يقول:
_ "قمر" أنا لازم أمشي دلوقت مش هتقوليلي سامحتك عشان أسافر وأنا مرتاح.
أومأت برأسها ليبتسم يسالها مازحا لاسترضائها:
_ من قلبك؟ أصلك لسه مكشرة.
ابتسمت على كلمته وقالت بصوت منخفض:
_ سامحتك.
بادلها الابتسامة برضى واتجه نحو حقيبته يجرها ليقول لها قبل أن يغادر:
_ أشوف وشك بخير يا "قمر" .. خلي بالك من نفسك.
_ مع السلامة.
أغلق الباب خلفه لتتنهد بحب وترفع يدها تمسح آثار دموعها وتتلمس مكان قبلته بحب لتتسع ابتسامتها بسعادة فقد أسعدها طلبه السماح منها قبل أن يغادر لتغمغم تدعو له:
_ استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.
********************************"" "
وقف مبتسما يطالعها تجلس على السرير وتبكي كالأطفال، كم كان منظرها جميل رغم إشفاقه عليها، ليقترب منها ويجلس بجانبها على السرير:
_ طب أنت بتعيطي دلوقت ليه؟
لتجيبه من بين دموعها المتساقطة:
_ بابا وحشني أوي.
كرر جملتها يقلد صوتها الباكي بطريقة فكاهية:
_ بابا وحشني أوي.
ثم ضمها محاولا تهدئتها:
_ تحبي نسافر قنا عشان تشوفيهم؟
هزت رأسها داخل أحضانه نافيه:
_ ما أقدرش عندي امتحانات.
أخرجها من أحضانه يمسح دموعها برفق يُعدها بحنان يحاول التخفيف عنها:
_ ولا يهمك خلصي الامتحانات ونسافر نقعد معاهم يومين تطمني عليهم ولك يا سستي إجازة الصيف تقضيها هناك لحد ما تشبعي منهم.
ابتسمت كطفلة حصلت على مرادها لتسأله بسعادة:
_ بجد يا "سيف"؟
أومئ لها مؤكدا واستمر يمسح آثار دموعها:
_ بجد يا "نونو"
لكن مظهرها الباكي وجهها المحمر زاد من فتنتها أمامه فلم يستطع منع نفسه من تقبيل عينيها فتجمد جسدها لكن شفاهه تجرأت وانحدرت نحو وجنتها يقبلها بحب، لتنتفض مبتعدة عنه كالملسوع ليطالعها بصدمة وهي تقف مرتعشة تهز رأسها برفض تخبره بهستيريا:
_ لا... لا متعملش كده.... أنت اتجوزتني عشان أكمل تعليمي وبس