رواية نفوذ عاشق الفصل السادس والثلاثون36 بقلم سارة علي

رواية نفوذ عاشق بقلم سارة علي 
رواية نفوذ عاشق الفصل السادس والثلاثون36 بقلم سارة علي 

الفصل السادس  والثلاثون 
دلفا الى الشركة سويا حيث تسير هي بجانبه بخجل شديد من هذا الموقف الذي تمر للمرة الإولى به ..
اما هو فلا يبدو متأثر من دخولهما سويا كزوجين لأول مرة بل كان طبيعيا للغاية يسير تجاه المصعد بملامح هادئة وخطوات واثقة فحاولت ان تماثله في تلك الثقة ولو قليلا حتى ..
وقفت بجانبه امام المصعد تنتظر هبوطه وهي تتذكر الصمت المهيب الذي سيطر على الاجواء في طريق القدوم الى الشركة ..
لم يكن قيصر يوما كثير الحديث او مرحا لكن في المرات المعدودة التي اجتمعا بها سويا كان يبدو مهتما بتبادل الحديث معها محاولا جذبها لوضعهما الجديد  اما الآن فهو يتجاهلها بشكل صريح مما يثير غيظها بشدة ..!!
دلفت الى المصعد لتجده يضغط على زر الطابق الذي يوجد به مكتبه ..
سارعت لتضغط بعده على الزر الخاص بالطابق الذي تعمل فيه فيبدو إنه نسي إنها بجانبه أيضا ..
وجدته يلتفت نحوها لتهتف بسرعة :
" نسيت أن تضغط على زر الطابق الذي أعمل فيه .."
صمتت عندما أضيء الرقم الخاص بالطابق الذي تعمل فيه لتفتح الباب وقبل ان تتحرك كان يضغط على زر آخر فينغلق الباب في وجهها ..
هتفت مستنكرة فعلته :
" لماذا أغلقت الباب ..؟!"
لم يرد عليها وهو ينظر في ساعة يده لوهلة ثم يرفع وجهه من فوقها فينفتح الباب لتسمعه يشير إليها :
" تعالي معي .."
نظرت اليه بدهشة قبل ان تضطر الى السير معه كما طلب ...
كانت تسير بجانبه قبل ان تجده يقف أمام السكرتيرة التي استقبلته بملامح سعيدة للغاية ونبرة فرحة :
" اهلا سيدي.. أنرت الشركة بعودتك .. اعذرني على غيابي البارحة فلو علمت بقدومك الى الشركة لكنت قطعت اجازتي قبل انتهائها .."
رفعت شمس حاجبها ترمقها بنظرات غير مريحة لتنتبه عليها فتهتف بحرج :
" مبارك الزواج يا هانم .. "
ردت شمس بصوت مقتضب :
" شكرا والعقبى لك  .."
قال قيصر بعدها :
" نصف ساعة وتخبرين خالد بك بقدومي .. اجلبي لنا فنجانين من القهوة لو سمحتي .. "
ثم أشار الى شمس بعينيه لتسير أمامه بصمت ..
ما ان اغلق الباب حتى التفتت نحوه تسأله بضيق :
" لماذا جلبتني الى هنا ..؟! أليس من المفترض أن أبدأ عملي حالا ..؟!"
سار نحو مكتبه ثم جلس على كرسيه بعدما فتح أزرار سترته ليطلب منها الجلوس فسارت نحو المكتب وجلست على الكرسي المقابل له على مضض ..
اخرج هاتفه من جيبه ووضعه على المكتب ثم تبعه بمفاتيح سيارته ..
نظر إليها وقال أخيرا :
" من الآن فصاعدا ستعملين في مكتب خاص بك .. سأطلب من سها أن تجهزه حالا .. "
سألته مندهشة :
" مكتب خاص بي ..؟! لماذا ..؟! ما به المكتب الذي أعمل به مع زملائي ..؟!"
رد بجدية :
" لم يعد مناسبا ان تعملي في مكتب يشاركك به بعض موظفين الشركة .. لا يليق هذا بمكانتك ابدا .."
صاحت بضيق :
" كيف يعني لا يليق ..؟! ما المشكلة اذا عملت معهم في نفس المكتب ..؟! تريدني أن أعمل في مكتب خاص بي وأنا لم أتدرب في شركتك سوى اسابيع قليلة والأهم إني متخرجة حديثا ...؟! اذا كان هناك شيء لا يليق فهو ان تمنح مكتب خاص لموظفة حديثة التخرج لم تكمل حتى مدة تدريبها المحددة .. "
زفر أنفاسه ببطء محاولا الحفاظ على هدوئه ثم قال بهدوء :
" انت زوجتي .. زوجة مدير هذه الشركة بأكملها .. هل تظنين إنني سأسمح لزوجتي بأن تتشارك مكتبها مع موظفين غيرها ..؟! هذا الشي غير مسموح .. ثانيا هذا الأمر لم يحدث معكِ انتِ فقط .. الجميع هكذا .. قبلك حوراء ايضا اخذت مكتبا يخصها وهي بدأت العمل بعد مدة قصيرة من التخرج .. وسأفعل نفس الشي مع لميس او سوزان او غيرهما .. هذا الكلام ينطبق لكل من ينتمي لعائلة عمران يا شمس وانت أصبحت واحدة من افراد العائلة بل انتِ زوجة المدير شخصيا .. افهمي واستوعبي مكانتك ووضعك الجديد من فضلك .."
همت بالرد لكنها توقفت وهي تجد النادل يستأذن الدخول فيسمح له قيصر ليتقدم نحويهما ويضع امام كلا منهما فنجانا وقدحا من الماء ثم يسألهما اذا ما يحتاجان شيئا قبل أن ينصرف من المكتب ..
هتفت شمس ما ان أغلق الباب بصوت منزعج :
" لكن انا لا ارضى بشيء كهذا .. لا أرضى بأن أخذ ما لا استحقه .. انا لست كالبقية .."
قاطعها بعدم تصديق :
" ما لا تستحقينه ..؟! إنها شركتي .. شركة زوجك .. يحق لك بها كل شيء .. "
ردت بعناد :
" الجميع سيتحدث عني وعما فعله زوجي لأجلي .. "
اكملت وهي تحاول ان تشرح له وجهة نظرها :
" يا قيصر افهمني .. انا لا أريد أن أنجح في عملي وأثبت وجودي بهذه الطريقة .. انا أريد أن أعتمد على نفسي وأثبت وجودي في مجال عملي من خلال تعبي واعتمادي على نفسي .. لا أريد أن يدعوني بزوجة المدير وتصبح هذه الصفة مرتبطة بكل خطوة ناجحة أقوم بها.."
نظر اليها بتمهل وقال :
" كل ما تقولينه ليس خطئا ولكن هذا لن يجعلني أغير رأيي .. مكانتك ووضعك لا يسمحان بهذا الشي .."
" أنت مصر اذا ..؟!"
سألته بصوت متحفز ليرد بثبات :
" اعذريني يا شمس .. مكانتي ومكانتك انت ايضا اهم من هذا الكلام الذي تقولينه … لن أؤثر عليهما بسبب بضعة احاديث تافهة سيقولها البعض في سرهم دون أن يستطيعوا التحدث بها أمامنا حتى .. "
" وماذا عني ..؟! عن رأيي ورغباتي ..؟! مكانتك فقط مهمة أما أنا لأذهب  الى الجحيم .."
" مكانتكِ انتِ ايضا .."
صاحت بلا وعي :
" لا تقل مكانتي .. بل قل مكانتك انت .."
هدر بها بصوت خافت لكنه قوي :
" لا ترفعي صوتك .. الى متى سأظل أنبهك على هذا .."
حاولت كتم غضبها وهي تسأله :
" انا غير موافقة على هذا .. ماذا ستفعل الآن ..؟!"
أجاب ببرود :
" أمامك خيارين .. إما العمل في مكتب خاص بك او لا يوجد عمل من الأساس .." 
نظرت إليه بعدم تصديق وقد ظهر التسلط بوضوح على محياه لتهتف بصوت مبحوح :
" لن أعمل إذا .."
ثم نهضت من مكانها تتجه خارج المكتب ليهتف بصوت آمر :
" إلى أين ..؟! دعيني أخبر جمال بأمر عودتك كي يوصلك بنفسه الى القصر .."
نظرت إليه بحزن لم يبالِ به وهو يتصل بسائقه الشخصي كي يخبره إنها ستعود معه الى القصر ..

***
عادت شمس الى القصر بملامح مكفهرة لتجد حوراء في وجهها ويبدو إنها تتوجه للخروج ..
وقفت حوراء أمامها تتأملها عن قرب قبل أن تلوي فمها وهي تردد :
" تبدين مستاءة من شيء ما .. "
أكملت بتهكم واضح :
 " هل أزعجك عريسك بهذه السرعة أم ربما أنتِ من أزعجتيه بعد ايام معدودة من زفافكما ورد هو عليك بما يليق بذلك ..؟!
كانت شمس في أوج انزعاجها مما حدث ومن اسلوب قيصر الحاد معها بل ولا مبالاته بحزنها وضيقها مما حدث فصاحت بإنفعال :
" ما شأنكِ انتِ ..؟! لماذا تتدخلين فيما لا يعنيك ..؟!"
هدرت حوراء بصوت حاد :
" لا تتحدثي معي هكذا .. إياك وأن تتجاوزي حدودك يا شمس .."
هتفت شمس بعناد :
" واذا تجاوزتها .. ماذا ستفعلين ..؟!"
ردت حوراء بوعيد :
" أفعل الكثير يا شمس .. انتِ لم ترِ مني الى الآن اي شيء .. لكنك سترين عن قريب وحينها لن يرحمك مني احدا .."
" اتركي تهديداتك السخيفة جانبا .. انا لا اخاف منكِ ولا من أي أحد .. وصدقيني لست الفتاة الضعيفة التي يمكنك أن تؤذيها وتصمت  دون أن تسترد حقها منك .."
قالتها شمس بقوة ثم أكملت بصوت متمهل :
" لم أنسَ بعد حديثك عني في مكتب قيصر وكلامك الذي مس اخلاقي وشرفي بشكل صريح ولن أنساه يا حوراء .."
أكملت وهي تبتسم بمكر :
" كنت تحاولين انتِ ووالدتك إبعادي عنه بأي طريقة فأنتما لم ترغبان بوجودي جواره ورغم عدم رغبتكما بي واعتراضكما الصريح على زواجه مني ورغم كل محاولاتكما البائسة تزوجني .. لم توقفه كل هذه التصرفات عن ذلك .. هو اختارني وتزوجني رغما عنكما وهذا أكثر ما يثير غيظك انتِ ووالدتك .."
نظرت اليها حوراء بوجه بارد ثم هتفت بقوة :
" اتمنى أن تبقي على موقفك هذا ولا تبكي من اول صفعة تنالينها .."
همست شمس بضحكة خفيفة :
" قلتي صفعة اذا .. يبدو إن أثر تلك الصفعة ما زال محفورا داخلك .."
" اخرسي ايتها الحقيرة .."
قالتها حوراء وهي تقبض على ذراعها ليسمعا صوت لميس من خلفيهما :
" ماذا تفعلان ..؟! "
ثم تقدمت نحويهما وهي تهتف بإبنة عمها :
" اتركيها يا حوراء .. " 
" سأخبر قيصر هذه المرة يا حوراء .. لن أصمت مجددا عن أفعالك .. لم أخبره سابقا لإنني لم أرغب أن أكون سببا في تخريب علاقتكما لكن الى هنا ويكفي .. ظننت إن تلك الصفعة أدبتك لكن لا توجد فائدة فأنتِ كما أنتِ .."
قالتها شمس بضيق قاصدة ان تذكر تلك الصفعة امام لميس لتصيح حوراء بها :
" اخرسي ايتها الحقيرة .."
" حوراء ..!!"
صاحت لميس مستنكره لتحرر حوراء ذراعها وتلتفت نحو ابنة عمها تصيح بقهر مكتوم من معرفة لميس بأمر الصفعة :
" ألا ترين ما تقول ..؟! إنها تتجاوز حدودها يا لميس .."
ردت شمس بسرعة :
" انتِ من بدأتِ .. كنت في طريقي الى جناحي ولكنك أوقفتني وبدأت في أحاديثك المعتادة .."
" قلت لك لا تتحدثي .."
قالتها حوراء بعصبية لتصيح لميس بها :
" حسنا يكفي يا حوراء .. اذهبي من فضلك الى موعدك .. "
نظرت اليها حوراء بحدة لتكمل لميس بتعقل :
" اذهبي من فضلك .. ستحدث مشكلة كبيرة لا داعي لها .."
" لا داعي لأن تذهب .. سأذهب انا الى جناحي وعندما يأتي أخوها سيكون لنا حديث وقتها .."
قالتها شمس وهي تنسحب من مكانها متجهة الى الجناح بينما صاحت حوراء :
" افعلي ما تريدنه فأنا لا اخشى احدا .."
ثم اندفعت خارج المكان تاركة لميس تتابع رحيلها بدهشة شديدة ..

***
كانت تجلس على الكنبة الموجوده في جناحها تهز ساقها بغضب مما يحدث فلم يكفها ما فعله زوجها لتأتي أخته وتستفزها بحديثها المقيت مثلها ..
كانت تشعر بأعصابها تحترق من شدة الغضب لتسمع صوت طرقات على باب جناحها فسمحت للطارق بالدخول ..
فوجئت بلميس تدلف الى الداخل ثم تبتسم بهدوء وهي تهتف بها :
" هل يمكنني الجلوس معك قليلا ..؟!"
هتفت شمس بسرعة متأملة ابتسامها الجذابة وملامحها الرقيقة :
" بالطبع .. تفضلي .."
سارت لميس نحوها بعدما اغلقت باب الجناح ثم جلست بجانبها تقول بهدوء :
" لا تتضايقي من حوراء .. هي هكذا مع الجميع وليس معك .. "
هزت شمس رأسها نفيا وقالت :
" لا اهتم بها من الأساس .. هي من تتعمد الإساءة لي من خلال أحاديثها السخيفة لكنني أعرف كيف أوقفها عند حدها .. لست ضعيفة كي تتسلط علي .."
هتفت لميس بسرعة :
" حتى لو لم تفعلِ .. زوجك سيفعل .. انت زوجة قيصر يا فتاة وقيصر لا يرحم احدا يقترب من اي شخص يمسه فكيف اذا كان هذا الشخص زوجته ..؟!"
أكملت بعدها بجدية :
" لكن ما يهم أن تعلمي إن حوراء هكذا مع الجميع وليس معك .. شخصيتها هكذا .. لا أقصد ذمها ولكن أخبرك إن هذه طبيعتها كي لا تشعري إنك الوحيدة التي تنالين من اسلوبها هذا .."
قالت شمس بضيق :
" انا لا أتحمل تصرفات كتصرفاتها .. لست من هذا النوع ولست من النوع الذي يمرر الأمور ببساطة ويتناساها .. "
ابتسمت لميس وقالت :
" يبدو لي هذا  واضحا .. هل تعلمين ..؟! انتِ تشبهين قيصر بهذه النقطة فكلاكما لا يتنازل عن حقه ولا يسمح لأي شخص بإيذاءه .."
أكملت بعدها :
" في الحقيقة جميعنا هكذا .. "
أردفت بعدها بجدية :
" المهم هو ألا تغضبي منها ومن حديثها .. "
هتفت شمس بإباء :
" لن أفعل بالطبع .."
سألتها لميس مستغربة :
" لكنك لا تبدين هكذا .. ملامحك ما زالت تنطق بالضيق والإنزعاج .."
ردت شمس :
" نعم هذا صحيح .. انا منزعجة ولكن لست منها بل من زوجي .."
" زوجك ..؟! هل أغضبك قيصر بهذه السرعة ..؟!"
هتفت بها لميس بمزاح لتزم شمس شفتيها وتهتف بتبرم :
" لقد فعل .. "
" حسنا لا أود التدخل في اموركما الخاصة لكن يمكنني الإستماع إليكِ أردتِ .."
نظرت إليها شمس وقالت :
" الأمر ليس سرا يجب تخبأته .. لقد تجادلنا بشأن وضعي في الشركة بعدما أصبحت زوجته .."
" حسنا ولماذا تجادلتما ..؟!"
سألتها لميس بإهتمام لتبدأ شمس في الحديث عما حدث وسبب نزاعهما ..
هتفت لميس اخيرا بعدما أنهت شمس حديثها :
" في الحقيقة أرى إن رفضك لا داعي له .."
نظرت إليها شمس مستنكرة لتهتف لميس بسرعة :
" لا تنظري إلي هكذا .. انظري انا لست من النوع الذي يتقيد بالكامل بمكانتنا ووضعنا الإجتماعي .. على العكس تماما انا اعيش حياتي كما أحب .. أعيشها بالشكل الذي أريده ويجعلني سعيدة ومرتاحة .. لا أفعل شيئا بناء على ما يرضي مجتمعي المخملي ولكن هناك أشياء لا أرى مشكلة في إتباعها .. أشياء ليست مهمة كما ندعي .. "
أكملت وهي تحاول ايصال وجهة نظرها :
" قيصر لا يطلب منك شيئا من الصعب القيام به .. فكرة ان تعملي في مكتب لوحدك ليست سيئة .. هو فقط يمنحك ما يليق بك .. "
وجدت شمس تنظر اليها ببطأ لتكمل بجدية :
" لا تنظري الي هذا .. اقسم لك إنني لا أقول هذا كي أقنعك برأيه .. ابدا ولكن الأمر لا يستحق رفضك ابدا .. يعني لو كنتِ أخبرتني مثلا إنه يرفض رفقتك لصديقة معينة بسبب فرق المستوى او مثلا يجبرك على عدم العمل او اي شيء مقارب كنت سأرفض هذا بشدة لكنه لم يطلب شيئا يستدعي هذا الرفض الصريح .."
أردفت :
" واذا كان ما يهمك حديث العالم و إعتبارهم أي نجاح تحققينه بفضل زوجك فهذا الأمر لن يتغير سواء كنت تعملين معهم او لوحدك .. اسمك ارتبط بإسمه وبالتالي من يفكر بهذه الطريقة سيبقى هكذا حتى لو كنتِ تعملين في المريخ .. صدقيني حتى لو عملت في مكان آخر لا علاقة لقيصر به بل حتى لو عملتِ في دائرة حكومية سيقولون ان زوجك بمكانته تواصل مع مدرائك وجعلهم يهتمون بك بل سيقولون عن اي نجاح تحققينه انه نتيجة توسط زوجك لك .. "
" حسنا ، أليست هذه مشكلة اذا ..؟!"
سألتها شمس بضيق لترد لميس :
" كلا ، لإنك تعلمين جيدا إن هذا غير صحيح لذا يجب ان تثقي بنفسك وتتجاهلي كلا من يقول هذا .. ها انا امامك ابنة عائلة عمران المرموقة المعروفة بعلاقاتها الواسعة مع اهم الشخصيات في هذه البلد .. أي نجاح سأحققه سينسب الى عائلتي .. حتى القناة التي عملت بها والتي تم تعييني به دون حتى أن يعلموا اسمي الكامل بسبب رغبتي في ذلك إتهمت إنني جئت بواسطة وتم قبولي بتوصية من اخي وابن عمي .. لا احد يصدق إنه تم قبولي بلا واسطة .. ماذا افعل انا ..؟! هل أبقى أغضب وأتألم بسبب احاديث عابرة ..؟! "
وجدت لميس شمس تلتزم الصمت وحديثها قد ترك آثره عليها لتتنهد وتستطرد :
" ارجوك لا تفعلي ذلك ولا تفكري بهذه الطريقة .. كما لا أريدك أن تفكري ان زواجك من قيصر سببا في جعل الناس يفكرون بك هكذا .. الناس بطبيعتها لا يعجبها احد  والكثير منهم يحاول الإستنقاص من الشخص الناجح بأي طريقة ممكنة .. حتى لو كنت متزوجة من رجل عادي سيجدون اي طريقة لإنكار اي نجاح تقومين به .."
نظرت شمس اليها وهي تفكر إن حديثها مقنع ومنطقي فهي تقول الواقع ..
شعرت بالمرارة من تصرفاتها التي تثبت عدم وعيها بل تهورها وغبائها ..
ما يزعجها حقا إنها لم تكن هكذا .. بالرغم من مرحها وصخبها وعفويتها كانت ذات شخصية متزنة وعقلية واعية لكن منذ ان التقت به وهي تتفنن في إثبات صغر عقلها بشكل يؤلمها كثيرا ..
مالذي حدث ولمَ تغيرت هكذا والأهم ان غبائها وتهورها لا يظهران الا في الأشياء التي تخصه ..؟!
نظرت الى لميس مرة اخرى وهي تبتسم بخفة وتعد نفسها ان تراجع تصرفاتها وما يحدث معها من جديد..

***
بعد مرور ثلاثة ايام  ..
كان فريد  يجلس امام والدته التي تتحدث دون توقف عن وجوب عودته الى القصر فهذا مكانه الاصلي والذي لا يجب أن يتركه لأي سبب كان ..
كان فريد يستمع اليها بصمت دون اي رد منه ولا ظهور اي تعبير واضح على وجهه ..
هتف اخيرا بملل :
" حسنا ماما فهمت حديثك جيدا .."
ثم أكمل بعدها كاذبا :
" سأعود في اقرب وقت .. اطمئني .."
" متى يعني ..؟!"
سألته بفضول ليهتف بضيق :
"قريبا يا ماما .. قريبا .."
" قم بزيارتي يوميا حتى تعود وتستقر هنا من جديد .."
قالتها بإصرار ليومأ برأسه دون لتسأله والدته بإهتمام :
" أخبرني عنك .. هل انت بخير ..؟! هل تشعر بالراحة لوحدك ..؟!"
أجاب بفتور :
" انا بخير ماما .. لا تقلقي .."
نهض من مكانه وقال :
" يجب أن أذهب الآن .."
قاطعته وهي تقف بدورها :
" لم تمر ربع ساعة على قدومك كما إنك لم تلتقِ بأختيك ولا أخيك او احدا من ابناء عمك .."
قال بسرعة :
 " سآتي مرة اخرى قريبا .. لا تقلقي .."
قالها بسرعة ثم قبلها من وجنتيها قبل ان ينطلق هاربا منها ..
هبط درجات السلم بسرعة ليتوقف مكانه مقطوع الانفاس ما ان وجدها أمامه تدلف من باب القصر فهي كانت تتمشى في الحديقة منذ مدة ولم تكن تعلم بوجوده ..
ما ان رأته أمامه حتى اهتزت حدقتيها بوضوح وظهر الخوف جليا على وجهها لتقرر فتح الباب والخروج من الجديد بدلا من التوجه نحو السلم والصعود الى الاعلى ..
" توقفي .."
هتف بها فجأة بعدما وجدها استدارت تهم بالرحيل لتتجمد مكانها برفض حقيقي لكن صوته المتوسل وصلها :
" انتظري لحظة من فضلك .. أريد أن أتحدث معك .. هناك شيء ما يجب أن تسمعينه مني .. شيء لن يزعجك ابدا .. اقسم لك بذلك لكن اعطني الفرصة لأقول ما لدي .."
اعتصرت قبضة يدها بقوة ولا تعلم لماذا تذكرت حديث قيصر عندما أخبرها يوما بضرورة مواجهته ..

( أريدك أن تكوني قوية وتواجهيه كما ينبغي .. أنت لم تفعلِ شيئا خاطئا ولستِ مذنبة في حقه كي تخشي المواجهة .. واجهي بثقة بينما هو من عليه أن يخفض بصره كلما رأكِ ..)
ترددت الكلمات داخل عقلها كأنها تسمعها الآن .. لا تعرف كيف تذكرتها الآن وشعرت إنها تذكرها لكلماته في هذا الوقت إيعاز يخبرها بضرورة مواجهته وسماعه ..
التفتت نحوه محاولا الحفاظ على ثباتها لتلتقي عيناه بعينيها للحظات قبل ان يخفضها ارضا بسرعة..
" انا .."
قالها بصوت مرتجف قليلا ليزفر أنفاسه ببطأ ثم يحاول السيطرة على رباطة جأشه ليكمل :
" أردت التحدث معكِ منذ مدة لكنني لم أستطع .. لم أكن أمتلك القوة الكافية لمواجهتك .. كنت خجلا للغاية .. "
صمت قليلا ثم اخذ نفسا عميقا وهو يرفع بصره نحوها ليعاود إخفاضه مرة اخرى ويكمل :
" لقد أذيتك كثيرا .. اعتذر عن هذا حقا .."
أغمضت شمس عينيها للحظة قبل ان تفتحها وهي تقول بصوت مرتجف :
" لا أريد إعتذارك .. ولا أريد اي شيء منك سوى ان تتركني وشأني .."
نظر اليها بحزن وقال :
" معك حق ولكن صدقيني انا نادم حقا .. لو عاد بي الزمن لما  فعلت ما فعلته لكن كل شيء كان خارجا عن ارادتي .."
منحته نظرة كارهة ليكمل بصدق :
" اقسم لكِ لم أكن واعيا بأي شيء .. كنت أتصرف بلا وعي .. كالمجنون .. حتى إنني .."
صمت قليلا ثم قال بصوت مبحوح :
" لم أكن أراك شمس .."
لاحت الدهشة للحظات على ملامحها قبل ان يرتجف جسدها من تلك الذكرى ليكمل بهدوء :
" منذ أن رأيتك بالصدفة لأول مرة حدث ذلك .. رأيتها فيكِ .. كنت أراكِ هي .. كنت أنت شمس ولكنك في نظري هي .. وكل ما بدر مني كان معها وليس معك .. لا أعلم لمَ حدث هذا ولم انتِ بالذات لكنني لن أسامح نفسي ابدا .. وأعلم إنك لن تسامحيني ومع هذا اعتذر منك كثيرا .. انا اسف حقا ولو بإمكاني بتقديم اي شيء غير الاعتذار سأفعل .."
هزت رأسها بإستنكار والضعف ظهر على ملامحها لتسمعه يقول :
" انا اسف للمرة الإخيرة .."
أكمل بعد ثواني :
" هناك شيء آخر أريد أن أقوله لكِ وسأرحل بعدها .. "
أردف بعد صمت قصير :
" قيصر .. "
نظرت إليه بإهتمام ظهر واضحا في عينيها :
" قيصر دخل في لعبتي مجبرا .. أعلم إنه هددك يوما لأجلي ولكن .."
صمت متأملًا الألم الذي سيطر على ملامحها ليكمل بنبرة لينة :
" قيصر يحبك .."
تطلعت إليه بدهشة ليومأ برأسه وهو يعاود خفض بصره :
" ما فعله قبل عامين لأجلي .. كان مجبرا على هذا .. للآسف لعبت على حس المسؤولية لديه وحبه وأخوته لي ونجحت في ذلك عندما جعلته يظن ان حياتي متوقفة علي علاجي فموتي يقترب كل يوم اكثر بسبب رفضي للعلاج وهو قرر ان يلجأ الى اي شيء يحفزني للعلاج ويعطيني أملا في الحياة بناء على توصيات الطبيب .. أعلم إنه اخطأ وإن لا ذنب لك في ذلك لكنه كان مجبرا لا مخيرا .. لا أحاول التبرير له لكن ضعي نفسك مكانه وسوف تفهمين ما مر به .."
أكمل :
" لكن رغم كل هذا هو أحبك .. "
نظرت اليه بعدم تصديق ليكمل دون ان ينتبه على نظراتها :
" لو لم يكن أحبك ما كان ليتزوجك .."
صمت وهو يفكر إنه لا يستطيع ان يخبرها إنه لم يكن ليتزوجها الا لكونه مغرم بها .،
فأخيه دوما ما يبحث عن كل ما يناسب مكانته الاجتماعية واسمه ..
أخوه الذي لطالما قال إنه عندما يتزوج سيختار فتاة من النخبة .. فتاة مثالية في كل شيء تليق بمركزه ومكانته .. 
فتاة مثل سوزان ابنة عمه التي كان ينوي التفكير جديا في خطبتها او كغيرها من الفتيات اللواتي ينتمون لأكبر واهم العوائل في البلاد ..
قيصر اخيه الذي يعرفه جيدا لم يكن ليتزوج فتاة بسيطة من عائلة عادية متوسطة المستوى إلا لإنه مغرم بها ..
ربما أخيه نفسه لا يدرك ذلك لكنه واثق من هذا ..
" نعم يحبك .. صحيح إنه لا يظهر عليه ذلك .. فلا حديثه او تصرفاته او حتى ملامحه تدل على حبه لكنه يحبك .. يحبك حتى لو يرفض الاعتراف بهذا او ربما ما زال لا يدرك حبه لك .. "
تنهد وقال :
" أخبرك بهذا لأجله وأجلك ايضا .. انا لا أعرف اي شيء عنكما لكن أحب أن أراكما سعيدين .. اخي يحبك والأهم إن قيصر ليش شخصا عاديا .. بالرغم من تسلطه وقوته وجبروته الا انه أكثر من تستطعين الوثوق به والشعور بالآمان معه .. أنت ستدركين جيدا ذلك عندما تعاشرينه اكثر .. اتمنى التوفيق لكما .."
انهى كلامه ثم خرج مسرعا تاركا اياها تتابعه وكلماته تركت في داخله شعورا غريبا لا تستطيع تفسيره .. 

تعليقات



<>