رواية ارض الدوم الفصل الثامن والثلاثون38والاخير بقلم رحمة نبيل


رواية ارض الدوم الفصل الثامن والثلاثون38والاخير بقلم رحمة نبيل
 [ بداية قصة أخرى] 

قد تكون هذه الكلمات هي نهاية لرحلتنا معهم، لكنها حتمًا بداية لقصة لهم ...

أرض الدوم كانت فكرة عبثية من واضع مضحك، تحولت لرحلة شاركتموني إياها، واستمتعت برفقتكم، وأتمنى أن تكونوا كذلك ...

صلوا على نبي الرحمة ..

قراءة ممتعة 

ـــــــــــــــــــــــــ

كان الجميع صامت ولا أحد يجرأ على التحدث بكلمة واحدة ليس الآن وهم يتوسلون منها عونًا، الزمن مر واصبحوا هم من يركضون خلف رايانا لكن ليس لرشقها بالحجارة أو الكلمات، بل لتوسلها الصفح.

حركت عيونها بين الجميع في بهو منزل المريدي بعدما استيقظت بعد ليلة طويلة سهرت فيها مع مسلم .

لا تفهم ما يحدث، عيونها ذابلة من النوم وهي تراقبهم لا تدرك ما جاؤوا له .

_ فيه ايه ؟؟

ابتسم مسلم والذي كان يجلس على الأريكة بهدوء يضم يديه أمامه على ركبتيه :

_ كانوا بس عايزين يتكلموا معاكي شوية .

رفع عيونه لهم وكأنه يحذرهم التحدث بشكل لا يعجبه، ورايانا ما تزال غير واعية بالكامل لأي شيء حولها، لكن فجأة سمعت صوت يصدر من الجانب بنبرة هادئة:

_ ياريت بس يكون كلام يستحق مشوارنا .

حركت رايانا عيونها صوب الصوت لتبصر كامل إخوة مسلم يجلسون ولا تعلم متى وكيف وصلوا للقرية .

حدقت في مسلم بتعجب ليبتسم لها الأخير بهدوء :

_ عشان يكون القرار بعلم الكل، اتفقنا أنه أنتِ أحق حد يقرر اللي هنعمله .

تشنج جسد رايانا وهي لا تفهم ما يقصد مسلم، والاخير نهض وتحرك صوبها بهدوء حيث تقف في منتصف الساحة، ثم أمسك كفها بحنان هامسًا بصوت لا يصل لغيرها .

_ كلمتك يا فروشكا هتحدد اللي هيحصل، هل نسمح ليهم يعيشوا في ارضنا بشروطنا، ولا لا ..

ورايانا لم تكن تعتقد أن الكلمة التي أطلقها في الساحة كانت جادة، فقط ظنت أنه فعل ذلك أمامهم ليس إلا .

كل ذلك أمام أعين أهل القرية أو من حضر ليمثلهم، كانت رايانا أملهم الأخير، لا يصدقون أنهم جاءوا يتوسلونها، لكنها الحياة تدور حتى لو كانت ستدور حول رقبتك .

رفعت رايانا رأسها وقد التمعت عيونها بعدم التصديق تراقب الوجوه أمامها وقد كانت هذه المرة الأولى التي تبصر بها مثل هذه النظرات بعيون القوم .

ودون شعور اتسعت بسمتها بقوة وهي تنظر صوب إخوة مسلم وكأنها تستأذنهم بعيونها أن تفعل، لتتسع بسمة أحمد يهز لها رأسه صوبهم وكأنه يخبرها " عليكِ بهم " 

ونورهان تراقب بحماس شديد للقادم وقد أبصرت القليل فقط مما تعرضت له، وما خفي كان اعظم .

وعيسى كان يشير لها بحماس أن تفعل ما تريد ويبدو أنه كان أكبر المؤيدين بعد مسلم لما يحدث الآن.

ويحيى لم يستطع تمرير الموقف دون أن يدخل بجملة في الحوار رافضًا أن يكون دورًا ثانويًا في هذه الجلسة :

_ اضربي بيد من حديد ...

اتسعت بسمة رايانا وقد شعرت بالقوة تنبعث من دعمهم بين أوردتها، تنظر صوب قومها وقد طار النعاس، تشعر بكل ما مرت به يتجمع أمام عيونها تمررها بينهم وهي تراقبهم دون كلمة .

وفجأة وقبل أن يستوعب أحدهم ما يحدث أو ما قررت رايانا، كان جسد الأخيرة يندفع بسرعة مرعبة صوب جهة معينة دون تفكير وفي ثواني رن صوت صفعة عنيف في المكان بأكمله .

والصدمة من المفاجأة كانت أكبر من صدمة الصفعة، وصوت الصافرات التي انطلقت من عيسى غطت على أصوات الشهقات في المكان .

أما عن رايانا فقد تراجعت بسرعة للخلف وهي تحرك يديها في الهواء وقد اوجعتها من قوة الصفعة في لحظة كانت يد مسلم تجذبها خلفه حينما أبصر تقدم الرجل لزوجته .

لم يسأل ما فعل الرجل ليستحق مثل هذه الصفعة من زوجته، لكنه يدرك أنه فعل لها شيء لا يُغتفر .

ينظر له بشر وهو يتحفز لضربه إن اضطر

بينما رايانا كانت تتمسك بسترة مسلم بقوة من الخلف وهي تراقب الرجل ببسمة واسعة سعيدة وما زال صوته الحقير يرن بأذنها يوم أعلن أنها ممنوعة من حضور أي مناسبة سعيدة في القرية لدرأ نحسها عنهم .

" رايانا بنت البارو، شوم من يوم ولادتها، الخراب وراها في كل ركن، عشان كده مش مسموح ليها تحضر احتفالاتنا، مش مسموح ليها تخرب أعيادنا، من اليوم وطالع ممنوعة تحضر أي شيء يخصنا " 

شددت رايانا قبضتها على سترة مسلم أكثر والأخير ينظر له بقلق يسألها بعيونه إن كانت بخير، وهي فقط ابتسمت بسعادة وقد فعلت الشيء الذي كانت تتمناه ذلك اليوم .

الرجل كان أحد أعوان والدها وأحد كبار رجال القرية ذوي الشأن الكبير بين الجميع .

وهي ..صفعته .

تنفس مسلم بصوت مرتفع يرفع عيونه صوب الرجل بكره لا يعلم له من سبب، لكن يكفي أن زوجته اختارته من بين الجميع لتصفعه وتعبر عن كرهها علانية له .

_ اطلع برة .

اتسعت عيون الرجل الذي لم يستفيق بعد من أثر الصفعة، ومسلم لم يسمح له بالتفكير حتى وهو يشير للباب :

_ برة بيتي ومتخلنيش اقول برة ارضنا، اطلع بــــــرة

ولم يكد الرجل يعترض حتى بدأ البعض يدفعه للخارج بغضب وضيق كي لا يتسبب في خراب توسلهم لما جاءوا له .

كانوا يغرقون في السلبية طوال الوقت والآن لم يكن ل
استثناءً.

وبعد رحيل الرجل اتسعت بسمة رايانا أكثر وتحدث مسلم بهدوء :

_ دلوقتي نقدر نتكلم بهدوء، لو رايانا وافقت هيتم السماح ليكم تكملوا حياتكم زي ما انتم، لكن هيتم دفع ايجار شهري واللي هيكون مسؤول عن جمعه هو عم رجب، واراضي البلد هيتم جردها وهتتزرع محاصيل واللي حابب يساعدنا نعمرها يشتغل فيها ونرفع عنه جزء من الايجار .

صمت ثواني وهو ينظر صوب رجب الذي ذهب له يحيى يتوسله القبول وقد كانوا لا يثقون بسواه في المكان، ورجب رفض لساعات وساعات هذه المسؤولية قبل أن يقنعه يحيى ومعه كارا كذلك .

ابتسم رجب بسمة صغيرة يهز رأسه، ليكمل مسلم بهدوء وقد قرر أنه سيستثمر كل ما يملك في هذه الأرض.

_ وفي حالة موافقتكم على كل ده هيكون اكيد فيه مميزات أكثر من الاول، هبني ليكم مستشفى محترمة، ومدرسة، ومركز لتنقية المياه، ومسجد في نص الساحة، الكازينو اللي مفتوح ده هيتقفل.

صمت وكأنه يفكر في شيء قبل أن يتدخل يحيى بجدية :

_ وملجأ الاطفال هيتوسع ويكون اكبر وهيبقى فيه جزء لرعاية كبار السن .

ختم حديثه وهو ينظر برجاء لمسلم وقد كان هذا وعده للصغار، سيحصل لهم على حياة كريمة وليس مجرد غرفة صغيرة يتشاركونها جميعهم.

ليبتسم له مسلم :

_ زي ما قال يحيى كده، وأي شخص هيتطوع في المساعدة أننا نخلص كل المشاريع دي اكيد هيكون ليه مرتب، كل المشاريع دي هتفتح ليكم باب لوظايف غير الزراعة .

كان يتحدث ورايانا تراقبه بفم مفتوح لا تصدق أنه يتحدث عن قريتهم، قريتهم التي كان افخم واغرب شيء بها هو محل العم رجب .

جذبت يد مسلم لينحني الأخير تهمس له بصوت خافت :

- مسلم هتعمل كل ده منين ؟ أنت غني ؟

اتسعت بسمة مسلم أشد وهو يرد لها بنفس الهمس :

_ لا مش غني ... أنا ثري .

رمشت بعدم فهم وهو استقام يبتسم باتساع ولم يجد افضل من كل هذا ليضع بهم أمواله هو وحاتم الذي سارع يشاركه بالأمر، هو بالطبع لن يلقيها في البحر، كان سيتبرع بها، أو ما شابه، لكن الآن علم بالتحديد ما سيفعل بها، سيساعد هؤلاء القوم ليحيوا حياة جيدة، اكرامًا لزوجته.

ليس لأجلهم بل لأجل اطفال لا يرغب أن يتركهم لفراغ يخلق منهم أشخاص سيئين كاسرتهم ...

_ ها قولتوا ايه ؟ 

أخذ الجميع ينظرون لبعضهم البعض بصدمة كبيرة ولا أحد يتخيل أن مثل تلك الحياة قد تُمنح لهم، وهم كانوا يعانون للحصول على مياه صالحة للشرب، يسافرون مسافات فقط للحصول على رعاية طبية جيدة .

الآن كل هذا أمامهم على طبق من ذهب والمقابل، إيجار شهري ووظيفة ؟

ومسلم لم يكن مضطرًا لتكرار سؤاله وقد حصل بالفعل على إجابته من عيونهم التي كانت تراقبه .

استدار صوب رايانا ليبصر نظرة فخر وحب تلمع في عيونها، تقترب منه تتمسك بذراعه وهي تستند عليها برأسه تستكين وتنسى كل لحظة حزن عاشتها قبله. 

تشكر ربما أن أتى بهذا الرجل من نهاية العالم فقط لينتشلها من حياتها .....

ــــــــــــــــــــــــــــ

كانت وعود يدرك مسلم أنها ستنتهي وتُنفذ بعد أشهر، لكن هناك وعود أخرى لا تنتظر ايام.

كوعده لحاتم مثلًا ...

يقف معه أمام المنزل مع عائلته ينفخ بضيق شديد وهو ينظر لحاتم الذي اوقفهم للمرة التي لا يدرك عددها قبل طرق الباب .

_ بالله ثواني.

اخرج هاتفه وهو ينظر لنفسه يرتب خصلاته بحرص شديد، ومن ثم رفع نظره لمسلم ببسمة واسعة :

_ كل إشي تمام؟ مبين عليّ وسيم ولا وسيم كثير؟

_ مبين عليك زفت، اخلص مش نقصاك مش فرحك هو، ده احنا لسه هنتكلم مع الناس .

مدت سنية يده تضرب كتف مسلم بضيق :

- بس أنت مش شايف الولد متوتر ازاي ؟

وجهت انظارها صوب حاتم وهي تمتص شفتيها ببسمة واسعة تنظر له بحنين وقد بدأت عيونها تمتلئ دموع تأثر :

_ قمر يا حبيبي ما شاء الله، فكرني ارقيك لما نخلص لاحسن تتحسد يا ضنايا .

وحاتم اتسعت بسمته بقوة يخفي بصعوبة الغصة التي توقفت في حلقه، متأثرًا بهذه المرأة التي تكفلت على مدار الأيام السابقة في لعب دور والدته بامتياز، أصرت على الذهاب لشراء الورد معه حينما فشل في انتقاء شيء مناسب، رافقته وأعطته رأيها في ثوبه، اختارت معه وشاركته كل شيء .

منع دمعة كادت تفر منه بصعوبة :

_ الله يخليلي ياكِ يا خالتي .

ومسلم الذي يعرف رفيقه أدرك أنه في هذه اللحظة يكتم غصة وقد كان هذا واضحًا، لذا جذب رأسه أمام الجميع مظهرًا إياها حركة ممازحة، يلقي رأسه على كتفه وهو يهتف :

_ بهزر معاك يا توما، مالك كده .

ختم حديثه وهو يضم رأسه لكتفه بينما حاتم ضغط على كتف مسلم بقوة وكأنه يمسح دموعه بها، فمال مسلم يقبل رأسه بحنان:

_ مبروك يا صاحبي، والله مش لغيرك، هتلاقي زيك فين يا حاتم ؟

ابتعد حاتم عن مسلم وهو يحاول الحديث بصوت طبيعي :

_ بالله ما بتلاقي، خالتي تفيدة وعدتني بتزوجني إياها لو ما رضيت .

_ أنت عبيط ياض مين قالك هنجوزك اختي لو مش راضية .

وقد كان هذا صوت يحيى الذي وصل لهم مع عيسى، والاخير يضع مفاتيح التوكتوك في جيب بنطاله يرتدي بدلة رسمية :

_ الركنة في الشارع هنا صعبة .

أضاف يحيى :

_ اضطرينا نركن التوكتوك صف تاني على الله بس الحي ميجيش يكلبشه .

صمت ثم استدار صوب عيسى يراقب ثوبه بابتسامة :

_ بس ايه ياض يا عيسى الشياكة دي، سواق توكتوك شغال في بنك ولا ايه .

_ ايه رأيك؟

_ والله جديدة، شكلك وأنت سايق التوكتوك بالبدلة رهيب، ده العريس نفسه مش لابس بدلة.

_ أنت هتجيب الاشكال دي ليا ولا ايه ؟!

زفر والدهم بضيق وهو يتحرك ليطرق الباب :

_ مش هنخلص لو فضلنا واقفين كده ..

نظر له يحيى بضيق :

- يعني ما أنتم وافقين من بدري ولا هو أنا جيت وقفت في زوركم .

_ اه والله واقف في زوري .

رمى يحيى والده بنظرة حانقة مغتاظة وصمت بلا كلمة ينتظر فتح الباب، وقد كان بعد ثواني يبصرون أحمد في استقبالهم.

ليعلق يحيى بسخرية :

_ ايه مستنينا ورا الباب، اتقل شوية يا خويا عارف ابننا ميترفضش .

نظر له مسلم بعدم فهم اوليس هذا الذي كاد يضرب حاتم منذ ثواني حينما تحدث عن إجبار نورهان عليه .

_ أنت يالا عليهم عليهم معاهم معاهم .

_ أنا مع اللي هياكل جاتوه .

وقد كان هذا مبدئه في هذه الجلسة، أهل العريس هم الضيوف وهم من سيتناولون الحلوى، إذن هو منهم .

قلب أحمد عيونه وهو يتحرك من أمام الباب يتجاهل يحيى :

_ اتفضلوا يا جماعة الحاج وأمي مستنيين جوا .

- ونورهان ؟

كانت كلمة متلهفة خرجت من حاتم دون أن يتمكن من التحكم في لسانه، ليجذبه مسلم يكمم فمه :

- أنت ويحيى محدش فيكم ينطق لآخر الليلة لو عايزين الجوازة دي تكمل، خلي يومكم يعدي .

تحرك الجميع للداخل بهدوء عدا يحيى الذي رفع يديه يصفق بهم وأخذ يسعل :

- يارب يا ساتر، امشي يا بني قدامنا عشان لو حد من أهل البيت مش ساتر نفسه ولا حاجة .

نظر له أحمد يرد عليه بسخرية :

_ اه فكرتني سايب أمي بالميني جيب جوا، ادخل يا عم ادخل متخلنيش أتغابى عليك .

دفعه بعنف صوب الصالون حيث يجتمع الكل وقد بدأت سلسلة من الترحيبات حتى استقر الجميع واخيرًا على الأريكة وبمجرد جلوسهم مال حاتم يهمس لمسلم :

_ اسألهم وينها العروس ليش لهلأ ما خرجت  .

_ يا بني اهدى خلي الليلة تعدي، تخرج فين مش لما نتكلم اساسا ونقولهم جايين ليه الاول ؟

_ ما تشيل هم أنا بلغته لعمي قبل ما اجي، هلأ خبرهم يخرجوها .

تنفس مسلم بصوت مرتفع وقد شعر بالغضب يندفع في أوردته من حاتم الذي لا يتوقف عن الثرثرة حول رغبته في رؤية نورهان، ويحيى الذي يقيم جودة الحلوى الخاصة بخالته .

_ جاتوه من ابو حمادة ؟! ايه مستخسرين تجيبوا من نولا ولا ساليه سوكريه ولا حتى العبد ؟ 

نظر له والد أحمد نظرة قاسية، لكن يحيى لم يصمت :

_ خلي بالكم الحاجات دي مهمة عشان صورتكم .

نظرت تفيدة صوب سنية بلوم :

_ ما تسكتي ابنك يا سنية .

_ والله لو قدرتوا أنتم تسكتوه سكتوه انا مبعرفش .

مال عيسى متجاهلًا الجميع يختطف قطعة حلوى يدسها في فمه دون اهتمام ومن ثم قال وفمه ممتلئ بالحلوى :

_ حلوة يا يحيى، الجاتوه مانجا بتاعهم حلو اوي .

وضع يحيى قدم على الأخرى وهو ينظر بعدم رضا للحلوى وقد بدت علامات الاستياء على وجهه، لكن بالطبع لن تكون كعلامات الاستياء على وجه مسلم وهو يراقب الثلاثة أمامه يفتعلون كل مصيبة يمكن أن تتسبب في خراب زيجة، ولولا أن عائلة العروس هي عائلة خالته لكان طُرد مع عائلته شر طردة الآن.

الكل يتحدث حوله وهو يراقبهم يشعر بقرب انفجاره ...

_ استخسروا دلوقتي هيعملوا ايه في الخطوبة ؟

_ وينها العروس يا خالة ..

_ دوق بقى ياض يا يحيى الجاتوه الفراولة ده بقى اللي عظيم، شوف كده .

_ لهلأ ما جهزت ولا شو ؟

_ والله اللي اعرفه أنه الإنسان محتاج يفرض صورته من اول قعدة .

_ السويسرول بقى رهيب .

_ حدا يدخل يطمن بس عليها بلكي بتكون محتاجة شي مساعدة .

كل ذلك وأحمد يجلس بكل برود يضم يديه لصدره مستندًا على المقعد للخلف ينظر لمسلم بشر وكأن مسلم هو السبب في كل هذا، ومسلم يهز رأسه بقلة حيلة .

بينما الكبار يراقبون بصدمة ما يحدث قبل أن يصرخ والد أحمد بغضب .

_ بس أنت وهو بدل اقسم بالله ما اقوم ارميكم برة .

صمت الجميع بسرعة في اللحظة التي دخلت بها الفتيات يحملون باقي الضيافة، ليتجاهل يحيى كل شيء ينهض عن مكانه متحركًا في الغرفة صوبها يستقبلها يحمل عنها صينية العصائر:

_ عنك يا عروسة، من يد ما نعدمها يارب، تعبتي نفسك ليه ؟ 

رفعت كارا عيونها بخجل صوب يحيى وقد جاءت مع رايانا لمساعدة نورهان :

_ مفيش تعب ده عصير عادي يا يحيى .

_ عصير عادي ؟ أنتِ بتهزري ده احسن عصير في الدنيا بتقولي ايه بس .

خجلت كارا وتحركت بسرعة لتجلس جوار سنية التي أشارت لها :

_ تعالي يا بنتي ربنا يصب عليكِ الصبر يارب، مش عاجبه حاجة من وقت ما جه، اخيرا عجبه العصير .

وضع يحيى الصينية على الطاولة يجلس بهدوء يمسك كوب يرتشف منه قبل أن يتنهد بصوت مرتفع وهو يرفع كوب المانجا :

_ تخيلوا الحلاوة دي متع الدنيا فما بالكم بالجنة يا اخوتي ؟

نظرت كارا بخجل ارضًا، بينما والدته حركت شفتيها بسخرية .

 بينما رايانا وضعت الصينية على الطاولة أمام الجميع ليشير لها بالمسلم بالتحرك للجلوس جواره يهمس لها بحنان بمجرد جلوسها :

_ ايه القمر ده يا رايانا ؟

_ أنت اللي جميل يا مسلم. 

ضحك مسلم بصوت مرتفع على كلمتها، بينما احمد زفر بضيق يراقب والده الذي تحدث بشكل مباشر :

_ هو أنتم جايين ليه ؟؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ حلو اكيد ؟؟ 

_ قمر والله يا نور، مالك كده اهدي متتوتريش .

نظرت نورهان صوب ساڤا تشعر أن قلبها على وشك التوقف من التوتر :

_ حاسة ... أنها أول مرة، المرة اللي فاتت كنت ...كنت عادي ...كنت عيلة فرحانة بحاجة جديدة بس المرة دي ..

صمتت واكملت ساڤا بحنان وهي تقترب منها تبتسم لها بلطف :

_ المرة دي أنتِ بتحبيه، ده الفرق ..

وهي لم تنكر ولم تندد، بل فقط هزت رأسها بنعم، هي تحبه، تحب حاتم بكل ذرة داخلها، هذا الرجل بكل ما فيه من صفات تعشقه .

_ ايوا ...المرة دي أنا بحب ...بحب بجد .

اتسعت بسمة ساڤا وقبل التحدث سمعت صوت طرقات على الباب تبعها صوت أحمد الحنون :

_ نونو خلصتوا ؟ 

 نظرت نور بتوتر صوب ساڤا التي أذنت له بالدخول، فابتسم بمجرد أن ابصرها يفتح ذراعيه لها فاندفعت له نورهان وهي تشعر أن كامل جسدها يرتجف من التوتر .

_ أحمد هو مين اللي برة ؟؟

ضحك احمد بصوت مرتفع وهو يزيد من ضمه لها :

_ هيكون مين يعني خالتك وجوزها وعيالها .

صمت بخبث وانتظر ثواني قبل أن تتساءل هي بجدية شديدة وتعجب :

– بس ؟! طب وحاتم ؟

_ لا حاتم اتكسف يجي قال عشان تاخدوا راحتكم وتردوا عليا بسرعة .

اتسعت عيون نور وقد التمعت بسمة واسعة على وجهها :

_ يعني هو مش برة ؟

 انفجر أحمد بالضحك بصوت مرتفع أكثر شكت أنه وصل للجميع في الخارج، وساڤا تحركت تضرب كتفه بضيق شديد :

_ أحمد ده وقته هزارك البايخ البنت متوترة لوحدها .

وضحكات أحمد لم تتوقف لثانية واحدة وهو يبصر ساڤا تجذب نورهان لها :

_ نور يا حبيبتي العريس برة مستنيكِ اكيد مش هيبعتهم لوحدهم، بعدين قلقانة ليه، اقعدي معاه وقولي رأيك يا اه يا لا .

كل ذلك وأحمد ما يزال يضحك لا يصدق أن شقيقته هذه هي نفسها التي تزوجت مرة سابقًا وتخطت الثلاثين بسنوات بالفعل، تبدو كما لو كانت عذراء .

وهذا يسعده وبشدة، أن تحيا كل لحظة فاتتها.

ابتسم بحنان وهو يتحرك لها يحاول التحدث بجدية كبيرة :

_ نونو يا قلبي، اطلعي بثقة وارفعي راسك وافتكري إن كل اللي برة دول عشانك، عشان كلمة منك بس .

نظرت له بتوتر فمال يقبل رأسها بحب وحنان :

_ ويا ستي لو تحبي اخرج اقولهم أنك رافضة اساسا .

اتسعت عيونها برفض لكلمات أحمد وهي تنفي برأسها، وأحمد ابتسم أكثر يمد يده لها لتضع كفها داخل يده بتردد ومن ثم تحرك بها بهدوء للخارج ينظر خلفه صوب ساڤا غامزًا ومن ثم ألقى لها قبلة في الهواء جعلت وجهه الأخرى يشتعل وهي تلحق بهم بسرعة .

فابتسم لها بعبث يسير مع شقيقته حتى وصل للجميع .

في اللحظة التي أبصر بها حاتم نورهان انتفض دون شعور وهو يراقبها بشرود وعيون مبتسمة وملتمعة، بسمة واسعة جدا واضحة جعلت مسلم يمسح وجهه بضيق وهو يجذبه بقوة مجبرًا إياها على الجلوس :

_ متخليش الناس يطردونا بجد اتنيل اقعد .

لكن حاتم كان لا يشعر بشيء سوى أن حلم خمس سنوات على بعد خطوات منه، ارتجف قلبه بسعادة كبيرة وهو يراقبها تتحرك تلقي التحية على الجميع حتى مرت من أمامه تهز رأسها هزة صغيرة فقط قبل أن تجلس جواره احمد .

_ لك عسى ما حدا هز راسه بعدك .

جذبه مسلم بضيق وهو يشير له بالصمت :

- اخرس بقى الاحق عليك ولا على يحيى .

وبالحديث عن يحيى كان الأخير يشرب كوب العصير الرابع له وهو يضعه بقوة على الطاولة يكمل :

_ زي ما اتفقنا احنا علينا الشقة والعفش والعروسة عليها الكحك .

نظر الجميع صوب يحيى بعدم فهم وعيسى ردد بحيرة :

_ كحك ايه ؟ احنا فين والعيد فين ؟

_ عيد ايه يا غبي، بتكلم عن الكحك اللي هيتقدم للضيوف بعد الجواز، مش لما بتروح لعرسان بيحطوا كحك وبسكوت في بتاعة استالس ادوار كده .

اتسعت عيون أحمد بصدمة من كلمات يحيى وقد نسي أنه يتحدث ليحيى وهو يجادله بجدية مطلقة :

_ كحك ايه معلش اللي على العروسة، كل ده على العريس .

ومسلم لم يكن يفهم ما الذي يحدث الآن، الاثنان يتشاجران على علبة كحك ؟

_ أنتم عبط هتبوظوا الجوازة عشان كيلو كحك ؟

تدخل حاتم وقد انتفض جسده على كلمة مسلم التي فرقعت فقاعته الوردية : 

_ شو ؟ شو قلت أنت؟ عرس شو اللي يخرب، انا بشتريه للكحك، إذا بدكم بخبزه، شوب بكم، بتخربوا العرس عشان كحك .

نظر يحيى بتحذير لحاتم :

_ اسكت أنت أنا عارف الاشكال دي كويس، بعدين بطل تبان ملهوف كده عشان ميستغلوش لهفتك يا اهبل .

تشنجت ملامح أحمد وهو يصرخ في وجه يحيى :

_ دي اختك أنت يا متخلف .

رمش يحيى ثواني وكأنه أدرك للتو أنه تلبس الدور أكثر من اللازم، لذا نظر جواره صوب حاتم :

_ اه صح، خلاص مش مشكلة هات أنت الكحك وهي هتجيب الفول السوداني واللب.

تدخل والده في ثواني وهو يشير له بعدم التحدث :

_ سيبك منه يا ابو أحمد وخليك معايا عشان نخلص، احنا جايين باذن الله نطلب ايد بنتنا نور لابننا حاتم، الولد ابن حلال ومن طرف مسلم وأنت عارف مكانة نورهان عند مسلم فلو صاحبه فيه حاجة عمره ما هيدخله بيتكم عشان أخته .

ومسلم تدخل بسرعة يلقي بكل أوراقه :

_ حاتم يا عمي أنا اضمنه بعمري كله، والله العظيم ما هتلاقي في الدنيا كلها حد زيه لنور .

_ الولد عنده ثلاث باسبورات وبطاقة .

وكانت هذه المداخلة من يحيى الذي أحب المشاركة وتعديد مميزات حاتم معهم :

ليرفع والد نورهان حاجبه بسخرية :

_ يعني ايه ؟ هيعيش بنتي فين ؟ في صفحة الختم ؟ 

اندفع حاتم بسرعة يوضح كل شيء :

_ لا يا عمي ولو، نورهان ما بتستاهل غير الأفضل. أنا اشتريت إلها شقّة كبيرة بحي قريب من هون، وإذا بدها بمكان ثاني، بس تأشر وأنا بجيب إلها اللي بدها. عندي شغل مشترك مع مسلم بالقرية، وقريب إن شاء الله رح نفتتح شركتنا الخاصة..

هز الرجل رأسه وصمت قليلًا وكأنه يفكر في كل شيء، بينما حاتم نظر جانبًا لمسلم بقلق قبل أن يتدخل مجددًا :

_ بس أشر إذا بدك اشي غير ...

ابتسم له الرجل بهدوء وتدخل والد مسلم يربت على قدم حاتم :

_ الولد شاري يا ابو أحمد، والله هيشيل نور بعيونه وأنت عارف إني عمري ما مشيت في جوازه ولا ضمنت حد حتى يحيى ابني شيلت ايدي من اتفاقه بس حاتم فعلا اضمنه برقبتي .

ابتسم يحيى بسخرية وهو يحرك رأسه بعدم اهتمام :

_ مش عايز حد يضمني انا بضمن نفسي .

تنهد والد أحمد ينظر صوب ولده يتساءل ليبتسم له الأخير بموافقة وتحدث أحمد بهدوء :

_ انا عاشرت حاتم بنفسي يا عمي وعارفه كويس اوي، كفاية أنه كان سند لمسلم في الغربة واللي يشيل اخويا اشيله في عيوني، لكن دي برضو أختي الصغيرة والوحيدة، وعشان كده رأيها اهم مننا كلنا. 

_ اكيد يا احمد...أنتِ ايه رأيك يا عروسة ؟؟

وفجأة وجدت نورهان جميع الرؤوس تتحرك صوبها والكل ينظر لها بترقب وقد كانوا ينتظرون منها كلمة، وهي شعرت فجأة بضربات قلبها تزداد بشدة حتى كادت تسقط ارضًا، ابتلعت ريقها وهي تقول بصوت خافت :

_ ايه ؟؟ أنا مش ...

صمتت وقد عجزت عن الحديث بكلمة واحدة أمام كل هذه النظرات واستمر الصمت طويلًا، حتى شعروا أنها لن تتحدث في هذه الليلة فتدخل يحيى بسرعة : 

_ البنت شكلها مش موافقة يا جماعة محدش يضغط عليها، عامة كل شيء قسمة ونصيب، باذن الله ربنا يرزقها باحسن من حاتم .

وحاتم شعر فجأة بأن قلبه في هذه اللحظة توقف بالكامل واتسعت عيونه بصدمة من كلمات يحيى ولم يكد يندفع ليطالب باستئناف لطلبه حتى تحدثت نورهان بسرعة ودون شعور :

_ لا انا مقولتش كده ...

اتسعت بسمة يحيى وقد كان الوحيد الذي يعلم كيف يجبرها على التحدث، يتراجع للخلف يضم بفخر لما صنع وهو يضم يديه لصدره :

_ لا داعي للشكر .

نظرت له نورهان بغضب شديد قبل أن تسمع صوت والد مسلم وهو يردد بجدية :

_ طيب نسيب العرسان يتكلموا شوية يا ابو أحمد واحنا قصادهم هنا .

هز الرجل رأسه وهو يشير لابنته صوب الشرفة أمامهم:

_ خدي حاتم يا نور للبلكونة وضايفيه .

وهي شعرت أن قلبها يكاد يتوقف من شدة ضرباته تنهد بأقدام مرتعشة تشير له ليتحركوا صوب الشرفة تحت أعين الجميع .

وأحمد ظل جالسًا وهو يراقبهم بأعين لا تفوت أي همسة تصدر منهم، حتى يتحرك ويقاطعهم ويبدو أن ساڤا أدركت ذلك وهي تشير له برأسها مبتسمة .

_ أحمد...

نظر له بانتباه شديد فابتسمت له برقة :

_ ممكن دقيقة لو سمحت ؟

وأحمد نهض يتحرك صوبها يجذبها برقة دون كلمة :

_ اكيد .

ومن ثم تحرك بها صوب غرفته تاركًا الجميع يتحدثون في الخارج في أمورهم الخاصة وقد بدأوا يسترجعون ذكريات ويفتحون مواضيع لا علاقة لها بمسار الجلسة الاصلي .

وهو لم يكن يهتم سوى بساڤا التي بمجرد أن وصلت معه للغرفة حتى جذبته تلقي نفسها بين أحضانه فابتسم بعدم فهم يضمها له بحنان قبل أن يميل يقبل رأسها بلطف شديد :

_ حبيبتي أنتِ كويسة ؟

هزت رأسها بهدوء وهي تمارس كل مهاراتها كي تبعده اكبر وقت ممكن عن نورهان في الخارج : 

_ الحمدلله، أنت بس وحشتني معرفتش اشوفك طول اليوم .

اتسعت بسمة أحمد بقوة وهو يضمها له أكثر :

_ وأنتِ أكثر، انا عامة بدأت اخلص في الشقة بتاعتنا عشان ننقل، بس بعد ما نعمل اكبر وأجمل فرح لاحلى ساڨ في الدنيا .

ابتعدت ساڤا قليلًا تهمس بصوت متعجب :

_ فرح ؟ انا هعمل فرح ؟؟

ابتسم لها بحنان :

_ اكيد يا ساڤا هنعمل فرح، مش واخدك تخليص حق .

التمعت عيون ساڤا وهي تتحدث بلهفة شديدة :

_ هلبس فستان ؟

_ اجمل فستان لعيونك يا ساڤا هاخدك بعد فرح مسلم وننزل نختار فستان سوا ليكِ .

تعجبت  وهي تردد بجدية :

_ فرح مسلم ؟

_ اها مسلم قبل ما تخرجوا كان بيقترح أنه هيعمل فرحه خلال اسبوع على رايانا. 

اشتدت سعادة ساڤا بقوة لا تصدق أن الحياة تبتسم لهم، وسؤال رايانا الذي القته يومًا وهم جالسون وجدت أن إجابة أخيرًا .

" تفتكري يا ساڤا لو خرجنا من هنا هنلاقي حياة برة ؟؟"

وفي الواقع هم لم يجدوا الحياة، بل الحياة هي من أتت لقريتهم تبحث عنهم، وفي ثواني مرت أمام عيونها لقطات كثيرة مع أحمد، يوم دافع عنها ضد مساعدها في المقهى، ويوم جاء يجذبها بعيدًا قبل أن تقتل عم رايانا، الكثير والكثير ...

من كان يتوقع أن تلقي الحياة لها مكافأة اكبر مما بذلت يومًا، مكافأة تتمثل في أحمد ؟!

وكل تلك الأفكار كانت تنعكس على ملامحها في تعابير سعادة وحنين جعلت احمد لا يقاوم وهو يجذبها بقوة محتضنًا إياها بحنان شديد وقد شعر أن سعادتها مسؤولة حياته التي سيحيا فقط يسعى لها .

_ أحمد...انا مش مصدقة.... أحمد... أنا سعيدة اوي بجد، مش مصدقة .

_ لا يا ساڤ صدقي، واي حاجة تاني تيجي على راسك بس قوليها ليا وأنا هحققها ليكِ يا ساڤ .

تنفست ساڤا بعدم تصديق لما تحياه في هذه اللحظة ودون شعور منها رفعت نفسها تضع قبلة على خده ومن ثم همست بصوت منخفض خجل :

_ انا بحبك يا أحمد..

وأحمد فقط أجابها بنظرات عيونه قبل أن يميل يجذبها لاحضانه يرفعها عن الأرض وهو يدور بها وهي تضم رقبته بسعادة كبيرة، ترتشف من الحياة كل قطرة سعادة تقدمها بطمع، تتمسك باحمد وكأنه طوق نجاتها...وقد كان ......

ــــــــــــــــــــــــــــ

_ نور ...

واخيرًا رفعت عيونها له ليبتسم لها بحب :

_ كيفك اليوم ؟ عساكِ منيحة ؟

_ ايوة الحمدلله شكرا على سؤالك .

_ العفو .

ومن ثم صمتت ولم تتحدث بكلمة وهي تشرد في الطريق أمامها وهو يشرد بها قبل أن يتحدث بصوت خافت :

_ نور ..

_ نعم ؟

_ أنتِ موافقة؟!

نظرت نور ارضًا بخجل ومن ثم حركت عيونها تنظر صوب والديها والجميع قريبًا منهم، وهزت رأسها هزة صغيرة :

_ بابا هيبلغك ردي .

اتسعت بسمة حاتم بقوة :

_ أي بعرفك اطيب من أنك تضيعي حلم مسكين صارله خمس سنين عم يحلم بهالحظة.

نفت برأسها وقد كانت متوترة من التفكير في حديثه تردد نفس الجملة التي تتخذها درعًا في هذه اللحظة :

_ هو بابا اللي هيـ...

فجأة توقفت وكأنها للتو أدركت معنى الجملة التي نطق بها منذ ثواني، ترفع عيونها له اخيرا ليبتسم باتساع حينما أبصر عيونها، لكنها لم تكن منتبهة لشروده مرددة بتعجب .

_ خمس ...خمس سنين ايه ؟؟ انا اعرفك من شهور بس و...

توقفت عن الحديث حينما أبصرت شروده بها ببسمة غريبة :

_ ايه بس أنا بعرفك صارلي شي خمس سنين .

_ ايه ؟؟

وقد كانت كلمة خرجت منها مصدومة لا تصدق الأمر، منذ خمس سنوات ؟ ما الذي يتحدث عنه هذا الرجل ؟ هل يحاول استمالتها ببعض القصص حول أنه احبها في الحلم مثلًا، رغم شكها أنه ليس هذا النوع من الرجال .

وهو تحدث ببساطة :

_ كانت مرة ...مرة شوفت فيها صورتك بالغلط مع مسلم .

وهي شعرت أن التنفس أصبح صعبًا تسمعه يردد ببساطة ما حدث على الجانب الآخر لا تعي بشيء :

_ بالغلط شوفت صورة لمسلم و من بين كل ياللي بهديك الصورة، بس وجهك اللي جذب انظاري، صرت أتأمل فيو بلا شعور حتى مسكني مسلم مع الصورة .

تنهد بصوت مرتفع، تنهيدة حملت كل عذاب السنوات السابقة :

_ فكرتها بس مجرد نظرة اعجاب لبنوتة جميلة، بسمتها اجمل، لكن كنت غلطان، كنت لحظة غرقت فيها بكل تفصيلة فيكِ .

كل ذلك وهي تستمع كيف بدأت القصة من طرفه، كان الرجل غارقًا في كل تفصيلة بها، يحكي ويخبرها بكل شيء وهي تشعر بالصدمة، هل ....هل كان هناك شخص يحبها بهذا الشكل في العالم دون أن تشعر ؟

كانت تبحث عن الحب في مكان خاطئ، مع الشخص الخطأ، وهناك في جزء من العالم آخر ينتظر منها فقط بسمة واحدة لتبتسم حياته كلها .

شعرت أن هذه الفكرة تسببت في بعثرة كل مشاعرها، مشاعر غريبة بدأت تهاجمها وهي تهمس بصوت مرتجف .

_ حاتم .

_ بس اشري .

لم تستطع سوى النطق بكلمة واحدة وكأن مشاعرها تملكتها وتحكمت بكل جزء داخلها، تنظر لعيونه بهدوء :

_ موافقة ....

ـــــــــــــــــــــــ
كان يقف معها في المحطة وهو ينظر حوله بينما هي تتحدث جواره بحماس شديد :

_ مش مصدقة يا يحيى، انا ...حاسة اني بحلم .

ابتسم يحيى وهو ينظر لها بمشاكسة :

_ احلمي وانا احقق يا عيوني .

اتسعت بسمتها بقوة مر شهرين من التحضيرات لزفاف رايانا ومسلم اليوم، ومن ثم يأتي دورها مع يحيى ..

هذه الفكرة نفسها كانت تجعل جسدها يرتجف من الحماس والتوتر، فجأة انتفضت من أفكارها على صوت يحيى وهو يقول بصوت مرتفع وسعادة بالغة :

_ جدي وصل اهو ..

ومن ثم تركها يندفع بسرعة كبيرة صوب الرصيف يستقبل الشيخ الذي أتى خصيصًا مع ولده وأحفاده تلبية لدعوة يحيى الذي أبى أن يمر زفاف أخيه دون دعوتهم ولشيء آخر في نفسه .

_ جدي يا جدي يا جدي يا جدي .

أطلق الشيخ ضحكات مرتفع وهو يستقبل يحيى بالاحضان والترحيب والاخير انكب عليه بالقبلات بسعادة كبيرة ومن ثم تحرك يرحب بخال كارا وكامل أفراد العائلة وقد قرر مسلم أن زفافه سيضم كل من عرفهم يومًا، لذا شرع الجميع يدعو كل ما يعرفه وهو لم يعرف سوى عائلة كارا ورجب وقد وصل الأخير بالفعل مع محفوظ منذ يومين يقيمون في شقة يحيى معه .

حمل يحيى الحقائب وهو يرحب ويتحرك بهم صوب اول سيارة أجرة قابلته يضع بها كل شيء ومن ثم قال وهو يشير جانبًا :

_ اركبوا انتم وانا هسبقكم بالتوكتوك مع عيسى عشان السواق يعرف الطريق .

هز له خال كارا رأسه :

_ توكل على الله يا بني .

وبالفعل تحرك بسرعة صوب التكتوك وقد بدأ عيسى القيادة والتحرك بهم صوب حارتهم، وبمجرد الوصول بعد نصف ساعة تقريبًا أبصر الجميع الحارة وقد تزينت جميع منازلها بالاضواء .

مسلم الذي أبى إلا أن يسعد في المكان الذي نشأ فيه ورايانا التي رفضت أي مكان آخر، تعهد لها أن يحول المكان لافضل بقعة لزفافهم .

كان الجميع يعمل على قدم وساق في تزيين الشارع بالكامل وفرش الأرض تمهيدًا للزفاف، وآخرون يجهزون المقاعد .

تحرك بهم يحيى صوب المنزل الخاص بهم وقد كانت الفوضى تعم المكان بأكمله وقد حرمت والدته عليهم دخول منزلهم بسبب الفتيات به، بينما استقر الرجال في شقة مسلم نفسه .

تحرك بالحقائب صوب شقته وهو يضعها مرحبًا بهم .

وفي الاسفل كان منزل عائلة مسلم تعلو من الأصوات والضجيج، ضجيح يبث في نفس رايانا سعادة، خاصة بوجود شيما التي كانت تعتني بها كأنها طفلتها الصغيرة .

_ وأنتِ امتى بقى يا ساڤا فرحك عايزين نفرح بيك يا بنتي .

ختمت شيما كلماتها وهي ترسم بالحناء على ذراع ساڤا بينما الأخيرة ابتسمت بهدوء شديد ويبدو أن جلستها مع احمد جعلتها تلتقط الكثير منه رغم جنونها الذي تحتفظ به .

_ كمان شهر كده ولا حاجة .

وقد كان هذا اتفاقها مع أحمد الذي أحب أن يتزوجوا بعد انتهاء جلساتها، مر شهرين لم يحدث بهم الكثير احترامًا لموت الجدة وقد مر ما يقارب ثلاثة شهور على رحيلها .

الآن حان الوقت لتبدأ رايانا حياتها، ومن ثم تتبعها كارا ومن ثم هي، واخيرًا نورهان التي فضلت الانتظار حتى تستقر وتنتهي من كل ما يؤرقها، وحاتم لم يفكر في الأمر وهو يوافق على أن يعقد القرآن مع يحيى بعد اسبوع من الآن .

كانت الافراح تتسابق لمنزل عائلة المريدي، وكأنها تنتظر عودة الغائب لتطرق الباب ..

استفاقت ساڤا من شرودها على صوت اغنية لاتينية تحبها وبشدة وقد كانت هي نفسها التي تعلم رايانا الرقص عليها، ساڤا راقصة الغجر انظروا أين هي الآن؟!

_ ها ساڨا فين وعدك ليا ترقصي ليا يوم فرحي لغاية ما تقعي على الأرض .

اتسعت بسمة ساڤا على كلمات رايانا ومن ثم نظرت للجميع حولها في البهو، تنهض تتجهز :

_ وانا عند وعدي يا راي.

ومن بعدها بدأت العيون تتسع تباعًا وهم يبصرون رقص ساڤا الساحر، حتى كارا والتي كانت تعلم ساڤا منذ سنوات طويلة وتسمع الكثير عنها، إلا أنها يومًا لم تبصرها ترقص .

كانت ساڤا مرنة في حركاتها بارعة في رقصات الغجر تغني وترقص واليوم كان مميزًا لها لتفعل الكثير مما تركته خلفها .

ونورهان تجلس جانبًا تبتلع ريقها بصدمة :

- يا ابن المحظوظة ...

ضحكت شيما على كلمتها وهي تراقب ساڤا، وما هي إلا ثواني حتى انضمت لها رايانا وهي تراقصها، ورغم أنها لم تكن ببراعة ساڤا إلا أن حركاتها كانت قوية .

والجميع يراقب بانبهار وقد دبت حالة من الاحتفال بين الجميع وعلت النغمات وأصوات الاحتفال .

وفي الطابق الأعلى كان الاحتفال عند الرجال قائم كذلك، وأصوات الصخب تعلو في المكان، حاتم يرقص مع يحيى وكأن لا غد قادم، بينما مسلم يراقبهم من المرآة، والحلاق يعمل على خصلاته .

يضحك وهو يراقب حركاتهم الغريبة التي يقوم بها الاثنان، ويحيى الذي كان يرقص بشكل يخبرك أن اليوم زفافه هو .

بينما عيسى يصفر وهو يرقص فوق الطاولة وقد تأكد مسلم أن رايانا لن تستلم شقتها بلا خراب اليوم .

فجأة توقف حاتم عن الرقص وهو ينظر بهاتفه يشير لهم بمكالمة سريعة يخرج من المكان .

في الوقت الذي هبط عيسى يشارك يحيى كي لا يكون وحده .

دقائق حتى انتهى مسلم مما يفعل وجذبه يحيى ليشاركهم الرقص وقد فعل مسلم وهو يضحك بصوت مرتفع وقد نسي لسنوات طويلة كي يرقص ويشارك الآخرين فرحتهم، لكن الفرق أن اليوم كانت فرحته هو .

كان دوره ليحيا سعادته .

دقائق طويلة قضاها وهو يرقص معهم حتى وجد حاتم يعود مجددًا، لكن ليس وحده هذه المرة، يا دخل وخلفه ثلاثة آخرين .

وقبل أن يستوعب ما يحدث وجد أحدهم يندفع للحلقة وهو يرفع يديه في الهواء ويرقص بكل حماس لدرجة أن يحيى ورغم أنه لا يعلمه إلا أنه امسكه من كتفه وأخذ يرقص مع بكل جنون .

والاثنان الآخرين يقفون جانبًا لا يفهمون ما يحدث وما كل هذه الضوضاء في المكان .

نظر مسلم بتعجب لحاتم الذي ابتسم له وهو يضمه بسعادة :

_ اول ما عرفوا أنه عرسك أصروا يجوا، هدول الكلاب أخذوها للفيزا بغمضة عين .

اتسعت بسمة مسلم بعدم تصديق وهو يبصر جوليان مع مارك الذي كان يرتدي ثياب تغطي كامل وشومه ويبدو أن حاتم قد أعلمه ذلك .

بينما زكي كان ...
حسنًا كان يحمل يحيى فوق كتفه ويرقص به في منتصف منزله، ونعم يبدو أنها طبيعة شعب في النهاية إذ لم يفكر زكي ثانية وهو يندفع يدس جسده بين الأجساد الراقصة يشاركهم الاحتفال .

تحرك جوليان صوب مسلم يفتح ذراعيه :

_ مسلم صديقي العزيز .

التوى فم مسلم بضيق مصطنع، لكن جوليان لم يهتم وهو يجذب جسده بالقوة له :

- يا ويلي جاء اليوم الذي أبصر به زفافك يا صغير .

ابتعد وهو يمسك خدود مسلم بشكل جعل الأخير يضربه بغضب ليتأوه جوليان مبتعدًا عنه وهو يسبه ويلعنه، ومارك تحرك صوب مسلم يصافحه ويعانقه بشكل سطحي، لم يكن صديقًا لمسلم يومًا لكنه ممتن له رغم ذلك .

_ مبارك يا صديق .

_ لم اتوقع مجيئك أنت تحديدًا مارك .

- وانا لم افعل، لكن حاتم وعدني بالاستمتاع كما أنني كنت انتوي زيارة شرم الشيخ، لذا لا بأس بذلك .

نظر مسلم صوب حاتم الذي ابتسم له :

_ كلما زاد العدد كان افضل .

تحدث عيسى من بعيد بعدما اخفض صوت الموسيقى :

_ يحيى تعالى هات الاكل معايا، يلا يا جماعة عشان الغدا .. 

لكن يحيى كان ما يزال مندمجًا مع زكي الذي لا يصدق أنه واخيرًا وجد شخص ينافسه جنونًا .

وبعد دقائق من الجنون بدأ الجميع يهدأ ويحيى يحضر مع عيسى الطعام من المنزل صوب الاعلى للجميع، وجلس الكل ارضًا يتناولون وجبة الغداء قبل بدء الزفاف .

_ وأنت بقى اتعرفت على مسلم فين يا زكي ؟! 

ابتلع زكي الطعام يتلذذ بكل قطمة وكأنه لم يتناول شيء منذ سنوات :

_ عرفت مسلم من سنين فالمنظمة، وصح ما كنتش نتعامل معاه بزاف، بصح غير كي عرف بلي أنا عربي، وقف معايا وساعدني. مسلم كان ديما واقف مع العرب لي كانو تما، وما كانش يقصر مع حتى واحد فيهم. على هاذ الشي، راني ندينلو بزاف.

نظر له يحيى ثواني بصمت قبل أن يبتسم وهو يتساءل مجددًا :

_ مقولتش عرفت مسلم ازاي ؟! 

_ يا خويا، راني قلتلك غير دوك.

نظر يحيى صوب مسلم بعدم فهم :

_ هو عايز ايه ؟؟ اقول لامك تجيب رز تاني يعني ولا ايه ؟

ضحك مسلم بصخب وهو يراقب يحيى الذي كان لا يفهم ما يتحدث به زكي، رغم أن الأخير كان يتحدث بأقل لهجاته تعقيدًا، لدرجة أن يحيى نظر صوب مارك وهو يخبره :

_ Please translate.

انفجر مسلم في ضحكات أشد صخبًا بينما زكي تشنجت ملامحه وهو يتحدث بلهجة مصرية بها لكنة واضحة :

_ يا باشا عمال اكلمك بلهجة واضحة .

_ يا باشا ؟؟ والله قافشك من الاول .

هز زكي رأسه بيأس بينما مسلم كان يراقبهم مستمتعًا يحرك عيونه بين الجميع، لا يصدق أن هذه هي النهاية بعد كل ما عاشه، وصل لمرحلة من اليأس قديمًا أنه لن يبصر فرحة في حياته والآن ها هو الله بعد طلبه لقطرة رزقه بغيث ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تراقب نفسها في المرآة لا تصدق أنها تنظر لانعاكسها، بل الأحرى تنظر لاحلامها البعيدة التي دفنته دا داخل صفحات رواياتها القديمة اسفل وسادتها.

صوت الزغاريد حولها والتهنئة يعلو وهي لا تصدق، ولثواني تمنت لو تراها جدتها هكذا، لكن قبل الاندماج في حزنها سمعت صوت شيما وهي تضمها من الخلق تنظر لها في المرآة :

_ اكيد هي شيفاكِ دلوقتي مع والدتك وفرحانين ليكِ يا عيوني .

نزلت دمعة من عيون رايانا وهي تمسك كف شيما تقبله :

_ ربنا يرحمهم ويخليكِ ليا يا ماما، ربنا بيعوضني فيكِ يا شيما .

بكت شيما بقوة وهي تضم رايانا تقبلها بحب بينما ساڤا تراقبهم بحب تتحرك لتضم رايانا تبارك لها ومن ثم همست :

_ ابوكِ برة عايز ...

صمتت ولم تعلم كيف تتحدث، لكن رايانا تنهدت بصوت مرتفع :

_ قوليله أنه محدش هيزفني لمسلم غيره يا شيما .

اتسعت بسمة شيما بسعادة كبيرة وقد هرولت تزف البشرى لعزيز الذي لم يكن يصدق أننا ستسمح له حتى بحضور زفافها وليس أن يزفها .

ورايانا تراقب الجميع حولها، كارا ونورهان وساڤا، والدة مسلم وخالته وبعض الفتيات من أقاربهم وقد تعرفت على واحدة فقط تسمى أميرة وقد كانت الفتاة لطيفة .

علمت من مسلم أن والدها كان أحد المسجونين في قضية الأرض وقد تم القبض على الكثير من الرجال مثل ذلك المحامي وقريب مسلم ورجال آخرين وما زال البحث جاري .

استفاقت على طرقة خفيفة على الباب ومن ثم صوت شيما وهي تردد بنبرة سعيدة كطفلة حصلت على حلوى العيد :

_ ابوكِ هنا يا رايانا عشان يوصلك لعريسك يا بنتي .

استدارت رايانا بهدوء وهي تراقب والدها يظهر من خلف الباب يراقبها ببسمة سرعان ما تحولت لذهول وهو يبصرها تقف في منتصف الغرفة بهذه الهيئة، عقدت ابنته القرآن مرة ولم يهتم ولم يراها بهذا البهاء يومًا .

ارتجف صدر عزيز وهو يراقبها وصورة لها وهي طفلة تقفز أمام عيونه وقد بدأت الدموع تشكل ضباب أمام عيونه حتى أصبح لا يبصر طريقه صوبها بشكل سليم، وبمجرد أن وصل لها حتى انهمرت دموعه أمامه أخيرًا يهمس بصوت مرتفع وهو يرفع يده يضم وجهها بحنان :

_ قمر يا حبيبتي، اجمل عروسة في الدنيا .

أغمضت رايانا عيونها وهي تشعر بقبلة والدها على رأسها، وقد بدأ كامل جسدها يرتجف، استكانت بين أحضانه للمرة الأولى ربما تتقبل ربتاته وكلماته :

_ سامحيني يا بنتي حقك عليا ..

وهي لم تتحدث، ليس اليوم، لا تمتلك وقتًا تعاتب وتلوم، هي فقط تود اليوم أن تسعد ولن تسمح لأي أحقاد أو ماضي بالوقوف في طريق سعادتها .

مد لها عزيز يده لتتأبطها وتتحرك معه للخلف والحميع خلفها يطلق زغاريط وقد بدأت نورهان تلقيها بالورود ..

في طريقهم صوب مسلم الذي كان ينتظرها أسفل درج المنزل حوله الجميع يشعر أنه ينتظر كي يتلقف سعادته، وبمجرد أن ابصرها تنفس واخيرًا وكأنه كان يكبت هذه الزفرة لوقت طويل .

لكن ثواني وبدأت عيونه تتسع شيئًا فشيء لا يصدق ما يراه أمامه.

واخيرًا أصبحت أمامه ليروي ظمأه بلقياها، مد يده لها وهو يهمس لها ببسمة عاشقة :

- جاهزة تشاركيني عمري الجاي يا فروشكا ؟

نظرت ليده ثواني وبلا تفكير وضعت كفها به تجيبه بحب :

_ جاهزة اشاركك حياتي يا مسلم .

اتسعت بسمة مسلم وهو يجذبها صوبه برقة يطبع قبلة على جبهتها هامسًا بصوت حنون وقد كانت نبرته مرتجفة :

_ قمر بالحجاب يا رايانا .

ورايانا كانت قد اتخذت قرارها بعد جلسة طويلة مع نورهان وساڤا، جلسة حول ما يمكن أن تبدأ به ..

وقررت أن تبدأ به اليوم، مع بداية حياة جديدة لها .

امسك مسلم يدها وتحرك بها صوب مقاعدهم المخصصة ليبدأ الزفاف، وتبدأ الفقرة المحببة لقلب يحيى الذي قاد السهرة من اول لحظة .

لكن فجأة توقف حينما ابصرها تقف جانبًا وحدها فابتعد أن الجميع وتوجه لها وهو يقول بجدية :

_ بقولك يا قمر مرتبطة ؟

استدارت كارا بتفاجئ صوب يحيى، قبل أن تقلب عيونها :

_ فكرت حد بيعاكس يا يحيى وقفت قلبي .

_ بعد الشر يا كارا، انا عامل حواليكِ شائك.

ابتسمت كارا بسمة واسعة وهي تراقب مسلم مع رايانا تقول بسعادة :

_ حلوين اوي .

_ اوي والله .

استدارت له بتعجب فوجدته ينظر لها :

_ بتكلم عن مسلم ورايانا.

_ وانا بتكلم عنك ميا كارا .

ابتسمت كارا بخجل وهي تنظر ارضًا ثواني قبل أن يقول هو بحنان :

- عقبالك يا كارا ..

_ باذن الله قريب .

_ اقرب مما تتخيلي يا قمر .

رمشت كارا قبل أن ترفع عيونها له لتراه يحدق فيها بشكل دقيق وكأنه يحللها، ابتسمت بلطف بسمة صغيرة ردها هو ببسمة واسعة .

_ تحبي نعمل الفرح هنا زيهم ولا اعملك في قاعة ؟

_ أي حاجة يا يحيى اللي تحبه .

_ لا اللي تحبيه أنتِ، أنا عايزك تحضري ليومك على مزاجك .

نظرت له ثواني قبل أن تقول بصوت خافت :

_ كان عندي فكرة كده .

اتسعت بسمة يحيى واخيرا وكأنه نال ما يطمح له، يشير لها بالانتظار يتحرك بسرعة يحضر مقعدين يضعهما جوارها ومن ثم تحرك يحضر بعض الحلوى ويجذب طاولة صغيرة في موقع مميز تكشف كل الاحتفالات صانعًا لهم سهرة رومانسية على ضوء النغمات الشعبية.

أشار لها بالجلوس وهو يستند على الطاولة بكفه :

_ ها يا ستي قوليلي بقى حابة اليوم يمشي ازاي ؟

ضحكت كارا من تصرفاته وهي تنظر حولها :

_ طب نخلص اليوم ونشوف سوا، قضي وقتك مع اخوك و...

_ يا ستي اخويا هيقوم يرقص سلو دلوقتي عقبالك سلوهك كده، ولغاية ما يخلص نكون احنا خلصنا كلام، احكيلي ميا كارا حابة فرحك يكون فين .

وكارا فقط كانت شاردة به وبكل لفتة منه، وكأنه نصبها على رأس أولوياته .

_ نفسي اعمله في مركب ..

التمعت عيون يحيى وهو يستمع لها توصف احلامها  شارد بها مستند على كفه يسمعها دون كلل أو ملل يراقب أحلامه ومستقبله وحياته القادمة المتمثلة بكارا، يدون كل كلمة وكل لحظة معها، يصنف كل همسة بها تحت بند " هام "، ويضع خطوط حمراء تحت كل ملاحظة تنطق بها .

باختصار هذه المرأة أمامه كانت أولى أحلامه ونهاية آماله....

ـــــــــــــــــــــــــــ

_ بالله عليك مش حلوين اوي تبارك الله خايفة يتحسدوا .

كانت تتحدث وهي تراقب من الجانب الرقصة التي يؤديها مسلم مع زوجته بهدوء، بينما هو لم يكن حتى يبصر أو ينتبه لشيء فقط كان ينظر لها .

_ والله ماني شايف حلو هون غيرك .

استدارت نورهان صوبه محذرة :

- حاتم .

_ عيونه لحاتم.

- يا بني بقى .

اعتدل حاتم في وقفته وهو يردد بجدية ممتصًا شفتيه بسخرية :

_ ابنك، هلأ خلتيها للسنتين ابنك !

اتسعت عيونها من فهمه لجملتها :

_ لا أنت فهمت ايه انا مش قصدي أنا بقول الكلمة دي للكل عادي ده انا بقولها لأحمد.

_ اها لكان اعترفتي أنك بتعامليني نفس معاملته لأحمد، لا يا آنسة هالمعالمة تنسيلنا إياها، كلها يومين وبتصيري مرتي وأنا رجال  بحبها لمرتي تدللني.

كان يتحدث بجدية مبطنة بمزاح وهي تراقبه بصدمة، بينما هو يرسم الجدية على ملامحه حتى شعر أنه تمادى، لذا ابتسم بهدوء يهمس بصوت خافت :

_ عم بمزح، لك بتساوي اللي بدك ياه، ايه مؤ تؤمريني أنتِ .

راقبته نورهان بحب شديد وكأنها لا تصدق أن هذه نهاياتها مع رجل كحاتم مراتي ولطيف ويحبها .

كان أكثر مما تخيلت ومما أرادت يومًا .

_ حاتم.

_ تكرمي...

_ أنا بحبك على فكرة .

_ ايه ولو ...

فجأة توقف عن الحديث يستدير لها بعدم تصديق هامسًا بنبرة مذهولة وقد كانت هذه المرة الأولى التي تنطقها معه وجهًا لوجه وقد كانت تضن عليه بالبسمة حتى.

_ شو ؟ شو قلتيلي هلأ نور ؟

_ هي كانت مرة واحدة وخلاص .

_ لا بالله ما تعمليها فيني مرة تانية، شو قلتي ؟ يعني ما راح تتزوجيني بس لانه عيوني حلوين ؟

أطلقت نورهان ضحكة مرتفعة وهو يراقبها بسعادة قبل أن يردد :

_ كنت عارف اصلًا واضح عليكِ ما قدرتي تقاوميها لعيوني، ذباحة هي.

يتحدث ويتحدث وهي لا تتوقف عن الضحك وقد كانت هذه اجمل نغمة يمكن أن يطرب بها حاتم أذنه.

ضحكات نورهان، وكل ما يخص نورهان .....

ــــــــــــــــــــــــــ

يضمها وهو يقف خلفها يراقبان الزفاف بهدوء واستكانة حتى تحدثت هي بصوت وصل له واضحًا رغم الضوضاء إذ كان يرهف كل حواسه معها .

_ تفتكر فرحنا هيكون عامل ازاي يا أحمد.

_ هيكون بالظبط زي ما بتحلمي يا ساڤ .

_ عمري ...عمري ما حلمت اني اتجوز في يوم .

لم يتحدث أحمد بكلمة واحدة، بل فقط ضمها أكثر وهو يستند بذقنه على كتفها هامسًا بحب وعيونه تنظر لها بحنان .

_ يبقى جه الوقت أنك تحلمي ياساڨا ومتخليش لحلمك حدود، أنتِ احلمي وانا احقق ....

نظرت له ساڨا بحب شديد وهو بادلها النظرة بالمثل .

ــــــــــــــ

وعلى بُعد صغير منهم كان مسلم يضم رايانا له بحب وهدوء شديد، كان يضم عالمه بين يديه يراقبها بحب وحنان .

_ ناقصلك التاج يا رايانا .

نظرت له رايانا وهي تشرد في عيونه، ليميل هو عليا هامسًا بحب :

_ متبصيش كده عشان نظراتك بتسحرني .

صمت ثواني ثم أكمل بنفس النبرة :

_ تعرفي إني قرأت عن سحر الغجر قبل كده ؟!

رفعت عيونها لها بعدم فهم :

_ قصدك اني ساحرة ؟

_ والله اه، اصل اللي حصل ده ميتصنفش غير أنه سحر، فهميني ازاي ممكن اتعلق بحد وأحبه بالشكل ده في الفترة الصغيرة دي غير أنه الشخص ده ساحرلي ؟

_ انا معملتش ليك حاجة على فكرة .

ضحكت مسلم وهو يرفعها قليلًا حتى تصبح في طوله :

- كدابة، ده انا من وقت ما شوفتك وانا عايش عشانك وبقى كل حاجة بتدور حواليكِ، جدي كان باعتني عشان ارجع ارضه، بس أنا نقبت فيها وخرجت كنز اغلى من الأرض .

اتسعت بسمتها بقوة وهي تراقبه تهمس وهي تحاول التخمين :

_ تفتكر لو مكنتش جيت عشان الأرض كنا ممكن نتقابل ؟!

_ عامة بعد شهور طويلة أنا اكتشفت إني من البداية كنت جاي عشانك، عمرها ما كانت الأرض يا رايانا، دايما كان أنتِ، وردًا على سؤالك كنت هعيش ادور عليكِ لغاية ما الاقيكِ.

استندت رايانا برأسها على صدره في هدوء شديد ومن ثم قالت بصوت خافت :

_ لو اعرف كل ده مكنتش وقعتك من الجسر اول مرة .

ضحك مسلم بصوت مرتفع وهو يتذكر ذلك اليوم ثم هو رأسه:

_ هي جات على الجسر من وقت ما شوفت وانا كل شوية اقع على جدور رقبتي .

صمت ثم مال يهمس لها بكل حنان :

_ بس لو الوقعة عشانك فأنا مستعد افضل اقع ومقومش يا فروشكا ...

وهي فقدت القدرة على التحدث بكلمة واحدة، ما بين لقاء اول ونهاية سعيدة مرت بالكثير، مرت باشياء كانت لتصنفها في ظروف أخرى وحياة أخرى أنها اشياء مروعة، لكن وجود مسلم داخل إطار الصورة خفف من وطأة كل ذلك .

ما مرت به مع مسلم كان كبيرًا، هذا الرجل وعكس الجميع شاركها أحزانها قبل فرحتها حتى، أبصر تعاستها قبل بسمتها، رأى ظلامها قبل أن يستشعر نورها ورغم ذلك اختارها .

مسلم الرجل الذي اختار أن يبصر النور بين كل الظلام الذي كانت تغرق به، وهي ستعيش عمرها كله تحافظ على ضوء شمعته.

بعد انتهاء رقصتهم بدأت الاغاني تشتعل وسحب زوجته بعيدًا صوب المقعد الخاص بهم حيث كانت الفتيات تنتظرنها وهو توقف بين اصدقائه واخوته جميعًا على المسرح مجددًا وقد رفعه احمد فوق أكتافه، ورفع يحيى عيسى ليرقص مع مسلم لتبدأ الاحتفالات بين الجميع حتى مارك وجوليان رغم عدم فهمها لما يحدث شاركوهم كل ذلك .

كانوا يشاركونه فرحته، وهو يشاركها سعادته .

مسلم الذي عاش عشر سنوات جحيم قتلوا كل ذرة براءة داخله جاءته هي بلا مقدمات لتنتزعه من ظلامه وينتزعها هو من تعاستها، كانت معين له وكان هو عوض لها .

وساڤا التي عاشت حياتها كاملة تبكي لياليها وجدت أحمد واخيرًا يشاركها تلك الليالي منسيًا إياها كل لحظة تعاسة عاشتها، مشاركًا إياها كل لحظة فرح كان هو السبب بها .

وكارا التي أُلقيت في زفاف خرجت منه ركام، وجدت يحيى اليد التي تجمع شتاتها النقيض تماما منها لكنه يكملها بشكل من الأشكال .

واخيرًا نورهان التي احترقت على يد ذكر، وجدت الرجل الذي يزيح عنها الرماد، رجل رغم كل ما مر به لم يفقد بريقه وكأنه كان يحتفظ به لها هي ...

كانت قصاصات من حكايات مختلفة بعضها قد نبصرها حولنا، والبعض الآخر نسمع عنه، حكايات بدأت بأرض وانتهت بعوض ....

وعلى عكس كل الحكايات، كان الزواج هنا هو بداية قصتهم .

                  تمت
تعليقات



<>