رواية خيوط لاتري الفصل الثالث3بقلم فاطمة مالكي


رواية خيوط لاتري الفصل الثالث3بقلم فاطمة مالكي

 خلف الأبواب الزجاجية.. واصطدام اللهجات
أغلقت حنين الباب خلفها بهدوء حذر. لثانية قصيرة، شعرت أن صوت اصطدام الخشب بالإطار كان أعلى مما ينبغي، أو ربما كان السبب الحقيقي هو ذلك التوتر البارد الذي بدأ يتسلل إلى أوصالها منذ أن وطأت قدمها أرضية هذا الطابق الإداري الفاخر. كان الهواء معبأً برائحة القهوة وعطر رجالي خفيف.
وقفت في مكانها لبرهة تستكشف تفاصيل المكان. واجهة زجاجية ضخمة تمتد من السقف إلى الأرض تكشف سحر القاهرة من أعلى، ومكتبة خشبية طويلة تمتلئ رفوفها بالملفات المنظمة بدقة عسكرية، ومكتب كبير يتميز بتصميم بسيط وعملي يعكس طبيعة صاحبه الجليدية، خاليًا من أي بهرج أو استعراض.
رفع "ياسين" نظره إليها بهدوء. كانت عيناه تقيمانها بصمت، ثم أشار بيده نحو المقعد الوثير المقابل لمكتبه، وقال بصوت رخيم لا يحمل الكثير من الود:
— اتفضلي... الطريق كان سهل؟
تقدمت حنين بخطوات هادئة، محاولة إخفاء ارتباكها خلف قناع من الثقة المهنية. جلست، وقالت بعفوية وابتسامة مهذبة:
— يعطيك الصحة.
توقفت يد ياسين التي كانت ترتب بعض الأوراق، ورفع حاجبيه قليلاً ببرود متسائلاً:
— صحة إيه؟ أنا بسألك الطريق كان سهل؟
رمشت حنين للحظة، وأدركت فوراً اصطدام اللهجات الأول. انطلقت ضحكة خافتة من بين شفتيها، وابتسمت بتوتر خفيف متداركة الموقف:
— لا، أنا أقصد.. شكراً، أو كما نقول عندنا في الجزائر "يعطيك الصحة" للدعاء بالخير وللتعبير عن الامتنان. نعم، الطريق كان ساهل، الحمد لله.
ساد الصمت ثوانٍ قليلة، كانت ثقيلة وكافية لتشعر حنين أنه يراقب كل شيء؛ طريقة جلوسها، نبرة كلامها، وحتى حركة يديها. كسر ياسين الجمود متحدثاً بنبرة عملية بحتة:
—قبل ما نكمل كلامنا وندخل في التفاصيل.. حابب أعرف حاجة. لو كنتِ مكاني في اجتماع الفندق، وشكّيتي إن في حد بيتلاعب في الترجمة... كنتِ هتعملي إيه؟
ثبت نظره عليها بإعجاب خفي ببديهتها. فكرت لثانية واحدة، ثم أجابت بنبرة هادئة يملؤها الحذر والدهاء: —كنت نعاود حساباتي في كلش.. نرجع نشوف الفيديو تاع الاجتماع كلمة بكلمة، وبلا شك.. كنت راح نشك في كل لي في الشركه .
بعد إجابتها، فهمت فورًا المقصد؛ هذا لم يكن سؤالًا عشوائيًا لاختبار ذكائها، بل سؤال يخص كارثة حدثت فعلًا. ضيقت عينيها وسألته بنظرة ثاقبة: —يعني راك شاك بلي ما كانتش غلطة؟
ضيق عينيه ولم يبعد نظره عنها، مجيباً بصرامة:
— أيوة، أنا شاكك فعلاً.
ساد الصمت بينهما مجدداً. شعرت حنين بشيء بارد يمر داخلها؛ إذن حدسها المهني كان صحيحًا مائة بالمائة، الأمر لم يكن مجرد مترجم سيئ الأداء، بل شيء أكبر، وأكثر خطورة يهدد كيان هذه الإمبراطورية.
سألها ياسين فجأة باهتمام حقيقي:
— قوليلي... ليه جيتي القاهرة؟
تفاجأت بالسؤال الشخصي، لكنه بدا جادًا تمامًا، فأجابت:
— باش نبدا حياة جديدة.
— وسيبتي حياتك هناك بسهولة؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة تحمل مرارة التجارب وقالت:
— لو كان ساهل ما كنتش هنا.
سألها بعدها عن دراستها، خبرتها السابقة، واللغات التي تتقنها، وكان يستمع بتركيز عالٍ؛ لا مجاملة، ولا مجرد أسئلة روتينية لسد الفراغ.
عندما انتهت من حديثها، فتح ياسين أحد الملفات أمامه، ثم دفعه نحوها ببطء. نظرت إليه بتعجب وسألت:
— واش هذا؟ تحبني نترجم؟
أجابها دون أن يرف له جفن، وهو يسند ظهره للخلف:
— لا.. حابب أعرف إذا في حاجة غلط. معاكي عشر دقايق.
فهمت حنين المغزى فوراً. إنه يختبر كفاءتها على أرض الواقع. قلبت الصفحات؛ كانت مراسلات تجارية دولية وعقود قانونية معقدة لصفقة توريد مواد خام. كان النص يبدو سليماً من الخارج، لكن بعد سبع دقائق من الصمت العميق والتركيز التام، رفعت إحدى الصفحات وأشارت بقلمها إلى فقرة محددة في الصفحة الثالثة:
— هنا. هاذ البند تبدل معناه.
انحنى ياسين للأمام باهتمام:
— تقصدي إيه؟
شرحت حنين بمهنية:
— في النسخة الفرنسية، المورد يتحمل تكاليف الشحن في حالة "القوة القاهرة"، لكن في النسخة العربية المترجمة هنا، تمت صياغتها بطريقة مبهمة تجعل "الشركة المستوردة" —أي شركتكم— هي من تتحمل التكلفة إذا تأخرت الشحنة. سطر صغير بزاف مدفون في النص، بصح  يغير الالتزامات القانونية والمالية كامل.
نظر ياسين إلى الورقة بذهول، ثم إليها، ثم عاد بعينيه إلى الورقة مجددًا. وببطء شديد، بدأت ملامحه تتغير، لأنه أدرك أن الخطأ موجود فعلًا، وهو خطأ  لم يلاحظه أحد، ولا حتى فريقه القانوني المحترف. ظل ينظر إلى السطر الذي أشارت إليه  قرأه مرات، ثم أخذ الملف كله بين يديه وقرأ الفقرة كاملة من بدايتها ببطء شديد؛ بنفس الطريقة الصارمة التي يقرأ بها العقود عندما يشعر أن هناك شيئاً غير طبيعي. وبعد أقل من دقيقة، أغلق الملف ووضعه فوق المكتب، ثم رفع عينيه إليها. قال بنبرة إعجاب مبطنة حاول جاهداً إخفاءها:
— إنتِ لقيتي البند الملعوب فيه ده في أقل من عشر دقايق. إزاي؟
هزت كتفيها بابتسامة خفيفة وقالت بثقة:
— خدمتي.. كي تقرا العقود بزاف تولي عينك تروح للحاجة الغريبة وحدها.
أراح ظهره إلى الكرسي مرة أخرى، ونظر إليها متسائلاً بنفاذ صبر خفيف ممزوج بالتسلية:
— وأنا المفروض أفهم الجملة دي إزاي دلوقتي؟ إيه "بزاف" دي وايه "خدمتي" دي؟
ضحكت حنين بهدوء وأجابت:
— "بزاف" يعني كتير، و"تولي" يعني تصبح. أقصد من كثرة قراءة العقود، تصبح عيني تلتقط الخطأ وتذهب للكلمات غير المتناسقة تلقائياً اما "خدمتي" فتعني عملي.
تنهد ياسين بابتسامة خفيفة تظهر لأول مرة وقال:
— أنا كده هبقى محتاج مترجم يترجملي كلامك.
في الخارج، كانت "نادين" تقف أمام مكتبها، تراجع بعض الملفات بآلية، لكن عيناها كانتا مثبتتين على الباب المغلق لمكتب ياسين منذ أكثر من ساعة، وهو أمر غير طبيعي إطلاقاً في جدول رئيس مجلس الإدارة. حاولت التركيز، لكن سؤالاً واحداً ظل يزعجها: لماذا يهتم ياسين بهذه الفتاة الجزائرية التي قابلها قبل يومين فقط إلى هذا الحد؟ هي تعرفه جيداً؛ هو لا يمنح ثقته ولا وقته بسهولة. رن هاتفها الداخلي، فانتفضت وأجابت فوراً لتسمع صوت ياسين الهادئ يأمرها بالدخول. شعرت بانقباض خفيف في صدرها، فحملت جهازها اللوحي واتجهت نحو المكتب.
عندما دخلت، كانت حنين قد انتهت من الاختبار العملي بنجاح مبهر. ابتسمت نادين ابتسامة مهنية مثالية لا تصل إلى عينيها:
— صباح الخير يا فندم.
ردت حنين بهدوء:
— صباح النور.
عرّف ياسين بينهما باقتضاب، ثم وجه حديثه لحنين بوضوح وصراحة:
— بناءً على اللي شفته دلوقتي واللي حصل في الفندق، أنا عندي عرض ليكي. محتاج مترجم ومستشار لغوي داخل الشركة، ويكون تابع لإدارتي مباشرة.
توترت حنين قليلاً، فهي لم تتوقع أن يتطور الأمر بهذه السرعة. سألت بعفوية تامة:
— تقصد خدمة؟
قطبت نادين حاجبيها بذهول واستنكار، ولم تستطع كبح لسانها، فقاطعتها بهجومية سريعة كأنها وجدت فرصتها للتقليل منها:
— خدمة؟ لا طبعاً دي مش خدمة إنسانية! الأستاذ ياسين بيعرض عليكي وظيفة بمرتب محترم، إحنا مش مستنيين منك خدمات مجانية ولا بنشحت منك مساعدة لمجرد إنك ترجمتي كلمتين في الفندق!
شعرت حنين بالارتباك واحمر وجهها من حدة الهجوم، وأسرعت تصحح الموقف وهي تنظر لياسين:
— لا لا.. أنا ما قصدتش هذا المعنى أبداً! إحنا في الجزائر نقولوا "الخدمة" بمعنى الشغل والوظيفة.. ماشي مزية!
تراجعت نادين وابتسمت ابتسامتها الباردة المصطنعة، بينما ظهرت نبرة من التسلية في صوت ياسين لإنقاذ الموقف، بعد أن لاحظ نظرات نادين الحادة:
— أيوة يا نادين.. هي تقصد "خدمة" بالمعنى بتاعها.. شغل بمرتب. خدي الأستاذة حنين ووريها مكتبها الجديد واديها ملفات التعريف بالشركة.
غادرت حنين المكتب وفي يدها ملف تفاصيل الوظيفة. في الممر، استوقفتها نادين قائلة بلطف يخفي تهديداً مبطناً:
— حبيت أقولك مبروك يا حنين. بس نصيحة مني.. الشركة هنا شغلها كتير ومحتاج تركيز، ومش أي حد بيقدر يكمل ويستحمل نظام الأستاذ ياسين.
أدركت حنين الرسالة الخفية في كلماتها، فاكتفت بالابتسام وقالت بهدوء وثبات:
— إن شاء الله خير. أنا متعودة على الضغط.
بعد مرور ساعتين، كانت حنين تجلس في مكتبها الجديد بقسم العلاقات الدولية بالطابق السفلي. بينما كانت تحاول فهم النظام الداخلي للشركة من خلال ملف ضخم مليء بالمصطلحات الإدارية المعقدة، تمتمت بتلقائية وإرهاق:
— يا لطيف.. واش هذا كامل؟ كيفاش نحفظو؟
جاءها صوت نسائي مرح من المكتب المجاور يفصل بينهما حاجز زجاجي قصير:
— أول يوم؟ باين جداً! وقفتِ عند ملف "اللوائح الداخلية" صح؟
رفعت حنين رأسها لتجد شابة عشرينية بشوشة، ذات شعر كيرلي ونظارات طبية أنيقة، تبتسم لها بود:
— أنا سلمى.. جارتك في المكتب اللي جنبك، ومسؤولة التنسيق الخارجي.
ضحكت حنين بارتياح لرد الفعل اللطيف:
— أهلاً سلمى، أنا حنين.. والحمد لله، حسبت غير أنا اللي جاني هذا الملف واعر.
قامت سلمى من مكانها وجلست على حافة مكتب حنين بعفوية، وقالت بتساؤل مرح:
— حسبتِ؟ واعر؟ استني استني، إحنا محتاجين مترجم للمترجمة! ترجمي.. يعني إيه واعر؟
شرحت حنين مبتسمة:
— واعر يعني صعب، وحسبت يعني ظننت.
أومأت سلمى بتفهم وهي تعتدل في جلستها:
— طبيعي تفتكريه صعب، أنا أول مرة قرأته حسيت إني براجع كتاب فلسفة مش لوائح شركة. محتاجة أي مساعدة؟ أجبلك قهوة نفوق بيها؟
أجابت حنين بامتنان وهي ترتب أوراقها:
— لا يعيشك.. راني مليحة.
توقفت سلمى مذهولة لثانيتين، ثم انفجرت ضاحكة بصوت عالٍ:
— إيه؟! راني مليحة؟ دي شتيمة دي ولا بتدعي عليا يا بنتي؟ أنا بعرض عليكي قهوة!
ضحكت حنين من قلبها حتى دمعت عيناها:
— لا لا! والله ما دعيت عليك. "راني مليحة" يعني أنا بخير، و"يعيشك" تعني ربنا يخليكي.
قاطعهما صوت رجولي مرح من خلفهما:
— أنا بقول نطلب قاموس "جزائري-مصري" على حساب الشركة أحسن بدل العبث اللغوي اللي بيحصل هنا ده!
التفتت حنين لتجد "مازن"، مهندس البرمجيات والـ "هاكر" العبقري الذي يمثل السلاح السري للشركة، يقف أمام باب المكتب بابتسامة واسعة، يحمل كوبين من القهوة. لقد تذكرته فوراً من يوم الفندق. وبحكم كونه أخا ياسين في الرضاعة وصديقه المقرب "الأنتيم"، كان الوحيد الذي يمتلك حصانة مطلقة ويتجول في أروقة الإدارة بأريحية تامة وكأنه في منزله.
تقدم نحوها قائلاً وهو يغمز بعينه بمرحه المعتاد:
— أهلاً بالمنقذة! سيبت شاشات الأكواد المعقدة بتاعتي أول ما عرفت إنك استلمتي الشغل النهارده. إيه الأخبار ؟ لسه بتكتشفي كوارث زي يوم الفندق ولا لسه بتسخني؟
ابتسمت حنين بتواضع وتناولت كوب القهوة الذي قدمه لها:
— أهلاً أستاذ مازن.. شكراً على القهوة. بصح راكم تكبروا في الحكاية بزاف.
رفع مازن كفيه مستسلماً وهو ينظر لسلمى بضياع مصطنع:
— طب "بزاف" وفهمناها.. إيه بقى "بصح" دي؟ هو إحنا هنمتحن كل يوم؟
أجابت حنين بضحكة صافية أذابت تماماً ثقل الغربة الذي كانت تشعر به منذ الصباح:
— "بصح" يعني لكن.. يعني لو حبيت تقول لسلمى إنها تتحدث كثيراً  تقدر تقولها: "بصح أنتِ تهدري بزاف!"
شهقت سلمى باعتراض مسرحي، وانفجر الثلاثة في الضحك. كان هذا التفاعل العفوي هو ما تحتاجه حنين بالضبط لتشعر بالانتماء في هذا المكان الغريب.
قطع انسجامهما رنين الهاتف الداخلي؛ كان ياسين يطلب حضورها فوراً لاجتماع صغير طارئ مع قسم العقود. ورغم استغرابها لكونه يومها الأول، أصر على حضورها. في تلك الأثناء، كانت نادين  قد نزلت لتراقب حنين من خلف الزجاج بحقد وقلق يأكل أحشاءها.
وصل لحنين ملف إلكتروني سريع بعنوان: "مراجعة عقود الشحن الأوروبية". أثناء القراءة السريعة قبل الاجتماع، اكتشفت جملة صغيرة خبيثة تم تغيير معناها ليضر الشركة. دخلت قاعة الاجتماع وجلست في الطرف. عندما أعلن أحد المديرين بثقة أن العقود تمت مراجعتها بالكامل وجاهزة للتوقيع 
في تلك اللحظة، ساد الصمت، وتوجهت الأنظار كلها نحو رأس الطاولة حيث يجلس ياسين الحكيم ببروده وهيبته المعهودة. لم يمسك القلم ليوقع، بل فاجأ الجميع عندما التفت بجسده نحو حنين موجها سؤاله مباشرة إليها أمام ذهول الحاضرين: —
 "حنين.. عندك أي ملاحظات؟".
هنا كانت الصدمه من نصيبها لكنها اجابته بثقه :
— عندي ملاحظة.. البند هذا في النسخة العربية ما يعطيش نفس المعنى الفرنسي. الصياغة هنا تخلينا نتنازل على حقوقنا في التأمين لو البضاعة تضررت في الميناء.
صُدم المدير المسؤول لاكتشاف الكارثة، بينما ثبت ياسين نظراته الثاقبة عليها بصمت أبلغ من الكلام. بعد انقضاء الاجتماع، أوقفها في الممر مقدراً:
— البند ده كان مستخبي بين السطور بحرفية..  ازاي خدتِ بالك منه بسرعة؟
ابتسمت حنين بعفوية وفخر خفي:
— ما كانش مخبي روحو مليح.
توقف ياسين، وانفلتت منه ضحكة قصيرة بتسلية خالفت بروده المعتاد:
— والترجمة هتنزل إمتى للمصطلح ده؟
احمر وجهها وتداركت الأمر سريعاً بالفصحى:
— أقصد.. لم يكن مختبئاً جيداً لمن يبحث عنه.
أومأ برأسه راضياً تماماً عن قراره:
— واضح إني عرفت أختار.
بعد ساعات، وفي الطابق العلوي الهادئ، كان ياسين يجلس في مكتبه وعلامات الشك تنهش عقله كالنار في الهشيم. هناك نمط واضح في الأخطاء التي تكتشفها حنين. الأخطاء ليست عشوائية، بل موجهة دائماً لتكبيد الشركة خسائر لصالح طرف آخر.
ضغط زر الاتصال الداخلي بنبرة حادة وصارمة لا تقبل النقاش:
— نادين.. ابعتيلي النسخ الأصلية لمراجعات العقود الخاصة بالشهور الستة الأخيرة.. فوراً.
بمجرد أن وضعت نادين السماعة، شعرت ببرودة الموت تسري في أطرافها وتجفف ريقها. ستة أشهر؟! هذا يعني أنه بدأ يربط الخيوط ويفهم اللعبة.
أسرعت نحو غرفة الأرشيف الفرعية الملحقة بمكتبها، ويداها ترتجفان بعنف. سحبت "ملفاً بنياً" سميكاً يحتوي على النسخ الأصلية، والمسودات التي تحمل ملاحظات المتواطئين بخط اليد للعقود المتلاعب فيها. كان يجب أن تقوم بإخفائه أو إتلافه  منذ زمن . وفي لحظة خروجها من الأرشيف، رن هاتف مكتبها برقم إدارة الحسابات في مكالمة عاجلة لا يمكن تجاهلها.
وضعت الملف البني لثوانٍ معدودة على طاولة المساعد الإداري لتجيب على الهاتف بكلمات مقتضبة. في تلك اللحظات  ، مرّ المساعد الإداري  ، ورأى الملف البني ملقى بجانب مجموعة ملفات ضخمة تخص "الترجمة والعلاقات الدولية". وبحكم علمه بوجود مهام متراكمة للمترجمة الجديدة، حمله ببساطة تامة ووضعه على طرف مكتب حنين في الطابق السفلي أثناء انشغالها في الكافتيريا.
أنهت نادين المكالمة، ومسحت حبات العرق عن جبهتها، والتفتت لتلتقط الملف.. فتسمرت في مكانها. الطاولة فارغة! كادت نادين أن تسقط على الأرض من هول الصدمة. خطأ غبي وقاتل وضع حبل المشنقة حول عنقها!
سألت المساعد الإداري برعب مكتوم يمزق حنجرتها، وعيناها تتسعان بهلع:
— ادم ! الملف البني اللي كان هنا.. الملف السميك.. راح فين؟!
أجابها ادم ببراءة عملية وهو يرتب بعض الأوراق:
— الملف اللي مفيش عليه تيكت؟ وديته مع ملفات الترجمة لمكتب الأستاذة حنين المترجمة الجديدة يا فندم، عشان تلحق تخلصهم زي ما الأستاذ ياسين طلب.
أسرعت نادين نحو مكتبها، أغلقت الباب بالمفتاح، وأخرجت هاتفها الثاني الخفي بأصابع ترتجف بعنف. كتبت رسالة   قصيرة:
"مصيبة.. الكارثة حصلت. ياسين طلب مراجعة العقود القديمة، ولما طلعت الملف الأصلي عشان أخبيه، المساعد الإداري خده بالغلط وحطه على مكتب البت الجديدة!".
بعد ثوانٍ، وصلها الرد الصارم والبارد الذي يقطر غضبًا:
"إنتِ غبية؟ إزاي تسيبي دليل زي ده يوصل لمكتبها وازاي اصلا ماحرقتيهوش زمان زي ما قلتلك ؟ دي لو فتحته هتكشفنا كلنا! راقبيها من كل مكان وماتخليهاش تتحرك بيه. أنا هدخل الليلة بنفسي أسحب الملف من مكتبها وأصلح الغلطة دي".
في الطابق السفلي، عادت حنين إلى مكتبها. القسم أصبح شبه فارغ مع اقتراب نهاية الدوام الرسمي، والهدوء يلف الممرات. انتبهت لوجود ملفات كثيره ملقاة على طرف مكتبها ومن بينهم "الملف البني" السميك الذي لا يحمل  اسم أو عنوان.
 فضولها اخذها لتبدأ به . جلست وفتحت الغلاف. قلبت الصفحة الأولى، ثم الثانية، وبدأ قلبها ينبض بعنف وتتسع عيناها بذهول. الأخطاء هنا ليست عفوية أبداً، وتواريخها قديمة وممتدة لسنوات سابقة، والأخطر من ذلك.. وجود ملاحظات جانبية مكتوبة بقلم رصاص توضح كيفية تزييف المعاني القانونية لصالح أطراف خارجية!
أدركت حنين فوراً، خطورة ما بين يديها. وقبل أن تخطو أي خطوة، شعرت بحركة خفيفة في الممر الزجاجي الخارجي. بلمحة ذكية وسريعة، دارت بكرسيها بالكامل ليصبح ظهر الكرسي المرتفع مواجهاً للباب تماماً، حاجبةً الرؤية عن أي شخص يتلصص عليها من الخارج.
من خلف هذا الستار، تصرفت بحذر ودهاء؛ أخرجت هاتفها بصمت، وبأصابع سريعة التقطت صوراً عالية الدقة لجميع صفحات الملف صفحة تلو الأخرى، ثم فتحت دفتر ملاحظاتها الصغير، ودونت فيه أهم الرموز والتواريخ والأسماء المدونة بقلم الرصاص لتضمن أن الدليل معها في كل مكان.
أعادت الهاتف والدفتر إلى حقيبتها، ثم التفتت بالكرسي مجدداً. في هذه اللحظة، كانت نادين تراقبها من بعيد عبر الفراغ الزجاجي، لكنها لم ترَ سوى المشهد الأخير: حنين وهي تغلق غلاف الملف البني، وتضعه داخل درج مكتبها السفلي، ثم تدير المفتاح جيداً وتدسه في حقيبتها.
لم تلمح نادين الهاتف ولا الدفتر، واكتفت برؤية الملف وهو يُقفل عليه في الدرج.
قررت حنين ألا تخبر أحداً الآن، حتى سلمى ومازن، فالمسألة أكبر من مجرد خطأ في الترجمة؛ إنها شبكة فساد. حملت حقيبتها وغادرت القسم متوجهة نحو الفندق، وعقلها يزن الكلمات التي قرأتها.
في هذه الأثناء، كانت نادين تقف عند نافذة الطابق العلوي، تتابع قامة حنين وهي تغادر مبنى الشركة وتختفي في زحام الشارع. تنفست نادين الصعداء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة ممتنة لغبائها ؛ فالملف الآن محبوس في درج مكتب حنين، مما يمهد الطريق تماماً لأخذه الليله  دون أن يشعر أحد.
في المساء، وداخل فيلا ياسين، كان الجو العائلي يتناقض تماماً مع صراعات ومكائد الشركة. جلست السيدة أمينة بهدوئها وحنانها المعتاد تستمع لتذمر ابنتها رانيا من أستاذها الجامعي الذي يطلب تكليفات تعجيزية. تدخل ياسين بصرامته الممزوجة بحنان الأخ الأكبر ليفند حجج شقيقته ويثبت لها أن أستاذها على حق، فما كان من رانيا إلا أن رمته بوسادة صغيرة التقطها بخفة بيده وهو يضحك.
أثناء العشاء، سألت أمينة باهتمام وهي تناول ياسين طبق السلطة:
— والشركة يا حبيبي؟ الأمور مستقرة؟ بقالك يومين بترجع متأخر ومهموم.
أجابها بهدوء وهو يرتشف الماء:
— الحمد لله يا أمي، شوية ضغط في مراجعة العقود الجديدة، بس كل شيء تحت السيطرة.
تحدثت رانيا بخبث محاولة استفزازه بعد نقاشهما السابق:
— مازن قالي إن في موظفة جديدة جزائرية مكسرة الدنيا في الشركة.. وعلمت على قسم العقود كله في يومين. الكلام ده صح يا أبيه؟
رمقها ياسين بنظرة حادة قاطعة وقال بصرامة:
— رانيا.. ركزي على مذاكرتك و تدريبك فالشركه  ومازن ده لسانه عايز قطعه.
رفعت يديها باستسلام ضاحك، بينما عاد ياسين لطعامه، وعقله يسافر مجدداً إلى أروقة الشركة، وتلك الفتاة الغريبة التي قلبت موازين الشركه ، وأثارت شكوكه حول كل من يعمل معه.
في صباح اليوم التالي، وتحديداً قبل بدء الدوام الرسمي بنصف ساعة...
دخلت حنين قسم العلاقات بخطوات مسرعة ولهفة لإنهاء هذا العبء وإيصال الملف لياسين. توجهت فوراً نحو مكتبها، أدخلت المفتاح وفتحت الدرج لانتشال الملف البني... لكنها تجمدت في مكانها تماماً، واتسعت عيناها بذهول ورعب.
الدرج فارغ تماماً! الملف البني اختفى وكأن الأرض ابتلعته!
أيقنت في تلك اللحظة أن هناك من راقبها، ومن يمتلك نسخة من مفاتيح المكاتب، وأن هناك شبكة خطيرة ومخيفة تخترق الشركة بأكملها وستفعل  أي شيء لحماية سرها.
في تلك الأثناء، وفي المكتب الرئيسي بالطابق العلوي...
كان ياسين يجلس في غرفة المراقبة الملحقة بمكتبه، وخلفه الشاشة الكبيرة،  . كان   يراجع تسجيلات كاميرات المراقبة الليلية السرية —التي لا يعلم عنها الموظفون— الخاصة بقسم العلاقات الدولية بنفسه; لقطة تلو أخرى بتركيز شديد.
فجأة اوقف الشاشة عند لقطة لشخص يتسلل في ظلام الليل، يفتح درج مكتب حنين بحرفية وسرعة، وينتشل الملف البملفا من الدرج. ورغم ضبابية الصورة بسبب الظلام، إلا أن إضاءة الممر الخافتة عكست جزءاً واضحاً من بطاقة الموظف المعلقة على ملابس هذا الشخص  . كان ذلك كافياً جداً لياسين ليعرف الفاعل، ويدرك من الخائن في الشركة لكنه قرر الانتظار حتى يعرف اكثر وهل هو الخائن الوحيد ومن هو العدو الحقيقي الذي يلعب في الخفاء.
عاد إلى مكتبه، وجلس على كرسيه لثوانٍ يرتب أفكاره، ثم رفع سماعة الهاتف الداخلي ببطء شديد، وضغط زراً واحداً.
أتاه الصوت فوراً، متوتراً ومترقباً:
— نعم يا فندم؟
قال ياسين بصرامة مخيفة، وبهدوء مرعب يسبق العاصفة المدمرة:
— نادين... محتاجك عندي في المكتب حالاً.

                   الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>