رواية اولاد الباشا الفصل الثالث3بقلم شيماء منير
اطلعي برررره!
خرجت الكلمة من بين شفتي فارس أشبه بزئير مكتوم فارتجفت رندا بذعر ولملمت شتات نفسها في ثوانٍ مفرورة وهي تتحرك بسرعة وخوف للخارج تغلق الباب خلفها وكأنها تفلت من قفص أسد غاضب.
في المكتب ساد صمت ثقيل كاد يُسمع له طنين. كان مالك واقفاً، جسده متصلب، وعيناه تدوران في المكان بتوتر حاول جاهداً مواراته خلف قناع من البرود الباهت
لم يمهله فارس ثانية واحدة بخطوات واسعة وواثقة اخترق المسافة الفاصلة بينهما. امتدت يده القوية كالقابض على فريسته، وبقبضة حديدية انقضت على مقدمة قميص مالك. تشنج القماش ومع حركته العنيفة المباغتةتطاير زرار الياقة الفضي مستقراً على الأرض برنين معدني خافت
التقطت عينا فارس الثائرة نظرات مالك المهتزة. اقترب بوجهه منه لدرجة جعلت أنفاسه الساخنة الغاضبة تلوح في وجه الآخر
فارس :أنت مش هتنضف بقا؟! لحد امتى هتفضل كدا؟
شعر مالك بالاختناق لكن كبرياءه منعه من الاستسلام بسهولة. حاول إبعاد نظراته عن عيني فارس الحادتين، وقال بنبرة حاول أن تجعلها لامبالية لكنها خرجت مهتزة
مالك:في ايه يا عم.. أنا حر في تصرفاتي ومحدش يحاسبني
لا ما أنت مش حر. هدر فارس بصوت منخفض يحمل وعيداً مرعباً وزاد من إحكام قبضته على القميص «طالما اسم الباشا لازق في اسمك.. يبقا تصرفاتك بتتحسب علينا كلنا
حاول مالك استجماع قوته ورفع يده ليدفع يد فارس عنه بقوة
مالك:أنت مش ولي أمري.. ابعد بقا كدا!
تراجع فارس خطوتين للخلف بفعل الدفعة، لكن عينيه لم تتركا وجه مالك. كانت نظرته في تلك اللحظة كفيلة ببث الرعب لمعة الغضب فيها كانت صريحة ومخيفة. وبلمح البصر اندفع فارس للأمام مجدداً بقوة مضاعفةوصوب كفه بقسوة نحو صدر مالك
ترنح مالك للخلف نتيجة الضربة القوية ولم يشعر بنفسه إلا وهو يسقط جالساً على المقعد خلفه بذهول.
انحنى فارس فوقه محاصراً إياه بجسده واضعاً يديه على مسندي الكرسي ليميل برأسه نحو وجه مالك المذعور. سأله بنبرة تقطر سماً وغضباً:
فارس:أنت مالك ومال آسر؟
حاول مالك استعادة قناع السخرية المهترئ فلوى فمه بابتسامة صفراء والتقت عيناه بعيني أخيه بجرأة مصطنعة
مال :ااه.. هو البيه جرى وراحت اشتكالك بقا؟ مالحقش
فارس بنبره هادئه ومخفيه ملكش دعوة بأي موظف في الشركة دي يا مالك لكن عينيه كانت تطلقان شرارات حاسمة
فارس وكمل بغضب :عشان مزعلكش بجد.. ودا تحذير وأنا بحذر مرة واحدة بس.. مفيش تانية
تململ مالك على الكرسي ضيقاً من هذه السيطرة، وقال بضيق:
مالك:كل دا عشان واد زي دا؟ ما في غيره مليون واحد شغال في الشركه
لمعت عينا فارس ببريق من التحدي والجدية الشديدة:
فارس: على فكرة.. أبوه صاحب أبوك أوي عِشرة عمر من زمان.. وأبوك لو عرف باللي حصل مش هيعديها لك
حاول مالك الدفاع عن نفسه بوقاحة تستر خلفها خوفه المتزايد
مالك :أنا من حقي كصاحب مكان لو أي موظف قصر في حاجة أخد إجراءاتي ضده
ارتسمت على شفتي فارس ابتسامة ساخرة، ممتزجة بنظرة احتقار واضحة اخترقت دفاعات مالك:
آه.. حقك طبعاً.. بس الموظف اللي يستاهل كدا.. مش واحد كفء وبيتقي ربنا في شغله
مع نبرة فارس الصارمة وقربه الشديد، شعر مالك بضغط نفسي هائل جعل عموده الفقري يستقيم بتوترمعتدلاً في جلسته لعل ذلك يقلل من هيبة فارس الضاغطة عليه.
ثبّت فارس عينيه في عيني أخيه وتحدث ببطء شديد وبصوت منخفض كحفيف الأفاعي
فارس:اسمع الكلمتين دول وافهمهم كويس أوووي.. يوم ما تعمل حاجة تضر الشغل، محدش هيقفلك غيري. الشغل دا أنا تعبت فيه.. واوقات كنت بحرم نفسي من اكل وشرب والنوم عشان يكبر.. حرمت نفسي لحد النهارده من حاجات كتير أوي عشانه.. وسيادتك ياللي اسمك مالك الباشا، راكب أحدث العربيات، وماشي تتنطط على خلق الله بره وجوه وتقول يا أرض اتهدي ما عليكي قدي لمجرد إنك ابن الباشا.. كل دا ميزعلنيش ولا يفرق معايا
هنا ساد صمت لثانية، اقتربت فيها عينا فارس أكثر من عيني مالك الذي تجمد مكانه، ليكمل فارس بنبرة حادة كالسكين
فارس:بس يوم ما تيجي على شغلي وتعبي.. أبوك نفسه مش هيعرف يرحمك مني.. بلاش قلبتي أنا بالذات يا مالك
ابتلع مالك ريقه بصعوبة، وحركة تفاحة آدم في حلقه فضحت توتره الشديد. هو يعلم يقيناً أن فارس إذا غضب فلا راد لغضبه.
لاحظ فارس تلك الرعشة في عيني مالك، فابتسم ببرود منتصراً.
حاول مالك لملمة ما تبقى من كرامته، وسأل بصوت مرتعش بعض الشيء
مالك:يعني أنت بتعمل كل دا فيا عشان خاطر اللي اسمه آسر دا؟ بتفضله على أخوك؟
اعتدل فارس في وقفته، ونظر لمالك بنظرة خالية من أي مشاعر، وبدأ ينفض الغبار الوهمي عن بليزر بدالته ويعدل هندامه ببرود تام وهو يقول:
فارس:أنت عارف كويس إن مش دا قصدي.. بس العب بعيد عن الشغل.. الشغل دا خط أحمر
تنهد فارس، ونظر لمالك نظرة أخيرة تحذيرية:
أنا مش ههينك وألغي الأمر الإداري بخصم الـ 30% من مرتبه.. مش هقلل من هيبتك ولا قراراتك قدام حد هنا.. بس هعوضه أنا بطريقتي التانية.. وعلى فكرة، أبوك لو عرف اللي أنت عملته هيكدرك بجد.
شعر مالك بالإهانة تحرق جوفه، فقال بنبرة حانقة:
أنت بتهددني؟ لا وكمان واقف تعد عليا وتمنّ عليا بجميلك
التفت فارس ليغادر، لكنه التفت بجسده نصف التفاتة، ونظر إليه بنظرة ساخرة من فوق كتفه:
لا خالص.. مش طبعي أمنّ على حد.. بس بفكرك عشان النعمة متزولش من وشك.. خصوصاً إني عارف كويس إنك متقدرش تعيش وتتأقلم مع حياة تانية غير دي.
خطا فارس خطوتين نحو الباب، ثم توقف فجأة وكأن فكرة طرأت على باله. التفت برأسه وعيناه تشعان بالاشمئزاز:
آه صحيح.. مشي البت القذرة اللي بره دي.. وانضف بقا.
ألقى فارس نظرته الأخيرة التي كانت تحمل مزيجاً من الخيبة والوعيد، ثم أدار مقبض الباب وخرج، تاركاً خلفه مالك في دوامة من التوتر والغيظ، وعيناه معلقتان بالباب المغلق بأنفاس متلاحقة
مالك تنهد بغضب
-------------------------
اخر النهار
سفرة الغدا كانت مليانة من كل خير بس الجو في الصالة كان تقيل ويخنق.. ملوش أي طعم.
صوت خبط الشوك والمعالق في الأطباق كان هو الصوت الوحيد المسموع، وكأنهم في سباق مين يخلص الأول عشان يهرب.
نجوى كانت بتبص لولادها بقلق وغموض فارس باصص في طبقه وبياكل برود من غير أي نِفس، ومالك عينه في الأرض وبيحاول يتجنب إنه يبص في عين أخوه تماماً. أما صلاح، فكان قاعد يراقبهم من تحت لتحت بنظرات صقر واعية، حاسس بذكائه إن ورا السكوت ده حكاية كبيرة.
قطعت نجوى السكوت ده وهي مش قادرة تصبر أكتر:
نجوى :مالكم ساكتين ليه؟؟
صلاح رفع عينه وبص لولاده وهو مستني الإجابة، الشك باين في عينيه ومخلي ملامحه جادة.
فارس حرك عينه ببطء وبص لأمه بنظرة باهتة ومطفيّة، وقال بصوت هادي ومفيش فيه أي روح:مفيش حاجة.. مفيش حاجة نقولها.
حط الشوكة من إيده بالراحة،ورنتها على الطبق كانت كفيلة تبين إنه جاب آخره. سحب نفسه لورا وقام وهو بيقول:عن إذنكم.. أنا شبعت، هطلع أرتاح.
برقت نجوى بعينها وقالت باستغراب:أنت لحقت تاكل يا فارس؟! بص لها وقال أكلت على قد نفسي.
ودار ظهره ومشي بخطوات تقيلة على فوق. ثواني معدودة وقام مالك هو كمان من غير ما ينطق ولا كلمة، وطلع وراه وساب السفرة.
نجوى وبصت لزوجها:هما مالهم في إيه؟!
تنهد صلاح تنهيدة طويلة وبص للسلم اللي مفيش عليه حد وقال بنبرة قلقه شوفي في مصيبة إيه وراهم.. ربنا يستر.
بعد كام ساعة الليل هدي والبيت كله نام.
في أوضة فارس، النور كان مطفي ومفيش غير ضوء خفيف جاي من البلكونة. كان واقف بيشرب سيجارة بضيق والدخان بيطلع من بوقه ويداري ملامحه التعبانة من التفكير.
طلع موبايله وفتح صورتها..
أول ما عينه جت على ملامحها، ملامح وشه كلها اتغيرت القسوة والجمود دابوا وعينيه اتملت شوق وحنية مكسورة. افتكر كلام سمية وإن لازم يشيل الحاجز اللي بينهم.
بص للصورة وهمس بوجع وحب حقيقي:
بحبك أوي.. ومحتاجلك أوي.
وفجأة، الباب اتفتح على غفلة!
فارس اتنفض ووشه رجع قاسي في ثانية، وبص للباب وزي ما توقع لقى مالك داخل. رمى السيجارة من البلكونة وقال بضيق:همجي
رد مالك وهو بيقفل الباب وراه ببرود سمعتك على فكرة.
فارس خطى ناحيته وعينه بتلومه بجدية:ما هو إنك تفتح الباب كدا من غير ما تخبط دي همجية
رد مالك وهو حاطط إيده في جيبه وبيتحدى بعينه:يا سلام! وأنت عملت إيه النهارده؟ ما أنت فتحت الباب عليا من غير ما تخبط
وقف فارس قدامه بالظبط،وصوته نزل لطبقة واطية وحازمة وعينه بتعاتب أخوه الصغير:هو أنت كمان ليك عين تتكلم؟! أنا كنت أعرف إني هلاقي المنظر القذر دا؟؟
مالك حس بالذنب، فنزل عينه الأرض وقال بنبرة هادية وصافية:خلاص بقى قلبك أبيض.. أنا مش عارف أسيبك زعلان مني.
فارس هدي شوية وطبطب على كتف مالك بحنان الأخ الكبير وقال له بنبرة كلها نصيحة وحكمة:"أنا بس عايزك لما تيجي تعمل حاجة أو تاخد قرار نتكلم سوا فيه. أنا مش هجبرك على حاجة، بس تسمع رأي غيرك وبعدها تقرر.
مالك اتنهد بضيق من نفسه:"بصراحة اتضايقت منه لما وقف قصادي.. قاطعه فارس وعينه بتلمع بالمسؤولية
برضه متبقاش متسرع في قراراتك.. وبعدين متبقاش سريع أوي في قطع أرزاق الناس كدا. آخر عقاب تفكر فيه هو ده. الشغل ده والشركة دي.. أنا وأنت وأبوك من غير الناس اللي فيها منعرفش نشتغل. هما مش بياخدوا المرتبات دي صدقة مننا، ده تعبهم طول الشهر معانا. أنت مثلاً تنام براحتك، وتصحى براحتك، تيجي الشركة براحتك وممكن متجيش أصلاً، وفي الآخر الفيزا مليانة معاك فلوس.. لكن كل واحد فيهم بيلتزم بمواعيد، ولو تعبان بيجي ويقاوح عشان يحافظ على مرتبه آخر الشهر.
مالك بص لفارس بنظرة حب واحترام حقيقي وقال بأسف:خلاص بقى والله فهمت.. بس مش عايزك تزعل مني.. سوري يا باشا.
ابتسم فارس ابتسامة خفيفة ودافية ريحت قلب مالك:
مش زعلان يا مالك.
فجأة، وبحركة سريعة، مد مالك إيده وخطف موبايل فارس المفتوح
برق فارس بتوتر واضح وبسرعة البرق شد الموبايل منه تاني وهو بيحاول يداري لخبطته
غمز مالك بعينه بخبث ومرح والفضول هيموته:
"إيه ده؟ أنا شوفت صورة بنت!
فارس لف وشه الناحية التانية وحط الموبايل في جيبه:
قولتلك ملكش دعوة.
ضحك مالك وقرب منه يزقه بكتفه:هو الباشا بيحب ولا إيه؟ طيب قولي.. يمكن أساعدك!
رد فارس ببرود مصطنع عشان يداري ضربات قلبه السريعة:"لا شكراً.. وفر مساعدتك دي لنفسك.
مالك بابتسامة عريضة:أنا قولت برضه.. الباشا مستحيل يكون قلبه مقفول كدا
بدأ فارس يزق مالك لبرة الأوضة ب"قولك إيه.. متبنيش حوارات وأوهام في دماغك. يلا اتكل على الله شوف كنت هتعمل إيه
مالك ميت على نفسه من الضحك وهو بيتزق:ماشي ماشي.. ده كله عشان المزة
فارس بهمس سريع وعينين مبرقة من الصدمه اخرس يا ابني ووطي صوتك! أبوك وأمك يسمعوا
مالك بهزار عالي وهو بيضح"إيه.. خايفة يا قطة بابا يعرف يعاقبك؟
فارس بغيظ وضحكة مكتومه:بس يا واطي أنت.. ويلا على أوضتك
مالك وهو بيبعد وبيتخيل المنظر:ده أنا نفسي أقف وأقول: فارس الباشا بيحب واحدة
جري فارس وحط إيده على بوق مالك بسرعة وكتم صوته، وعينيه بتلف في الطرقة بصدمه من طريقة اخوه
"الله يخرب بيتك وطي صوتك ياالا
في اللحظة دي، باب الأوضة اللي قصادهم اتفتح، وخرج صلاح، عاقد حواجبه وباصص لهم بنظرة تخوف:
"في إيه يا أستاذ أنت وهو؟
فارس اتسمر في مكانه، ومالك شال إيد فارس وهو بيموت من الضحك وباصص لفارس بخبث:
د"أصل يا بابا...
فارس بصله بنظرة حادة
حط مالك إيده على بوقه عشان ميتفضحش من الضحك
وحمحم فارس وقال بأدب وهو بيعدل وقفته:
"مفيش حاجة حضرتك.." صلاح بص في ساعته بصرامة:على فكرة الساعة ١٢ بالليل.
مالك بصوت واطي وهو بينسحب سوري يا باشا. وجري على أوضته وهو بيضحك.
التفت فارس لوالده وبصله بنظرة كلها احترام وهدوء:
"احم.. تصبح على خير." رد صلاح"وأنت من أهله
دخل فارس أوضته وقفل الباب وراه براحة تامة. سحب تنهيدة طويلة من قلبه ريحت صدره.
فرد جسمه على السرير وهو مغمض عينيه، والمرة دي مكانش بيفكر في مشاكل ولا خناق.. صورتها هي بس اللي كانت مرسومة قدام عينه، ونام في ثبات عميق والابتسامة على وشه.
ـــــــــــــــــــ
بعد مرور اسبوعين
صلاح:كنت عايز اعزم الدكتور خالد واسرته هنا
نجوى:ياريت ونعزم كمان معاهم سميه وبنان ونتجمع ياصلاح من وقت كبير مش عزمنها هنا وانت عارف هي حساسه شويه
صلاح:مفيش مشكله حددي يوم
نجوى :اكيد الجمعه عشان الكل يكون فاضي
صلاح:انا هكلم خالد وهكلم سميه كمان بكره
وفعلا صلاح كلمهم وجيه يوم الجمعه
يوم الجمعة، الساعة كانت اتنين بالظبط لما وصل خالد وأسرته لفيلا صلاح.
على الباب، كان في استقبالهم صلاح ونجوى ومعاهم فارس. السلامات كانت دافية ومليانة ترحيب، بس الأجواء كان فيها خيوط مشدودة من البداية. أسر مكنش حابب ييجي من الأساس، وجاي بس عشان خاطر والده اللي أصر عليه، فكان واقف ملامحه جامدة وعينيه بتبص حواليه ببرود.
بعد الترحيب، صلاح أخد خالد وفارس وأسر ودخلوا الصالون عشان يقعدوا رجالة مع بعض.
أما نجوى، فأخدت منال ويمنى وراحوا على "الليفنج".
قعدوا والضحكة مالي المقاعد الدافية. نجوى عاتبت منال بابتسامة:
إيه يا منال.. معقولة ما تجيش تزوريني أبداً؟
منال ردت بأسف حقيقي:
حقك عليا يا حبيبتي، الدنيا مشاغل والله.
نجوى بصت ليمنى اللي كانت قاعدة رقيقة وهادية، عيونها العسلية بتتحرك بكسوف في المكان، وقالت بإعجاب:
نجوى:ولا يهمك يا قلبي.. بس ما شاء الله، البنوتة قمراية إنتوا مخبينها عننا ولا إيه؟
منال ضحكت من قلبها وفرحت بمدح بنتها:
تسلمي يا قلبي، ربنا يخليكي.
في الوقت ده، الباب خبط ودخلت سمية ومعاها بنان. سلموا بحرارة، وبنان أول ما شافت يمنى جريت عليها وحضنتها:
— "وحشتيني أوي
يمنى بابتسامة دافية:وإنتي كمان يا بنان.
سمية ضحكت وبصت لمنال ونجوى:يا سلام! بالله عليكي تردي يا منال.. دول مش بيبطلوا كلام في الموبايل ليل نهار!
منال بضحك:أبداً والله، دول مش بيزهقوا خالص
نجوى تدخلت بحنان الأمهات:
—سيبوهم براحتهم.. بكره يتجوزوا وينشغلوا وميعرفوش يكلموا بعض حتى.
بنان بدلع طفولي:قوليلهم يا طنط
سمية غمزتلها:بس يا لمضة.. يعني قايمة تتجوزي الصبح؟
نجوى طبطبت على بنان:بنان دي ست العرايس، دي بس تشاور.
بنان وشها احمر جداً وبصت في الأرض بكسوف:شكراً يا طنط
في اللحظة دي، مفيش حد سمع صوت خطوات خفيفة على السلالم.
نزل مالك. كان لابس تيشرت من اللون الأزرق مبرز تفاصيل كتفه وجسمه الرياضي، وبرمودة سوداء. خطوته واثقة، كأن الأرض ملكه.
قرب من الليفنج وبصوت رجولي هادي قال:
مساء الخير.
الجميع ردوا: مساء النور.
نجوى أشارت له بحب:تعال يا حبيبي سلم.
مالك قرب، وسلم على سمية اللي حضنته بحب وحنية
. نجوى بصت لمنال وقالت:ده بقى مالك يا منال، أكيد أول مرة تشوفيه.. مالك، دي طنط منال.
منال بابتسامة ترحيب:أهلاً يا حبيبي، ما شاء الله.
مالك:أهلاً بحضرتك يا طنط.
نجوى كملت وهي بتشاور على اللي قاعدة جنب بنان:
ودي بقى يمنى بنتها
هنا، الزمن وقف بالنسبة ليمنى!
بصتله بدهشة وصدمة خلت عيونها العسلية تتسع على آخرها. نبضات قلبها جريت بسرعة جنونية.
(جواها صرخة مكتومة: مش ممكن! هو ده؟! الشاب اللي كلمني في العربية وإداني الكارت وأنا قطعته؟!)
فاقت من صدمتها على صوت نجوى وهي بتقدمها. مالك في اللحظة دي اتأمل ملامحها المخطوفة، وظهرت على وشه ابتسامة مكر وثقة لذيذة جداً، عينيه لمعت بذكاء كأنه بيقولها "القدر جابك لحد عندي.
مد إيده بكل ثقة وباصص في عيونها مباشرة:أهلاً.. إزيك؟
يمنى، رغم توترها ورعشة قلبها، صممت تحافظ على كبريائها. رجعت إيدها لورا بسرعة، وبصتله بنظرة حادة مغلفة بالخجل وقالت بنبرة حاسمة:
اسفه. مش بسلم.
منال لفت انتباهها الموقف، وحبت ترفع الحرج عن مالك بسرعة فقالت بلطف:
معلش يا حبيبي.. هي مش بتسلم على ولاد نهائي.
مالك منزلش إيده بإحراج؛ بالعكس، نزلها ببطء وهو بيبتسم بخفة وإعجاب شديد بوقفتها وكبريائها ده، وقال وعينيه لسه معلقة بعينيها:
عادي يا طنط.. دي حاجة كويسة جداً.
نجوى حبت تلطف الأجواء:طيب يا حبيبي، بابا وأخوك فارس في الصالون مع أنكل خالد وأسر.
مالك هز راسه بالقبول: "تمام.
ف الصالون
اتحرك مالك ودخل الصالون. أول ما دخل، عينيه جت في عين أسر.
كانت نظرة متبادلة مليانة برود وعدم ارتياح، بس مالك اتعامل بذكاء وتجاهل، وأسر بادله نفس المعاملة الباردة. صلاح عرف مالك على خالد، وقعد مالك وسطهم وبدأ يشارك في الكلام بهدوء، بس عقله كان لسه مع البنت اللي بره.
بعد شوية، بنان ويمنى قرروا يخرجوا الجنينة يشموا هوا.
وهما خارجين في الممر، قابلهم فارس اللي كان لسه خارج من غرفة المكتب. كان لابس تيشرت موف وبنطلون أبيض، شكله هادي بس ملامحه اتغيرت أول ما شاف بنان.
فارس بابتسامة حاول يداري وراها ضيقه أو اهتمامه الزايد:
ايه ده.. بنان هانم وصلت؟
بنان بتلقائية وطفولية:آه.. عامل إيه يا ابيه؟
كلمة "أبيه" ضايقت فارس بس حاول يعديها وقال:كويس.
بنان بمرح وهي بتشد يمنى: يمنى أهي.. كنت عايز تعرف يمنى.
يمنى ابتسمت بخفة وحرج من الموقف، وفارس بص ليمنى وقال بلطف:إزيك، عاملة إيه؟ صاحبتك دي مش بتبطل كلام عنك خالص
يمنى ابتسمت وضغطت على إيد بنان بحب كأنها بتشكرها.
فارس سألهم وهو بيبص ل بنان باهتمام:
إنتوا خارجين بره ولا إيه؟
بنان: هنخرج الجنينة شويه
فارس وهو بيقرب خطوة وبنبرة دافية وحامية: تمام.. بس متتأخريش عشان الجو حار بره.
بنان: أوكي.
فارس غمز لبنان بابتسامة دافية أوي ومشي.
أول ما بعد، يمنى سألت بنان بفضول وهي ماشية جنبها:
إنتي ليه بتقوليله يا ابيه؟ مش باين سنه كبير عنك يعني
بنان بضحكة خفيفة: "مش عارفة.. اتعودت على كده من صغري
يمنى بذكاء ونظرة ذات معنى: "اممم.. بس شكله مهتم بيكي أوي يا بنان.
بنان بكسوف: "هو بصراحة أكتر واحد بيزورنا أنا ومامي ويسأل علينا.
يمنى تنهدت وهي بتبص للزرع: "الجو هنا لطيف وحلو أوي."
بنان افتكرت حاجة فجأة: "إيوه فعلاً.. بقولك إيه، ادخلي أنتي وأنا هجري أجيب موبايلي من جوه وأرجعلك علطول
يمنى: تمام، مستنياكي.
وقفت يمنى لوحدها وسط الورد، بتستنشق الهوا وبتتأمل المكان.
فجأة، حست بحركة غريبة وسريعة وراها. لفت ببطء.. ولقيت كلب أسود ضخم جداً (ريكس) واقف وبيبص لها بعيون حادة وشرسة.
يمنى جسمها كله اتجمد من الرعب. هي عندها فوبيا من الكلاب، والمنظر كان مرعب بالنسبة ليها. الكلب بدأ ياخد خطوة لقدام ويهوهو بصوت خفيف.
يمنى بدأت تتراجع للخلف برعب، ورجليها بتترعش، مش قادرة حتى تصرخ من كتر الخوف.
وفجأة.. الكلب هجم يجري ناحيتها!
في اللحظة دي، صرخت يمنى صرخة هزت أرجاء الفيلا كلها، صرخة رعب حقيقية خلت منال جوه تقف مخضوضة:ده صوت يمنى بنتي!
الكل جري على بره باتجاه الصوت.
بس مالك كان الأسرع، خرج زي السهم للجنينة.
يمنى كانت بتجري وعيونها غرقانة دموع مش شايفة قدامها، والكلب وراها. شافت خيال حد قدامها، وبدون تفكير، رمت نفسها عليه بكل قوتها، كلبشت في تيشرته الأزرق بإيديها الاتنين ودفنت وشها في صدره وهي بتترعش وبتعيط بنحيب.
مالك حس بجسمها الضعيف بين إيديه، دقات قلبها كانت سريعة جداً وبتخبط في صدره. زعق بصوت جهوري قوي ومسيطر هز الجنينة:
ريكسسسسس
الكلب وقف في مكانه علطول وهز ديله.
مالك نزل عينيه ليها، وحاوط كتفها بإيده التانية بخفة وحنان غريب عشان يطمنها، وهمس بصوت دافي جداً وقريب من ودنها:
اهدي.. اهدي مش هيأذيكي.. خلاص.
يمنى رفعت راسها ببطء وهي لسه متبتة في صدره. عيونها العسلية كانت غرقانة دموع، رموشها مبلولة، ووشها كله أحمر من الخوف والعياط.
بصت في عيون مالك اللي كانت قريبة منها جداً.
عيون مالك في اللحظة دي كانت خالية تماماً من المكر. كانت مليانة نظرة تأمل دافية وعميقة لملامحها الوشلانه، لمعة حنان وإعجاب شديد خلت قلبه يدق هو كمان. (جواه همس: عنده حق بصراحة.. تجنن!).
أما يمنى، فبصتله بنظرة رجاء وضعف، كأنها بتشكره بوعي أو بدون وعي إنه كان منقذها.
في اللحظة دي، كان الكل وصل للجنينة.
أسر أول ما شاف المنظر، وشوف أخته في حضن مالك بالشكل ده، عيونه اسودت من الغيرة والضيق. قرب بسرعة عاصفة، وشد يمنى من حضن مالك بقوة وعصبية، ووقف حيطة سد بينها وبين مالك.
أسر بعصبية وصوت حاد وهو بيبص في عيون يمنى بخوف وغضب مكتوم:
— إنتي كويسة؟! حصلك حاجة؟!
يمنى بصوت مخنوق ومقطع من أثر العياط:
— آ.. آه.. كويسة.
بنان جريت عليها بأسف:
— سوري يا يمنى.. والله نسيت إنك بتخافي من الكلاب، بس ريكس مش بيأذي حد والله.
صلاح بص لمالك وصرخ فيه بعصبية شديدة:
— "أنا قولت قبل كده الزفت ده اصلاً يمشي من هنا! ميتسابش في الجنينة كده!
مالك كأنه مسمعش كلام والده خالص، عينيه كانت لسه باردة ومستفزة لأسر. نزل على ركبتيه وبدأ يلعب مع ريكس ببرود تام.
خالد اتدخل بهدوء عشان يهدي النفوس:
— "حصل خير يا جماعة.. الحمد لله إنها جت على قد كده."
أسر أخد يمنى ودخلوا لجوه، وكان متضايق جداً ومستفز من حركة أخته وتشبثها بمالك.
بره، مالك فضل يلعب مع ريكس ويطبطب عليه وهو بيبتسم ابتسامة مكر قوية وقال للكلب بهمس:
— "إيه.. عجبتك ولا إيه؟"
سكت ثانية وبص ناحية الباب اللي دخلت منه يمنى، وضحك وقال:
— "تصدق.. عجبتني أنا كمان أوي!"
لحظة الممر والغداء
بعد شوية، جاءت الشغالة لمالك بره:
— "مالك بيه، نجوى هانم بتقولك الغداء جهز."
مالك: "جاي."
دخل مالك الفيلا واتجه ناحية التواليت عشان يغسل إيده. في نفس اللحظة، كانت يمنى خارجة من التواليت بعد ما غسلت وشها.
الممر كان ضيق، وقفت يمنى قصاده فجأة.
مالك بصلها علطول، وركز عينيه في ملامح وشها اللي لسه أحمر ورموشها المبلولة. ابتسم لها ابتسامة دافية وهادية خالص، يمنى بصتله ولقيت نفسها بتبادله بابتسامة خفيفة جداً تكاد لا تظهر، وبعدين نزلت عيونها للأرض بسرعة وعدت من جنبه.
غسل إيده وراح قعد على السفرة جنب فارس.
فارس مال عليه وهمس بضحكة خفيفة وذكاء:
عجبني أوي دور المنقذ اللي عشته ده.. بس متحلمش أكتر من كده عشان مش هتنولها.
مالك ابتسم بمكر وبص لأسر اللي كان قاعد بياكل وعينيه بتطق شرار، وقال لفارس بهمس وثقة:
هنشوف.. هنشوف يا فارس.
انتهى الغداء بسلام، وكل واحد رجع على بيته وهو شايل في قلبه وعينيه حكاية جديدة بدأت ومستحيل تنتهي بسهوله
ــــــــ
في شقة خالد نصار
بمجرد ما باب الشقة اتقفل، كان الجو مشحون وصوت أسر لسه مالي الصالة وهو رايح جاي بعصبية، وعينيه مركبة على يمنى اللي كانت واقفة متكتفة وخايفة.
منال لفت وبصتله بنفاذ صبر وزفرت بضيق وهي بتقلع طرحتها:
خلاص بقى يا أسر! جرا إيه يا حبيبي؟ من وقت ما خرجنا من هناك وأنت بتسأل نفس السؤال.. وهي جاوبتك وقالتلك ميت مرة
أسر وقف مكانه، وبصلها وعينيه بتطق شرار وضيق:
يا أمي عشان أنا شايفه بعيني! شايفه وهو بيكلمها ويقولها حاجة في ودنها وهي متبتة فيه كده!
منال ردت بهدوء بتحاول تمسك بيه أعصابها:
ما البنت قالتلك يا أسر.. كان بيقولها متخافيش! طبيعي واحد بينقذها من كلب هيموتها رعب هيقولها إيه يعني؟
أسر ضرب كف على كف وصرخ بعصبية وصوته علي:
أنا أصلاً مكنتش عايزها تروح هناك من الأول! طالما البيت فيه شباب.. يبقى ملوش لزوم المرواح
منال رفعت حاجبها وردت بنبرة حازمة:
وهي يمنى كانت لوحدها يا أسر؟ ما إحنا كلنا كنا معاها وجنبها!
أسر ساب والدته وقرب خطوات سريعة من يمنى اللي كانت واقفةبتوتر في ركن الصالة. بص في عيونها بضيق حاد وعتاب وصوت واطي ومشدود:
وإيه بقى اللي خرجك الجنينة لوحدك وسبتي ماما جوه؟
يمنى بلعت ريقها وبصت للأرض بخوف حقيقي من نبرته، وقالت بصوت متقطع ويدوب مسموع:
خرجت.. خرجت أنا وبنان نتمشى شوية في الجنينة.. مكنتش أعرف إن فيه كلب.
أسر اتعصب أكتر وجز على سنانه وهو بيقرب وشها منه:
ليه؟! هو أنتي في بيتنا عشان تخرجي وتتمشي براحتك كده من غير ما تقولي؟
خالد كان واقف متابع بصمت، ولما لقى الأمور بدأت تزيد عن حدها وأسر بيضغط على اخته بزيادة، اتدخل بصوت رجولي حاسم وهادي ينهي الجدال:
خلاص يا أسر.. الموضوع وانتهى والحمد لله إنها عدت على خير. اتفضلوا كل واحد على أوضته يلا.
أسر بص ليمنى نظرة أخيرة مليانة غضب وغيرة مكتومة ولف وسابهم ودخل أوضته ورزع الباب وراه.
يمنى اتنفست الصعداء وجريت بسرعة على أوضتهاهي كمان وهي حاطة إيدها على قلبها.
منال رمت نفسها على الكنبة بتعب وزفرت بضيق ونفخت:
أففف.. بجد واد يتعب الأعصاب!
خالد قرب وقعد جنبها، طبطب على كتفها بحنان وابتسامة هادية:
اهدي أنتي كمان يا منال.. وقدري غيرته وخوفه على أخته."
منال لفتت وشها ليه وقالت بضيق مستغرب:
بس مش بالطريقة دي يا خالد! دي طريقة تطفش.. وبعدين هي البنت بتخرج من وراه ولا من ورانا أصلاً؟ ما هي علطول معانا ومش بتتحرك إلا برضاه
خالد تنهد وقال بنبرة هادية وباصص قدامه:
يا حبيبتي هو بس بيخاف عليها زيادة عن اللزوم.. يمنى رقيقة وأسر بيشوفها مسؤولية في رقبته
منال هزت راسها بيأس بس ملامحها بدأت تلين بابتسامة خفيفة:
دي بقت عروسة يا خالد.. أمال بكره لما تتخطب ويتقدم لها عريس هو هيعمل إيه؟
خالد ضحك من قلبه وصوته علي في الصالة الهدية:
ههههه.. دي بالذات متقلقيش عليها.. ده هيطلع عين خطيبها ويخليه يندم على اليوم اللي فكر يتقدم لها فيه
منال مقدرتش تمسك نفسها وضحكت هي كمان على طريقة كلامه، وقالت وهي بتهز راسها:
— "ههههه.. ربنا يستر.. بجد ربنا يستر عليه وعلينا
