رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل الرابع4بقلم فاطمة عبد الرازق
دخل أسر غرفة ديجا، وكانت حور تجلس إلى جوارها، ودموعها تنهمر على وجنتيها في صمت.
كانت تحاول أن تخفي وجهها، وكأنها تخشى حتى أن تنظر إليه بعد الكلمات التي قالها لها قبل قليل.
لكن أسر كان لا يزال غاضبًا.
وقف أمامها، وصوته المرتفع هز أرجاء الغرفة:
أسر بغضب:
"إنتي إزاي تنزلي وفي راجل غريب في البيت؟ هااا؟ إزاي تنزلي وشعرك باين؟"
رفعت حور عينيها إليه، وكانت دموعها تحجب عنها الرؤية.
حور بصوت يكاد يُسمع:
"والله مكنتش أعرف إن في راچل تحت... أنا كنت نازلة أعمل اللبن لريان و..."
قاطعها أسر بغضب:
أسر:
"والله بجد؟ وأنا وفهد إيه؟ مش رجالة؟ فنازلة قدامنا بشعرك عادي؟ شيفانا نسوان؟"
حاول فهد تهدئة الموقف.
فهد:
"أسر، هي متقصدش."
التفت إليه أسر للحظة، ثم عاد ببصره إلى حور، وكان الغضب لا يزال يسيطر على ملامحه.
أسر:
"إزاي تنزلي بشعرك؟ لا، وحاجة الطرحة على كتفك لازمتها إيه وهي على كتفك وشعرك باين؟"
فتحت حور فمها لتدافع عن نفسها.
حور ببكاء:
"أنا كنت..."
لكن أسر لم يمنحها فرصة.
أسر بزعيق:
"ولا إنتي علشان حلوة فبتعرضي جمالك للي رايح واللي جاي؟"
سقطت الكلمات على حور كالسيف.
توقفت دموعها للحظة.
لم تكن تتوقع أن يتهمها أحد يومًا بشيء كهذا.
هي التي قضت عمرها كله تخفي نفسها، وترتدي ملابس بسيطة، ولا تهتم إلا بريان.
شعرت بالإهانة تخنقها.
أرادت أن تقول له إنه ظالم.
أنها لم تفعل شيئًا.
أنها لم تكن تعرف أصلًا أن أحدًا موجود بالأسفل.
لكن الكلمات اختنقت في حلقها، ولم تستطع إخراج حرف واحد.
لاحظت ديجا حالتها، فاشتعل غضبها.
ديجا بحدة:
"في إيه يا أسر؟ أنا مش مالية عينك ولا إيه؟ بتزعق فيها وأنا واقفة! لا، وبتتهمها إنها بتعرض جمالها للي رايح واللي جاي... وأنا واقفة؟"
تنفس أسر بضيق، ثم قال:
أسر:
"أنا مقصدتش يا ديجا أقلل من وجودك."
ثم نظر إلى حور.
كانت عيناها غارقتين في الدموع.
أسر:
"بس ملمحكيش نازلة من غير ما تكوني محتشمة."
ثم رفع صوته من جديد:
أسر:
"سامعة ولا مش سامعة؟"
تركهم وخرج من الغرفة.
أغلقت حور عينيها، وانهمرت دموعها من جديد.
اقترب منها فهد.
كان يعلم أن أسر أخطأ، لكنه يعرف أيضًا سبب غضبه.
جلس بجوارها وقال بلطف:
فهد:
"حور، متزعليش. هو بس متعصب علشان عز شافك بالمنظر دا، وهو راجل بتاع ستات."
رفعت حور عينيها إليه.
حور بعياط وقهر:
"بس أنا معملتش حاچة... ريان وأنا بكلمه شد الطرحة من ع شعري فوقعت."
أومأ فهد برأسه.
فهد بتصديق:
"عارف يا حور، وحقك عليا أنا."
ثم حاول أن يخفف عنها، فابتسم وقال بمزاح:
فهد:
"ولا عيزاني أچولك حچك عليا أنا يا حور؟"
رغمًا عنها، ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها.
كانت ابتسامة ضعيفة، لكنها كانت أول ابتسامة تظهر على وجهها منذ دقائق.
لاحظ فهد ذلك فابتسم بانتصار.
ديجا باستغراب:
"مش كنتي بتعيطي يا بت؟ بتضحكي دلوقتي؟"
ضحك فهد وقال:
فهد بمزاح:
"علشان أنا دمي خفيف فضحكتها."
ضحكت ديجا وحور رغمًا عنهما.
وفي وسط ذلك الضحك البسيط، كان فهد يخفي خلف ابتسامته حزنًا عميقًا.
فقد كان أكثر شخص يعرف معنى أن يضحك الإنسان وهو يحمل بداخله وجعًا لا يراه أحد.
نهض فهد وخرج من الغرفة متجهًا إلى أسر.
وصل أمام غرفته وطرق الباب.
لم يأتِه رد في البداية.
ثم جاء صوت أسر من الداخل:
أسر:
"معلش يا فهد، سبني دلوقتي."
فهد:
"افتح بس."
ساد الصمت للحظات.
ثم فتح أسر الباب.
دخل فهد ونظر إليه بعتاب.
فهد:
"مكنش ينفع تعمل كل دا يا أسر. البنت معملتش حاجة لكل دا."
تغيرت ملامح أسر.
أسر بغضب:
"إزاي يعني تنزل كدا؟ وإنت عارف إن عز بتاع نسوان، وعارف كمان إن اللي بتعجبه بياخدها."
فهد بتفهم:
"عارف يا أسر، وعارف كمان إن حور معملتش حاجة. ثم إنها لسه صغيرة، إيه فهمها في كل دا؟"
صمت قليلًا ثم أكمل بعتاب:
فهد:
"وإنت كمان جرحتها، وقلتلها: إنتي بتعرضي جمالك للي رايح واللي جاي."
سكت أسر.
للمرة الأولى، شعر بثقل الكلمات التي خرجت منه.
لقد كان غاضبًا، نعم.
لكنه يعلم في داخله أنه تجاوز الحدود.
أسر بضيق:
"معرفش... هي جات معايا كدا."
فهد:
"يبقى تتأسفلها يا أسر، علشان إنت غلطت."
رفع أسر عينيه إليه.
أسر بضيق:
"وهي مغلطتش؟!"
رد فهد بهدوء:
فهد:
"أنا مقولتش إنها مغلطتش يا أسر."
ساد الصمت بينهما.
كان أسر يعلم أن فهد معه حق، لكنه لم يكن يريد الاعتراف بذلك.
لذلك غيّر الموضوع.
أسر:
"مفيش أخبار عن أدهم؟"
تنهد فهد.
فهد:
"لا، مفيش أي أخبار... بس هو هنا في القاهرة."
ظل أسر صامتًا يفكر.
أسر:
"امممم."
نظر إليه فهد باهتمام.
فهد بتساؤل:
"ناوي على إيه يا أسر؟"
رفع أسر عينيه إليه، وقال بهدوء:
أسر:
"على كل خير."
ثم أضاف:
أسر:
"بص، أنا عايزك..."
في مكان آخر من القاهرة
كان أدهم قد استأجر شقة صغيرة مؤقتًا، بعدما قرر البقاء في القاهرة حتى يجد حور.
جلس وحده في الظلام، وعيناه تشتعلان غضبًا.
كان يرفض تمامًا فكرة أن تكون حور قد أفلتت من يده.
ضرب بيده على ذراع المقعد.
أدهم بغضب وغيظ:
"يعني إيه يا حور تچوليلي مش متچوزاك؟"
شد على فكه.
أدهم:
"هتچوزك يا حور... مهما حصل."
كانت صورة حور لا تفارق ذهنه.
وكان مستعدًا لفعل أي شيء حتى يعيدها.
فيلا أسر - ليلًا
كان الليل قد حل تمامًا.
جلس أسر في شرفة جناحه الخاص، وقد ارتدى بنطالًا أسود من القماش، وتيشيرت أبيض أبرز بنيته الرياضية.
كان طويل القامة، عريض الكتفين، يمتلك جسدًا قويًا ومتناسقًا، وبشرة قمحية زادتها إضاءة الشرفة دفئًا.
أما عيناه، فكانتا بنيتين فاتحتين، حادتين وهادئتين في الوقت ذاته، بينما كان شعره الأسود الكثيف مرتبًا بطريقة بسيطة، تزيد ملامحه الرجولية وضوحًا.
كان جالسًا وحده، يفكر فيما حدث خلال اليوم.
في حور.
في أدهم.
وفي الشخص الذي حاول قتله.
لكن فجأة...
وصل إلى أذنيه صوت دربكة من الأسفل.
ثم صوت صراخ.
اعتدل أسر في جلسته.
أسر:
"إيه اللي بيحصل تحت؟"
نهض بسرعة، وخرج من غرفته.
وفي الوقت نفسه، كانت حور وديجا قد سمعتا الأصوات أيضًا.
خرجت حور من غرفتها وهي تحمل ريان، بينما خرجت ديجا خلفها.
نزل الثلاثة الدرج بسرعة.
كان صوت الصراخ يزداد وضوحًا مع كل خطوة.
حتى وصلوا إلى الطابق السفلي...
وتوقفت حور فجأة.
اتسعت عيناها في صدمة.
أما ديجا فوضعت يدها على فمها.
وأسر...
تجمد مكانه.
لأن ما رأوه أمامهم لم يكن شيئًا يمكن لأحد منهم أن يتوقعه.
