رواية فرصة اخيرة الفصل الرابع4بقلم جيهان
قعدت من المغرب لبعد العشاء أجهز في كيك بالفراولة يعني لو عملية بجد هتاخد وقت أقل من كده،
مش مهم المهم المُنتج عمومًا!
كان شكلها عسولة كده قطعت جزء منها وحطيته في طبق وقولت هصلي العشاء وأبقي انزل أديه لـخلود،
ما اكيد يعني مش هاكلها لوحدي دا يجيلي غيبوبة سُكر كده،
صليت وأخذت الطبق ونَزلت عندها، وأنا واقفة قدام الباب أفتكرت الموقف بتاع الصبح، بلعت ريقي بتوتر وقولت أكيد مش هو اللي هيفتح يعني إن شاء الله.
رنيت الجرس ودقيقة ولقيت الباب بيتفتح..
- هو أنا ينفع أهرب؟
لا سؤال بجد مش بهزر، يعني ممكن أعمل زي العيال الصغيرة عادي؟
قولت بتوتر: ممكن تنادي خلود.
- اه طبعًا، ثواني.
دخل وانا فضلت واقفة مستنية خلود تطلع،
- دقيقتين وكانت لبست الإسدال وجت بإبتسامة لطيفة علي وجهها: ازيك يا مريومة.
- الحمد لله بخير.
- تعالي أدخلي نقعد في البلكونة، زيد كده كده دخل أوضته.
- لا، لا مفيش داعي ..
أنا عملت كيك وحبيت تدوقيه بس.
- طيب يا ستي تعالي نقعد جوا بس.
- صدقيني مش هقدر، لازم أطلع بجد.
- خلاص ماشي بس أنا زعلانه
- قرصتها من خدها وأنا بقول: معلش يا كوتي بقا،
متعوضة مرة تانية .. ابقي قوليلي رأيك.
- أكيد جميلة زيك.
- ابتسمت علي جملتها وأستأذنت منها وطلعت علي شقتي.. كان شاغل بالي التوتر اللي بيحصلي لمّا بشوفه،
توتر مُستفز بس مش بقدر أتحكم فيه، قولت بصوت عالي : يا رب ميبقاش بيلاحظ دا.
---
كنت قاعد في أوضتي علشان أسيب لهم فرصة لو هيتكلموا، بس الغريب أني كلّ شوية ابتسم علي شكلها لمّا بتوتر،قولت لنفسي:
في ايه يا زيد احنا هنخيب ولا ايه.
- مسمعتش صوت برة فقولت أطلع بدل ما دماغي تسوحني أكتر من كده، لقيت خلود واقفة في المطبخ،
فـ روحت اتجاهها وقولت لمّا شوفت كيك بالفراولة متزين بطريقة حلوة أوي: ايه يا خوخة الجمال دا.
- ابتسمت وقالت: دي كيك عملتها مَريم وجابتلي منها .
- قولت وانا بستعطفها: وأنا وأنت ايه؟
- قالت وهيّ بتخبيها: اتنين يا أخويا
- كده يا خوخة، طيب ابقي شوفي مين هيذاكرلك بقا.
- مسكت أيده وقولت: يا عم استني، هو محدش يعرف يهزر معاك ابدًا ولا ايه.
- ضحك بشر وقال: ناس تخاف متختشيش صحيح.
قعدت أذاكرلها في الصالة واحنا بناكل كيك.
- بصي يا خوخة يا حبيبتي، احنا يا ناكل يا نذاكر..
لكن الاتنين مع بعض مينفعش.
- عندك حق، بس بكرة الامتحان يا با؟!
يبقي ناكل طبعًا.
- قال بضحك عليها: انا مش عارف عديتي من ابتدائي ازاي والله.
قعدت أذاكرلها لحد ما نامت علي الكتاب مش عارف ايه كائن الكسلان اللي الواحد عايش معاه دا!
- خوخة، خوخة؟!
- مممم.
- قومي نامي يا حبيبي جوا.
- خلصنا مذاكرة خلاص؟
- قولت بضحك: أيوة أنا ذاكرت خلاص وجاهز للإمتحان، قومي يا اما نامي في أوضتك.
دخلت تكمل نوم في أوضتها وأنا أخذت مصحفي وطلعت أقرأ شوية في رُكني المفضل ''البلكونة'' طبعًا.
---
كانت الساعة ١٢ بليل وأنا لسه قاعدة في البلكونة بسمع بودكاست اسمه: ''ايه المشكلة في التوبة''
كان تقريبًا ساعتين و تلت، بدأت أسمعه أول ما طلعت من عند خلود، خلص أخيرًا بعد ما سجلت عنه نقط مهمة
فضلت قاعدة أبص للسما واستمتع بجميل صُنع الله،
سمعت صوت خافت لتلاوة القرآن فـ ركزت بسرعة و عدّلت من وضعيتي، الصوت كان هادئ بطريقة تخليك تقول بدون وعي: اللهم زِد وبارك.
فضلت قاعدة استمع ليه لحد ما وَصل لآية:
﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَـٰكِن لَا تَشْعُرُون﴾
لكنه توقف فترة وكأنه يُدرِك أن تلك الأسماء التي رَحلت
ما زال ذكرهم ثقيل علي نفوسِنا .. نفس الألم، نفس الحُزن يتكرر من جديد،
حتي أصواتهم ما زال أثرُها عالقٌ في أذنيك!
- صوت أنس وهو يقول: أنس الشريف الجزيرة.
- صوت صالح وهو يُطيب خاطر السيدة العجوز.
- صوت إسماعيل الغول وهو ينقل المعاناة.
- صوت صحفي وهو يُطمـئن طفلة و يحتضنها نيابةً عن الحياة وقسوتها.
- صوت أبو عـب.ـيدة وهو يقول: أنتم خصومنا أمام الله!
من المُحال أن تنسي هذه الأصوات حتي بعد رَحليها عن عالِمنا..
وإن نسيتَ فقد خُنت.
وإن نسيتَ فقد خُنت.
رحلوا أقمار غزة وتركوا فراغًا كبيرًا وألمًا واسع التمدد لم ينقلَه إلينا أحد.
أكمل زيد قِراءته لآيات القرآن لكنّ صوته قد تحول إلي صوت صالِح الجعفراوي حينما كان يقرأ هذه الآيات الكريمة من قبل في محاولة منه لبث الصبر في نفوس أبناء شعبه، رَحل صالح واستمر الألم حتي هذه اللحظه..
---
السابعة صباحًا.
صحيت علي صوت المنبه للمرة التانية، قومت رتبت سريري وجهزت ساندوتش آخده معايا علشان مكنش ليّ نفس آكل مرّة تانية، وقفت لأول مرة قدام المراية وانا بستعد للنزول بس بلبس شرعي يُرضي الله.
فكرة عميقة ومُريحة قد ابتُليَ مَن بعد عنها .
نزلت من العمارة لقيت خلود لسه هتركب مع اخوها اول ما شافتني سابته وجت تسلم عليّ..
- صباح الخير يا مَريومة.
- صباح الفل يا ست خوخة.
- الكيك بتاع إمبارح كان جميل اووي.
- أنت اللي جميلة.
- لا بجد والله كان جميل، حتي أنا وزيد اتخانقنا عليه.
- ضحكت بخفة ووجهت نظري اتجاهه، لقيته بيبص لخلود وبيتوعد لها، داريت ابتسامتي علي طول لما لاحظها وقولتلها بتوتر: بالهناء والشفاء.
- أنتِ رايحة المستشفي؟
- ايوة .
- دعواتك بقا علشان عندي إمتحان النهاردة .
- ربنا يوفقك ويسهله لك.
- يا رب، أنا همشي علشان فاضل نص ساعة علي اللجنة، بس لما آجي لازم نتقابل.
- إن شاء الله.
وصلت المستشفي دخلت علي العيادة مباشرةً بعد ما مضيت حضور، المس سمية كانت موجودة قعدت أدردش معاها شوية ست طيبة جدًا، باركتلي لما شافتني لابسة الحجاب.
بعد شوية جبنا فطار وفطرنا سوا.
بدأ وقت الكشوفات ودكتور زيد جه والعيادة بقت زحمة جدًا،
كنت بسمع الناس وهي بتدعي له؛ لأنه عنده ضمير وبيراعي جدًا لحالة الناس.
طلعت في وقت البريك أشرب قهوة وأتمشي شوية في الجنينة،
كنت سرحانة بفكر في علاقتي مع بابا وإزاي أصلحها،
الإنسان مش بيختار أهلُه بس مع كلٍّ وُجِب القبول!
يمكن طفولتي مكانتش سوية بشكل كافي اتجاه البيت والأسرة، ودا مخليني لحد دلوقتي شايفة أن مفيش راجل حنين بيكمل للآخر..
مش عارفة من الأساس إذا كان هو حنين ولا دا مجرد كلام من أمي علشان متخليش طفلة تكره أبوها.
بيت مليان دفء وحب وهزار كان أبسط حِلم ممكن تحلم بيه طفلة زيي..
هو الإنسان ممكن يكبر بس يبقي جواه أمل طفولي أنه يحس بالأمان؟
ولا لمّا بيكبر بيكبر حتّي علي طفولته وأحلامه..
قرأت قبل كده مقولة: ''فاقد الشئ لا يُعطيه''
بالنسبة ليّ: فاقد الشئ يُعطيه للآخرين ويَحرم نفسه!
لطالما أعطينا الحب والحنان والدفء بسخاء!
ونحن ... نحن أكثرَ النّاس أحتياجًا لهذه المشاعر!!
أظنها المسؤولية هي مَن أوصلتنا إلي هذه الدرجة، أن تحرم نفسك من الانهيار لأن هناك مَن يستمد منكَ الصمود.
قطع تفكيري شخص بيقف قدامي فجأة وراسم ابتسامة باردة جدًا..
أظن أنكم قدرتوا تخمنوا صح!
- وقفت فجأة وقولت بضيق: خير؟
- أبدًا، عايز أقولك أن شكلك بالحجاب جميل أوي، بس شكلك من غيره أجمل الصراحة.
- كتمت غيظي وسيطرت علي نفسي علشان ممسحش بكرامته جنينة المستشفي وقولت: أنت لو جيت أتكلمت معايا تاني صدقني هـ..
- قاطعني وقال: ليه بس كده يا مريومة،
دا انا واخد الإذن من المهندس جمال المحمدي نفسه.
- رديت بصدمة: ايه!!!؟
