رواية في يوم وليلة الفصل الرابع4بقلم ملك شريف
صوت قفلة الباب كان كفيل يخلي كل ذره تماسك جوايا تروح
دخلت اوضتي وقفلت الباب وسمحت لدموعي تنزل من غير ما امنعها وشويه وسمعت صوت خبط على الباب ودخلت تيتا جمبي وحضنتني بحنان وهي بتطبطب عليا
= اهدى يا حبيبتي.. متخليهمش يكسروكي، طول ما أنا وجدك عايشين محدش يقدر يقرب منك ولا ياخدك غصب عنك.
رفعت راسي وعيني مليانة دموع:
_ بس بابا مصمم يا تيتا.. وشكلهم مش هيسكتوا، وأنا خايفة أكون سبب لمشاكل بينكم وبينهم.
دخل جدو الاوضه وهو بيقول:
= متقوليش الكلام ده يا ميار، ابوكي عصبي ومنفعش معاه بالهدوء، بس لما يهدا هيعرف غلطته المهم دلوقتي، ارتاحي وانسي اللي حصل ده كله.
اليوم خلص وتيتا وجدو دخلو يناموا بس انا اللي مكنتش عارفه انام، ودماغي كانت بتفكر في مليون حاجه
وقلبي مقبوض لاني عارفه إن بابا ممكن ياخدني غصب عني زي ماقالي وإن اللي حصل مش هيعدي بالساهل
نمت في الاخر بعد ما تعبت من كتر التفكير
وصحيت تاني يوم على أذان الضهر قومت وتيتا وجدو كانو قاعدين في الصاله
= صباح الخير يا حبيبتي
_ صباح النور يا جدو
= تعالي يلا عشان تفطري
_ لا مليش نفس
سيبتهم ودخلت اتوضيت وصليت الضهر وكنت حاسه إني تعبانه نفسيًا ومش قادره حتى اتكلم فـ قفلت على نفسي الاوضه ورجعت نمت تاني
صحيت على خبط على الباب وسمعت صوت تيتا
فتحت عيني بالعافيه وبصتلي وهي بتقول بحنان:
= كفايه نوم يا حبيبتي ده المغرب أذن
_ حاضر يا تيتا قايمه اهو
تيتا خرجت من الاوضه وانا قومت وانا بحاول افوق
صليت وتيتا غصبت عليا أكل واكلت ودخلت أوضتي تاني
كان نفسي اقف في البلكونة أشم شويه هواء يمكن أهدى شويه، بس كنت خايفه عيني تشوف مصطفى والحقيقه إني مش هقدر أحط عيني في عينه من الكسوف اللي أهلي سببهولي
قعدت كذا يوم غرقانه في أفكاري وخوفي، الايام كانت بتعدي ببطء وانا شبه معزوله عن العالم الخارجي، بطلت أنزل شغل ولا أنزل الشارع، وحتى البلكونه مبقتش بطلعها
وفي يوم، وأنا واقفة في المطبخ بساعد تيتا في تجهيز الغداء، سمعت جرس الباب جريت تيتا تفتح، وسمعتها بترحب بحرارة بصوت عالي:
= أهلاً وسهلاً يا أم مصطفى! تعالي يا حبيبتي نورتي الشقة.. ومعاكي مين العسل دي!
خرجت من المطبخ بمسك المريلة في إيدي عشان أرحب
بالضيوف، وعرفت انها أم مصطفى لما سمعت تيتا بتقولها ومعاها بنت في سنّي تقريبًا
بس إيه.. قمر، عيونها بتلمع بالشقاوة، ولابسة تيشرت كاجوال وشكلها مليان طاقة وحيوية أول ما عينها جات في عيني، نطت ناحيتي وخدتني بالحضن كأننا صحاب من عشر سنين وقالت بصوت مرح:
= إنتي بقى ميار؟! مش معقول! أخيرًا شفت الشبر ونص اللي اخويا مصطفى قالي عليها أنا نور أخته.. بس عبيطة شوية استحمليني!
برقت بعيني من الصدمه، وبصيت لتيتا وأم مصطفى اللي واقفين بيضحكوا على جنانها
بصتلي أم مصطفى وحضنتي وقالت:
= ازيك يا بنتي عامله ايه؟
_ الحمدلله يا طنط، شرفتونا والله.
بصيت لنور اللي كانت بتقلع الكوتش بكل راحة كأنها في بيتها، وقالت بضحك:
= مالك بتبصي لي كده ليه يا بنتي؟ هو مصطفى ما حكاش لكِ عليا، ده أنا هخلي أيامكم فل!
ضحكت غصب عني من طريقتها العفوية والمرحة جداً، وقالت وأنا بسحبها من إيدها:
= تعالي تعالي يا نور.. ده شكلنا هنبقى صحاب ادخلي أوضتي فوراً!
دخلنا الأوضة وقفلنا الباب، ومن أول ثانية حسيت كأننا متعرفين من سنين مش من دقيقة قعدنا على السرير وبدأت نور تحكي لي مصطفى وهو صغير وإزاي كان، وكل شوية نضحك بصوت عالي لدرجة إن تيتا خبطت على الباب تحذرنا من الهيستيريا دي.
قعدنا كتير وبصراحه خرجتني من الحزن اللي كنت فيه وهما مشيو وانا دخلت اوضتي
وشويه وخرجت البلكونه عشان اتنفس شويه
فضلت قاعده باصه للشارع وانا سرحانه لحد ما سمعت صوت باب البلكونه اللي قصادنا بيتفتح وخرج مصطفى وهو لابس تيشرت بيتي رمادي وبنطلون رياضي أسود
واول ما لف عينه وشافني ابتسم ابتسامة واسعه وهو بيسند على السور وقال:
= أهلًا بالشبر ونص، كنتي فين بقالك كام يوم ولا حد بشوفك خالص من ساعة ما أهلك كانو هنا؟!
حسيت إني مكسوفه ارد عليه بسبب اللي حصل فـ حاولت إداري توتري وقولت بجديه:
_ عادي اهو عايشه.
ابتسم مصطفى إبتسامة دافية وتركيز عيونه عليا كان بيزيد من توتري، هز راسه ببطء وهو بيعدل وقفته على السور وقال:
= دي مش كلمة تتقال بإحباط كده يا ميار.. أنا عارف ومقدر كل اللي حصل بس عاوزك تعرفي حاجة واحدة إنتي مالكيش أي ذنب في كل ده، وأنا عمري ما هحكم عليكِ أو أحملك نتيجة تصرفات غيرك.
منكرش اني كلامه ريحني شويه بس برضو كنت لسه مضايقه فضلت ساكتة مش عارفة أقول إيه، كأنه قرا كل أفكاري والخوف اللي كان خانقني بقاله أيام.
كمل مصطفى وهو بيحاول يلطف الجو ويغير المود:
= وبعدين نور اختي جت وخربت الدنيا عندك صح؟ البت دي مجنونة بس أنا قلت تطلعك من قوقعتك دي شوية.. ها، عملت معاكِ إيه؟
ضحكت خفيف وأنا بداري وشي بإيدي:
_ دي مجنونة بجد يا مصطفى! فضحتك وجابتلي تاريخ حياتك وأنت صغير كله.
ضحك بصوته كله وهو بيهز راسه يمين وشمال:
= ماشاء الله! أنا بعتها تخفف عنك، قامت باعتني في أول قعدة؟
ماشي يا نور لما تجيلي بس.. المهم، إنتي عاملة إيه دلوقتي؟ حاسة إنك أحسن شوية؟
هزيت راسي بابتسامة صغيورة حسيت معاها إن الجبل اللي كان على صدري بدأ يختفي:
_ الحمدلله.. أحسن كتير، شكراً يا مصطفى.
ابتسم بامتنان وقال وهو بيلف عشان يدخل:
= العفو يا ستي.. يلا ادخلي ارتاحي وما تفكريش في أي حاجة ضايقتك، تصبحي على خير
_ وأنت من أهله.
قفلت البلكونة ودخلت أوضتي وأنا حاسة براحة نفسية بقالي كتير محستهاش، حطيت راسي على المخدة وأنا أخيرًا قادرة أنام ببال مرتاح ودماغ فاضية من التفكير السلبي.
<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<
صحيت تاني يوم بدري وطلعت الصاله
_ صباح الخير
ردت عليا تيتا:
= صباح النور يا حبيبتي
دخلت اتوضيت وصليت وروحت البس
لبست دريس أسود سيمبل لاني قررت أني كفايه حبسه في البيت وانزل الشغل
_ عايزه حاجه يا تيتا.. انا نازله؟
= خلي بالك من نفسك
قفلت الباب وتيتا بتدعيلي
اول ما نزلت شوفت مصطفى كان واقف قدام الورشه واول ما عينه جت عليا
أول ما عينه جت عليا قرب مني بخطوات هادية وابتسامة خفيفة وقال:
= صباح الخير يا شبر ونص.. أخيرًا نزلتي ونورتي الشارع.
_ صباح النور يا مصطفى.. أيوة قررت أنزل الشغل كفاية قعدة البيت.
هز راسه باهتمام وقال:
= خطوة ممتازة طبعًا، ربنا يوفقك.. بس بقولك إيه، لو حسيتي بأي إرهاق أو ضغط في الشغل، اعتبريني موجود في أي وقت، تمام؟
حسيت بالدفء في كلامه ورديت بامتنان:
_ تسلم يا مصطفى، كلك ذوق يلا عشان متأخرش على الشغل.
= توكلي على الله، وخلي بالك من نفسك.
مشيت وأنا حاسة إن طاقة إيجابية كبيرة بتملا قلبي، والأيام الصعبة اللي فاتت بدأت الصفحة بتاعتها تطوي أخيرًا
وصلت الشغل وقضيت اليوم كله بنشاط وحماس، ورجعت البيت بدري وأنا حاسة برضا تام عن نفسي.
بس اول ما فتحت باب الشقه لقيت نور اللي اول ماشافتني جريت عليا حضنتني وهي بتقول:
= اخيرا رجعتي، يلا اقعدي استريحي شويه عشان ننزل
بصيتلها باستغراب وقولت:
_ ننزل فين؟!
قالت نور وهي بتغمز لي بعينها وبضحكة خبيثة:
= هننزل نتمشى ونجيب آيس كريم، الجو بره حلو أوي وهيظبط دماغك، ويلا بقى من غير كلام كتير ادخلي ارمي الشنطة دي.
بصيت لها بتبرير وأنا ببعد عنها شوية:
= يا بنتي أنا لسه واصلة وتعبانه من الشغل، مينفعش كدة مفاجأة.
قربت مني نور ومسكت دراعي وهي بتشدني ناحية الأوضة:
= ولا تعب ولا حاجة، ده أنا مطلوبة مني مَهمّة ولازم أنفذها! يلا يا ميار قدامي.. وبلاش كسل.
استسلمت لكلامها وفعلاً غيرت هدومي بسرعة وخرجت معاها
نزلنا للشارع واتمشينا شوية لحد ما وصلنا لمحل آيس كريم قريب. قعدنا على ترابيزة صغيرة بره، وبدأت نور تحكي لي مواقف كوميديا حصلت معها في الجامعة، لحد ما نسيت تعب اليوم كله من كتر الضحك.
وفي وسط الهزار، بصّت لي نور بنظرة غامضة شوية وهي بتاكل وقالت بصوت واطي:
= بقولك ايه... بصراحة كده، الخروجة دي أصلاً مش فكرتي لوحدي!
برقت لها بعيني وأنا بسألها باستغراب:
= أمال فكرة مين؟ إنتي شكلك ناوية على مصيبة!
ضحكت نور بصوت عالي وقالت وهي بتعدل قعدتها:
= ولا مصيبة ولا حاجة.. يا ستي بكل بساطة، مصطفى هو اللي كلّمني امبارح بالليل وقالي ان انتي ساعة ما نزلتي الشغل والجو عندك مشحون، نزليها تخرج وتفصل عن أي طاقة سلبية وتجيب آيس كريم على حسابي، وقالي إياكي تجيبي سيرة إن أنا اللي طالب كده عشان ما تتكسفش وتكسفني
سكتت شويه وقالت:
= بس انا فتنت وقولتلك، بس اوعي تقوليله ان قولتلك حاجه عشان هيعلقني !
حسيت إن قلبي دق بسرعة من كتر الاهتمام والدعم اللي من غير مقابل، ولقيت نفسي ببتسم بسذاجة وأنا باصة في الأرض.
شافتني نور وغمزت لي بخبث وهي بتضحك:
= إيه يا بنتي، الشبر ونص سرحت فين؟ الكسوف ظهر تاني ولا إيه؟ طب بذمتك مش أخويا ده راجل عسل؟
حاولت إداري كسوفي وقولت بتوتر:
_ لا... لا يعني مش اوي بصراحه هو رخم جدا.
ضحكت نور جامد وهي بتقول:
= ياشيخه حرام عليكي بعد ده كله ورخم؟!
سكت ومردتش عليها
قضينا اليوم وسط جو لطيف ومرح خفف عني كتير من أي شعور بالقلق أو الخوف اللي كان مسيطر عليا، ولأول مرة من أيام حسيت إني بدأت أرجع لميار القديمة، اللي بتضحك من قلبها.
رجعنا البيت بالليل، ودخلت أوضتي وأنا حاسّة بامتنان كبير لربنا إنه عوضني عن كل اللحظات الصعبة دي بناس زي نور و...ومصطفى، وجدو وتيتا اللي دايماً في ضهري
حطيت راسي على المخدة وغرقت في النوم وأنا ببتسم وبفكر في بكرة بهدوء وراحة بال.
