رواية اسطورة الشاويش عطية الفصل الخامس5بقلم اميرة خالد
بعد أن غادر الجميع وهدأت أرجاء القصر، دخل ياسين إلى الغرفة بهدوء ووجد ليلى جالسة بهدوء تحتضن ابنها الصغير بين أذرعها. اقترب منها بخطوات بطيئة، وانحنى ليطبع قبلة دافئة وحانية على رأسها، ثم جلس إلى جوارها على السرير بنظرة مليئة بالحب والاعتذار:
- "ممكن نبدأ صفحة جديدة يا ليلى؟ أنا بأحبك يا ليلى، وما أقدرش أعيش من غيرك."
رفعت ليلى عيونها إليه بابتسامة خفيفة، وقالت بصوت هادئ: "بجد يا ياسين؟"
أجابها بثقة وهو يبتسم بحب: "طبعاً يا حبيبتي، إنتِ الدنيا وما فيها."
مرت الشهور بسرعة، وفي يوم هادئ، كانت ليلى واقفة في المطبخ تحضر الرضعة لابنها "تميم"، وفجأة شعرت بدوخة خفيفة ومفاجئة جعلتها تكاد تفقد توازنها. في تلك اللحظة دخلت جنى المطبخ، وراحت تسألها بلهفة:
- "مالك يا حبيبتي، فيكِ إيه؟ وشك أصفر كده ليه؟"
ردت ليلى بتعب وهي تضع يدها على رأسها: "أنا مش عارفة، حاسة إني دايخة كده، وحاسة إني هأقع."
هتفت جنى سريعاً بابتسامة خبيثة: "إيه! بأقول لك إيه، أنا معايا اختبار حمل.. كنت جايبة اتنين إمبارح لما عملت الأول وعرفت إني حامل، التاني لسه موجود، أجيبه لك؟"
عقدت ليلى حاجبيها بدهشة: "حامل إيه؟ أنتِ بتهزري؟!"
أجابتها جنى بيقين: "اسمعي مني بس!"
صعدت الاثنتان إلى الأعلى، وأعطت جنى الرضعة لياسين أولاً ليطعم الصغير تميم، ثم دخلت ليلى الحمام ومعها الاختبار. بعد دقائق، خرجت ليلى وهي مصدومة تماماً وماسكة الاختبار في إيديها. أول ما شافته جنى، نطت بفرحة وحضنتها بقوة وهي تقول:
- "أنا فرحانة قوي! أنا وأنتِ هنولد مع بعض، دي حاجة تفرح بجد!"
نزلت ليلى إلى الصالون وهي متعصبة للغاية، ووقفت قدام ياسين بغضب عارم:
- "عاجبك اللي أنت عملته ده؟!"
استغرب ياسين والكل، وسألها بذهول: "في إيه يا ليلى؟ عملت إيه؟"
مدت إيدها ورمت اختبار الحمل قدامه على الترابيزة. أول ما شافه ياسين، لمعت عيونه بابتسامة واسعة وسعادة غامرة:
- "أنا مبسوط! هو دي حاجة تزعل؟!"
وقفت ليلى وهي تنفخ بغيظ، وصفرت للكلب بتاعها فجاء يجري بسرعة. أشارت على ياسين وقالت للكلب يروح وراه. بدأ الكلب ينط ويهחש حوالين ياسين اللي قام يجري بخوف في الصالون، وهو عارف إنه ممكن يأذي الكلب، لكنه عارف كمان قد إيه ليلى بتحبه فمش هيرضى يضربه.
صرخت العيلة برعب وضحك: "في إيه بس يا ليلى، فهمينا!"
قعدت ليلى مكانها بكل غرور وشالت ابنها تميم وهي لسه متعصبة. دخلت تيسير والجد ووقفوا بدهشة، وقالت تيسير بقلق:
- "يا بنتي اهدي كده، وفهمينا إيه اللي حصل؟"
قالت جنى وهي تضحك بصعوبة من كثرة الضحك: "ما فيش يا جدو، أصلها متعصبة عشان طلعت حامل!"
هلت بشائر الفرح على وجه العيلة، وقالت تيسير بابتسامة: "ألف مبروك يا حبيبتي!"
ردت ليلى بعصبية لطيفة: "مبروك على إيه يا طنط؟! تميم لسه صغير، إزاي أخلف دلوقتي؟!"
ردت تيسير بحنان: "يا بنتي ما تخافيش، إحنا معك، وأنا هأخلي بالي منهم."
قالت ليلى وهي بتبص لياسين بغيظ: "طب والشركة والشغل؟"
رد الجد بابتسامة واسعة: "ما هو ياسين معك في الشغل ومخلي باله."
سكتت ليلى وهي مش عارفة ترد، فقالت تيسير برجاء وهي بتبص للكلب: "طب عشان خاطري انده للكلب ده خليه يقعد، الواد نفسه هيتقطع!"
عملت ليلى إشارة للكلب فهدأ وقعد تحت رجليها بهدوء. قرب ياسين وهو بيأخذ نفسه بالعافية وبيمسح عرقه، وقعد جنبها على الكنبة وهو بيقول بتذمر دافئ:
- "يرضيكي كده يا أم تميم اللي أنتِ بتعمليه فيَّ ده؟!"
بصت له ليلى من فوق لتحت باستنكار: "إيه أم يزيد دي؟.. قصدي إيه أم تميم؟ أنت بقيت جريء قوي يا ياسين!"
ضحك ياسين بقوة، وقال بمشاكسة: "ولا تزعلي نفسك خالص، إحنا المرة دي هنجيب بنوتة وهأسميها 'الشوشة عطية'!"
تعصبت ليلى تماماً، ولسه هتصفر للكلب تاني، بس ياسين كان أسرع بكتير؛ حط إيده الاتنين على بقها بسرعة ومنعها من الكلام، ومسك إيديها، وبص لجنى وهو بينادي بلهفة:
- "تعالي يا جنى خذي تميم بسرعة!"
جرت جنى وخدت تميم وهي ميتة على روحها من الضحكة، وفي ثانية كان ياسين قايم شايل ليلى بين إيديه وهي بتتحرك بعصبية لطيفة، وطلع بيها بسرعة على الجناح الخاص بيهما وسط ضحكات العيلة كلها.
دخل ياسين الجناح الخاص بهما، ونزل بليلى على السرير برفق وهدوء، وقعد جنبها وهو بيبتسم بحب واحتواء:
- "ينفع اللي أنتِ عملتيه ده يا ليلى؟ على فكرة، أنا كان ممكن أخلص على الكلب ده في ثانية، بس ما يهونش عليا زعلك يا قمر!"
بصت له ليلى بطرف عينها وهي لسه متمسكة بعنادها اللطيف، بس ملامح وجهها بدأت تلين قدام نظراته الدافئة. اقترب منها ياسين ببطء، وعيونه مليانة عشق وسحر لا يقاوم، وطبع قبلة طويلة وعميقة على شفايفها، غرقوا بعدها في بحر من الرومانسية والحب الصادق، وذاب كل زعل الدنيا في حضن دافي يجمعهم، لتبدأ حكاية جديدة عنوانها العشق الأبدي الذي لا ينتهي.
مرت الشهور، وطوال فترة الحمل كانت ليلى متغاظة جداً من ياسين، وكل تعبها وغضبها كانت بتطلعه عليه بطلباتها الكتيرة والغريبة، وهو كالعادة كان بيوافق على كل حاجة من غير ما يتكلم وبكل حب.
ودخلت في السابع، وفي يوم وهي قاعدة تعبانة ورجليها ورمة جداً من الحمل، دخل ياسين وقعد جنبها بسرعة. مسك علبة الكريم، ورفع رجليها بحرص على رجله، وبدأ يعمل لها مساج برفق وحنية بالغة وهو بيقول:
- "مش أنا قلت لك ما تروحيش الشغل وخليكي قاعدة مرتاحة، وأنا هخلص كل حاجة هناك؟!"
ردت ليلى بتعب وإرهاق: "ما كانش ينفع يا ياسين، أنت عارف الصفقة دي مهمة قد إيه للشغل."
ابتسم بحنان وهو بيمسح على شعرها: "ماشي يا ستي، المهم أنتِ ما تتعبيش ولا بنوتتي الحلوة تتعب."
ضحكت ليلى بخفة، وبعدها ياسين"بأقول لك إيه.. أنا نفسي أخش أطمن على بنتي!"
بص لها ليلي باستغراب شديد: "يعني إيه؟!
ياسين هو الموضوع ده محتاج سؤال؟!"
قرب منها بحب وعشق كبير وذابوا في لحظة رومانسية هادية.. وفجأة، بعد دقائق معدودة، صرخت ليلى بقوة وألم شديد وهي ماسكة بطنها.
وقف ياسين وهو مش فاهم حاجة وبيتجنن من الخلعة: "في إيه؟! مالك فيكي إيه؟!"
ردت ليلى بصراخ ووجع عارم: "أنا بأولد يا حيوان!"
فتح ياسين عيونه بذهول وهو بيحاول يستوعب: "ده وقته شتيمة؟! لم لسانك بدل ما أقطعه لك!"
زعقت فيه ليلى بألم أعمى: "هو ده وقته كمان تتخانق؟! امشي بسرعة على المستشفى!"
بسرعة البرق وبدون تفكير، لبس ياسين قميصه بخطفة، وشالها بين إيديه ونزل بيها بأسواغ جنونية. على الصوت، طلعت تيسير بفزع:
- "في إيه يا ولاد؟!"
صرخ ياسين وهو بيكمل جري: "ليلى شكلها بتولد! أنا طالع بيها على المستشفى دلوقتي!"
صرخت ليلى وهي بتموت من الوجع: "هو أنت لسه بترغي؟! امشي بسرعة على المستشفى!"
وفي المستشفى، انقلبت حجرة العمليات إلى ساحة حرب مصغرة؛ كانت ليلى بتصرخ من شدة الوجع وتصب على ياسين أفضع الشتايم بغضب أعمى، وكل ما يقرب منها عشان يهديها أو يمسك إيديها، كانت تضرب فيه بكل قوتها وتغرز أسنانها في إيديه من شدة الألم والغيظ، وياسين صابر وساكت ومش مستحمل غير خوفه عليها ومنظر تعبها.
أما بره في الممرات، كانت جنى واقفة سندة ضهرها على الحيطة وراكنة راسها على كتف مالك، حاضناه بقوة ومغمضة عيونها وهي حاسة بألم الولادة وهمسات الوجع بتتسرب لجسمها، لكنها كانت كاتماه جوaها بالعافية عشان ما توترش الكل.
قربت تيسير منهم بخطوات سريعة وملامحها مليانة قلق على الاتنين، وبصت لمالك وقالت بنبرة آمرة وحانية:
- "يا بنتي روح بيها يا مالك.. هي شكلها تعبانة ومش قادرة تقف على رجليها."
مالك لسه بيبص على جنى بقلق حقيقي، لقى وجهها اتخطف للون الأبيض الشاحب وعيونها بتروغ من التعب، وقبل ما ينطق بكلمة.. لقى جنى بتترعش بين إيديه وفقدت الوعي تماماً!ما لحقش ياسين يستوعب الصدمة، لحد ما لقى الميه نزلت بغزارة على الأرض من بين رجلي جنى وهي بتصرخ بصوت عالي وهي ماسكة بطنها بانهيار:
- "آآآه يا مالك! الحقني.. شكلي بولد أنا كمان!"
فتح مالك عيونه بخلعة وجنون، وشالها بسرعة الصاروخ ودخل بيها على غرفة العمليات اللي جنب ليلى على طول، وهو بيلعن اليوم اللي قرروا فيه يخلفوا ورا بعض!
جوة الأوضة التانية، كانت جنى بتصرخ وتشد في شعر مالك من كتر الوجع، ومالك هيموت من الرعب عليها، بره في الممر وقف ياسين وهو حاطط إيديه على راسه، وإيديه التانية منملة وبتوجعه من عض ليلى، وبص للممرضات وقال بصوت منهار:
- "هما متفقين عليّ أنا وأخويا ولا إيه؟! حد يلحقني!"
وبين صرخات ليلى في الأوضة الأولى وصرخات جنى في الأوضة التانية، اشتعلت المستشفى بالكامل، لحد ما طلع صوت البكاء المزدوج لـ "عطية" بنوتة ياسين وليلى، ومولود جنى ومالك، ليعلن وصول الجيل الجديد وسط كوميديا وجنون لا ينتهي!
تمت بحمد لله.
