رواية الوصية ونور النجع الفصل السادس6بقلم ولاء عمر


رواية الوصية ونور النجع الفصل السادس6بقلم ولاء عمر

ــ طيب وبالنسبة للإجراءات القانونية؟

ــ هيمشي فيها البشمهندش برضك.

جاوبني أبوي فروحنا مع المهندس يشوف الأرض اللي هيتني عليها علشان ألاقي ناس واقفة بتتفرج وواحد قال:
ــالعيال كبرت وبقت تقدر تشيل الفأس وتقطع في الغيط! بدل ما يضيعوا أحسن سنين عمرهم بين أربع حيطان يحفظوا كلام لا بيوكل ولا بيشرب، عيالنا وبيوتنا أولى بالوقت ده يشتغلوا ويجيبوا قرشين يسندوا الدار! التعليم مش هينفعهم لما الجوع يخبط على الباب يا عمدة!"

الودودة والهنس بدؤا ينتشروا بين اللي واقفين، و ناس تانية كانت بتهز رأسها كأن الكلام لمس جرح عندهم من الفقر وتعب العيشة..
دمي فار في عروقي وكنت هرد عليه، بس أبوي رفع يده وحطها على صدري يهديني، وبص للراجل وللناس المتجمعة كلها بنبرة حكيمة وهادية بس تقطع القول وتسمّع الكل:
ــ القرشين اللي هيجيبوهم اليومين دول هيخلصوا بكرة.. إنما العقل اللي هينور في المدرسة دي، هو اللي هيخليهم يبنوا دور ويغيروا حال النجع كله بعدين.. اللي يزرع في الأرض ياكل سنة، واللي يزرع في عقول عياله ياكل العمر كله! توكل على الله وشوف طريقك.

الناس سكتت خالص وكلام أبويا نزل عليهم زي المية الباردة، والراجل نفخ بضيق وسحب حمارته ومشي وهو بيمطمك بكلام مش مفهوم بينه وبين نفسه، والزحمة بدأت تتفك وكل واحد رايح لبيته وهو بيفكر في كلام العمدة.

وإحنا كنا مع البشمهدس بيأخد المقاسات وبيحطه على الورق و بعدين مسكت معاه الشريط اللي بيقيس بيه.

ــ شوف يا عمدة بإذن الله بكرا هنروح ونمشي في الإجراءات المهم لامم فلوس وتبرعات  لا هتستنى موافقة من الوزارة ولما يوافقوا؟

ــ لاع أنا متبرع بالفلوس.

كملت أنا:
ــ إحنا هنشيل كل حاجة محتاجين بس الموافقة من كل الجهات عشان الموضوع يمشي.

ــ طيب ده رقمي بكرا الصبح هرن عليكم على الساعة تمانية الصبح.

جبت ورقة وكتبت له رقم التليفون الأرضي بتاعنا.

واتفقنا ومشي.

قال أبوي وهو قاعد على الكنبة وبيمسك كوباية الشاي في ايده:
ــ بعد بكرا بعد صلاة الجمعة هنقعد ونتحدت مع الناس في الجامع.

ــ تفتكر هيقتنعوا يا أبوي؟

ــ هيعارضوا يا ولدي بس برضو لازم تعذرهم لحد ما يقتنعوا، الجهل يا ولدي بيعمي العقول ويضلمها.

بعد ما روحت مع المهندس وروحت النجع ورجعت خدت أبوي وروحنا البنك عشان نسحب فلوس.

ــ على فكرة أنا هشارك معاك بالنص في الفلوس اللي هتدفع.

ــ وه يا زيدان ما أنا قايل أنا اللي هدفع.

ــ وأنا كمان هدفع، بس أنا نفسي الناس متعترضش.

قعد على الكرسي مستني الموظف ييجي وقال لي:
ــ الناس دلوقتي هترفض، مش هتقتنع بسهولة، وده طبيعي يا ولدي كل واحد زي ما طلع وإتربى، بس لما يفكروا فيها وإن عيالهم هيعيشوا أحسن من عيشتهم مش هيبقوا ضدنا لاه ده في وقت هييجي وهيشكروك لو مكنتش أنا موجود ساعتها.

ــ هتروح فين يعني يا عمدتنا؟

ــ اللي من العمر مش كد اللي جاي يا زيدان يا ولدي.

ــ متقولش كده بس يا كبير ربنا يبارك في صحتك وعمرك يا كبيرنا.

مضينا وسحبنا الفلوس وروحنا المكتب للمهندس و واحنا في الطريق قال:
ــ وأنت ومرتك كيف الدنيا معاكم.

ــ الحمد لله.

ــ معارفش تأخد منها كلمة صح؟

ــ ليه ده إحنا حتى بنتناقش كتير وباين عليها مثقفة وهي اللي شجعتني إني أقولك نبني مدرسة، وجدعة وزينة فعلاً يا أبوي.

ــ إوعى في يوم تخسرها يا زيدان، عشان مش هتلاقي زيها صدقني، أبوها وأمها مخلفوش غيرها بس ربوا فيها كل حاجة كويسة ومليحة، ويبقى يا بختك يا ولدي لو كسبتها، محدش غيرها بعد ربنا هيعرف يأخد بيدك علشان تخلوا النجع ده نجع النور.

يوم الجمعة قبل الفجر لقيتها صاحية فسألتها:
ــ صاحية ليه دلوقتي؟

ــ أمي وأبوي جُم على بالي فقولت أقوم أصلي وادعي لهم وبالمرة أقرأ سورة الكهف يعني عشان النهاردة الجمعة.

اتاوبت ( تثاوبت) وقولت بصوت كله نوم:
ــ ربنا يرحمهم، بس عارفة بقالي شوية منتظم على قرائتها يوم الجمعة وبعيش مع القصص بتاعتها بس مش عارف ليه بنقرأها.

ركنت المصحف على الكرسي اللي جنبها وقالت:
ــ بما إني كنت عيلة فضولية، فالحمد لله يعني لما سألت أبوي جاوبني .

ــ وقال لك ليه بنقرأها يعني؟

هزت راسها فسألت  برضو :
ــ ليه لازم تبقى عادة أسبوعية عندنا؟

جاوبت:
ــالموضوع بيبتعد عن مجرد عادة.. هو طاقة للروح. فكّر فيها على جانبين: الجانب الإيماني والجانب العملي.

فسألت:
ــ إيه الجانب الإيماني؟

ــ النبي ﷺ قالنا إن اللي بيقراها يوم الجمعة، ربنا بيجعل له نور ينورله حياته وبصيرته بين الجمعتين، وكمان أول 10 آيات منها حماية من أعظم فتنة هتيجي على البشرية (فتنة المسيح الدجال).
كملت وأنا مستمع:
ــ بعدين في أربع قصص بيلخصوا لك الدنيا دي واللي بيحصلنا، في أربع فتن بأربع قصص أول قصة قصة أصحاب الكهف (بتتكلم عن فتنة الدين) شباب آمنوا بالله، لكن قومهم والملك كانو هيجبروهم على الكفر، ففروا بدينهم واستخبوا في كهف، فربنا أنامهم 309 سنة وحماهم.
استفدنل هنا بقى إنك تتمسك بمبادئك ودينك حتى لو الدنيا كلها ماشية عكسك، وربنا هيحفظك ويحمي خطواتك.

ــ وتاني قصة؟

ــ قصة صاحب الجنتين (فتنة المال)  بتتحكي عن راجل ربنا رزقه بحديقتين مليانين خير وثمر، فتكبّر وانغر بماله وقال "حديقتي دي مش هتفنى أبداً"، فالنتيجة إن ربنا دمرها كلها في ليلة.

أضافت:
المال والنعمة رزق واختبار من ربنا، أوعى تخليك تتكبر أو تنسى إن ربنا هو المصدر وهو القادر يزيلها. 

قولت :
ــ وتالت قصة هي قصة سيدنا موسى والخِضر عليهما السلام إيه الفتنة بقى؟

فشرحت:
فتنة العلم، سيدنا موسى ظن إنه أعلم أهل الأرض، فربنا وجهه يعلم من العبد الصالح (الخضر)، وشاف معاه أحداث مش فاهمها (زي خرق السفينة)، وبعدين الخضر شرحله الحكمة الخفية ورا كل حدث. وده يعلمنا يا زيدان إن مهما بلغت من العلم، علمك محدود.. وفيه دايماً حكمة إلهية خفية ورا الأحداث اللي مش بنفهمها في وقتها.

كملت وقالت:
ــ وآخر واحدة هي قصة ذي القرنين (فتنة السلطة والقوة)
ودي بتتكلم عن ملك عادل ربنا مكنله في الأرض وإداله قوة وسلطان جبار، فسخر كل القوة دي عشان ينصر المظلومين ويبني سد يحميهم من يأجوج ومأجوج، ولما خلص قال: "هذا رحمة من ربي". يعني القوة والسلطة والنفوذ أمانة؛ الشاطر اللي يستغلها في نفع الناس والخير مش في الظلم والسيطرة.

قولت بفرحة بمدى شطارتها إنها توصل المعلومة بسلاسة:
ــ يااااه! يعني الأربع قصص دول بيغطوا كل حاجة ممكن تغري الإنسان في حياته!

هزت راسها وقالت :
ــ تخيل! وعشان كده ختام السورة بيجمعهم في بوصلة واحدة: تذكر الآخرة والعمل الصالح والبعد عن الشرك.

ابتسمت وقولت:
ــ أنتِ شطورة يا زينة يا بخت العيال اللي بتشرحي لهم علشان كلامك سلس وبسيط وسهل يتفهم.

ابتسمت وشكرتني وبعدين نزلت صليت الفجر وخلصنا اللي ورانا وروحنا نصلي الجمعة أنا وأبوي.

بعد ما الإمام خلص وخلاص الناس هتبدأ تمشي أبوي طلب منهم يقعدوا عشان هنقول حاجة.

ــ زي ما انتو كلكم عارفين إننا خلاص هنبدأ نبني مدرسة إعدادي عشان العيال في النجع تتعلم، فياريت كل واحد فيكم ميبقاش أناني ويستخسر في عياله إنهم يتعلموا ويبقوا حاجة كبيرة في البلد.

قال واحد من الناس:
ــ وبعدين يا عمدة؟ خلص إعدادي مين معاه فلوس ولده يروح وييجي كل يوم للمدرسة اللي في المركز؟ ومين معاه يصرف عليه لو كمل تعليم عالي؟

اتدخلت أنا:
ــ زي ما عتقولوا إن العيال بتشتغل من صغرها العيال يشتغل في الإجازة وينتبه للدراسة ويصرف من جيبه وده هيخليه يعرف يعتمد على نفسه، ولو على مرواحهم المركز نوفر لهم عربيات توديهم اللي عايز يكمل دبلوم ويشتغل بيه واللي عايز يكمل تعليم عالي مش هنعترض.

كمل أبوي:
ــ أكيد كل واحد فيكم نفسه ومُنى عينه يشوف عياله دكاتره ومهندسين ومدرسين ومحاميين وحاجة تقفوا تتباهوا بيها قدام الناس وترفعوا راسكم، ولا حابين إن حتى هما يفضلوا كده واقفين مكانهم مش بيعملوا حاجة في حياتهم غير إنهم واخدين بالهم من الأرض؟

الناس بدأت تقتنع فعلاً والحمد لله لله وكمان شجعونا وفي اللي قرر يساهم معانا.

بعد ما روحت كنت طاير من الفرحة وإحنا قاعدين بنتغدا وقولت لأبوي:
ــ يعيش الحاج صالح، يا راجل يسلم فُومَك قدرت تقنع الناس اللي دماغهم انشف من الحجر بقعدة صغيرة!

ــ أومال الحمد لله يا ولدي كل واحد مهما نشف رأسه هو عايز يشوف عياله أحسن.

بعد اسبوع لقيت زينة  بتقولي:
ــ أنا نازلة الشغل من بكرا، علشان الامتحانات خلاص هتبدأ.

ــ ماشي يا أبلة زينة.

ــ بتتريق؟

ضحكت وقولت:
ــ لاه يا ستي.

بعد يومين كنا قاعدين سهرانين فسألتها:
ــ عملتي إيه بقى بعد ما رجعتي المدرسة؟

ــ رجعت للدوشة تاني يا زيدان، بس حصلت حاجة..

سألتها بفضول:
ــ إيه اللي حصل؟

تعبيرات وشها اتغيرت وقالت بجمود باين إنه متصنع:
ــ وأنا مروحة في واحدة من اللي بيشتغلوا في الدوار وقالتلي...

ــ أنتِ بتقولي الكلام بالقطارة؟

ــ قالتلي على اللي حصل لما أبوك قالك تتجوزيني وانك زعقت معاه وكنت رافض، فده معناه إني إتفرضت عليك، مفيش راجل بيتغصب على واحدة، ليه جبرت نفسك توافق وتتجوزني؟

ابتسمت ابتسامة جانبية وقولت لها:

                   الفصل السابع من هنا

تعليقات



<>