رواية حب وفراق الفصل السابع7بقلم داليا السيد
فرح. لعبة
عندما حل الظلام كانت قد هدأت وانضمت إليها نساء الدار وتحدثوا كثيرا وضحكوا أكثر مما أعاد لها روحها وعرفت منهم أن هناك فرح مهم غدا وأن الجميع لابد أن يحضر ومن الصباح سيبدئون في إعداد الطعام وإرساله لأهل العروسة كما هي العادة وحكوا لها عن عادات الأفراح وأن العريس لابد ألا يرى عروسته إلا في منزلهم
كانت عادات غريبه لم تعرفها من قبل وعندما أتى موعد العشاء تناولته معهم ولم تخرج مع الحاج والحاجة وعرفت أن زين لم يحضر، كانت غاضبة منه وقررت ألا تتحدث معه مرة أخرى وسيكون الصمت هو رفيقها هي وليس هو ومن داخلها كانت تعلم أنه هو الآخر غاضب وهي لا تتحمل غضبه ولكنها لم تملك أي شيء تجاه ما يحدث ورغم ذلك لم تتلاشى لحظاتهم السعيدة سويا وإنما لم ترى أو تفكر إلا بها وشكت في أن الأمر يمكن أن ينتهي كما قال وإنما ابتدء...
في الصباح تناولوا الإفطار جميعا ثم جلسوا مع الحاج ورأته وقد عاد إلى الصمت كما ظنت فلم ينظر إليها ولم تر عيناه حتى عندما أخبرهم الحاج بالفرح لم يوجه لها أي كلمات وكأنما هو الغاضب وليس هي
قالت وهي توجه كلامها إلى الحاج "ألا تظن حضرتك أني لا يجب أن أذهب؟ أنا لا أعرف أحد و.."
ابتسم الحاج وقال "هنا جميعنا أسرة واحدة، حتى ضيوفنا أفراد من الأسرة حتى يرحلوا"
تحدث دون أن ينظر إليها "أنا أيضا أعتقد أنه من الخطر أن تظهر هي فى مكان مفتوح هكذا ووسط أشخاص كثيرة ربما شاع الخبر هنا أو هنا.."
قالت بضيق "أعتقد أن أنا من له حق القرار وليس أحد آخر"
نظر إليها وإلى الحاج وقال "هذا قبل أن تكوني تحت حمايتي لأنك الآن أمانة ولابد أن أعيدها سالمة"
قالت بغضب "تتحدث عني وكأني جماد ليس له رأى ولا شخصية ولكني لا أسمح بذلك، أنا أقرر ماذا أفعل وإلى أين أذهب ولا أريد حمايتك أو وصايتك، أنا لست طفلة"
قال بنفس الغضب "ليس القرار قرارك، أنا من يقرر وأنت عليك بالطاعة، هكذا أراد والدك وهكذا سأنفذ أنا، حتى ولو كان غصبا عنك"
نهضت وقالت "كيف تجرؤ وتتحدث معي هكذا؟ أنا لا أسمح لك ولن ابق معك لحظة واحدة بعد الآن، سأرحل ولن يمكنك أن توقفني هل تفهم؟ ولا يهمني ما أراده داد فما الذي يجعلني أصدقك وأتبعك هكذا؟ إلى هنا وانتهينا سأعود وأبحث عن دادي وإلا سأبلغ الشرطة"
كادت تذهب وهي تكمل لولا أنه والحاج نهضا وكاد هو يتقدم تجاهها لولا أن تدخل الحاج وقال "هل تهدئون الآن أنتما الاثنان؟ الأمر أكبر من هذه الخلافات، زين لا يمكن التعامل معها بهذه الطريقة"
ولكن زين قال "ألا ترى كلامها؟ إنها لا تفهم الأمر جيدا ولا تقدر ما نحن فيه"
قاطعته بغضب "لن أسمح لك أن تقول ذلك عني مرة أخرى هل تفهم؟ من أنت لتتحدث عني هكذا؟ لا يحق لك التحكم في حياتي لمجرد أن داد طلب منك ذلك لن أقبل ذلك هل تفهم؟"
تقدم زين منها مرة أخرى بغضب ولكن الرجل أمسكه وقال "زين هل تهدئ؟ وأنت يا ملك ليست هذه طريقة للحديث لابد أن تعقلا الأمور جيدا أنتما الاثنان"
قالت وهي تواجه عيونه الغاضبة بشجاعة فهي لن تسمح له أن يهينها مرة أخرى "أنا لن أقبل هذا الحوار المهين منه مرة أخرى"
قال الرجل "هذا حق "
التفت زين له بنفس النظرات الغاضبة وقال "ولكن يا حاج"
قاطعه الرجل "اهدء يا زين ودعنا نتحدث بهدوء، لا يجوز أن تعاملها بهذه الطريقة وهي أيضا لابد أن تعلم أن الأمر ليس دعابة وإنما أكبر من ذلك ويتعلق بالحياة أو الموت، هكذا تعقلا الأمور"
ابتعدت عيونها إلى العجوز وقالت بقلق "حياة أو موت؟ لا أفهم"
ابتعد زين، بينما أشار الرجل إليها وقال "يا ابنتي الأمر أكبر منا جميعا وزين يحاول أن يحافظ على حياتك، الرجال الذين يطاردون والدك يريدونك أنت أيضا لذلك زين يحاول حمايتك ولا يتركك إلا هنا فعليك التصرف على هذا الأساس"
اقتربت من الرجل وقالت "أنت تعلم شيء عن دادي فأرجوك أخبرني أي شيء"
أجلسها الرجل وجلس أمامها وقال "والدك إنسان عظيم وكلنا ندين له بالكثير والذين يطاردونه أشخاص لا ترحم، والآن يريدونك أنت أيضا ولكن ما نعرفه أنه حتى الآن لم يصل أحد لوالدك ولا أنت فلنتمنى أن تنتهي الأمور على خير"
دمعت عيونها وقالت "دادي في خطر أليس كذلك؟"
ربت الرجل عليها وقال "طالما أنهم لم يصلوا إليه فهو في أمان فلا تقلقي المهم أن تحافظي أنت أيضا على حياتك لأنك نقطة ضعفه فلو وصلوا لك.."
ولم يكمل وهي أدركت ما يريد قوله ومسحت دموعها وقالت "ولم لا نبلغ الشرطة؟"
نظر الرجل لزين الذي لم ينظر لهم وقال "كل شيء بأوان يا ابنتي والآن عليك أن تطيعي ذلك الرجل فأنا واثق أنه قادر على حمايتك ولو بروحه"
نظرت لزين وقد التقت بنظراته أخيرا ثم هزت رأسها من بين دموعها وقالت بعناد "حسنا ولكن هو أيضا عليه احترامي وألا يعاملني بتلك الطريقة المستفزة"
ابتسم الرجل ونظر لزين الذي بادله النظرة وقال عمران "حسنا وأنا أعدك أن يفعل طالما أنت تطيعيه دون جدال، هيا أذهبي لتجهزي مع النساء للفرح، عليك أن تندمجي وسط النساء وتتصرفين بطريقة طبيعية كي لا يشك أحد بنا"
هزت رأسها ونهضت وهي تنظر له كما فعل هو ثم ابتعدت إلى غرفتها..
دخلت نعمه زوجة حمدان بعد الغداء إليها في غرفتها تحمل بعض الأكياس وقالت "الأستاذ زين أرسل إليك هذه الاشياء"
نظرت لها وإلى الأكياس وقالت "لي أنا؟ ماذا بها؟"
لم ترد المرأة لحظة ثم قالت "لا أعلم، هيا لابد أن أذهب لأجهز وأنت أيضا فسنذهب بعد قليل لا تتأخري"
ما أن خرجت المرأة حتى اتجهت إلى الأكياس بفضول الأطفال وقلبها يدفعها بقوة لتعرف ماذا أرسل لها، فتحت الأكياس التي كان بها فستان للسهرة ولوازمه
رفعت الفستان امامها وتأملته، كم كان رقيق وجميل ومناسب للمكان ولها، وضعته على جسدها أمام المرآه ونظرت لنفسها ولا تعلم لماذا شعرت بالسعادة لأنه فعل ذلك، هل يصالحها؟ هل شعر بخطئه معها؟...
بالتأكيد وإلا لماذا اهتم واشترى لها كل هذا؟ هل حقا يهتم بها ويفكر بها مثلما تفعل؟...
ليتها تعرف، ليته يتحدث، ولكنه الرجل الذي لا يتحدث
أسرعت وارتدت الفستان المفتوح الزراعين ويلتف حول عنقها في ياقة رفيعة مغلقا على الصدر، طويل وضيق والحذاء العالي كان مناسب لمقاسها واندهشت لذلك.
رفعت شعرها برقة وتركت خصلاتها الذهبية تتساقط على وجهها، وضعت ميك أب جميل ورقيق ليظهر جمال عيونها. وأخيرا وضعت الشال الحريري على كتفيها واطمأنت على شكلها وسرعان ما دق الباب وقالت هادية
"يسالون عنك"
قالت بسعادة "قادمة"
بالرغم من أن الجميع أخبرها بجمالها إلا أنها انتظرت رأيه هو وبحثت عنه بعيونها ولكنها لم تجده بالمنزل شعرت بالضيق والحيرة ولكن نعمة زوجة حمدان اقتربت منها وكأنها لاحظت نظراتها وهمست
"إنه بالخارج، ينتظر بالسيارة"
احمر وجهها وشعرت بالخجل وقالت بارتباك "من؟ لا أفهم؟"
غمزت نعمة بعينها وقالت "زين، إنه ينتظر بالخارج هل فهمت الآن؟"
ارتبكت أكثر وارتفعت حرارة جسدها ولم تعرف ماذا تفعل أو تقول ولكن حمدان نادى على زوجته فشعرت بالراحة واتجهت إلى الخارج دون أن يشعر بها أحد.
كان يتحدث بالهاتف دون أن ينظر باتجاهها فاتجهت إلى السيارة وفتحت الباب فشعر بها والتفت لها وتوقف وهو يمرر عيونه عليها من أعلاها لأسفلها ليتورد وجهها أكثر وارتبكت وهي تخفي عيونها منه فركبت وجلست بينما عاد هو إلى الهاتف إلى أن أنهاه وركب بجانبها.
لم ينظر لها مرة أخرى وإنما أدار السيارة وانطلق وقد انطلقت خلفه سيارات باقي الأسرة، تضايقت من صمته وشعرت أنها ستبكي بأي وقت وتمنت لو قال أي شيء كي لا تفعل ولكنه لم يفعل، تمنت أن يخبرها أنها جميلة أو ليست كذلك، أي كلمات ولكن أخيرا نطق وقال
"ظننت أنك لن ترتديه"
قالت بهدوء لا يعبر عما بداخلها "ولم لا؟"
نظر إليها وقال " ربما لا يعجبك ذوقي أو.."
هزت رأسها بالنفي وقالت بصدق "لا، أعجبني وإلا لما ارتديته"
واخيرا التفت لمواجهتها وقال "على العموم تبدين جميلة"
بلحظة نست كل أحزانها ودموعها الحبيسة بعيونها وابتسمت بسعادة كما الأطفال وقالت "حقا؟"
كان يمرر نظراته عليها وعيونه عادت للمعانها الهادئ ونظرته التي تحبها وقال "بصراحة لم أتخيل أن تكوني بهذه الفتنة والرقة، يبدو أنه ليس الفستان وإنما بالتأكيد أنت من يجعله جميلا"
يا الله أوقف تلك الضربات التي تؤلم صدري من سعادتي، هل تحدث ذلك الصامت؟ هل يغازلها حقا؟ ليته يدرك كم هي ثمينة جدا كلماته هذا عندها
تورد وجهها بلون البرعم الصغير وأخفضت عيونها وسرت حرارة بجسدها وهمست "شكرا"
صمت وقد أخذه مظهرها الفاتن ونبرتها الرقيقة رفعت وجهها له وهي تتأمل وسامته ورغم أنه أطلق لحيته منذ أن وصلا الأقصر إلا أنه بدا جذابا ووسيما وفتنتها عيونه التي لا تفهم ما بها
قالت بخجل "أنت أيضا تبدو وسيما جدا في تلك الملابس"
عاد له فارتبكت من نظراته وأخفضت عيونها مرة أخرى فلم يعلق
مضت فترة صمت ثم قالت "ألا توجد قاعات أفراح هنا؟"
هز رأسه وقال "بالتأكيد يوجد أفخم القاعات بأكبر الفنادق ولكن هي رغبة الكبار"
أكمل وهو يتابع السيارات من خلفه "أعتقد أن الحفل سيحضره الكثير من الشخصيات المعروفة فكوني حذرة وأتمنى ألا تبتعدي عن نظري"
وكأنه يشير لما حدث بالأمس ولكن دون غضب
قالت وهي سعيدة أن الأمور عادت لطبيعتها بينهم "كيف يكون الفرح؟ أقصد هل سيكون مميزا؟ وأين سيكون طالما ليس بقاعة؟"
ظل يتابع الطريق المظلم وقال "بالتأكيد سيكون مميزا فالعائلتان كبيرتان والأقارب كثيرة وسيكون في الخلاء على أضواء النيران والخيم حولها، هكذا أراد كبار العائلتان والعروسان، أن يكون الزفاف على التقاليد القديمة لذا لم أكن أريد إحضارك سيكون المكان مفتوح وغير مؤمن"
قالت بقلق من كلماته كلما ارتد إلى ذلك الأمر "أتمنى أن أعرف من الذين تخشى علي منهم أو أن أعرف أي شيء عن دادي أو حتى متى ينتهي الأمر كي ترتاح مني"
التفت لها وحدق بها مليا ثم قال "أرتاح منك؟ هل هذا هو إحساسك تجاهي أم رغبتك أنت في التخلص من رجل يفرض عليك وصايته و.."
قاطعته بحدة "أنت تعلم أن هذا ليس حقيقي وإنما أعتقد أن الأمر أصبح مزعج لك، فأنت لك حياتك وأسرتك و.."
قال دون أن ينظر لها "ليس مزعج وليس لي أسرة أخبرتك أن أمي ماتت منذ زمن"
شعرت بالراحة جزئيا لذا أكملت "أقصد خطيبة أو زوجة وأطفال.."
رد بعدم اهتمام "لست خاطب ولا متزوج"
تنهدت براحة لم يهتم بها وابتسمت وقالت "كيف؟"
عندما التقت نظراتهم عاد وجهها للاحمرار وشعرت وكأنها سقطت بالفخ وارتبكت قبل أن تقول "أقصد أن رجل مثلك كيف يبقى كل تلك السنوات دون زواج؟ ألم تحب أو تعجب بأي فتاة"
أبعد وجهه عنها وقال "أنا عجوز أليس كذلك؟ بالنسبة لفتاة بسنك؟ أنا .."
أسرعت وقالت تقاطعه "لا لم أقصد ذلك؟ أنت عجوز؟ إذن كيف يكون الشباب؟ أنا لم أشعر أبدا بسنك هذا باي يوم، أنت تتمتع بالنشاط والحيوية والقوة، وأيضا هو أمر جميل أن أقابل رجلا بالغا عاقلا وليس متهورا مثل شباب هذه الأيام "
قال وهو يتعمق بالنظر إلى عيونها "مصطفى من شباب هذه الأيام وأعتقد أنك خرجت معه وكنت سعيدة"
أبعدت عيونها وهو يصر على فتح الإمر فقالت "ألن تنسى؟ لم أكن سعيدة على الأقل ليس بقدر سعادتي وأنا معك"
عاد لها وكأن السعادة تنطلق من عيونه وسال "حقا؟"
هزت رأسها بالإيجاب وقالت وهي تخفض عيونها "نعم، ولكن أنا فقط كنت قد مللت من البقاء وحدي وأنت تركتني دون أي وسيلة اتصال بك لأعلم بمكانك أو أخبرك أي شيء"
هز رأسه وكانه يتدارك ما كان وقال "سأحاول أن أحل ذلك الأمر ولن أتركك وحدك مرة أخرى"
ابتسمت بسعادة وهذا هو ما ترغب به بالطبع، قالت "لم تخبرني لماذا لم ترتبط حتى الآن؟"
عاد إلى الطريق وقال "ربما لم أملك الوقت وربما لم أهتم فمرت السنوات دون أن أشعر"
قالت بفضول "رغم أنك وسيم وجذاب وكاتب وتكتب عن الحب فكيف عشت بدونه وكيف كتبت عنه دون أن تجربه؟"
رد بنفس الهدوء ولكن لم ينظر لها "أخبرتك أنهم قالوا عني أني موهوب والموهبة لم تحتاج مني إلى تجربة واقعية وإنما كنت أكتب ما يمليه عقلى"
عيونها تلاحقه، لم تترك ملامحه وهي تقول "وأين كان قلبك؟"
كان لابد ان ينظر لها باحثا عن عيونها وهي استجابت له والتقوا بنظرة طويلة لم تفهمها ثم أبعد عيونه وقال "ربما ما زال ينتظر"
كادت تسأل ولكن لم تكمل حيث لاحظت الأضواء من بعيد فقالت "هل وصلنا؟"
هز رأسه وهو يقول "نعم"
قالت بدهشة "من أين عرفت كل ذلك؟ هل عشت هنا من قبل؟"
أجاب وهو يركن السيارة بجانب السيارات الأخرى "نعم، أعتقد أني أخبرتك ذلك من قبل"
نزل فنزلت هي الأخرى، اتجه لها وأعطاها كيس صغير أخرجه من السيارة وقال "هذه هديتك إلى العروس، لابد أن تمنحيها إياها عندما يصحبونك إلى خيمتها"
نظرت له وقالت بامتنان واضح "أنا مدينة لك بالكثير من النقود، عندما نعود لداد سوف أردهم لك"
أمسكها من ذراعها وقادها للداخل وهو يقول "عندما نعود.."
كانت الخيم كثيرة مبعثرة بكل مكان وأضواء كثيرة تضيء الليل وكأنه النهار وتواجدت فرقة نوبية كبيرة تعزف أغاني نوبية والكثير يرقص والبعض الآخر يتولى شواء اللحوم على النيران والموائد مرصوصة في شكل دائرى..
الجلسات العربية متناثرة على الأرض المفروشة بسجاد ثمين ذا ألوان مبهجة وموائد أخرى انتشر عليها أكواب الشراب المتنوع.
كانت مبهورة بكل ما حولها ولم تفارقه إلا عندما دخلت خيمة العروس وأعطتها الهدية وهي تتأملها في فستانها الأبيض وتتحلى بالحلي الذهبية الكثيرة وحولها النساء، أعجبها الكحل الأسود الذي كانت تضعه إحدى النساء لامرأة أخرى
قالت نعمة التي دخلت خلفها ولاحظت نظرات ملك "أعجبك الكحل يا ملك؟"
هزت رأسها بالموافقة وقالت بسعادة "نعم، جدا"
ابتسمت نعمة وقالت "يا بنات الآنسة ملك ضيفة الأستاذ زين ولابد أن تشارك معنا بأي شيء"
ثم التفتت إلى المرأة وقالت "بهيرة هل تضعين لها من ذلك الكحل؟ سيبدى جمال عيونها"
ابتسمت المرأة وهزت رأسها دون كلمات..
وأخيرا عادت إليه نظرة لها نظرة خاطفة لكن سرعان ما عاد وحدق بها إلى أن جلست بجانبه فقالت "ستظل تنظر إلي هكذا كثيرا"
انتبه إلى نفسه وقال "عيونك جميلة جدا، بل فاتنة"
رفعت عيونها له بسعادة تنطلق منها فلم يبعد عيونه إلا عندما بدأت الأغاني والرقصات النوبية، أعجبتها الرقصات وتمايلت مع الموسيقى فاتجهت إليها النساء وجذبوها فنظرت له فهز رأسه موافقا فقامت بسعادة
تابعها بنظراته واندمجت هي معهم بسعادة ثم بدء الرجال يندمجون مع النساء في الرقص فوجدته أمامها فزادت سعادتها ونظراته تحيطها وتحتويها وربما أحاطها بذراعيه في بعض الخطوات وقد تمنت البقاء هكذا إلى أطول وقت ممكن ...
كانت سعيدة جدا بقربه واهتمامه بها وحدها إلى أن انتهوا فعادت معه إلى الجلوس وقد تواجدت العائلة التي تقيم عندها فاندمج هو معهم.
وفجأة سمعت صوت مصطفى يقول "تبدين فاتنة يا لوكي"
ابتسمت وقالت "وأنت أيضا، تبدو متألقا"
جلس بجانبها فأكملت "لم أتخيل أن تكون موجود"
ضحك وقال "كيف وكلنا أسرة واحدة؟ هنا القرى كلها تجمعهم المناسبات سواء السعيدة أو الحزينة"
هزت رأسها وقالت "بدأت أعتاد على هذه الأشياء وتعلمت الكثير عنكم بل وأحببت التواجد هنا"
ابتسم وقال "حسنا هذا شيء رائع ولكن من الغريب أن الفتاة الرقيقة الجميلة المدللة تحب حياة النوبة، أنا لا أعتقد ذلك ولكن على العموم لا يهم هيا دعينا نرقص"
أمسكها من يدها وجذبها ولكنها أوقفته وقد انتبه زين إليهما ونظر لها منتظرا ردها فقالت "مصطفى انتظر أنا لا أريد لقد تعبت دعنا نجلس"
وأعادته إلى جانبها بأصرار وهو يبدي تذمره وقال "ما زلت تخافين منه؟ هل تفعلين ذلك مع والدك؟"
غصبت من كلماته وتجهم وجهها وقالت "بالطبع لا، أنا لا أخاف أحد فقط أنا تعبت"
انتبهوا على امرأة بالملابس النوبية ذات الألوان المبهجة وهي تقول "دعونا نلهو قليلا، لعبتنا التالية سيشارك فيها الجميع حتى العريس وعروسه، سترتدي كل النساء والفتيات ملابسنا النوبية ويقفوا سويا ويخفوا ملامحهم وعلى كل رجل أن يجد قريبته أو أخته أو زوجته أو حتى صديقته وإذا فعل ستمنحه هي هدية وإذا لم يعرفها عليه هو أن يمنحها هدية فقط لينتقي كل واحد رفيقه"
لم تعرف لماذا نظرت إلى زين ولم تنظر لمصطفى وكذلك فعل هو الآخر وقبل أن يتحدث مصطفى كان هو قد مد يده إليها فمدت يدها له دون تردد وقام الاثنان ونظرات مصطفى تتابعهم وأخيرا قادتها المرأة إلى إحدى الخيم، كانوا حوالي عشرة نساء هي منهم
ارتدوا جميعا زيا واحدا فوق زيهم وبدت جميلة جدا في ذلك الرداء الأسود وتلك الحلية الذهبية التي تتساقط على جبينها واستقر البرقع على وجهها مظهرا تلك العيون الخضراء المكحلة بالكحل الأسود ثم وضعت الإيشارب التل الأسود فغطى عيونها إلا من فتحات فقط تريها طريقها
تبادلت السيدات الحديث ولكن هي لم تفعل كان قلبها يدق، نعم يدق، لأول مرة ينتابها ذلك الشعور؛ هل يمكن أن يعرفها؟ هل هو بالفعل رفيقها أم ماذا؟ ماذا تعني رفيق؟ هل مماثلة لحبيب؟ ما هذا الذي تفكر فيه ؟ إنه لن يفكر بها هكذا أبدا بالتأكيد لا...
خرج الجميع واصطفت بينهم كما طلبت منهم المرأة أن يفعلوا ورأته بين باقي الرجال وعيونه تبحث عنها كان وجهها تحت البرقع لا يظهر منها أي شيء وبدء الأمر رجل وورائه الآخر وهو منهم وأخيرا بدء كل رجل يقف أمام امرأة ورأته يتجول بين الجميع ومر بها وكاد يفلتها وأغمضت عيونها حزنا لقد أفلتها ولم يعرفها وشعرت بوخزة تؤلم قلبها
لكن ما أن فتحت عيونها حتى رأته أمامها وهو ينظر في اتجاه عيونها وكذلك فعل الرجال الآخرين وقد اتخذ كلا منهم قراره
ودقت الطبول معلنة ساعة المواجهة وبدء كل رجل يكشف ستار امرأته. منهم من أصاب ومنهم من لم يفعل وتباطأ هو إلى أن مد يديه إلى الإيشارب التل ورفعه
ورفعت عيونها إليه وبحثت عن عيونه التي واجهتها وكأنها لا تصدق أنه عرفها وليتها أدركت كم كانت فاتنة بعيونه في تلك اللحظة وقد إخذت عقله و..
كانت دقات قلبها أسرع من البرق تكاد تؤلمها من قوتها. ما الذي أصابه هو الآخر؟ رأت نظرة غريبة بعيونه فهي تلمع .. هل سعادة هي أم ماذا؟
همست "أنت لم تخطأ؟"
قال بنفس الهمس "لم أكن لأفعل أبدا"
مدت يدها إليه لتمنحه هديتها والتي كانت كل ما تملك، ميداليتها الفضية التي عليها الحرف الأول من اسمها، لا تعلم لماذا منحتها له رغم أنها معها منذ أن كانت طفلة صغيرة وهدية والدها؟
لم ينظر بيدها وإنما تعلقت عيناه بها وكأنه لا يقوى على ترك عيونها حتى طالت اللحظة إلى أن قطعتها دقات الطبول مرة أخرى فانتبه إلى يدها فقالت
"هي كل ما أملك"
أخذها منها وقال "يمكنك استعادتها بعد الحفل إذا شئت"
قالت بصدق "ألا تريد الاحتفاظ بها؟"
لم يترك عيونها ولا هي إلى أن قال "أخشى أن تكون ذات قيمة عندك و.."
وضعتها في يده وأغلقتها عليها وقالت "الآن أصبحت ذات قيمة"
نظر بيدها ثم عاد لعيونها ولم يرد لحظة ولكنه قال فجأة مما جعل الجميع يصمت
“ ليتنى أستطيع أن أقول
ليتنى أجرى بين الحقول..
فأصول وأجول ..
سكن هو قلبي بلا عقول
عشقي هو حلمي.. نقرؤه بين السطور
كم طال الشوق لصاحبة القصور
لم أعد أري بك إلا النور
يشع من جنبات قلبي مثل العطور
لو كان يكفي الحب كلمة لضاعت بين السطور
ولعاش ما في قلبي لآخر العصور
لا تبتعدي يا ملاكي الحنون
لا تسرقي حنايا الزمن المجنون
يكفي ما ضاع منه والمدفون
ربما عاد الأمل يدق مثل الطبول
ليمحي أحزان العشق المكنون
ويفتح الباب لأفراح ربما تكون
ورد على جمالك منثور
يغير من بريق عينيك المحظور"
لف الصمت الجميع لحظات قبل أن يبدأ التصفيق بشدة وحرارة .. ولكن لم يكن أيا منهما يشعر بأي شيء فعيونها دمعت من كلماته ومثل كل مرة تشعر أن الكلمات لها وزادت قبضته على يدها الرقيقة ولكنها لم تعترض بل شعرت بسعادة تغمرها فعيونه تخبرها بالكثير وهي.. تصدقها
وأخيرا انتبها على أصوات الجميع فترك يدها وعادا إلى الجلوس في صمت وهي لا تعلم من ذلك الرجل؟ وماذا يخفى وراء كلماته ونظراته؟ وحتى لمساته إنها تشعر به ولكنها لا تستطيع أن تتحدث
تبادلا النظرات كثيرا في صمت وأحيانا ابتسامات لها معنى تمنت لو كان كما فهمته ولم تقبل أن تفكر إلا فيما يسعدها
عادت الموسيقى وعادت الرقصات النوبية والغناء واستمتع الجميع وهم يتناولون الطعام والحلوى وجذبها مصطفى إليه وإلى الرقص ولم تستطيع أن ترفض هذه المرة إلى أن شعرت بالتعب وقررت العودة ولكنها لم تجده هل غضب مما حدث فتركها؟
لا إنه لن يتركها هكذا ظنت وهكذا قال..
بحثت عنه بعيونها ولكنها لم تراه، تأخر الوقت وبدء الجميع في الانصراف ولاحقها مصطفى طوال الوقت، لم تنكر أنه مسلي ولكنها انشغلت بسواه ..
وأخيرا رأته يأتي من خلف إحدى الخيم مسرعا ورأت امرأة تبتعد إلى الاتجاه المخالف وهنا أدركت الأمر، بالتأكيد كان يمضي معها بعض الوقت لا يمكن لرجل مثله أن يعيش عمره هذا دون أي علاقه و..
