رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الثالث والثمانين83بقلم ميفو السلطان
أمسك عامر الهاتف وفتح الفيديو اتسعت عيناه فامامه مشهد من فيلم سينمائي لا يصدق . رأى ملوك تأتي من بعيد تهتز من الألم والإنهاك ملابسها ممزقه تحمل جسده الضخم على ضهرها النحيل وكأن قوتها مستمدة من سابع سماء. وما إن اقترب عمار ارتجف قلبه فوجدها تنظر اليه وتبتسم ابتسامه واهنه وتهمس له بشي عندها اطمأنت أنه في يد أمينة وسقطت كالجثة الهامدة وسقط عامر فوقها .
دمعت عيون عامر غير مصدقا ظل عامر يعيد الفيديو مراراً وتكرارا لا يصدق أن هذه الفتاة الرقيقة فعلت كل هذا. نظر لأمه بذهول فهتفت هي مبتسمه ....
إيه ما مصدجش ما مصدجش إن مرتك جبل جواهر؟مرتك شالتم من الناحيه الشرجيه لحد السرايا وهيا منصابه وروحنا لاجين الرجلين متكومين ومتربطين .واول مادخلت وسلمتك لعمار وجعت من طولها .انت معاك ست الناس لو ماخلتهاش ست جلبك يبقي ماتستهلهاش يا ولدي .
سكت عامر ولم ينطق كان صمته بركانا من المشاعر المتضاربة الامتنان، الحب، والندم على كل لحظة بعد أو جفاء. كان يعتقد أن جدران الصمت التي بنتها حولها تعني النهاية. وأن قسوة الايام قد نزعت أي بوادر مودة من قلبها، فقرر الابتعاد باحثاً عن كرامة مجروحة أو راحة لقلب أتعبته الظنون.
لكن المشهد جاء كالصاعقة فيديو واحد كفيل بأن يقلب عالمه رأساً على عقب. رأى بعينيه كيف أنقذته من الموت معرضة حياتها للخطر ورأى في تفاصيل وجهها وحركات يديها مشاعر تصرخ بصوت أصدق من كل الكلمات وتكذب كل شكوكه السابقة.
وقف عاجزاً عن استيعاب ما يراه أنها تفديها بروحه تُصيب وعيه بالشلل المؤقت. تتهاوي كل أفكاره السابقة دفاعياً عن مشاعره يدرك بمرارة كم كان مخطئاً حين ظن أنه وحيد في المعركة وأن قوقعتها الظاهرة لم تكن سوى خوف أو ألم خفي لا يعلمه.
غرق قلبه فجأة بموجة عارمة من العرفان والتقدير ناظراً إلى تلك اليدين اللتين امتدتا لإنقاذه بينما كان يظنهما بعيدتين عنه تماماً.
يعتصره شعور ثقيل بالذنب لأنه حكم عليها خطأ ولأنه فكر في الابتعاد في اللحظة ذاتها التي كانت تحمل فيها موته وتصارع دونه.
اشتعلت نيران الشوق بداخله بشكل مفاجئ فالمشاعر التي رآها تصرخ في الفيديو توقظ في روحه رغبة جامحة للركض إليها للاعتذار وللاحتماء بذلك القلب الذي خاف عليه بصدق دون أن يُظهر.
فجأة انتفض جسده حين سمع ضحكة ملوك العالية وهي تودع أدهم عند الباب اشتعلت النار في قلبه مجدداً من الغيرة المهلكه انها تخصه وحده فقط انها له فقط .عاد الاسد مره اخري ليسترد عرينه . فصرخ بصوت عالٍ ومضطرب...
ملكككككككك
انتبهت ملوك لصوت وذهبت إليه مسرعة وملامح القلق تعلو وجهها....
إيه... في إيه... حاسس بإيه... وجعك زاد؟
نظر إليها كان يراها الآن بعين مختلفة عين ترى فيها المنقذة والزوجة والجبل الذي استند إليه. يري السند والرفيق وقلبه يقول انه الحبيب. لكنه ظل صامتا لا يجد كلمات تعبر عما يغلي بداخله فقط كان ينظر إليها بنظرات تحمل الكثير من الشجن والامتنان الذي يعجز اللسان عن وصفه.
ساد الصمت الغرفة وجلست ملوك بجواره تارة تعدل غطاءه وتارة تراقب أنفاسه بينما كانت فؤادة تراقبهم بصمت تدعو في سرها أن يلين قلب ابنها ويستوعب وتلين هيا له ثم قامت وودعتهم قائلة....
أنا هجوم أروح وأبعتلك عمار لو رايد حاجه حمد الله بالسلامة يا ولدي.
وقفت ملوك لتودعها لكن فؤادة أشارت لها بابتسامة....
خليكي جنب راجلك يا بنتي.
رحلت فؤادة وانصرفت ملوك لتجهز له الطعام وهي تحاول أن تبدو طبيعية رغم أنها لاحظت صمته غير المعتاد. أحست بوخزة في قلبها وتذكرت قراره السابق بالبعد عنها فنفضت الفكرة من رأسها قائلة لنفسها والكلام بعيدا تماما عن قلبها ..... أنا بعمل واجبي وبس لا أكتر ولا أقل.
ظلت تطعمه بصمت وهو لا يرفع عينيه عنها كل تفصيلة في حركتها كل لمسة حانية وصورة الفيديو الذي ارته امه لا تزال تحرق قلبه. أحست ملوك بضيق من صمته الدائم فقالت بقلق.....
أنت كويس فيك حاجة حاسس بحاجة بتوجعك؟
ابتسم عامر وهز رأسه نفيا فتنهدت وأكملت ما تفعله بوجع ......
هو ساكت ليه كده مش يكلمني شويه .ظا له اسبوعين بعيد حتي يحكيلي اي حاجه هو خلاص بعد كده خلاص .طب طب حتي نتكلم في القضيه انا قلبي بيوجعني .
تنهدت بحزن وقهر داخلي لتنتهي ثم قامت أحضرت له جلبابه واقتربت منه وقالت برقة.....
بص انا هغيرلك بس الاول همسحلك بالميه بس بالراحه ماشي .
ابتسم هو وقال بلين ....مش عايز اتعبك نادي للممرضه .
اندفعت بغيره عمياء.....اجيب مين انت لا ماهيحصلش ايه قله الادب دي .
رفع حاحبيه وابتسم ..قله ادب ايه دي ممرضه .
هتفت بحده وغيره واضحه ...ايوه اجيبلك واحده تحسس عليك قدامي انت عقلك خف من الضربه .
ابتسم بنعومه فادركت كلامها وشعرت بالحرج فقالت مرتبكه .،.....قصدي قصدي يعني .....
فهتف مبتسما بلين يخرجها من الحرج ....قصدك انه حرام يعني وكده .
اندفعت قائله مانها وجدت ضالتها .....اه طبعا اه يعني واحده ست وتلمسك يعني وكده. وبعدين انا اهوه خلاص يعني نشغل الناس يلا .
واندفعت للحمام تاركه اياه بارتباك .
لتتسع ابتسامته فهمس باستمتاع ...... جلبو يا ناس غيران يا مز اه غيران مافيش كلام وكل تفصيله هفسرها بمشاعر خلاص زمن الهبل والبعد ولي .والا هتحلو يا عموره دا الجمر مولع شطه نار .تنهد وهز راسه بغلب ....ربنا يهديها ليا دا عجلها مفوت بس علي مين .
خرجت تحمل طبق كبير وبه بعض الماء المعطر واقتربت تجلس بجواره تجلدت من قربه المهلك وبدات تبلل القماش وتنظفه بلين ورقه مقتربه منه وهو عيونه تسرسل كل شرارات الشوق اليها وهيا تتحاشي النظر .
لتكمل هيا تتلمسه بنعومه ليغمض عيونه يستمتع بلمستها .تنهدت اخيرا واقتربت من وجهه وبدات تمسح جبهته ثم وجنتيه لتقترب من عيونه بلين وتمسحها وهو قلبه سيخرج من مكانه .
لم يعد يحتمل مد يده بنعومه ليقرب القماش من شفتيه لتسهم هيا فيه وتظل تداعب شفتيه بالقماش وهو قد اغمض عينه لا يقدر علي تحمل تلك المشاعر والا سيهجم عليها يفسد كل ذلك .
اما هيا فاستغرق الامر منها وقتا لا تعلم ساهمه به وبوجهه ويديها علي شفايه تاجج ناره ونارها تسري من يدها اليه . فتح عيونه لا يحتمل اكثر من ذلك ليمد يديه يمسكها ويقبلها بنعومه يوقفها من هيامها لان جسده مشتعل وربما يتهور همس بصوت خافت مبحوح .....
تسلم ايدك ويخليكي ليا .
ارتبكت واحمرت وعادت لنفسها ....
طب هلبسك يلا هقومك بالراحة وتسند عليا عشان ألبسك ماشي؟
رفعته ملوك وبدأت تلبسه بحرفية وهدوء ضمته لصدرها لتساعده فحاطها عامر بيديه وأغمض عينيه ليستنشق رائحتها.ليتوه وقلبه يرسل اهاااات الاشتياق لتلك الجميله. بينما كانت هي تعدل ياقة الجلباب وتمشط شعره.....
كده تمام عمار زمانه جاي يمشيك لو هتقدر .
التفتت لتبتعد فجأة أمسك عامر يدها وشدها نحوه فنظرت إليه بذهول وهدوء غريب يلف ملامحها فقال بصوت مبحوح.....
مش عارف أجولك إيه بجد.
ابتسمت بعفوية ونبرة خالية تماماً من حدة ملوك السابقة ولاول مره تشاكسه غامزه ......
ده واجبي يا زوجي المصون .
صُدم عامر من رقتها وتغير لهجتها ظل يتأملها وكأنه يكتشفها من جديد ثم تنهد يتذكر تعبها فقال..
ممكن طلب؟
نظرت إليه بلهفة....قول.. عايز إيه عيوني ؟
تخفقات قلبه لم يعد قادرا التحكم فيها فقال.....يسلم عيونك ليا .عايزك تنامي شوية على ما عمار يجي ممكن؟
حاولت الاعتراض لكنه وضع يده برفق على شفتيها ليسكتها.....
عشان خاطري.
ارتجفت ملوك من لمسته نظرت إليه بعيون تائهة ثم أومأت برأسها في صمت. صعدت على الفراش بجواره منهكة لدرجة الموت وهمست وهي تغمض عينيها.....
لما عمار يجي صحيني على طول عشان اساعدك معاه .
هز رأسه وظلت هي تنظر إليه قبل أن يغلبها النعاس. كانت تفكر في صمته وفي كلمته التي لا تفارق أذنيها.....
............أنا قررت أبعد ........
ظلت تطحن عقلها بالأسئلة قلبها يؤلمها بشكل صارخ . حتى استسلمت لنوم عميق بينما ظل هو يراقبها والبراكين في صدره لا تهدأ.
جلس عامر يتأمل ملامحها الهادئة وأصابعه تتحرك بحذر فوق بشرتها لكن عقله كان في صراع أشد. تنهد بضيق ممتزج بالدهشة وهمس لنفسه بنبرة تحمل كل علامات الاستفهام التي تنهش روحه.....
إزاي.. إزاي جدرتِ تعملي كل ده إزاي تدافعي عني بالضراوة دي وإنتِ أصلاً جولتي مش طايجاني ولا رايداني ؟
راح يراقب جروحها وكدماتها التي كانت نتاجاً لمعركتها لأجله. تساءل في سره وهو يغوص في تفاصيل وجهها........
ده إنتِ كنتِ بتموتي من الألم وجسمك كله كان بيصرخ من التعب. ومع ذلك ما اتراجعتيش ولا لحظة. وجفتِ قدامهم زي اللبؤة وكأن حياتك تمن دفاعك عني. تشيليني انا .
لمس خدها بإبهامه بنعومه وكأن اللمسة تعيد له الاتصال من جديد وشرارات قلبه تفرقع بداخل صدره هنا وهناك . كان يرى في نومها براءة لا تظهر في يقظتها ورغم كل ما مر به وجد نفسه يغرق فيها وبداخله طوفان من المشاعر.
مال برأسه قليلاً ليقترب من أذنها وهمس بنبرة مشحونة بالعاطفة.....
جلبك ده اللي كنت فاكره جاسي هو أرق جلب بالدنيا . اللي يعمل كده عشان حد يبقي جلبو ملاك. انت غيرتيني وشدتيني وطيحتي بجلبي مشاعر . ماعتش جادر اكتمها والأيام الجاية ابدا مش هتكون زي اللي فاتو .
خبطت في ذاكرته كلماتها الحادة قبل الحادث وتصرفاتها التي كانت توحي بالبعد والنفور ثم اصطدمت بتلك الذكرى الصارخة....
اللي يخصني ما بسيبوش.
خفق قلبه بعنف وكأن الكلمات تردد صداها في الغرفة الآن. وكان الحقيقه ان النافر نافر من خلف القلب وان الفم لا يخرج الا مايمليه العقل بينما العيون والتصرفات لا يتحكم فيها الا القلب واي قلب قلب طاح به يجعله يدرك ان مشاعرهم لا يجرؤ احد علي القول انها ليست موجوده .
همس لنفسه مقرا واقع .....
يا عامر اوعي لنفسك هيا جالتها بوضوح أنا أخصها طيب إذا كنت أخصك ليه كل البعد ده وليه كل الجفاء فيه جواكي حاجه بتشدك غصب عنك ليه وايه ؟
عاد بذاكرته لقراره القاسي وقرر أن يواجه نفسه بصدق...
أنا أخدت قرار البعد عشانك. عشان تلاجي نفسك وتتحرري من قيد جوازنا. كنت مستني منك أي بادرة صغيرة أي لمحة رضا عشان أجرب. بس اللي حصل ده مش مجرد بادرة ده كان طوفان. طوفان شالني من الموت وشالني على كتافك. إنتِ مستحيل تكوني بتعملي كده لمجرد الواجب إنتي جواكي ليا حاجة حاجة كبيرة كمان. بس ليه ترفضيها؟
تأمل وجهها بعمق محاولاً قراءة ما خلف الجفون المغلقة....
ليه بتعملي كده ليه بتبعديني بلسانك وتقربيني بأفعالك؟ هل ده شعور بالذنب عشان عمر؟ ولا خوف إنك تعترفي بمشاعرك ليا؟ أنا مش أهبل في حاجة جواكي بتغلي ناحيتي ومستحيل تكوني حجر. كل حاجة اتغيرت خلاص مابقتش زي الأول ولا أنا هقدر أرجع زي ما كنت. ولا اكمل قرار البعد ابعد ازاي دي مايتبعدش عنها منظرها وهيا شيلاني خلع جلبي حرفيا .
مد يده يداعب خصلات شعرها ونظراته تائهة بين الرغبة في الاقتراب منها وبين الحيرة من تناقضها العجيب. همس بأسى ممزوج بالأمل.....
ماعرفش ليه بتبعدي ممكن خوف ممكن رهبه ووجع انها بتتخلي عن عمر ماعرفش بس المتوكد اللي بينا اجوي بكتير من اي حاجه . مش هسمح لك تهربي تاني ومش هسمح لنفسي أبعد. إحنا عدينا اللعبة دي والدم اللي نزل منك ده معايا ودمك اللي اختلط بدمي في الطريج ده ميثاق جديد بينا ميثاق مش هكسره أبداً لا دانا هبتدي اعلي عليه وابنيه .
اقترب عامر منها أكثر لم يعد قادرا على كتمان ما يجول في خاطره فمد يده برفق شديد ليداعب وجهها المنهك أصابعه تتحرك بحذر فوق بشرتها وكأنه يلمس شيئاً ثميناً خاف أن يكسره. تأمل ملامحها الهادئة وهي نائمة انحني ولثم خدها بنعومه ....
اهدي يا عامر وخدها عالرايج ملك مابتجيش بالاقتحام العنيف .اهدي ورتب مشاعرك وعلي اساسه هتتحرك . فتح عيونها علي ان اللي بينا كبير هيا قويه ولو ادركت ده هيا اللي مش هتسيب اللي زي دي مابيعرفش يسيب اصلا .وانا مش هسيبها تسيب مابقلش عامر الراوي ان ماكتي جريب خالص تنامي بحضني ورايده ماتبعديش .
ثم احتضنها وبداخله تصميم عجيب ان القادم له ولها وفقط .
