رواية فرصة اخيرة الفصل الثامن8بقلم جيهان
- جهزت لبسي ونزلت علشان أقابل ماما،
وقفت قُرب البيت بتاعنا أبص عليه من بعيد،
في لحظة صُدر الفرمان اللي يمنعني أني أدخله،
حسيت بغصة في حلقي علي المكان اللي عشت فيه طفولتي كلها .. دلوقتي بقا بالنسبة ليّ غريب!
زي بالظبط الإنسان لمّا يبقي قريب من حاجة بيحبها بصورة مبالغ فيها وفجأة بيبقي غَريب عن كلّ حاجة.. حتي الدّيار!
دقيقتين ولقيت ماما خرجت سلمت عليّ بحرارة وقالت بدموع كأني جاية من سفر..
- وحشتيني أووي يا مَريم، هانت عليكِ المدة دي كلها مشوفكيش.
- ضحكت علشان أخرجها من زعلها وقولت: مكنوش أربع أيام دوول يا ست ماما.
- خبطتني بكتفي بهزار وقالت: أنتِ جايبة القسوة دي كلها من مين يا بت انتِ؟
- من الجيران، يالا يا حجة هنضيع الوقت قدام البيت؟
- عايزة تروحي فين؟
- قولت بتفكيير: أممم نروح ناكل شاورما، ونجيب آيس كريم وبعدين نروح الملاهي و...
- بس بس، أنتِ شكلك داخلة علي طمع، وبعدين ملاهي ايه دي ي شحطة أنتِ؟
- ايه يا ماما، مش أنتِ قولتي هتفسحيني بقا؟
قولت بصعبنية: علشان خاطري يا زوزو تهون عليكِ بنتك يعني يحصلها حاجة؟
- قالت بهزار: علشان ملاهي؟
قدامي يا طفلة .. لولا أنك وحشاني بس مكنتش وافقت علي الهبلولة اللي في دماغك دي.
- بوستها من خدها بسرعة وقولت: أحلي ماما والله.
بعد شوية كنا طلبنا شاورما وقاعدين مستنيين الأكل،
قالت بهدوء: مش ناوية ترجعي البيت؟
- تاني يا ماما؟ هنتكلم في الموضوع دا تاني؟
- تاني وتالت يا مريم، أنا مش هطمن عليكِ وأنتِ بعيدة عني.
- بس أنا كويسة جدًا، حياتي ماشية بهدوء، بشتغل في الحاجة اللي بحبها، وعايشة في مكان كويس، واتعرفت علي بنت كويسة جدًا وجبيتها أوي.
- بس العالم مش وردي زي ما أنتِ متخيلة يا مَريم.
- صحيح مش وَردي، بس أنا لازم أعيش وأواجه، أعرف أتعامل مع الناس، وطالما مش بعمل حاجة غلط وحرام يبقي خلاص.. الناس ملهاش علاقة بيّ.
- أنتِ بنت عايشة لوحدها، بعيد عن أهلها..
متخيلة الناس هتفكر فيها ازاي؟
في حاجات كتييير أكبر من أنك تتخيليها يا مريم.
- هو أنا كنت عايزة أعيش لوحدي برضايا؟
ما حضرتك عارفة اللي فيها، وأن بابا قالي لو اشتغلتي في المستشفي مش هتقعدي في البيت.
قولت بعصبية من غير ما آخد بالي: جوزك طردني يا ماما!
- مريم، اتكلمي عن أبوك كويس.
- أخدت نفس وقولت بهدوء عكس الألم اللي حاسة بيه: آسفة ما أخدتش بالي بس بابا هو اللي طردني من بيته،
فحضرتك عايزاني أرجع ازاي بقا؟
- هو فكّر أنه كده هيمنعك تشتغلي، ولمّا رفضتي أنك تشتغلي في الشركة ما ....
سكتت فجأة؛ لأنها أدركت الحقيقة اللي صعب تعترف بيها.
- ضحكت بسخرية علي حالي وقولت: ماا قدرش يرجع في كلامه قدامي، قوليها عادي .. علشان يحافظ علي كِلمته وافق عادي أني أخرج من البيت!
وهو حتّي مش عارف انا هروح فين ولا هعمل ايه؟
هو مش عارف يا ماما بنته دي هتقعد فين لمّا يطردها، كلّ اللي في باله أنه حافظ علي صورته وكلمته من أن اي حد يلمسها .. حتي لو كانت بنته.
سكتت فقولت علشان مبوظش اليوم: عادي يا ماما، عمومًا أنا تجاوزت الموضوع ومش بفكر فيه دلوقتي.
- ربنا يهديه يا مريم.
- يا رب.
سكتنا والأكل نزل قعدنا ناكل وأنا بحكيلها عن خلود وأخوها، وازاي كنت خايفة منهم في أول مرة علشان كانوا ماشيين ورايا، لحد اليوم اللي هي باتت فيه معايا،
قالت بهدوء: شكلهم ناس كويسين.
- رديت بحماس: جدًا جدًا بجد، خلود لطيفة أووي أووي، و زيـ...
- بصت لي بتضييق عين وقالت: امم وزيد ايه؟
- قولت بتوتر معرفش مصدره: محترم يعني.
- امم بس؟
- قولت بتعجب: بس ايه؟
- قالت وهي ناوية توقعني: يعني مش لطيف زي خلود؟
- فهمت قصدها فـ رديت بغباء: وأنا أعرف لطيف مين يعني!
- امم هنشوف الموضوع دا بعدين
- ضحكت بتوتر، هي الست دي ناوية توقعني ولا ايه؟
لااا أنا مركزة أوي بقا.
أكلنا وخرجنا نجيب آيس كريم ونتمشي شوية كانت الساعة ٦، بنتكلم شوية، وشوية تانيين نسكت
لقيت موبايل ماما بيرن فـ بصت لي وقالت: دا باباكِ.
- هو ميعرفش أنك خرجتي معايا؟
- قالت بتوتر: لأ، قولتله أني هزور واحدة صحبتي.
- ابتسمت بحزن وقولت: طيب ردي.
• ألو، أيوة يا جمال.
- أنتِ فين دلوقتي.
• أنا عند صحبتي.
ـ طيب تعالي كفاية كده.
• حاضر، هستأذن منها وآجي.
قفلت معاه وقالت لي بتوتر: معلش يا مريم، مش هنعرف نكمل الخروجة النهاردة، ممكن يوم تاني نتفق ونخرج سوا.
- عادي يا ماما، محصلش حاجة..
روحي أنتِ علشان ميقلقش عليكِ.
- حضنتني وقالت: طيب يا حبيبتي مش عايزة حاجة؟
-- تسلمي يا زوزو.
طلبتلها أوبر وشوية وجه وهي مشت، وأنا فضلت واقفة شوية مكاني ببص لأثرها بحزن.. أخدت نفس واتمشيت شوية لطريق البحر، كنت حاسة الدموع بتتراكم جوايا،
بس ملقتش مني غير كل نُكران!
- أصل فيها ايه يعني لو هو قلقان عليها وعايزها تروح..
وفيها ايه لو هيّ خبت عليه علشان ميمنعهاش تشوفني.
مفيهاش حاجة يعني، الإنسان لازم يبطل يبقي حساس زيادة عن اللزوم.
قولتها لنفسي وأنا بمسح دموعي وبقعد علي صخرة قدام البحر، أخذت نفس وفضلت باصة بشرود اتجاهه ..
محتاجة أهرب دلوقتي، أهرب من كل المشاعر اللي بتاكل بقلبي لأني مش قد المواجهة نهائي.
- فضلت مكاني لحد ما الدنيا ليلت وقتها حسيت بالوحشة الحقيقية وأن العالم مش وَردي فعلًا لما الإنسان يبقي لوحده..
طلبت أوبر علشان مكنتش حابة أتمشي مع أن الناس كتيير جدًا في الشارع، بس مكنتش عايزة أشوف حد،
وصلت العمارة وطلعت علي طول علي الشقة بتاعتي،
غيرت هدومي وصليت المغرب وقعدت شوية كانت العشاء أذنت صليتها وقومت أعمل حاحة دافية أشربها ووقفت في البلكونة وفي أيدي كوباية القرفة علي الجنزبيل مشروبي المفضل لمّا أكون حزينة..
سمعت صوت خلود العالي وهي بتدخل وراه البلكونة:
والله يا زيد ما هعملك حاجة حلوة تاني لو ما جبت الشيوكولاته!
- ضحكت غصب عني علي علاقتهم، وسمعته بيقول بضحك: خدي خلاص هتفضحينا.
- هات يا سارق الملذات.
- ملذات ايه، دي شيوكولاته!!
- ما هي دي من الملذات .. انت ايش عرفك انت؟
- صح فعلًا، ربنا يعين زوجك المستقبلي علي الملوخية اللي في دماغك.
- ومالها دماغي يا حبيبي، دا أمه هتكون دعياله قرة عيني دا.
- بص لي بسخرية وقال: والله، متأكدة أنها هتكون دعياله؟
- قالت بخبث: خليك أنت بس في الدكتورة اللي شاغلاك دي.
- اتوترت أوي لما سمعت آخر جملة هي قالتها وقلبي كان بيدق بسرعة كبيرة، قولت بصوت واطي: دكتورة!
رد عليها بغيظ: ملكيش أنتِ دعوة، هي لو بقت من نصيبيي أنا هجيبلها أحلي شيوكولاتة في الدنيا.
دخلت من البلكونة بسرعة بعد ما سمعت جملته الأخيرة، وقولت بضيق شديد من ضيقي دا!!
هو فيه ايه؟ أنا مضايقة كده ليه.. عادي يعني.
- رديت بدفاع عن نفسي: لا طبعًا مش عادي، هو مش عامل حساب أنه في مكان عام ووممكن يأذي حد بكلامه الممحون دا
- ثانية مكان عام اللي هو البلكونة، وبعدين أنا اللي بسمعهم.
- نفخت بضيق علي تصرفاتي وقولت: والله عال يا ست مريم اتجننتي وبقيتي بتكلمي نفسك كمان.
---
مر يوم علي الحدث دا من غير أي جديد غير أن خلود كلمتني أنزل أقعد شوية معاها بس أنا قولتلها أني تعبانة وعايزة أنام، حاسة أني كنت قليلة الذوق شوية وقليل من تأنيب الضمير يعني، أصل ذنبها ايه لو أخوها بيتكلم في حاجات وحشة كده وبيقول أنه بيحب واحدة قدامها، وقدامي!
هي مش حاجات وحشة أوي يعني بس أنا هعتبرها كده.
فضلت قاعدة في البيت اليوم مرّ بملل، قضيته بين الصلاة وتضييع وقتي علي الإنستا والفيس.. حتي كرفت للبحث اللي شغاله عليه.
تاني يوم اضطريت أتنازل وأنزل علشان الشغل,
قفلت الباب وركبت الأسانسير لقيته اتوقف في الدور اللي اللي قبلي علي طول قولت برجاء: أكيد أكيد مش هما يعني..
بس من أمتي الرياح أتت بما تشتهي السفن؟
لقتي خلود وأخوها واقفين بيتكلموا وأول ما الأسانسير وقف فتحوه وخلود دخلت بسرعة تقف جنبي بعد ما شافتني وهو بص للأرض علي طول،
قولت في بالي بسخرية منه: يا تقيي!!
- خلود قالت بعتاب خفيف: علي فكرة أنا زعلانه منك.
- حسيت بتأنيب الضمير وقولت: أنا بجد آسفة،
عارفة أني اتكلمت بأسلوب مش لطيف بس حقك عليّ.
- ابتسمت بسرعة وقالت: خلاص يا ستي مش زعلانه، بصت علي أخوها وقالت: يا سلام لو كلّ الناس بتعتذر زيك كده يا مريومة.
- لقيتها بص لها بتهديد وشكله كده يعني لا يُبشر بخير أبدًا.
- ضحكت ضحكة صغيرة غصب عني، وبعدها بصيت بعيد بسرعة لما لمحني...
ـ خلود قالت بمرح: خلااص يا كابتن مش هقول يعني أنك مانع عني الشيوكولاته ومش عايز تجيب غير لـ...
لقيته حط أيده بسرعة علي بوقها وقال بتهديد مضحك: خلاص يا ماما، الكلام غلط علي صحتك .. اتكتمي كلامنا في البيت.
- ضحكت جامد عليهم وحطيت أيده علي بوقي بسرعة ولقيته وجه عينه عليّ لما لمح ضحكتي وفضل مركز معايا حسيت أني اتوترت أوي فـ خلود زقته بهزار وقالت ما تركز يا نجم.
- اتوتر أوي وعدل قميصه أكتر من مرة وقف يبص للباب وأنا سكت بس حسيت بتوتر شديد بردو لحد ما الأسانسير اتفتح خرجنا وفضلنا ماشيين سوا لحد المستشفي كانت خلود قاعدة تتكلم عن يومها امبارح بشغف، وأنا كنت بستمع بإبتسامة هادية لحد ما وصلنا،
سلمت علينا وراحت تدور علي الدكتور المسؤول عنهم وتقف مع التيم بتاعها، وفضلت أنا وهو واقفين لما هي سابتنا وبعدين توجهت بتوتر علشان أمضي وأدخل العيادة لقيته دخل ورايا بعد ما سلم علي مس سمية وقعد علي الكرسي بتاعه وطلع اللاب توب بسرعة يبص فيه، مس سمية قعدت تتكلم معايا شوية وبعدين انشغلنا كلنا بالحالات الكتيير اللي جت النهاردة لحد وقت البريك كان لسه فيه بردو،
أخذت نفس قوي لما وقت البريك جه وقولت بصوت مسموع: ياااه أخيرًا هنرتاح شوية
مس سمية ردت: آه والله الجو حر جدًا واليوم زحمة أووي.
- أيوة فعلا، ربنا يهون علينا، أنا هخرج أجيب قهوة لو في أي حاجة أبقي رني عليّ يا مس سمية.
خرجت أجيب قهوة من الكافيتريا وقعدت شوية في الجنينة بس لمحته وهو قاعد بعيد بعض الشئ بيشرب القهوة بتاعته في هدوءه المعتاد.
ابتسمت من غير ما أحس بس ابتسامتي أختفت لما لقيت الشئ دا بيقعد قدامي .
