
رواية خلف أسوار الحماية الفصل التاسع9بقلم ملك أحمد
كان هناك شيء...
شيء لم يكن من المفترض أن يكون موجودًا هنا.
توقفت ليان أمام باب مكتبها، وكأن قدميها تجمدتا في مكانهما.
لم تستطع استيعاب ما تراه أمامها.
اتسعت عيناها بصدمة، بينما شعرت بأن قلبها توقف للحظة.
كان هناك مسدس مثبت بطريقة غريبة على المكتب، وموجهًا مباشرة نحو المكان الذي تقف فيه.
ـ ليان: تميم...
لم تكمل جملتها.
ففي اللحظة نفسها، تحرك تميم بسرعة، وأمسك بذراعها وسحبها إلى الخلف، ثم وقف أمامها مباشرة ليحجبها عن الخطر.
أخرج مسدسه في لحظة، ووجهه نحو الشيء المثبت على المكتب.
كانت عيناه تراقبان المكان بحذر شديد.
ـ تميم: خليكي ورايا.
لم تجبه ليان.
كانت أنفاسها متسارعة، وعيناها لا تفارقان المسدس.
وفجأة...
تحرك الزناد.
اتسعت عينا ليان، وتوقعت أن يحدث الأسوأ.
لكن بدلًا من ذلك...
خرجت ورقة صغيرة من المكان المثبت به المسدس، وسقطت على سطح المكتب.
ساد الصمت للحظات.
خفض تميم سلاحه قليلًا، لكنه لم يهداء حذره.
ظل واقفًا مكانه يراقب المكتب، وكأنه ينتظر مفاجأة أخرى.
كانت أنفاسه ثقيلة.
أما ليان فكانت تنظر إليه، ثم إلى الورقة.
ـ ليان: هو... هو ده كان إيه؟
لم يجبها.
تقدم تميم ببطء، خطوة تلو الأخرى.
ثم انحنى والتقط الورقة بحذر شديد، دون أن يلمسها مباشرة بيده.
فتحها وقرأ ما كُتب بداخلها.
تغيرت ملامحه للحظة.
لاحظت ليان ذلك.
ـ ليان: مكتوب إيه؟
لم يجبها تميم فورًا.
أخرج كيسًا صغيرًا من جيبه، ثم وضع الورقة بداخله بحذر.
نظرت إليه ليان باستغراب.
ـ ليان: إنت بتعمل إيه؟
ـ تميم: بحفظ الورقة.
ـ ليان: ليه؟
رفع عينيه إليها.
ـ تميم: عشان لو عليها أي بصمات أو دليل، نقدر نستفيد منه.
نظرت إليه بإعجاب رغم توترها.
ـ ليان: ذكي.
لم يعلق تميم.
أغلق الكيس ووضعه داخل جيبه.
ثم عاد ينظر إلى المكتب.
ـ ليان: طب مكتوب إيه؟
تنهد تميم.
ـ تميم: مكتوب إن دي مجرد بداية.
شعرت ليان بقبضة في قلبها.
ـ ليان: بداية؟
أومأ.
ـ تميم: أيوه.
ـ ليان: أنا بجد مش فاهمة... الشخص اللي بيطاردني ده عايز مني إيه؟
صمت تميم قليلًا.
ثم قال بهدوء:
ـ تميم: ممكن يكون حد قريب منك أوي...
نظرت إليه.
ـ تميم: وممكن يكون حد مش قريب منك أصلًا.
ثم أضاف:
ـ تميم: وممكن يكون شخص إنتِ عمرك ما شوفتيه قبل كده.
ابتلعت ليان ريقها.
كانت الكلمات الأخيرة هي الأكثر رعبًا بالنسبة لها.
ـ ليان: يعني أنا حتى مش عارفة أخاف من مين.
ـ تميم: عشان كده لازم تفضلي حذرة.
نظرت حولها.
ـ ليان: أنا حاسة إني عايشة في فيلم رعب.
نظر إليها تميم للحظات، ثم قال بنبرة ساخرة قليلًا:
ـ تميم: كويس.
نظرت إليه باستغراب.
ـ ليان: كويس؟!
ـ تميم: أهو إنتِ البطلة بقى.
ـ ليان: يعني إيه؟
ـ تميم: يعني حاولي تنجي بحياتك على قد ما تقدري.
حدقت به للحظات، ثم ضربته بنظرة غاضبة.
ـ ليان: إنت دمك تقيل أوي.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.
ـ تميم: عارف.
تنهدت ليان.
الغريب أنها رغم خوفها...
شعرت بالاطمئنان قليلًا لمجرد وجوده أمامها.
ـ تميم: مش هتشتغلي؟
نظرت إلى مكتبها، ثم إلى الورقة الموجودة داخل جيبه.
ـ ليان: أيوه... يلا.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
مرت ساعات العمل ببطء.
ورغم أن ليان حاولت التركيز في عملها، إلا أن عقلها كان يعود في كل مرة إلى الرسالة.
"دي مجرد بداية."
كانت الجملة تتكرر داخل رأسها دون توقف.
من يكون؟
وماذا يريد منها؟
ولماذا هي بالتحديد؟
كل تلك الأسئلة كانت تدور في عقلها دون أن تجد لها إجابة واحدة.
أما تميم...
فلم يترك الأمر يمر بسهولة.
كان يتابع كل شيء حولها بعينين يقظتين، ويتأكد من كل شخص يدخل أو يخرج من الشركة.
وبعد انتهاء العمل...
خرجت ليان من الشركة برفقة تميم.
صعدت إلى السيارة وجلست في المقعد الخلفي، بينما جلس تميم خلف المقود.
انطلقت السيارة.
مرت عدة دقائق في صمت.
كانت ليان تنظر من النافذة، تراقب الشوارع التي تمر بجانبها.
ثم فتحت هاتفها وبدأت تبحث عن شيء.
رفعت عينيها إلى المرآة الأمامية، فرأت تميم يركز في الطريق.
ترددت قليلًا قبل أن تتحدث.
ـ ليان: بقولك يا تميم...
ـ تميم: اتفضلي.
ـ ليان: هو ممكن أروح مكان؟
نظر إليها من خلال المرآة.
ـ تميم: مكان إيه؟
ـ ليان: مكان معين كده بحب أروحه.
ـ تميم: ليه؟
ـ ليان: عشان لما بتخنق أو بزهق بروح هناك.
ثم أضافت:
ـ ليان: وبصراحة أنا زهقت من القعدة دي.
ظل تميم صامتًا للحظات.
ـ تميم: فين المكان؟
ـ ليان: عند النيل.
أجابها مباشرة:
ـ تميم: لا.
قطبت حاجبيها.
ـ ليان: ليه؟
ـ تميم: عشان المكان ده فيه ناس كتير، وأي خطر يحصل مش هيكون خطر عليكِ إنتِ بس.
ـ ليان: بس أنا مدنية زي زيهم.
ـ تميم: بالظبط.
ثم نظر إليها من المرآة.
ـ تميم: وكوني ظابط، فده معناه إني مسؤول عن سلامة المدنيين كلهم، مش عنك إنتِ بس.
صمتت ليان قليلًا.
ثم قالت:
ـ ليان: المكان اللي بروحه مش زحمة.
لم يجبها.
ـ ليان: فيه جنينة صغيرة في وش النيل... هادية جدًا.
ثم ابتسمت:
ـ ليان: وأنا كنت بروح هناك قبل كل اللي حصل ده.
ظل تميم صامتًا.
كانت ليان تعرف أن إقناعه ليس سهلًا.
نظر إليها في المرآة.
ثم تنهد.
ـ تميم: حاضر... هوديكي.
ابتسمت ليان فورًا.
ـ ليان: شكرًا جدًا.
لم يجبها.
اكتفى بالنظر للطريق وأكمل القيادة.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
بعد قليل...
توقفت السيارة بالقرب من المكان الذي وصفته ليان.
فتحت الباب ونزلت بسرعة.
أغمضت عينيها للحظات، وأخذت نفسًا عميقًا.
كان الهواء مختلفًا هنا.
هادئًا...
ومريحًا.
شعرت وكأنها عادت للحظة إلى حياتها القديمة، قبل أن تتحول أيامها إلى سلسلة من الأسئلة والخوف والمطاردات.
تقدمت نحو النيل.
وقف تميم بجوار السيارة، وأسند ظهره إليها، وظل يراقبها.
لأول مرة منذ أن عرفها...
لم يرَ ليان صاحبة الشركات.
ولا الفتاة التي أصبحت حياته مرتبطة بحمايتها.
لم يرَ تلك الفتاة التي دائمًا تحاول أن تبدو قوية.
رآها فقط...
ليان.
فتاة عادية تحاول أن تستمتع ببضع دقائق من الهدوء.
وقفت أمام النيل، والهواء يحرك خصلات شعرها.
ابتسمت وهي تراقب المياه.
ثم التفتت إليه.
ـ ليان: تميم!
رفع عينيه إليها.
ـ ليان: تعال اقعد.
ـ تميم: لا، شكرًا.
نظرت له بإستغراب...
ـ ليان: كل ما أطلب منك حاجة تقول لأ.
ثم أشارت إلى المكان بجانبها.
ـ ليان: يعني الإنسان يقعد عادي.
لم يجبها.
ظلت تنظر إليه.
ـ ليان: يلا بقى. اعتبرنا أصحاب
تنهد تميم.
ثم ابتعد عن السيارة واتجه نحوها.
جلس بجانبها.
ابتسمت ليان بانتصار.
ـ ليان: شايف النيل حلو إزاي؟
نظر تميم إلى المياه.
ـ تميم: عادي.
التفتت إليه بصدمة.
ـ ليان: عادي؟!
ـ تميم: أيوه.
ـ ليان: إنت مفيش حاجة بتعجبك؟
ـ تميم: في.
نظرت إليه باهتمام.
ـ ليان: إيه؟
سكت.
ثم قال:
ـ تميم: مش عارف.
ضحكت بخفة.
ـ ليان: طب إيه أكتر حاجة بتحب تعملها؟
فكر قليلًا.
ثم أجاب بكل جدية:
ـ تميم: بحب أضرب نار.
التفتت إليه ببطء.
ـ ليان: نعم؟!
انتبه تميم إلى إجابته، فتنحنح بإحراج.
ـ تميم: يعني...
ضحكت ليان.
ـ ليان: لا يا تميم، أنا أقصد في حياتك بعيد عن الشغل.
صمت.
ـ تميم: معرفش.
ـ ليان: إزاي متعرفش؟
ثم فكرت للحظات وقالت:
ـ ليان: عندي فكرة.
نظر إليها.
ـ ليان: غمض عينيك.
ـ تميم: مستحيل.
ـ ليان: ليه؟
ـ تميم: عشان إنتِ قاعدة جنبي، وأنا المفروض أحميكِ.
ـ ليان: ثوان قليله مش هتكون خطر يعني
نظر إليها بضيق.
ـ ليان: يلا بقى.
تنهد.
ثم أغمض عينيه.
ابتسمت ليان.
ـ ليان: أول حاجة تشوفها وإنت مغمض...
سكتت لحظة.
ـ ليان: خليها الحاجة اللي بتحبها.
ظل تميم مغمض العينين.
ـ ليان: حاجة لما تشوفها تحس إنك مطمن.
صمت.
ـ ليان: حاجة لما تشوفها تحس إنك بخير.
مرت ثوانٍ قليلة.
وفجأة...
فتح تميم عينيه بسرعة.
بدت على وجهه ملامح غريبة لم تفهمها ليان.
ـ ليان: في إيه؟
وقف تميم.
ـ تميم: مفيش.
ـ ليان: إنت اتغيرت فجأة.
ـ تميم: قلتلك مفيش.
ثم اتجه نحو السيارة.
ظلت ليان تنظر إليه باستغراب.
لم تفهم ما الذي رآه وهو مغمض عينيه.
ولماذا بدا وكأنه يحاول الهروب من فكرة معينة.
أما تميم...
فكان قلبه هو الآخر يحمل إجابة لم يكن مستعدًا للاعتراف بها.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
أمام القصر...
توقفت السيارة.
نزل تميم أولًا، ثم فتح الباب لليان.
نزلت وهي تحمل حقيبتها.
وقبل أن تدخل، التفتت إليه.
ـ ليان: شكرًا بجد يا تميم.
لم تنتظر رده.
دخلت إلى القصر بسرعة.
ظل تميم واقفًا مكانه، يتابعها بعينيه حتى اختفت عن نظره.
وللحظات...
لم يتحرك.
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة جانبية صغيرة.
تذكر كلماتها.
"حاجة لما تشوفها تحس إنك متطمن..."
ثم ظهرت أمامه صورتها.
ليان وهي تضحك.
ليان وهي تجلس بجانبه.
ليان وهي تنظر إليه.
تغيرت ابتسامته.
ـ تميم: أنا إيه اللي بيحصلي؟
خفض عينيه للحظات.
ثم هز رأسه وكأنه يحاول طرد الفكرة.
ـ تميم: لا... مستحيل.
ثم دخل إلى القصر.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في صباح اليوم التالي...
كانت الشركة تعج بالحركة.
دخلت ليان إلى المبنى، وخلفها تميم كعادته.
توجها نحو المصعد.
دخلت ليان أولًا، ثم دخل تميم وضغط على زر الطابق المطلوب.
وقفت ليان في الخلف، بينما وقف تميم بالقرب من لوحة التحكم.
بدأ المصعد في الصعود.
ثوانٍ...
ثم فجأة...
اهتز المصعد بقوة.
شهقت ليان.
وكادت أن تفقد توازنها، لكن تميم أمسك بها سريعًا.
ـ ليان: إيه ده؟!
نظر تميم إلى لوحة التحكم.
ثم إلى باب المصعد.
ـ تميم: استني.
حاولت ليان استيعاب ما يحدث.
ـ ليان: هو اتعطل؟
ـ تميم: مستحيل يكون عطل عادي.
رفعت هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
لا توجد شبكة.
ـ ليان: مفيش شبكة.
اقتربت من الباب محاولة البحث عن إشارة.
ـ تميم: ارجعي كده خطر ...
ـ ليان: يمكن الشبكة تكون هنا.
ـ تميم: قلتلك ارجعي.
لكنها لم تستمع.
رفعت هاتفها قليلًا، وأسندت يدها على باب المصعد.
وفجأة...
تحرك الباب بشكل مفاجئ.
تراجعت ليان، لكن قدمها فقدت توازنها
صرخت ...
وكادت أن تقع
واغمضت عينها لكن
شعرت بيد تمسكها ...
نظرت للاعلي كان تميم
أمسك يدها قبل أن تسقط بأكملها ...
ـ نظرت إلى الأسفل، فوجدت إحدى قدميها خارج أرضية المصعد، كانت معلقه في الفراغ ....
ـ رفعت نظرها ونظرت إلي تميم الذي كان يجثو علي ركبتيه ويمسك بيدها بقوه ...