رواية اوقات في الملجا الفصل التاسع9والاخيربقلم الين روز


رواية اوقات في الملجا الفصل التاسع9والاخير بقلم الين روز


_ أزاي أم ترمي بنتها؟

ارتمت "ليلي" في حضن "ماما سميرة" بكل العنف اللي فاضل في أركان روحها المنكسرة، مسكت في ثيابها بقوة كأنها خايفة تقع في هاوية مالهاش قاع لو سابتها. كانت بتشهق بحرقة، وصوت شهقاتها المكتومة بيشق سكون الأوضة، كأن كل الوجع والكسرة والخذلان اللي اتكمتوا في صدرها الشهرين اللي فاتوا بيخرجوا دفعة واحدة.
​في الحضن ده بالذات، حست ليلي بلحظة أمان حقيقية.. حست إن ليها أم بجد. مش مجرد اسم مكتوب بجفاء في شهادة ميلاد، ولا ست جرت ورا الفلوس والسلطة وسابت بنتها للظروف، لكن أم مربية، حنونة، إيديها دافية وهي بتطبطب على ظهرها المكسور وبتملس على شعرها بقلب بيبكي قبل عينيها.

​قعدتها ماما سميرة على طرف السرير، وجابت لها كوباية مية بتترعش في إيدها، ومسحت دموعها بكف إيدها الدافئ، وبصت في عينيها بدموع خائفة وقالت بصوت مبحوح:

_ اشربي يا ليلي.. اهدي يا بنتِ وخدي نفسك، أنتِ في حضن أمك اللي ربّتك، بس قولي لي يا ليلي.. أنتِ عرفتِ المصايب والتفاصيل البشعة دي إزاي؟ مين اللي عرفك عن اتفاقهم وعن اللعبة الخسيسة اللي اتعملت يوم الملاهي؟

​ليلي أخدت نفس مكسور، ورجعت راسها لورا على الحيطة وهي بتبص للسقف بعيون جافة مطفية، وقالت بنبرة حادة وباردة:

_ يوم ما هربت وسيبت كل حاجة ورايا.. كنت ماشية في الشوارع مش شايفة قدامي ولا عارفة أنا رايحة فين. وفي نفس اليوم بالليل، جالي اتصال من رقم غريب.. طلع صاحب الشركة المنافسة لشركة صهيب وعيلته. الراجل ده كان بيراقب عيلة العابد ويدور على أي ثغرة يكسرهم بيها، وقال لي إنه عارف أنا مين وعارف السر اللي مستخبي عني من سنين ووقتها عرض عليا. 

​سألتها ماما سميرة وهي مضيقة عينيها بتركيز وذهول:
_ وعرض عليكِ إيه؟

​ردت ليلي وبصتها اتغيرت للجمود:

_ عرض عليا صفقة.. هيجيب لي كل التحريات والوثائق السرية القديمة، وتفريغ كاميرات،  وأوراق تدين وائل ومها وثبت الحقيقة كاملة.. مقابل إني أسلّمه الملفات ومخطط المشروع الجديد بتاع شركة العابد، اللي أنا كنت شغالة على ترجمته بنفسي وأعرف ثغراته. وافقت يا ماما من غير ما أتردد لحظة واحدة.. مكنش يفرق معايا شغلهم ولا فلوسهم، كان يفرق معايا أقف على أرض صلبة وأواجههم بالحقايق اللي تدس في وشهم وما يعرفوش يفتحوا بؤهم بكذبة واحدة! تسليم أوراق المشروع كان الثمن اللي دفعته عشان أشتري بيه الحقيقة الموثقة.

​_ طب والشهرين دول كلهم يا ليلي.. كنتِ فين؟ قلبي كان بيدوب عليكِ من القلق والتدوير!

​_ لما أخدت أول الخيوط منه، عرفت إن ليّ عم على قيد الحياة اسمه "شريف".. رحت له يا ماما. رحت لمنطقة شعبية بسيطة، زحمة والدنيا فيها على قدها. مشيت في الحارة وأنا بأسأل عن بيته لحد ما دليت على البيت، طلعت على سلم متكسر وخبطت على الباب..

​أخدت ليلي نفس طويل وكملت بتنهيدة ثقيلة:

_ فتح لي راجل في أواخر الخمسينات، باين على وشه الشقا وجدية السنين.. بص لي باستغراب وحيرة، وسألني وهو مش عارفني خالص:

_ تدوري على حد يا بنتي؟

ـ قلت له بصوت بيترعش:

_ أنا ليلي.. بنت أخوك المرحوم.

ـ الراجل اتسمر مكانه، عيونه اتسعت بذهول وصدمة هزت كيانه، أخد نفس مكسور ووسع لي الباب وهو مش مصدق وقال لي:

_ ليلي؟! أنا مش مصدق عيني!

 دخلت عنده وقعدت في الصالة، وهو كان مصدوم ومش 
مستوعب.. وبص لي وعينيه مليانة وجع وقال لي:

_ يوم وفاة أبوكِ يا ليلي، رحت لأمك مها وقلت لها هاتي البنت أربيها مع ولادي ووسط عيلتها.. لكن هي رفضت ونشفت رأسها، وأخدت ورثكم واختفت تماماً! ومن يومها ما نعرفش عنكم أي حاجة ولا وصلت لنا معلومة واحدة. 

​كملت ليلي وهي بتبص لماما سميرة:

_ عمي شريف فتح لي بيته وقال لي:

_ بيتي على قد حاله يا ليلي، بس ده بيت أبوكِ وعمك.. تقعدي فيه عزيزة مكرمة. 

ـ عشت عندهم الشهرين دول، أكلت معاهم العيش والملح، وعرفت يعني إيه أصل وظهر.. فضلت عندهم لحد ما صاحب الشركة جاب لي الورق والتحريات كاملة، وأنا أديته ملفات المشروع زي ما اتفقنا.. وبعدها جيت لك هنا.

​مسكت ماما سميرة إيدها وشدتها لحضنها تاني وهي بتدعي على الظلمة، ومن يومها.. ليلي قفلت صفحة أمها "مها" وقطعت علاقتها بيها تماماً وخرجتها برة حياتها للأبد.

أما عن صهيب.. فالصدمة كانت قاسية كشفت له حقيقة أهله اللي كان بيثق فيهم.

​لما عرف بكل التفاصيل واللعبة الخسيسة اللي عملها أبوه "وائل" مع "مها"، قامت خناقة كبيرة بينه وبين أبوه، خناقة شديدة ساب له بعدها كل حاجة؛ ساب الفلوس والعربية والشركة وشغله معاهم، وقطع علاقته بيهم تماماً وبعد عنهم.
​خرج بشنطة هدومه بس وبدأ حياته من جديد تحت الصفر.. أخد المبلغ البسيط اللي كان محوشه بعيد عنهم، وأجر شقة صغيرة جداً بعيدة، وفتح مكتب استشارات وترجمة على قده.
​سنة كاملة مريرة..

كان بيشتغل فيها أكتر من ١٨ ساعة في اليوم، يخرج يتدبر أمره بنفسه ويتعامل مع العملاء عشان يبني شغل نظيف بشرفه بعيد عن اسم عيلته. كان فارق معاه جداً يثبت لنفسه ولـ "ليل" إنه إنسان مستقل عنده كرامته ويقدر يتحمل مسؤولية نفسه.

​وطوال السنة دي.. صهيب ما نسيهاش ولا يوم.
كان بيروح منطقة الملجأ كل فترة بالليل.. يقف بعيد هادي، بس عشان يطمن إنها بخير ويشوفها وهي داخلة من الباب. وكان بيبعت لها كل أسبوع وردة بيضاء واحدة لمكتبها في شركة الترجمة الجديدة اللي اشتغلت فيها بكفاءتها.. من غير أي كارت ولا كلمة، بس هي كانت بتعرف إنها منه.
​وفي يوم مطر بعد مرور السنة..

كانت ليل طالعة من شغلها بالليل، ولقيت صهيب واقف جنب الشارع مستنيها.

مكنش صهيب بتاع زمان بالأناقة المبالغ فيها؛ كان لابس جاكيت بسيط، شكله مرهق وواضح عليه تعب الشغل والتفكير، بس كانت في عينيه نبرة صدق مش ممكن تتنسى.
​قرب منها بهدوء وقال بصوت هادي:

_ ليل.. أنا مش جاي أضغط عليكِ ولا أفرك جراح قديمة، بس طالب منك تديني خمس دقايق تسمعيني فيهم، كإنسان حاول يصلح من نفسه ويبدأ على مية بيضا.

​ليل وقفت تحت شمسيتها وبصت له.. ولأول مرة تحس إن الغضب اللي جواها هدي، وحل محله احترام حقيقي للخطوة اللي أخدها وللجهد اللي بذله عشان يبني نفسه بنفسه بعيد عن قرف أهله.

​قعدوا في مكان هادي، وطلع صهيب علبة صغيرة بسيطة من جيبه، حطها على الطاولة وقال بنبرة صادقة:

_ أنا سيبت شغل أبويا وفلوسه من سنة يا ليل، وقطعت علاقتي بيهم تماماً.. الخاتم ده فضة بسيطة، اشتريته من أول قرش حلال وحقيقي يدخل جيبي من شغلي الخاص. أنا لسه بحبك، وما حبتش غيرك.

​ليل بصت للخاتم البسيط، وبصت لصهيب اللي كان بيتكلم بصدق يلمس القلب.. حست إن الصفحة القديمة اتطوت بجد، وإن صهيب راجل يوثق فيه بعد ما أثبت إنه اتخلى عن كل نفوذه عشان يعيش بكرامته.
​ابتسمت بهدوء وقالت:

_ الخاتم جميل يا صهيب.. بس لو حابب تبدأ معايا صح وعلى مية بيضا بجد، الخاتم ده ما بيتقدمش هنا.. يتقال لعمي شريف ولأمي سميرة في الدار، وتقدمه قدامهم.

​ابتسم صهيب بتنهيدة مرتاحة والتمعت عينيه بلهفة:

_ أنا جاهز، وفي أقرب وقت هكون عند عمك شريف وماما سميرة!

​وبالفعل، بعد أسبوع، اتجمعت العيلة في دار الأمل..
كان قاعد عمها شريف بجلابيته ووقاره ممثل عيلتها وسندها، وماما سميرة قاعدة جنب ليل وهي طايرة من الفرحة، وصهيب قاعد قدامهم بيشرح لهم حياته الجديدة وشغله المستقل بوضوح.

​بص له عمها شريف بثبات وقال له:

_ أنت سيبت كل حاجة عشان تبدأ نظيف وده يكبرك في نظرنا يا صهيب، بس ليل ماليهاش غير كرامتها وعيلتها.. هتاخدها وأنت قادر تصونها وتفتح لها بيت من عرقك.
​اتخطبوا وسط فرحة أطفال الملجأ ودعوات ماما سميرة، وليل واقفة جنب صهيب وهي مرتاحة ومرفوعة الرأس، عارفة إنها بدأت صفحة جديدة ونظيفة في حياتها قائمة على الاحترام والكرامة.

​وفي نفس الليلة.. بعد ما النور انطفأ في دار الأمل، والهدوء سكن المكان.

​موبايل ليل رن بصوت هادي.. كان رقم صهيب.
​ردت بصوت خفيض وناعم:
_ ألو..

​_ ليل.. أنا واقف تحت الدار. مش هطول عليكِ، أنا بس كنت محتاج أسمع صوتك وأطمن إن كل اللي حصل النهاردة ده مكنش حلم.

​_ مكنش حلم يا صهيب.. كان أول خطوة حقيقية صح بنمشيها.

​_ أنا وعدت عمك شريف وماما سميرة، وبوعدك أنتِ قبلهم.. عمري ما هخليكِ تندمي على اللحظة دي، ولا على الفرصة دي. البيت اللي هنبنيه هيكون مبني على نظافة، وكرامتك هيفضل رأس مالنا فيه.

​_ وأنا واثقة فيك يا صهيب.. يلا روح ارتاح، عندك شغل الصبح.
_ ليل. 
_ نعم؟ 
_  لم تكن هزيمتي حينما رحلتِ... بل كانت يوم أدركتُ أنني ما عدتُ أراكِ إلا في كل شيء.

                      تمت



                    

تعليقات



<>