
الحلقه الاولي
عرش الظلام
♕♕♕♕♕♕♕♕♕
كانت قاعة العرش في قصر "الرماد" أشبه بمقبرة فاخرة،
شُيدت جدرانها من صخور بركانية سوداء لا تعكس الضوء. الشموع الضخمة الممتدة على الجانبين كانت تقطر شمعاً داكناً ينساب على الأرضية الرخامية كأنه دماء متخثرة. في هذا المكان، كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة الخوف والموت، والجنود يقفون كالتماثيل المسلحة بدروعهم الفولاذية، لا يجرؤ أحد منهم على تنفس الصعداء، أو رفع عينه نحو العرش العالي.
على ذلك العرش، الذي نُحت من عظام التنانين القديمة، كان يجلس الملك آرثر.
جسده الضخم كان مستنداً ببرود قاتل، ورأسه يميل إلى الخلف بينما تتأمل عيناه الحادتان، بلونهما الرمادي الشبيه بالعاصفة، الوفود القادمة من الممالك المجاورة. كانوا يركعون أمامه، يقدمون الذهب، الحرير، والولاء، لكنه لم يكن يرى فيهم سوى دمى متحركة. كان يشعر بملل يمزق أحشاءه، والكيان المظلم المستقر في صدره ينهشه بقسوة، يهمس في أذنه بصوت فحيح مرعب: وحوش.. كلهم كاذبون.. اقطع رقابهم واروِ ظمئي بالدماء.
ضغط آرثر بقبضته الضخمة على مسند العرش، وفي ثوانٍ، بدأت الصخور تحت أصابعه تتشقق، وتصاعد دخان خفيف وحارق من يده اليمنى المغطاة دائماً برداء جلدي أسود سميك؛ ذلك الرداء الذي يخفي وشم اللعنة الذي يحرق كل جسد يلمسه.
لمح وزيره المقرب، الفيكونت توماس، جفاف شفتي الملك والشرر الذي بدأ يلمع في عينيه، فاقترب بخطوات مرتعشة وهمس بخوف:
"جلالتك.. هل ننهي مجلس الليلة؟ طاقة الظلام لديك تبدو ثائرة".
رد آرثر بصوت رخيم، عميق، كأنه قادم من جوف الأرض:
"دع الحراس يقطعون رؤوس هؤلاء السفراء بالخارج.. كذبهم يحدث ضجيجاً يقتلني. أريد صمتاً".
قبل أن يتحرك الوزير لتنفيذ الأمر الصارم، فُتحت الأبواب الحديدية الضخمة للقاعة بعنف، وصريرها تسبب في قشعريرة هزت أركان المكان. دخلت مجموعة صغيرة من العازفين القادمين من "وادي الصمت"، وهي مقاطعة معزولة مشهورة بنقاء ألحانها.
وفي وسطهم، كانت تسير فتاة برداء أبيض بسيط يتباين بشدة مع ظلام القاعة. كانت ناعمة، رقيقة، كأنها زهرة نبتت في مقبرة. تضع على عينيها رباطاً حريرياً أبيض سميكاً، وتحمل بين يديها قيثارة خشبية قديمة نُقشت عليها رموز غامضة. كانت هي سيلينا.
لم تكن سيلينا تريد القدوم إلى هذا المكان الملعون، لكن حاكم مقاطعتها قدمها كقربان ولاء للملك الذي يرتجف العالم عند سماع اسمه. بمجرد أن خطت خطوتها الأولى داخل القاعة، شعرت ببرودة دافرة تخترق عظامها. ومن خلف ذلك الرباط الأبيض الذي كانت تقنع الجميع بأنها ترتديه لأنها عمياء، بدأت ترى ما لا يراه البشر العاديون.
عينا سيلينا لم تكن عمياء، بل كانت تمتلك سراً أخطر؛ إنهما تكشفان "أرواح" البشر وطاقتهم. ورأت في نهاية القاعة هالة مرعبة لم تشهد مثلها قط. هالة سوداء كثيفة كالدخان، تتلوى كالأفاعي الضخمة حول جسد الملك الجالس على العرش، وتكاد تخنق القاعة بأكملها.
جلست الفرقة على الرخام البارد، وبدأ العزف. كان لحناً جنائزياً خائفاً في البداية، حتى بدأت أنامل سيلينا تداعب أوتار قيثارتها. لم تكن تعزف لمجرد النجاة، بل كانت تعزف "ترتيلة الروح"، وهي نغمات قديمة ورثتها عن جدتها، ترتيلة لها القدرة على ترويض الطاقات الهائجة.
ومع النغمة الأولى التي خرجت من قيثارتها، حدث شيء لم يتوقعه أحد في القاعة.
الكيان الأسود الذي كان يمزق صدر آرثر صمت فجأة، وانكمشت الأفاعي الدخانية حوله وتراجعت. الصداع المزمن الذي لازمه لسنوات، والذي منعه من النوم لأشهر، اختفى في ثانية واحدة. شعر آرثر بنسمة هواء باردة، نقية، تدخل رئتيه لأول مرة منذ أن حُلت عليه اللعنة. شعر بجسده يهدأ، وبعقله يصفو.
انتفض الملك من عرشه واقفاً بحركة مفاجئة أحدثت صوتاً مدوياً. اتسعت عيون الوزراء والجنود رعباً وذهولاً؛ فالملك آرثر لا يقف لأحد، ولا يقطع مجلسه لأجل لحن.
نزلت خطواته الثقيلة على الدرج الرخامي، واحدة تلو الأخرى، كأنها دقات طبول الحرب. كانت عيناه مثبتتين على تلك الفتاة ذات الرداء الأبيض والرباط الحريري. كان يتنفس بسرعة، والوشم الأسود تحت جلده الأسود بدأ ينبض بحرارة دافئة، وليست حارقة.
"توقفوا عن العزف!" هدر صوت آرثر، فصمتت الفرقة فوراً، وسقطت الأدوات من أيدي العازفين من شدة الرعب، بينما بقيت سيلينا وحدها ممسكة بقيثارتها، وقلبها ينبض بعنف كطائر حبيس في قفص.
تقدم آرثر بخطوات بطيئة، مخيفة، حتى وقف أمامها مباشرة. كان طوله الفارع وعرض منكبيه يحجبان عنها ضوء الشموع تماماً. كانت سيلينا تشعر بأنفاسه الحارة، وبتلك الطاقة الهائلة التي كادت تبتلعها. تراجع الحراس والوزراء خطوات إلى الخلف، فالجميع يعلم أن الملك إذا اقترب من شخص بهذا القرب، يعني أنه يزن طريقة قتله.
رفع آرثر يده اليمنى المغطاة بالجلد، وبأصابعه القوية، رفع ذقن سيلينا برفق غريب، متناقض تماماً مع قسوته المعهودة.
"ارفعي هذا الرباط عن عينيكِ"، أمرها بصوت منخفض، رخيم، لكنه يحمل تهديداً يزلزل الجبال.
بلعت سيلينا ريقها، وقالت بنبرة حاولت جاهدة أن تجعلها متماسكة:
"يا جلالة الملك الموقر.. أنا فتاة عمياء من وادي الصمت، والضوء الشديد يؤذي ما تبقى من عتمة في بصري".
ضحك آرثر ضحكة قصيرة، مظلمة، انبعثت من أعماقه. مال برأسه الضخم نحو أذنها، لدرجة أن أنفاسه داعبت خصلات شعرها، وهمس بصوت لا يسمعه أحد غيرها:
"كاذبة.. أنا أسمع تسارع دقات قلبكِ، وهي تخبرني أنكِ ترينني الآن بوضوح أكثر من أي شخص في هذه القاعة. ارفعيه الآن.. وإلا أمرت حراسي بنحر عنقكِ وعنق كل من جاء معكِ في هذه اللحظة".
ارتجفت يد سيلينا. أدركت أن هذا الرجل ليس مجرد ملك، بل هو وحش يقرأ النفوس. رفعت أصابعها المرتعشة ببطء نحو العقدة المحكمة خلف رأسها. كان الجميع في القاعة يحبسون أنفاسهم، والوزير توماس يتقدم خطوة ليتدخل خوفاً من أن تكون الفتاة ساحرة تخفي سلاحاً، لكن نظرة واحدة حادة من آرثر جمدت الوزير في مكانه.
فُكت العقدة.. وسقط الحرير الأبيض على الأرض الرخامية.
فتحت سيلينا عينيها ببطء. وفي تلك اللحظة، لم تعد القاعة مظلمة. أضاء المكان بلمعان أرجواني غريب، ساحر وعميق،
كأن ليل المدينة قد امتزج بنور النجوم النادرة. عيناها الأرجوانيتان كانت تشعان بنقاء مذهل.
تراجع آرثر خطوة إلى الوراء بصدمة لم يعرفها طوال حياته، واتسعت عيناه الرماديتان بنظرة ذهول جمدت الدماء في عروقه. الكيان المظلم في داخله لم يعد هادئاً فقط.. بل شعر به آرثر يركع خاضعاً، تملأه الرغبة في الانصياع لتلك العيون.
صرخت الروح المظلمة في أعماقه بكلمة واحدة تردد صداها في عقله كالعاصفة المدمرة: "الرفيقة.. إنها الرفيقة المقدرة!"
نظر آرثر إلى عينيها الأرجوانيتين، ثم إلى ملامح وجهها الخائفة والجميلة في آن واحد. وفي ثوانٍ، تحولت نظرة الصدمة في عينيه إلى نظرة تملك وحشية، شرسة، ومرعبة. امتدت يده القوية لتقبض على معصمها النحيل بقوة ألمتها، وجذبها نحوه بعنف حتى تلاقت أنفاسهما المضطربة.
التفت الملك إلى القاعة، ونظراته تطلق شرراً، وقال بصوت هز الجدران:
"مجلس الليلة انتهى! خذوا هؤلاء العازفين وكل الوفود إلى السجون المظلمة.. وهاتوا لي بهذه الفتاة إلى جناحي الخاص فوراً، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب من بابي الليلة!"
صرخت سيلينا وحاولت الإفلات من قبضته الحديدية، وهي ضرب بأقدامها على الأرض، لكنها كانت كالعصفور الصغير بين مخالب صقر كاسر. التفتت إليه وهي ترى الهالة المظلمة التي تحيط بجسده بدأت تتشابك مع هالتها الأرجوانية بقوة، وعلمت في تلك اللحظة المرعبة أن حياتها الهادئة قد انتهت إلى الأبد، وأنها أصبحت أسيرة للوحش الأكثر رعباً في الممالك السبع.
يتبع