
الفصل الرابع:
عرش الظلام
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
حملها آرثر بين ذراعيه القويتين كأنها أثمن ما يملك في هذا العالم، وصعد بها من دهاليز السرداب المظلمة نحو الجناح الملكي، تاركاً خلفه جثث الخونة تتحول إلى رماد. لم تسمح له سيلينا بوضع القفاز الجلدي على يده مجدداً؛ فرغم خوفها منه، إلا أن بصيرتها الروحية كانت تخبرها أن تلك اللعنة تنهش جسده وتؤلمه، ولمستها هي الترياق الوحيد الذي يمنحه السلام.
عندما وضَعها برفق على سريره الفاخر، كان الفجر قد لاح في الأفق، ليرسل خيوطاً ذهبية باهتة اخترقت الستائر السوداء.
جلس آرثر على حافة السرير، ونظر إلى معصمها النحيل الذي تلون بالأحمر أثراً لقبضته الشرسة في الليلة الماضية. امتدت أصابعه العارية، وبحنان مفاجئ لم يعهده جسده قط، بدأ يمسح على بشرتها. ومع كل لمسة، كانت طاقته الرمادية الهادئة تداوي جرحها الصغير حتى اختفى تماماً.
"أنتِ لم تخبريني بكل شيء عن نفسكِ يا سيلينا"، قال آرثر وعيناه الرماديتان تتأملان عينيها الأرجوانيتين اللتين استعادتا هدوءهما. "قوتكِ التي ظهرت في السرداب.. ذلك النور الذي أعمى الجنود.. أنتِ من سلالة النور المفقودة، أليس كذلك؟"
خفضت سيلينا نظراتها وقالت بصوت خافت: "لم أكن أعلم.. جدتي أجبرتني على وضع الرباط الحريري منذ طفولتي، وقالت إن عينيّ لعنة ستجلب لي الموت. عشت طوال حياتي أظن أنني أحمي نفسي من العمى، ولم أكن أعرف أنني أحمي نفسي من وزيرك الخائن".
نهض آرثر، وجسده الضخم حجب الضوء مجدداً. "توماس نال عقابه، لكنه لم يكن يرتجل. النبلاء في الممالك السبع، وحكام المقاطعات، كلهم يريدون بقائي معزولاً وملعوناً. الملك القوي المرعب يحمي حدودهم بسيفه، لكن الملك الشافي الذي يملك رفيقة تمنح الوريث الاستقرار يشكل خطراً على عروشهم".
التفت إليها ونظرة شرسة من التحدي تملأ وجهه: "اليوم.. سيعلم العالم كله بوجودكِ. سأعلنكِ رفيقتي وملكتي أمام الملأ، وليجرؤ أحد على الاعتراض".
تم لقاء الممالك في غرفه المشوره:
في منتصف النهار، دوت طبول القصر الملكي لتعلن عن اجتماع طارئ لمجلس اللوردات والنبلاء. كانت الأجواء مشحونة بالتوتر والشائعات؛ فخبر مقتل الوزير توماس انتشر كالنار في الهشيم، والجميع يتساءل عن السبب.
جلس النبلاء حول الطاولة المستديرة الضخمة، يتهامسون بخوف، حتى فُتحت الأبواب الكبيرة.
دخل الملك آرثر، يرتدي عباءته السوداء المطرزة بالذهب، لكن الصدمة التي ألجمت الجميع هي أنه لم يكن يرتدي قفازاً في يده اليمنى. والأكثر ذهولاً، هو أنه كان يمسك بيد فتاة برداء أرجواني فاخر، تسير بجانبه بكبرياء وهدوء، وعيناها الأرجوانيتان المشعتان تكشفان عورات نفوسهم الخائفة.
جلس آرثر على عرشه، وجعل سيلينا تقف بجانبه مباشرة، ووضع يده العارية على كتفها أمام عيون الجميع.
انتفض اللورد "براندون"، وهو أحد أقوى النبلاء وأكثرهم طمعاً في العرش، وقال بنبرة ممزوجة بالاعتراض والذهول: "جلالة الملك! ما هذا الذي نراه؟ يدك عارية.. ومن هذه الفتاة التي تجلس في مكان لا يحق لغير الملكة الجلوس فيه؟ وأين الوزير توماس؟"
ضرب آرثر بقبضته على الطاولة، فاهتزت الكؤوس وتراجع النبلاء رعباً. "توماس كان خائناً، وحاول اغتيال أمر يخصني، فصار جثة تحت الأرض. أما هذه الفتاة.. فهي سيلينا، الرفيقة المقدرة التي كتبتها الألواح القديمة لعرش الرماد. ومن اليوم.. هي ملكتكم الحاكمة بجانبي".
تعالت الصيحات والاعتراضات في القاعة. "هذا مستحيل!"، "اللعنة لا تزول!"، "إنها ساحرة استغلت ضعفك!".
وقف اللورد براندون مجدداً واستل سيفه جزئياً: "جلالتك، الشريعة تقول إن الرفيقة يجب أن تثبت نقاء سلالتها، وهذه الفتاة تحمل عيون السلالة المحرمة التي أُبيدت بأمر من أجدادك! وجودها يهدد أمن الممالك السبع.. نحن لا نعترف بها!"
لم يتحرك آرثر من مكانه، بل ابتسم ابتسامة مظلمة جعلت دماء براندون تجف في عروقه. "أنت لا تعترف بها يا براندون؟"
قبل أن ينطق اللورد بكلمة أخرى، تحرك آرثر بسرعة لا تدركها العين. في ثانية واحدة، كان يقف أمام براندون مباشرة، وقبض بيده العارية على نصل سيف اللورد. وبمجرد اللمس، بدأ السيف الفولاذي يتآكل ويتحول إلى رماد أسود يتساقط على الأرض، بينما بدأت اللعنة الزاحفة تظهر على أطراف أصابع آرثر كتهديد صريح بالقتل.
"من منكم يريد أن يختبر شريعتي الخاصة؟" هدر صوت آرثر وهو ينظر إلى بقية النبلاء الذين سقطوا في صمت مرعب، ولم يجرؤ أحد منهم على رفع عينه. "سيلينا هي ملكتكم.. ومن يرفع سيفاً في وجهها، سأبيد مقاطعته عن بكرة أبيها".
الخطر القادم من وراء الحدود
بينما كان آرثر يفرض سيطرته بالقوة داخل القاعة، كانت سيلينا تنظر من النافذة الكبيرة المطلة على الأفق البعيد. من خلف بصيرتها الروحية، لم تكن ترى النبلاء الخائفين، بل رأت شيئاً أخطر بكثير.
في أقصى الشمال، حيث تقع "الغابة المحرمة"، بدأت هالة سوداء ضخمة، تشبه إعصاراً من الأرواح الشريرة، تتصاعد نحو السماء. شعرت سيلينا ببرودة قاتلة تضرب قلبها، وسرعان ما سمعت في رأسها صوتاً نسائياً عجوزاً وحاقداً يهمس لها عبر الأثير:
• "لقد ظهرتِ أخيراً يا بقايا النور.. ظننتِ أن لمستكِ ستنقذ الملك الملعون؟ اللعنة التي ألقيتها عليه قبل عشرين عاماً لن تنتهي إلا بدمكِ.. وجيش الظلام قد بدأ بالتحرك لتهديم قصركم من أساسه". •
تراجعت سيلينا خطوة إلى الوراء، وامتدت يدها لتتمسك بمسند العرش، وعلمت أن إعلانها كملكة لم يكن نهاية الكابوس، بل هو بداية حرب طاحنة ستجمع بين نور روحها وظلام الممالك السبع.