
امتد الظل الأسود للساحرة "مورغانا" على جدران الجناح الملكي، وتصاعدت من ساحة القصر الخارجي أصوات مرعبة لـ "وحوش الأثير" التي استدعتها من قاع الجحيم. كانت الأرض تهتز، والهواء يزداد برودة، كأن الممالك السبع تكاد تبتلعها العتمة.
نظر آرثر إلى سيلينا، وعيناه الرماديتان لم تعد تفيضان بالجنون، بل بيقين هادئ وعشق عميق. امتدت يده العارية ليتحسس وجنتها برقة:
"الساحرة بالأسفل يا ملكتي.. لقد جاءت لتأخذ ما ليس لها. هل أنتِ مستعدة لإنهاء هذا القرن من العذاب؟"
أمسكت سيلينا بيده، وضغطت عليها بكفها المشعة بالوشم الفضي الرمادي:
"معك حتى نهاية الوقت يا آرثر. ظلامك ونوري صارا روحاً واحدة.. ولا قوة في الأرض يمكنها هزيمتنا الآن".
المواجهة الختامية في ساحة الرماد
نزلا معاً إلى الساحة الكبرى للقصر. كانت الأسوار محطمة، والجنود والمواطنون يختبئون رعباً، بينما كانت الساحرة مورغانا تقف في منتصف الساحة، يحيط بها جسد هلامي أسود وعيون تشع حقداً.
"أيها الملك الملعون!" صرخت مورغانا بصوت أشبه بصرير العظام. "ظننت أن دم سلالة النور سينقذك؟ لقد جئت لأبيدكما معاً وأجعل من جماجمكما زينة لعرشي الجديد!"
لم ينطق آرثر بكلمة. تقدم خطوة للأمام، واستل سيفه الضخم. وبمجرد أن قبض عليه بيده العارية، لم تعد النيران سوداء مدمرة فقط، بل امتزجت بلهب فضي أرجواني، طاقة دمج السلالتين التي جرت في عروقه بعد تضحيته بدمه لأجل سيلينا.
"احمي ظهري يا سيلينا"، قال آرثر بنبرة تملك عاشقة، ثم اندفع نحو الساحرة كالعاصفة.
بدأت المعركة الرهيبة. كانت مورغانا تطلق صواعق من السحر الأسود تكفي لهدم جبال، لكن آرثر كان يشقها بسيفه المشتعل، ويتحرك بسرعة تفوق الوصف. وحوش الأثير بدأت تحاصره وتنقض على جسده بمخالبها، فبدأت الدماء تظهر على درعه.
في تلك اللحظة، وقفت سيلينا في شرفة القصر المطلة على الساحة. سحبت قيثارتها القديمة، ولم تعد بحاجة لإغلاق عينيها؛ فبصيرتها الآن كاملة.
وضعت أصابعها المشعة بالوشم الفضي على الأوتار، وضربت الوتر الأول بقوة.
دوى في أرجاء العاصمة صوت "ترتيلة الفناء"، لحن لم تسمعه أذن بشرية من قبل، لحن يجمع بين قوة الرماد المدمرة وطهارة النور الشافية.
اندفعت موجات ضوئية بنفسجية وهائلة من القيثارة، شكلت درعاً منيعاً حول جسد آرثر، فكانت ضربات الساحرة تتفتت بمجرد أن تقترب منه. ومع كل نغمة تعزفها سيلينا، كانت وحوش الأثير تصرخ برعب وتتحول إلى غبار فضي يتلاشى في الهواء.
"مستحيل! هذه القوة لا يمكن أن توجد!" صرخت الساحرة بذعر وهي ترى جيشها يباد بنغمات فتاة.
وجهت الساحرة كل طاقتها السوداء المتبقية في ضربة واحدة، وتجسدت على هيئة رمح مظلم ضخم، ووجهته مباشرة نحو صدر سيلينا لتوقف اللحن.
لمح آرثر الرمح المنطلق نحو رفيقته. صرخ بهوس وتملك جنوني: "سيليناااا!"
قفز آرثر بجسده الضخم ليكون حاجزاً أمامها، واخترق الرمح الأسود صدره البشري. سقط آرثر على ركبتيه، وبدأت نيران اللعنة السوداء تثور في جسده للمرة الأخيرة كأنها تحاول إحراقه من الداخل بالكامل.
صرخت سيلينا، وبضربة واحدة عنيفة على أوتار قيثارتها، أطلقت موجة نور بنفسجية أخيرة أصابت الساحرة مورغانا في قلبها مباشرة. تفتت جسد الساحرة وتحولت إلى رماد أسود ذرته الرياح، وانتهى عهد الظلام إلى الأبد.
زوال اللعنة وعناق الأبدية
نزلت سيلينا تركض دموعها كالمطر، وألقت بجسدها بجانب آرثر المستلقي على الرخام البارد، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، والوشم الأسود يلتهم عنقه.
"لا.. أرجوك يا آرثر، لا تتركني بعد أن انتصرنا!" بكت وهي تضع يديها المشعتين بالوشم الفضي على صدره، وتضخ كل ما تملك من طاقة نور في قلبه البشري.
تلاقت دماؤهما مجدداً عند موضع الجرح. وفي تلك اللحظة، حدثت المعجزة الختامية للنبوءة.
النور الأرجواني المنبعث من سيلينا لم يعد يهدئ اللعنة فقط.. بل بدأ يمتصها ويبيدها بالكامل.
تراجعت العروق السوداء من عنق آرثر ومن وجهه، وراحت الخطوط السوداء المتفحمة على يده اليمنى تختفي ثانية تلو الأخرى، ليحل مكانها جلد بشري طبيعي ونقي. اختفى الدخان الأسود، وصمت الكيان المظلم في صدره إلى الأبد، ليعود آرثر بشرياً كاملاً، بلا لعنة، وبلا وحوش.
فتح آرثر عينيه الرماديتين، اللتين أصبحتا صافيتين كالسماء بعد المطر. نظر إلى يده العارية، ثم إلى سيلينا التي كانت تنظر إليه بذهول وفرحة لا تسعها الأرض.
رفع يده — اليد التي كانت تقتل كل من يلمسها — ووضع كفه برفق وحرية على وجنة سيلينا. لم يحدث تفحم، ولم تخرج نيران سوداء. فقط دفء بشري خالص، وعشق نقي.
"لقد زالت اللعنة.. يا سيلينا"، همس بصوت مليء بالدموع الشاكرة. "أنا حر.. ويمكنني لمسكِ الآن دون خوف".
جذبتها يداه القويتان نحوه، وعانقها بعنف وشغف طال انتظاره لقرن من الزمان. قبلها أمام الممالك بأكملها، قبلة أعلنت نهاية عصر الرماد وبداية عصر النور.
الخاتمة
بعد مرور أشهر، أُقيم حفل التتويج الأسطوري في العاصمة المستعادة.
جلس الملك آرثر على عرشه، وبجانبه الملكة سيلينا، وعيناها الأرجوانيتان تزينان القاعة بنور الأمل. لم يعد هناك قفازات سوداء، ولا جدران مظلمة، ولا نبلاء يجرؤون على الخيانة.
امتدت يد آرثر لتتشابك أصابعه بأصابع رفيقته المقدرة أمام الجميع، وهمس في أذنها وعيناه تملؤهما غيرة تملك هادئة وعشق أبدي:
"كنتِ رفيقة الوحش الملعون.. والآن أنتِ ملكة قلبي البشري إلى آخر العمر".
تمت بحمد الله