
الحلقه الاولي
يوسف واقف في البلكونة من الساعة 2 بعد نص الليل. فنجان القهوة برد في إيده من بدري، بس هو مش حاسس. عينه على الشارع الفاضي تحت، كأنه مستني سارة تطلع من آخره تضحك وتقول له "وحشتني يا مجنون".
فات 8 شهور على الحادثة. 8 شهور وهي الدنيا واقفة عنده عند لحظة صوت الفرامل... صوت جسم بيخبط في صاج عربية... وبعدها صمت.
سارة كانت كل حاجة. الضحكة اللي بتصحيه، الرسالة اللي بتبعتها له كل يوم الساعة 8 الصبح: "قوم يا كسلان الشغل مستنيك". حتى طريقة شربها للشاي - 3 معالق سكر وتقلب 7 لفات بالظبط - كانت طقس مقدس بينهم.
قبل الحادثة بأسبوع واحد بس، كانوا قاعدين في كافيه على النيل. سارة كانت متوترة ومش على بعضها. مسكت إيده وقالت له كلام عمره ما فهمه وقتها:
"يوسف، لو يوم جرالي حاجة... أوعدني إنك مش هتعيش ميت. أوعدني إنك هتكمل. ومش هتكمل مع أي حد... هتكمل مع تاليا".
ضحك وقتها وشدها مناخيرها: "بطلي تشاؤم يا ست، إحنا لسه هنلف العالم سوا".
باسته في خدّه وقالت بهمس: "أوعدني".
قال "أوعدك" وهو مش فاهم.
تاليا... صاحبة سارة من أيام الجامعة. البنت الهادية اللي دايماً واقفة في الضل. شعرها الاسود الطويل، عينيها العسلي اللي بتضحك قبل بوقها، وحتى طريقة مشيها السريعة وهي بتبص في الأرض... نسخة.
أول مرة شافها يوسف بعد العزا، قلبه وقف. نفس الابتسامة اللي بتطلع على جنب واحد. نفس النغزة في الحاجب الشمال وهي مركزة. حتى قالت له "عامل إيه يا يوسف؟" بنفس نبرة سارة بالظبط.
الناس كلها قالت له "دي صدمة، عقلك بيخدعك". بس هو كان عارف إن فيه حاجة أعمق. كأن سارة سابت جزء منها في تاليا قبل ما تمشي.
من يومها وهو تايه. بيكلم تاليا كل يوم بحجة "بطمن عليكي". وهي بتيجي تقعد معاه، تظبط له الشقة، تعمل له شاي بـ 3 معالق سكر وتقلب 7 لفات. بتضحك على نفس نكته سارة القديمة. بتلبس نفس اللون اللي سارة بتحبه: الأزرق السماوي.
وكل مرة تاليا تمشي، يوسف يقعد يعذب نفسه. هو بيحبها هي؟ ولا بيحب شبح سارة اللي شايفه فيها؟
الليلة دي، بعد 8 شهور، فتح درج الكومودينو وطلع دفتر سارة. آخر صفحة كانت فاضية إلا من جملة واحدة بخطها المايل:
"يا يوسف، لو عيني غمضت، خلي تاليا تفتحها لك. هي الجزء اللي ناقصك... وأنا الجزء اللي هيكملكم. أوعدني تديها الشبكة بتاعتي وتقول لها: سارة اختارتك عشانك إنتي، مش عشاني أنا".
الشبكة كانت في العلبة القطيفة الزرقا تحت الدفتر. الدبلة اللي كان هيقدمها لها يوم الفرح.
يوسف مسك العلبة وإيده بتترعش. الوصية واضحة. سارة شايفة إن موتها مش نهاية... شايفاه بداية ليهم هما الاتنين.
تاني يوم الصبح رن على تاليا. صوته كان مبحوح:
"تاليا... ممكن نتقابل الساعة 6 المغرب؟ لوحدنا. فيه حاجة سارة وصتني أقولها لك".
تاليا سكتت ثانيتين على التليفون. وبعدين قالت بصوت واطي:
خير يايوسف فيه حاجه لما نتقابل هتعرفي
اغلقت تاليا الهاتف بستغراب اول مره بعدموت ساره تسمع
صوت يوسف مرتعش
وما هذه الوصيه التي وصت بها ساره قبل موتها
كانت تاليه تتقلب يمين ويسار لم تري عينها النوم الي ان اتي الصباحيتبع
الفصل الثاني من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا