
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
قالت في نفسها، وعيناها لا تزالان معلقتين به:
"Ce n’est que le début, Faris. Tu n’as encore rien vu de moi... Je te le jure, tu paieras pour ce que tu as fait à mon mari."
"هذه البداية فقط يا فارس... أنت لم ترَ مني شيئًا حتى الآن. أقسم لك... ستدفع ثمن ما فعلته بزوجي."
مسحت ميرال دموعها بطرف كفها، ثم التفتت. وما إن وقعت عيناها على والدتها الواقفة على بُعد خطوات، تنظر إلى فارس في صمت، حتى نهضت مسرعة.
التفتت والدتها إليها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، بالكاد ظهرت.
ركضت ميرال إليها، وارتمت بين ذراعيها وهي تبكي بانهيار، يرتجف جسدها من شدة خوفها على نور.
ضمتها والدتها إلى صدرها، وربتت على ظهرها في هدوء محاولة تهدئتها، بينما بقيت عيناها معلقتين بفارس، تراقبان كل انفعال يرتسم على وجهه.
نظر مؤمن إلى فارس بحزن بالغ. كان يتحدث إليه منذ دقائق، لكن فارس لم يكن يسمع شيئًا... كان غارقًا في عالمٍ آخر.
تنهد مؤمن، ثم أمسك بيده برفق.. التفت إليه فارس أخيرًا، فقال مؤمن بصوتٍ يملؤه الأسى:
"حاسس بيك يا صاحبي... الضنا غالي، وصعب قوي تشوف ابنك بالحالة دي... لكن ربنا قادر على كل شيء."
ظل فارس ينظر إليه لحظاتٍ بصمت، ثم حوّل بصره إلى باب غرفة نور، ومسح دموعه بظاهر يده، قبل أن تشتعل عيناه بشرارة انتقام، وقال بصوتٍ خرج من بين أسنانه:
"أقسم بالله العظيم... أيا كان مين اللي عمل في ابني كده، مش هرحمه... وهخليه يدفع التمن غالي أوي."
أومأ مؤمن برأسه، ثم قال بحزم:
"وده اللي هيحصل... لكن الأهم دلوقتي أنت يا فارس."
نظر إليه فارس باستفهام، فأكمل مؤمن، وعيناه تمتلئان بالدموع:
"ليك جلسات كيماوي، وإنت متأخر على معادها... ولازم تاخدها."
ابتسم فارس ابتسامة حزينة، ثم قال بصوتٍ منهك:
"وإيه الفايدة منها يا مؤمن، أنا خلاص... العلاج مبقاش جايب نتيجة."
قاطعه مؤمن بحدة، وقد اغرورقت عيناه:
"حتى لو كان... إحنا نعمل اللي علينا يا فارس. مفيش حاجة اسمها مستحيل."
هز فارس رأسه رافضًا، وانحدرت دموعه على وجنتيه، ثم قال بصوتٍ مكسور:
"آخد علاج مفيش منه فايدة ليه؟... ليه آخده وأتوجع بسببه؟... أنا يا مؤمن مبقتش قادر أستحمل وجعه... قولي، أتوجع ليه وهو ملوش فايدة؟"
همَّ مؤمن بالرد، لكنه توقف عندما لمح والدة ميرال تقترب منهما.
لاحظ فارس صمته، فالتفت إليها. توقفت أمامه مباشرة، فتلاقى بصرهما، وظل ينظر إليها بصمت، دون أن يظهر على وجهه أي تعبير.
ارتسم الحزن في عينيها، ولمعت الدموع بهما، ثم قالت بصوتٍ هادئ:
"La tristesse me brise le cœur, Faris... Il ira bien. Mon cœur souffre tellement pour lui... Dieu seul sait à quel point il m'est précieux, exactement comme Miral."
"لا تُرهق نفسك بالحزن يا فارس... سيصبح بخير. إن قلبي يتألم عليه كثيرًا... والله وحده يعلم كم هو غالٍ عندي، تمامًا مثل ميرال."
ظل فارس يحدق بها في صمت، دون أن يجيب.
تنحنح مؤمن، ثم قال بدلًا منه:
"Vous n'auriez pas dû vous donner cette peine pour venir... Miral est déjà là."
"لم يكن هناك داعٍ لأن تتعبي نفسك وتأتي... ميرال موجودة بالفعل."
هزت رأسها بحزن، وانسابت دمعة على خدها، ثم قالت:
"Comment veux-tu que je sache que mon fils est à l'hôpital, entre la vie et la mort, sans venir le voir ?"
"كيف تريدني أن أعلم أن ابني في المستشفى بين الحياة والموت، ولا آتي لرؤيته؟"
اكتفى مؤمن بهز رأسه، ثم نظر إلى فارس وقال بصوتٍ خافت:
"تعالى معايا."
ظل فارس ينظر إلى والدة ميرال طويلًا... نظرات غامضة، يصعب تفسيرها، قبل أن يسمح لمؤمن بجذبه بعيدًا.
تابعتهما والدة ميرال بعينيها حتى ابتعدا، ثم تنهدت ببطء.
وما إن اطمأنت أن أحدًا لا ينظر إليها، حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة خاطفة، سرعان ما أخفتها.
حولت بصرها إلى باب غرفة نور، وتمتمت بصوتٍ يفيض بالحزن المصطنع:
"Mon pauvre enfant..."
"يا حبيبي... يا بني."
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان معتز يجلس بجوار مرام على الفراش. كان جسدها موصولًا بالمحاليل وأكياس الدم، بينما يغطي قناع الأكسجين وجهها الشاحب الذي لم يعد يحمل أي أثرٍ للحياة.
مسح دمعة انزلقت على خده، ثم مد يده برفق، وأزاح خصلات شعرها الهزيلة عن وجهها، يتأمل ملامحها بصمت... كيف لم ينتبه طوال ذلك الوقت إلى أنها تشبهها؟ لقد كبرت... لكن ملامحها لم تتغير.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة، فأمسك يدها برفق، وقبّلها بحنان، ثم قال بصوتٍ خافت اختلط بالألم والحب:
"وعد مني... مش هخلي حد يقرب منك بعد النهارده... وهعوضك عن كل حاجة عشتيها... هخليكي تحبي الحياة وتعيشيها... هرجع النور والضحكة لملامحك من تاني... هرجع السعادة لقلبك... طول ما فيا نفس... هعيش بس عشان أسعدك يا نورهان."
طرق الباب، فدخلت تقي، ثم اقتربت منه. ألقت نظرة على مرام، ثم حولت بصرها إلى شقيقها، وقالت بهدوء:
"كنت لسه عند الدكتور دلوقتي."
اعتدل معتز في جلسته، وترك يد مرام برفق، ثم نهض ووقف أمام تقي، وقال بلهفة:
"قالك إيه؟... انطقي."
نظرت تقي إلى مرام للحظة، ثم أعادت نظرها إليه وقالت:
"سألني إذا كانت بتاخد أدوية مهدئة أو أي علاج من النوع ده."
انعقدت ملامحه باستغراب، وقال بقلق:
"ليه؟... بيسأل ليه؟ هو في حاجة؟"
هزت رأسها، ثم قالت بجدية:
"قال إن التحاليل اللي اتعملت لها بينت إن في مادة مهدئة أو مخدرة موجودة في جسمها بنسبة كبيرة."
اتجهت أنظار معتز إلى مرام، ثم عاد ينظر إلى تقي، وقال بقلق واضح:
"معرفش... بس دلوقتي هيعمل إيه؟ لو افترضنا إنها كانت فعلًا بتاخد الحاجات دي."
أجابته تقي بهدوء:
"هو دلوقتي هيركز على علاج الأنيميا الحادة اللي عندها بسبب النزيف المستمر، وكمان سوء التغذية، والمضاعفات اللي حصلتلها بعد الإجهاض. هيهتم بعلاج كل ده الأول، ولما حالتها تستقر وصحتها تتحسن... وقتها هيحدد هيتعامل مع الموضوع ده إزاي."
حول معتز بصره إلى مرام مرة أخرى، وامتلأت عيناه بالحزن، ثم سأل بصوتٍ خافت:
"طيب... مقالش هتفوق إمتى؟"
تنهدت تقي، ثم قالت بأسف:
"هي دلوقتي في غيبوبة مؤقتة... وقال إنه ميقدرش يحدد هتفوق إمتى في الوقت الحالي."
أومأ معتز برأسه في صمت، وظل ينظر إلى مرام وعيناه تغرورقان بالدموع.
راقبته تقي بحزن للحظات، ثم التفتت حولها باحثة بعينيها، وقالت باستغراب:
"هو لؤي راح فين؟... اختفى فجأة ومقاليش حاجة."
هز معتز رأسه نفيًا، وقال:
"لا... مشوفتوش."
عقدت تقي حاجبيها في حيرة، ثم أخرجت هاتفها واتصلت به... لكن لم يأتِها أي رد....
♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
حاول أن يلتقط أنفاسه، لكن جسده خانه. ترنح للحظة، ورفع يده المرتجفة إلى عنقه يحاول إيقاف الدم المتدفق بين أصابعه... إلا أن ساقيه لم تعودا تحملانه.
سقط أرضًا بعنف.
ظل الشخص المقنع واقفًا ينظر إليه بعينين حادتين، لا تحملان ذرة شفقة. وبعد لحظات، تقدم نحوه بخطوات هادئة حتى انحنى قليلًا، وأصبح وجهه مقابلًا لوجهه مباشرة، ثم قال بصوتٍ منخفض، خرج كالفحيح:
"ده عقاب أي حد يفكر... مجرد تفكر... إنه يأذي حد من عيلتي، أو حد يخصني."
حاول عصام أن يتكلم، لكن لم يخرج من فمه سوى صوتٍ مختنق، بينما كانت عيناه تتسعان رعبًا.
غرق جسده تدريجيًا في بركةٍ من الدماء.
ظل المقنع يحدق به للحظات، ثم رفع قناعه قليلًا، وبصق عليه باشمئزاز، قبل أن يعيد القناع إلى مكانه ويستدير مغادرًا.
تحرك بخفة واحترافية، كما دخل تمامًا... خرج من الغرفة، ثم من المنزل بأكمله، دون أن يراه أحد من حراس عصام.
بعد قليل...
عادت عمته من الخارج، تحمل حقيبة سفرها بيد، بينما تمضغ قطعة من اللبان بطريقة مستفزة، تُصدر بها فرقعات متتالية كسرت هدوء المكان.
توقفت ونظرت حولها باستغراب، ثم وضعت يدها على خصرها وقالت وهي تعقد حاجبيها:
"مال البيت هادي كده؟... غريبة يعني."
أغلقت باب الفيلا خلفها، ثم بدأت تصعد الدرج ببطء، تلهث بين كل عدة درجات بسبب وزنها الزائد، وهي تنادي بصوتٍ مرتفع:
"نسرين... إنتِ يا بت فين؟... تعالي شوفي جبتلك إيه معايا."
فتحت باب غرفتها، وألقت حقيبة السفر على السرير، ثم نظرت حولها.
لم تجد نسرين.
وقعت عيناها على زجاجة طلاء الأظافر ملقاة على الأرض، وقد انسكب محتواها بجوار السرير.
عقدت ملامحها باستغراب، وتمتمت:
"هي راحت فين دي كمان؟"
خرجت من الغرفة متجهة إلى غرفة عصام.. أمسكت بمقبض الباب، ثم دفعته ببطء.. وما إن وقع بصرها على الداخل...حتى اتسعت عيناها بفزع، وشحب وجهها في لحظة.
خرجت منها صرخةٌ مدوية هزت أرجاء المنزل.
تردد صدى صراخها في المكان، فركض الحراس من جميع الاتجاهات، تتعالى خطواتهم بسرعة، واتجهوا نحو غرفة عصام وهم لا يعلمون ما الذي حدث.
صرخت بهم جميعًا بصوتٍ جهوري اهتزت له أرجاء المكان، وقد احمر وجهها من شدة الانفعال، وانهمرت دموعها بغزارة وهي تنظر إلى ابن أخيها الغارق في دمائه، ثم صاحت فيهم بغلٍ وغضبٍ امتزجا بالخوف:
"إنتوا كنتوا فين يا بهايم؟!"
تبادل الحراس النظرات بصدمةٍ وارتباك، وتجمدت أقدامهم في أماكنهم. انعقدت ألسنتهم، ولم يجرؤ أحدٌ منهم على الرد، فقد كانت الصدمة تسيطر عليهم جميعًا، ولا أحد منهم يستوعب كيف حدث ذلك... ولا كيف تمكن أحد من الوصول إليه رغم الحراسة المشددة.
صرخت فيهم مرةً أخرى وهي تشير إليه بيدٍ مرتجفة، وصوتها يختنق بالبكاء:
"واقفين بتبصوا لي إيه؟! شيلوه بسرعة!"
انتفضوا جميعًا وكأن صرختها أعادت إليهم وعيهم، فأسرعوا نحوه بوجوهٍ شاحبة وأيدٍ مرتجفة، وحملوه بحذر، بينما كانت الدماء لا تزال تنساب من جرحه، ثم اندفعوا به خارج الفيلا بأقصى سرعة، متجهين إلى المستشفى...
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
نزل فارس خلف مؤمن بخطواتٍ ثقيلة ومتعثرة، كان يلتفت كل لحظة نحو الممر المؤدي لغرفة نور، وعيناه لا تفارقانها.
توقف فجأة، فسحب مؤمن يده من بين أصابعه والتفت إليه.. قال فارس بصوتٍ مختنق، يملؤه القلق :
"إنت واخدني على فين... أنا لازم أفضل جنب ابني... أفرض الدكتور قال حاجة؟ أنا لازم أكون هناك."
توقف مؤمن أمامه، ونظر إليه بضيقٍ امتزج بالحزن، ثم رفع إصبعه في وجهه بحزم وقال بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
"إنت هتكمل علاجك يا فارس... إنت سامع ولا لأ؟"
أغمض فارس عينيه لثوانٍ، ثم مسح وجهه بكفيه في إنهاك، وأطلق زفرةً طويلة قبل أن يقول بعناد:
"أنا مش هاخد أي حاجة يا مؤمن... ومحدش يقدر يجبرني أعمل كده."
حدق فيه مؤمن طويلًا، وارتجفت شفتاه وهو يحاول كبت دموعه، ثم رفع رأسه وقال بقوة:
"إنت لو مخدتش علاجك يا فارس..."
توقف لحظة، وابتلع غصته، ثم أكمل بحدةٍ وهو ينظر مباشرةً في عينيه:
"أنا هروح أقول لياسمين على كل حاجة."
اتسعت عينا فارس بصدمة، وتجمد مكانه، ثم هتف بصوتٍ مرتجف:
"إنت وعدتني... مش هتقول لحد."
تجمعت الدموع في عيني مؤمن، ولم يعد قادرًا على إخفاء ألمه، فقال بصوتٍ مرتفع اختلط بالحزن:
"لأ... هقول يا فارس. لو فضلت تعاند وترفض تاخد العلاج، هقول لياسمين... وحتى لابنك بعد ما يتحسن. هقول للكل يا فارس."
اهتزت شفتا فارس، وانحدرت دمعة على خده، ثم قال بصوتٍ مكسور:
"بتمسكني من إيدي اللي بتوجعني يا مؤمن... ده مكانش اتفاقنا."
أغمض مؤمن عينيه لحظة، وكأنه يتألم من كلماته أكثر من فارس نفسه، ثم مسح دموعه بظهر يده وقال بحزمٍ يخفي خلفه خوفًا شديدًا:
"وأنا مش هقف أتفرج عليك وإنت بتضيع مني، ومش عارف أعملك أي حاجة... آسف يا صاحبي، بس إنت لو مخدتش العلاج هعمل كده... وهقول لياسمين. وقتها يمكن هي تقدر تقنعك."
ظل فارس ينظر إليه بصمت، وعيناه ممتلئتان بالوجع والاستسلام، لكنه لم ينطق بحرف.
تنهد مؤمن بضيق، ثم أشار إليه بيده وقال بنبرةٍ آمرة:
"امشي قدامي... تاخد الجلسة، وبعدها نرجع لابنك."
ظل فارس ثابتًا في مكانه، لا يتحرك.. زفر مؤمن بقلة حيلة، ثم أمسكه من ذراعه بقوة وسحبه خلفه.
لكن ما إن استدار حتى اصطدم بشخصٍ يقف أمامه.. تراجع خطوة إلى الخلف وقال سريعًا:
"أنا آسف..."
ثم انقطعت كلماته فجأة، واتسعت عيناه بدهشة:
"إنت؟"
هز آدم رأسه بابتسامةٍ واسعة وقال بخفة:
"إزيك يا راجل يا طيب... شوف القدر جمعنا تاني."
ثم انتقل ببصره إلى فارس، فاتسعت ابتسامته أكثر، وظهرت الفرحة بوضوح على ملامحه، وقال بحماس:
"عمي فارس... أخبارك إيه؟ من زمان قوي مشوفتكش."
ثم اندفع نحوه واحتضنه بقوة.
ارتخت ملامح فارس لأول مرة منذ ساعات، وربت على ظهره بحنان، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باهتة يغلبها الإرهاق، ثم ابتعد عنه وقال بصوتٍ هادئ:
"بخير يا ابني... الحمد لله. إنت بتعمل إيه هنا؟"
تنهد آدم وقال بابتسامةٍ هادئة:
"مفيش... باجي كل فترة أتبرع بالدم لحد محتاج... أهو ناخد ثواب."
هز فارس رأسه بإعجاب، وقال بحنانٍ أبوي:
"ربنا يجازيك خير يا ابني."
كان مؤمن يتابع المشهد كله بعينين متسعتين من الدهشة، ثم عقد حاجبيه وقال مستغربًا:
"إنتوا تعرفوا بعض؟"
اتسعت ابتسامة آدم، ونظر إلى فارس بعينين امتلأتا بالامتنان، ثم قال بإخلاص:
"أعرفه؟... ده بمقام والدي. أنا لو لسه عايش وبتنفس لحد دلوقتي، فده بعد ربنا يرجع لعمي فارس... ليه جمايل كتير عليا، ومش عارف أردها له إزاي."
عقد مؤمن حاجبيه أكثر، بينما ربت فارس على كتف آدم برفق وقال بابتسامةٍ دافئة:
"إنت لسه قايل إني بمقام والدك... يبقى مفيش بينا الكلام ده."
نظر إليه آدم بابتسامةٍ امتزجت بالحزن والامتنان. كان يشعر مع فارس بذلك الحنان الذي طالما افتقده من والده.
رن هاتفه فجأة، فأخرجه من جيبه، ونظر إلى الشاشة، ثم قال معتذرًا:
"عن إذنكم."
ابتعد بخطواتٍ سريعة وهو يجيب على المكالمة.
ظل مؤمن يراقبه حتى اختفى من أمامه، ثم التفت إلى فارس وقال باستغراب:
"إيه حكاية الواد ده بالظبط؟ وإنت تعرفه منين؟ عمرك ما قولتلي عليه قبل كده."
نظر إليه فارس لثوانٍ بصمت، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ ساخرة يملؤها الأسى، وقال بهدوء:
"وهتفرق إيه يعني لو عرفته... وإنت مش عايزه أصلًا."
ضاقت ملامح مؤمن بعدم فهم، وقال بسرعة:
"قصدك إيه؟"
لكن فارس اكتفى بالنظر إليه لحظة، ثم استدار وأكمل سيره دون أن يجيبه.
ظل مؤمن واقفًا مكانه يحدق في ظهره، يعيد كلماته داخل رأسه مرةً بعد أخرى... وفجأة اتسعت عيناه، وتجمدت ملامحه بعدما فهم ما يقصده.
هز رأسه بعدم تصديق، وهمس لنفسه:
"معقول...؟"
ثم صاح بصوتٍ عالٍ وهو يركض خلفه:
"فارس... استنى! إنت لازم تفهمني مين ده!"
أسرع خلفه وهو يلهث، وأضاف بلهفةٍ امتزجت بالصدمة:
"اللي أنا فهمته صح؟... فارس، استنى... فهمني!"
توقف فارس أخيرًا، واستدار إليه ببطء. ظل ينظر إليه للحظات بعينين مرهقتين، ثم قال بهدوءٍ يخفي خلفه مكرًا خفيفًا:
"عايز تعرف مين؟"
توقف مؤمن أمامه وهو يلهث من أثر الركض، ثم هز رأسه سريعًا بالإيجاب، وعيناه معلقتان بفارس في انتظار إجابته.
أومأ فارس برأسه، ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"طيب... اختار حاجة من الاتنين. يا إما أقولك مين ده ومخدش الجلسة... وساعتها إنت لا هتقول لياسمين ولا لأي حد. يا إما آخد الجلسة... لكن مش هقولك مين هو."
اتسعت عينا مؤمن بدهشة، ثم أطلق ضحكةً قصيرة رغم ضيقه، وهز رأسه وهو يقول بابتسامةٍ خفيفة:
"بتعمل زيّي... وعايز تلوي دراعي؟"
ظل فارس يحدق فيه بصمت، دون أن تتغير ملامحه، وكأنه ينتظر قراره.
تنهد مؤمن بعمق، ثم زالت الابتسامة عن وجهه، وحل محلها حزمٌ واضح، وقال وهو ينظر مباشرةً في عينيه:
"وأنا... معنديش أهم منك يا فارس."
توقف لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ قاطعة لا تحتمل النقاش:
"هتاخد العلاج... يا إما هقول لياسمين."
انعقدت ملامح فارس بالذهول، وحدق فيه غير مصدق. كان يظن أن فضول مؤمن سيدفعه لاختيار معرفة حقيقة آدم، لكنه اختار حياته هو.
اقترب مؤمن خطوة، وربت على كتفه برفق، ثم قال بابتسامةٍ حزينة:
"امشي قدامي... مش عايز أعرف مين هو."
أغمض فارس عينيه في انزعاج، وأطلق زفرةً طويلة تدل على استسلامه.
ابتسم مؤمن بانتصارٍ خفيف، ثم أمسكه من ذراعه وسحبه معه وهو يقول بنبرةٍ آمرة امتزجت بالقلق:
"ويلا... وهتاخد الجلسة دلوقتي."
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
وقف المقنع أمام سيارته، ثم رفع يده ببطء ونزع القناع عن وجهه... ليظهر لؤي.
كان صدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ متسارعة، وعيناه لا تزالان تشتعلان غضبًا. رفع السكين الملطخة بدماء عصام أمام عينيه، وتأملها للحظات، ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه يحمل وعيدًا قاسيًا:
"ده أقل حاجة ممكن أعملها معاك... عشان تفكر ألف مرة بعد كده قبل ما تمس شعرة من حد يخصني."
أنزل السكين، ثم أخرج كيسًا أسود، ووضع بداخله السكين والقناع بعناية، وألقاهما داخل السيارة.
تنهد بعمق، ومد يده ليفتح باب السيارة ويغادر...لكنه تجمد في مكانه.
رفع بصره، فعقد حاجبيه بدهشة حين وجد حسن يقف أمامه مباشرة.
أغلق باب السيارة ببطء، ثم قال باستغراب:
"حسن؟"
ألقى نظرة سريعة حوله، ثم أعاد النظر إليه وقال بتعجب:
"إنت بتعمل إيه هنا؟... وفين العقربة أمك؟"
انفجر حسن في ضحكةٍ طفولية، وصفق بيديه بحماس، ثم قال بين ضحكاته:
"العقربة... هتلدغك دلوقتي."
عقد لؤي حاجبيه بعدم فهم، وكاد يسأله عما يقصد...لكن...ضربةٌ قوية هوت على مؤخرة رأسه.
اتسعت عيناه بصدمة، وانطلقت منه صرخة ألم مكتومة، بينما اندفعت يده تلقائيًا إلى مؤخرة رأسه.
ترنح جسده بعنف، وشعر بالأرض تدور من حوله، فسند كفه على السيارة محاولًا التماسك.
التفت بصعوبة إلى الخلف...فتجمدت عيناه.
كانت أسيل تقف خلفه، تمسك مسدسها بعدما ضربته بمؤخرته، وعلى شفتيها ابتسامةٌ مستفزة.
رفعت حاجبها بخبث، وقالت وهي تلوح له بيدها:
"مفاجأة."
حدق فيها لؤي غير مصدق، وقد انقبضت ملامحه بالغيظ واليأس.. تمتم بصوتٍ منخفض، يكاد يخرج بصعوبة من بين أسنانه:
"يا بنت الكلب..."
ولم يستطع إكمال شيءٍ آخر.. خذله جسده، وانطفأت نظراته، ثم سقط أرضًا فاقدًا للوعي.
اختفت الابتسامة عن وجه أسيل في اللحظة نفسها، وحل محلها الأسف. نظرت إليه طويلًا، ثم همست بصوتٍ خافت:
"أنا آسفة... بس معنديش طريقة تانية."
اقترب حسن منها بخطواتٍ صغيرة، وشد طرف ملابسها وهو يسأل بقلقٍ طفولي:
"ماما... هو كده مات؟"
انخفضت حتى أصبحت في مستواه، وربتت على خده بحنان، ثم قالت بابتسامةٍ مطمئنة:
"لأ يا قلب ماما... هو هينام شوية، وهيصحى."
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه حسن، ثم قال بلهفةٍ بريئة:
"طيب... إحنا هنعمل بيه إيه دلوقتي؟"
سكت لحظة، ثم أضاف بحماسٍ شديد:
"أقولك؟ أنا عايز أقطعه حتت... وأفرمه... وأرميه لكلاب السكك."
انفجرت أسيل ضاحكة من قلبها، ثم هزت رأسها وهي تسأله بمرح:
"طيب... عايز تعمل فيه كده ليه؟"
اختفت ابتسامته فجأة، وانعقدت ملامحه بالغضب، وقال بصوتٍ حزين:
"عشان زعق فيكي آخر مرة... ومسك إيدك جامد ووجعك... وأنا أي حد يوجعك... أشيله من على وش الأرض."
لانت ملامح أسيل، وامتلأت عيناها بالحنان، فجذبته إلى صدرها، واحتضنته بقوة، ثم قبلت رأسه وهي تبتسم:
"يا بطلي إنت."
وبعد لحظات، رفعت رأسها، وانتقلت نظراتها إلى لؤي الممدد على الأرض.
اختفت ابتسامتها تدريجيًا، وغرقت ملامحها في شرودٍ عميق، بينما ظلت تحدق فيه بصمت، تفكر في الخطوة التالية....
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
امتدَّ فارس على الفراش بعدما قاست له الممرضة ضغط الدم والنبض ودرجة الحرارة، لتتأكد أن حالته تسمح ببدء جلسة العلاج الكيماوي.
كان الإرهاق مرسومًا بوضوح على وجهه، وشحوب بشرته يزداد أكثر من المعتاد. عيناه غائرتان، تحملان من التعب ما يفوق قدرة الجسد على الاحتمال.
اقتربت الممرضة بهدوء، عقَّمت ظهر يده، ثم غرست الإبرة في وريده برفق، وثبتتها بشريطٍ طبي، قبل أن توصلها بالأنبوب الرفيع المتصل بكيس المحلول المعلَّق أعلى الحامل المعدني.
بدأت القطرات تنساب ببطء داخل وريده...
في البداية لم يشعر إلا ببرودةٍ خفيفة، لكنها تحولت إلى حرقانٍ لاذع امتد على طول ذراعه.
انقبض فكُّه بقوة، وبرزت عضلاته من شدة التوتر، بينما تشبثت أصابعه بحافة الفراش حتى ابيضَّت مفاصلها. خرج زفيرٌ متقطع من بين أسنانه، وأغمض عينيه محاولًا كتم التأوه الذي كاد يفضحه.
لاحظت الممرضة انقباض ملامحه، فانحنت نحوه وسألته بهدوء عن موضع الألم، ثم خففت سرعة المحلول قليلًا، لكن الإحساس الحارق لم يختفِ، بل ظل يزحف داخل وريده مع كل قطرةٍ تهبط من الكيس.
كان مؤمن يجلس إلى جواره، يراقبه بصمت، وقلبه ينقبض مع كل ارتجافةٍ تظهر على وجه صديقه. غامت عيناه بالحزن، لكنه أخفى ألمه حتى لا يزيد حمل فارس.
أنهت الممرضة ما بيدها، ثم قالت بهدوء:
"هعدي عليكم كل شوية أطمن عليك."
أومأ لها فارس بصعوبة، ثم غادرت الغرفة.. اقترب مؤمن أكثر، وجلس بجواره، وربت على يده برفق.. فتح فارس عينيه ببطء، والتقت نظراتهما.
قال مؤمن بصوتٍ خافت اختنق بالحزن، وهو يحاول أن يرسم ابتسامةً مطمئنة:
"متخافش... خلي أملك في ربنا كبير... هتخف وهتبقى كويس."
ظل فارس ينظر إليه للحظات دون أن ينطق.
ثم أدار وجهه قليلًا، وأغمض عينيه من جديد، وانزلقت دمعة ساخنة على خده في صمت. لم يعد جسده يحتمل مزيدًا من الألم.
مرَّت الساعات بطيئةً وثقيلة...
كان مؤمن يغادر الغرفة بين الحين والآخر، يصعد إلى الطابق الذي يرقد فيه نور، يطمئن عليه، ثم يعود سريعًا إلى فارس، لا يريد أن يترك أحدهما وحده.
وما إن انتهت الجلسة، حتى نزعت الممرضة الإبرة برفق، وضغطت بقطعة قطن على موضعها.
حاول فارس النهوض...
استند بكفيه إلى طرف الفراش، ودفع جسده للأعلى بصعوبة، لكن ما إن وقف حتى خانته ساقاه للحظة، وترنح في مكانه.
اجتاحه دوارٌ حاد، وغامت الرؤية أمام عينيه، بينما ارتفع الغثيان إلى حلقه بقوة.
أغلق عينيه سريعًا، ومد يده يتشبث بالحائط قبل أن يسقط.
اسرع مؤمن نحوه، وأمسكه من ذراعه يسنده بقلق، لكن فارس توقف فجأة، وانقبضت ملامحه أكثر، ووضع يده على فمه وهو يحاول مقاومة الغثيان.
كانت الممرضة تراقبه، فتقدمت خطوة وقالت بهدوء وهي تشير إلى أحد الأبواب:
"في حمام هنا."
لم يستطع الرد.
اكتفى بإيماءةٍ خفيفة، ثم اتجه بخطواتٍ متثاقلة نحو الحمام، وأغلق الباب خلفه.
استند بكلتا يديه إلى حافة الحوض، وما إن انحنى حتى تقيأ بعنف.
ارتجف جسده مع كل مرة، وانقطعت أنفاسه، ثم فجأة سالت قطراتٌ من الدم الدافئ من أنفه، لتسقط داخل الحوض.
ظل منحنياً لثوانٍ طويلة، يلهث بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط بعنف.
قبض على حافة الحوض حتى برزت عروق يديه، وأغمض عينيه بقوة، بينما انزلقت دموعٌ صامتة من بين أهدابه من شدة الألم الذي أنهك جسده.
فتح صنبور المياه، وغسل وجهه ببطء، ثم مسح الدم عن أنفه، وظل للحظات يحدق في انعكاسه داخل المرآة.
كان وجهه شاحبًا بصورةٍ مخيفة... وعيناه غارقتين في التعب.
أطلق زفيرًا طويلًا ، ثم تماسك بصعوبة وخرج من الحمام.. ما إن رآه مؤمن حتى أسرع إليه، وأحاطه بذراعه يسنده.
تأمله بقلق، ثم سأله بصوتٍ امتزج بالحزن والخوف:
"إنت كويس؟"
لم يلتفت إليه فارس...ظل صامتًا، وعيناه معلقتين بالأرض، لم يعد قادراً حتى على الكلام.
تنهد مؤمن بحزن، ولم يكرر سؤاله.
اكتفى بإحكام ذراعه حوله، ثم أخذه معه ببطء، وغادرا المكان ....
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
بعد فترة...
تحركت ملامح نور ببطءٍ شديد، وارتعشت أهدابه قبل أن يحاول فتح عينيه.
قاومه الضوء الأبيض المسلط فوقه، فانكمشت عيناه تلقائيًا، وأعاد إغلاقهما لثوانٍ، قبل أن يحاول مرةً أخرى.
احتاج إلى عدة لحظات حتى اعتادت عيناه على الإضاءة، وبدأت الرؤية تتضح تدريجيًا.
رمش ببطء، وأخذ يتأمل السقف، ثم حرَّك عينيه بصعوبة حوله.
كان جسده لا يزال موصولًا بالأجهزة، وصوت جهاز مراقبة نبضات القلب يتردد بانتظام داخل الغرفة، بينما غطى قناع الأكسجين نصف وجهه، وكل نفسٍ كان يخرجه يبدو شاقًا ومؤلمًا.
حرك رأسه ببطء شديد، التفت إلى جواره...فتوقفت عيناه على فارس.
كان يجلس بجانب الفراش، منحني الظهر، وقد أسند رأسه فوق ذراعيه الموضوعتين على حافة السرير، وغلبه النوم من شدة الإرهاق.
بدت ملامحه مرهقة بصورة مؤلمة... شاحب الوجه، وعيناه غائرتان حتى وهو نائم، وكأن التعب والحزن سرقا منه سنواتٍ من عمره في ليلةٍ واحدة.
ظل نور ينظر إليه طويلًا، وامتلأت عيناه بحزنٍ صامت.. حاول تحريك أصابع يده...ارتجفت في البداية، ثم رفع يده ببطءٍ شديد، حتى وصلت إلى يد والده.
وضع كفه فوقها برفق، وضغط عليها ضغطًا خفيفًا، ثم همس بصوتٍ متحشرج، بالكاد يُسمع من شدة ضعفه:
"بابا..."
لكن فارس لم يتحرك.. كان غارقًا في نومٍ ثقيل فرضه عليه الإرهاق، والخوف، وجلسة العلاج التي أنهكت جسده بالكامل.
انتظر نور لحظات...وحين لم يجد أي استجابة، ارتخت أصابعه ببطء، وسحب يده في هدوء.
أغمض عينيه بقوة، وانعقدت ملامحه بألمٍ حاد عندما شعر بوخز الجرح مع أقل حركة.
أخذ نفسًا متعبًا من خلال قناع الأكسجين، ثم فتح عينيه مرةً أخرى.. حاول أن يسترجع ما حدث...تتابعت الذكريات أمامه واحدةً تلو الأخرى.
ركوب خديجة السيارة...حديثهما...ثم الهجوم...أصوات الرصاص...واللحظة التي اخترقت فيها الرصاصة جسده...تشنجت ملامحه للحظة، وأغمض عينيه من جديد.
لكن فجأة...تسلل إلى ذاكرته شيءٌ آخر.شيءٌ لم يكن حلمًا...ولا وهمًا.. كان يسمعها...كان يسمع كل كلمة قالتها وهي تبكي فوق رأسه.
بدأ صوتها يتردد داخل عقله بوضوح، وكأنها تقف بجواره الآن.
"لو سامعني... رد عليّا... أو افتح عينيك... متسبنيش."
"أنا مش هقدر أعيش من غيرك..."
"سألتني قبل كده إذا كان كلام بابا صح ولا لأ..."
"أيوه... كان صح."
"أنا بحبك يا نور... بحبك."
"ومش هقدر أعيش من غيرك... هموت لو جرالك حاجة."
"إنت سامعني؟... أوعى تسيبني... أوعى تغمض عينك... أنا مش هسمحلك تبعد عني... ومش هسمحلك تسيبني... فاهم؟"
اتسعت عيناه فجأة.. تسارعت أنفاسه خلف قناع الأكسجين، وحدق أمامه بذهول، بينما كانت كلماتها تتردد داخل أذنيه مرةً بعد أخرى.
"أنا بحبك يا نور..."
ارتعشت حدقتاه، ولمعت عيناه بصدمةٍ لم يستطع إخفاءها.
أكان ما سمعه حقيقيًا...؟
أم أن الموت كان ينسج له أوهامًا في لحظاته الأخيرة؟
الفصل الثلاثون30
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
"بحبك يا نور..."
أغمض نور عينيه ببطء، بينما ترددت كلماتها داخل رأسه مرةً أخرى.
هل ما سمعه كان حقيقيًا...؟
هل كانت خديجة تعترف له بحبها فعلًا...؟
ارتسمت على ملامحه دهشة ممزوجة بحيرةٍ عميقة، ثم رفع يده بصعوبة، وفرك عينيه بإرهاق.
ضاق نفسه خلف قناع الأكسجين، فرفع يده المرتعشة محاولًا نزعه، لكنه ما إن حرّك جسده قليلًا حتى انطلق ألمٌ حاد من موضع إصابته، فشهق بصوتٍ مكتوم، وانعقد حاجباه بقوة، وأغمض عينيه وهو يضغط على أسنانه متحملًا الوجع.
في تلك اللحظة...فتح فارس عينيه ببطء، ثم رفع رأسه عن ذراعيه، ومسح وجهه بكفيه في محاولة لطرد آثار الإرهاق.
رفع بصره ...فتجمد مكانه... حدق في نور طويلًا، وكأنه لا يصدق ما تراه عيناه.
رمش عدة مرات متتالية، ثم اتسعت عيناه شيئًا فشيئًا، وارتجفت شفتاه، بينما امتلأت عيناه بالدموع.
نهض من مكانه بسرعة حتى كاد يتعثر، واقترب من نور بخطواتٍ مرتبكة، ثم انحنى نحوه وهو يحدق في وجه ابنه، وكأنه يخشى أن يختفي إن أبعد عينيه عنه.
انسابت دموعه دون أن يشعر بها، وقال بصوتٍ مرتجف اختلطت فيه الفرحة بالخوف:
"نور... أخيرًا صحيت يا بني... قولي حاسس بحاجة؟ أنادي الدكتور؟... اتكلم... طمني عليك."
نظر إليه نور بعينين مرهقتين، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، أراد بها أن يطمئن قلب والده. وقال بصوتٍ ضعيف ومتعب:
"اطمن يا بابا... أنا كويس."
تهدجت أنفاس فارس، ولم يستطع السيطرة على نفسه.
انحنى نحوه بحذر، واحتضنه برفق شديد، كأنه يخشى أن يؤلمه، ودفن وجهه عند كتفه، بينما كانت دموعه تنهمر بحرارة.. قال بصوتٍ مبحوح من شدة البكاء:
"قلب أبوك من جوه."
ابتعد قليلًا، ثم قبل رأسه بحنان، ومرر أصابعه بين خصلات شعره برفق، وظل يتأمل ملامحه طويلًا، يشبع عينيه من وجهٍ ظن أنه أوشك أن يفقده إلى الأبد.
رفع نور يده بصعوبة، وأمسك يد والده، وضغط عليها برفق، ثم قال محاولًا أن يبدو أقوى مما يشعر:
"متقلقش... ابنك وحش... مبيستسلمش مهما حصل... ولا حد يقدر عليه غير اللي خلقه."
ابتسم فارس رغم دموعه، وأخذ يهز رأسه عدة مرات، بينما كان يمسح دموعه بظهر كفه.
ساد الصمت للحظات...ثم تحركت عينا نور بقلق، وقال على الفور:
"خديجة فين...؟ هي كويسة حد عملها حاجة؟"
لاحظ فارس اللهفة التي ارتسمت على ملامحه، فربت على يده مطمئنًا وقال بهدوء:
"اطمن... هي كويسة... مفهاش أي حاجة."
هز نور رأسه.... وأرخى رأسه قليلًا على الوسادة.
نهض فارس وهو يمسح بقايا دموعه، ثم قال بابتسامة يغلبها الفرح:
"هرن على ياسمين أطمنها... دي هتموت من الخوف عليك... وهجيب الدكتور عشان يطمن عليك وأجي."
أومأ نور برأسه بابتسامة خفيفة.. خرج فارس من الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
أطلق نور زفيرًا طويلًا، ثم رفع عينيه إلى سقف الغرفة، وأغمضهما للحظات، بينما كان التعب ينهش كل جزءٍ في جسده.
لم تمضِ سوى دقائق...حتى سُمع طرقٌ خفيف على الباب.. انفتح الباب ببطء...ودخلت ميرال.
أغلقت الباب خلفها، ثم التفتت نحوه.. توقفت مكانها.
اتسعت عيناها، وارتجفت شفتاها، وكأنها لم تستوعب أنه مستيقظ بالفعل.
تلاقت عيناهما...وفي اللحظة التالية ركضت نحوه دون تردد.
كانت دموعها تنهمر بغزارة، وأنفاسها متقطعة من شدة البكاء.
ارتمت بين ذراعيه، واحتضنته بقوة، غير عابئة بالأجهزة الموصولة بجسده، وهي تبكي بحرقة حتى ارتجف جسدها بين يديه.
قالت بصوتٍ مرتجف:
"كنت هموت من خوفي عليك... لو كان جرالك حاجة كنت هموت نفسي وراك... أنا مقدرش أعيش من غيرك."
ابتسم نور رغم الألم الذي مزق صدره من شدة العناق.
رفع ذراعه بصعوبة، وربت على ظهرها بحنان، وأغمض عينيه للحظة من الوجع، ثم قال بصوتٍ خافت امتزج بالتعب والدفء:
"وأنا ميهنش عليا أسيبك لوحدك... وردتي."
ابتعدت عنه، وجلست بجواره فوق الفراش.
ظلت تتأمل وجهه طويلًا، وكأنها تريد أن تحفظ كل تفاصيله بعينيها، بينما لم تتوقف دموعها عن الانهمار.
رفع نور يده ببطء شديد، ومد أصابعه المرتجفة إلى وجنتها.
مسح دموعها برفق، وأزاح خصلةً من شعرها التصقت بوجهها بسبب البكاء، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
"خلاص بقى... مش عايز أشوف دموعك دي تاني... أنا كويس... قدامك أهو."
ابتسمت وسط دموعها، لكنها لم تستطع الرد.. اكتفت بأن أمسكت يده بكلتا يديها، وضمتها إلى قلبها، وكأنها تخشى أن يفلت منها مرةً أخرى..
ثم صمتت ميرال للحظات...
أنزلت يده برفق، واختفت ابتسامتها تدريجيًا، وحل محلها حزنٌ عميق امتزج بعتابٍ مؤلم.
لاحظ نور تبدل ملامحها، فعقد حاجبيه باستغراب، وظل يتأمل عينيها اللتين امتلأتا بالدموع، ثم سألها بصوتٍ هادئ متعب:
"مالك؟"
رفعت بصرها إليه، وحدقت في عينيه طويلًا، ثم قالت بصوتٍ مرتجف اختلط فيه الضيق بالألم:
"إنت بتعمل في نفسك وفيا كده ليه؟"
ازداد انعقاد ملامحه، ونظر إليها بعدم فهم، ثم قال وهو يزفر بتعب:
"ميرال... وضحي كلامك... أنا معنديش طاقة أفكر في أي حاجة دلوقتي... اتكلمي على طول."
أطرقت رأسها للحظات، وأخذت نفسًا مرتجفًا، ثم رفعت عينيها إليه مجددًا، وقد انزلقت دمعة على خدها.
قالت بصوتٍ مبحوح:
"إنت إيه اللي خلاك أصلًا تروح تقابل خديجة؟... لا وكمان تضحي بحياتك مرتين عشانها... طيب وأنا يا نور؟... مش بعتلي وكان بينا معاد؟... وفجأة يجيلي اتصال وو..."
خانها صوتها، وتوقفت بعدما غلبتها شهقة بكاء.
وضعت يدها على فمها تحاول كتم انهيارها، لكنها لم تستطع... ثم أكملت وسط دموعها:
"ويوصلني خبر إنك... إنك خلاص مبقتش موجود... وسبتني."
اهتز جسدها من شدة البكاء، وارتفع صوتها دون أن تشعر، وقالت بانفعال امتزج بالخوف الذي عاشته:
"أنا حسيت بروحي بتطلع مني لما سمعت كده... أنا حرفيًا كنت هموت من غيرك."
ظل نور ينظر إليها بصمت، وامتلأت عيناه بالأسف.. رفع يده ببطء، رغم الألم الذي اجتاح كتفه، ووضع كفه على خدها برفق.
مسح دموعها بإبهامه، ثم قال بصوتٍ دافئ يحمل اعتذارًا صادقًا:
"حقك عليا... بس صدقيني... اللي حصل ده مكنش متوقع... حصل فجأة."
أنزل يده ببطء، ثم قال بجدية، ونبرة صوته أصبحت أكثر هدوءًا رغم الإرهاق الواضح عليه:
"وكنتي عايزاني أعمل إيه يعني؟... أسيبهم يخطفوها ويقتلوها؟... متنسيش إني ظابط، ومن واجبي أحمي اللي حواليا... لو كان أي حد مكان خديجة، كنت هعمل معاه نفس اللي عملته."
أشاحت ميرال بوجهها بعيدًا.
أغمضت عينيها وهي تحاول إقناع نفسها بكلامه، ثم مسحت دموعها بكفها سريعًا، وعادت تنظر إليه بعينين حمراوين من كثرة البكاء.
قالت بصوتٍ خافت، لكنه لم يخلُ من الغيرة:
"وإنت روحتلها ليه أصلًا؟... تقابلها ليه؟... مش سبت القضية وشغلك معاها خلص؟... يبقى بينك وبينها إيه تاني؟"
أغمض نور عينيه بضيق، وكأن السؤال استنزف ما تبقى من طاقته.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح عينيه ونظر إليها مباشرةً، وقال بنبرة امتزج فيها الضيق بالتعب:
"إنتِ ليه دايمًا دماغك رايحة لحتة تانية؟... أنا وخديجة مفيش بينا أي حاجة... افهمي بقى."
توقف للحظة، وانقبضت ملامحه فجأة من الألم، فوضع يده على موضع إصابته، وأغمض عينيه لثوانٍ حتى هدأ الوجع، ثم أكمل بصوتٍ منخفض:
"شيلي الأفكار دي من دماغك... قابلتها عشان كانت عايزاني أخرج أبوها من السجن... بس... مفيش حاجة أكتر من كده."
ظلت ميرال تحدق فيه طويلًا.
كانت عيناها لا تزالان ممتلئتين بالدموع، لكنها أومأت برأسها ببطء، محاولةً أن تقنع نفسها بكلامه، رغم أن شيئًا داخلها لم يهدأ بعد.
وفي تلك اللحظة...انفتح الباب بهدوء.. دخل فارس يتقدمه الطبيب.
ما إن وقع بصر الطبيب على نور حتى ارتسمت ابتسامة ارتياح على وجهه، وقال بنبرة مرحة وهو يقترب منه:
"حمد الله على سلامتك يا حضرة الظابط."
بادلَه نور ابتسامةً باهتة، وقال بصوتٍ منهك:
"الله يسلمك."
نهضت ميرال بهدوء، وابتعدت خطوة إلى الخلف لتفسح للطبيب المجال.
اقترب الطبيب من السرير، وبدأ يفحص نور، بينما وقف فارس يراقب المشهد في صمت.
ثم تحولت عيناه ببطء نحو ميرال.. ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة.
كانت ملامحه هادئة، لكن عينيه حملتا ضيقًا واضحًا وعدم ارتياح لم يستطع إخفاءه.
لا يعلم لماذا...فهي لم تفعل أمامه شيئًا سيئًا قط.. ومع ذلك...
كان هناك إحساس داخله يخبره ألا يطمئن لوجودها في حياة ابنه.
شعرت ميرال بنظراته.. التفتت إليه للحظة، فتلاقت عيناهما.. لاحظت البرود والريبة في نظرته، فانقبض قلبها.
أخفضت رأسها في هدوء، وأبعدت بصرها عنه، ثم عادت تنظر إلى نور، متجاهلةً تلك النظرات التي أصابتها بالضيق.
وفي الخارج...اقتربت والدة ميرال من باب الغرفة بخطواتٍ هادئة.
توقفت أمام الزجاج الصغير في الباب، وعقدت ذراعيها وهي تراقب الطبيب يفحص نور.
ضاقت عيناها قليلًا.. لم تكن تتوقع أبدًا أن ينجو...بعد كل ما تعرض له، كانت تظن أن موته أصبح أمرًا محسومًا.
أطلقت زفيرًا بطيئًا يحمل خيبةً واضحة، ثم أدخلت يديها داخل جيبي معطفها، ورفعت رأسها بثقة.
وببطء...ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ شيطانية باردة، بينما لمعت عيناها بنظرةٍ تنذر بأن ما حدث لم يكن سوى بداية ما تخطط له.
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان لؤي مُقيَّدًا على كرسي، يشدّ ذراعيه بين الحين والآخر محاولًا التخلّص من القيود، بينما كانت عضلات فكه تنقبض من شدّة الغيظ.
في المقابل، كانت أسيل تجلس بكل هدوء على كرسي، تعقد ساقًا فوق الأخرى، وترتكز بمرفقها على ذراع المقعد، وعلى شفتيها ابتسامة مستفزة لا تفارقها. وإلى جوارها وقف ابنها الصغير حسن، يراقب لؤي بنظرات متحفزة.
هتف لؤي بغضب، وصوته يخرج محتقنًا:
"إنتِ عايزة مني إيه يا بت إنتِ؟!"
قطّب حسن حاجبيه، ثم اندفع نحوه وضربه على وجنته بكفه الصغيرة، وصاح بصوت طفولي غاضب:
"اسمها الهانم... وإنت بتتكلم مع الكوبرا اتكلم باحترام يا قليل الأدب!"
استدار لؤي إليه ببطء، واحمرّت عيناه من شدة الغضب، ثم انفجر صارخًا بصوت دوّى في المكان:
"ولاااااا!"
انتفض حسن فزعًا، واتسعت عيناه، فتراجع للخلف عدة خطوات لا إراديًا، وهو يختبئ خلف والدته.
اختفت ابتسامة أسيل في الحال، ونهضت بهدوء، ثم تقدمت حتى وقفت أمام لؤي مباشرة. قبضت على ياقة ملابسه بعنف، وجذبته نحوها حتى أصبحت المسافة بين وجهيهما لا تُذكر، ثم قالت بنبرة منخفضة لكنها حادة:
"لما تيجي تتكلم مع ابن الكوبرا... اتكلم بأسلوب أحسن من كده... عشان مزعلكش."
بادلها لؤي النظرات بتحدٍ، وقال من بين أسنانه:
"فكيني... وأنا هوريكي هعمل فيكي وفي ابنك إيه... هو إنتوا حايبين تهزقوني هنا ولا إيه؟!"
تركته، ثم سحبت الكرسي وجلست أمامه من جديد، وكأن شيئًا لم يحدث، وقالت بهدوء:
"نتفق الأول... بعدين هفكك."
رفع حاجبًا بسخرية، وضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم قال:
"نتفق؟! وأتفق معاكي إنتِ ليه وعلى إيه أصلًا؟! أنا مش عايز أشوف خلقتك تاني... ده أنا من ساعة ما شوفتك والمصايب بتتحدف عليّا!"
ضحكت أسيل بخفة، وهزت رأسها قائلة:
"مصايب؟... هو إنت لسه شوفت حاجة؟"
زفر لؤي بعنف، وهز القيود في محاولة يائسة لفكها، ثم صاح بانفعال:
"يعني هيحصلي إيه أكتر من اللي أنا فيه دلوقتي؟! فكيني يا بت... بدل ما ورب الكعبة هندمك على اليوم اللي اتولدتي فيه... مش أنا اللي يتعمل فيا كده."
صمتت للحظات، ثم اعتدلت في جلستها، واختفت ملامح المزاح تمامًا، وقالت بجدية:
"اهدى بس كده... وخلينا نتكلم في المفيد."
هتف لؤي وهو يضغط على كلماته:
"فكيني الأول!"
رفعت سبابتها أمامه وهي تهزها بالنفي، وقالت بابتسامة صغيرة:
"تؤ... تؤ... تسمعني الأول، وبعدها نتفق... وساعتها هفكك."
أغمض لؤي عينيه لثوانٍ، ثم رفع رأسه إلى السقف وهو يتمتم بضيق:
"صبرني يا رب..."
أعاد نظره إليها، وقال بنفاد صبر:
"خلصي... عايزة تتنيلي تقولي إيه؟"
اقترب حسن مرة أخرى، ووضع يديه في خصره، وقال بعصبية طفولية:
"مقولنا اتكلم عدل!"
رمقه لؤي بنظرة نارية، وقال بحدة:
"اخرس يلااا!"
شهق حسن، وتراجع للخلف مجددًا وهو يضم شفتيه بضيق، بينما تجاهله لؤي وأعاد بصره إلى أسيل، ينتظر حديثها.
تنهدت أسيل بعمق، ثم قالت بنبرة جادة:
"لازم نشتغل مع بعض... لأن هدفنا واحد. أنا هتخلص من طليقي، وإنت هتتخلص من الناس اللي بيطاردوك. إنت لحد دلوقتي مشفتش منهم أي حاجة... بس اللي جاي هيخرب عليك حياتك إنت وكل اللي تعرفهم... لأنهم مش هيسيبوك في حالك."
هدأت ملامح لؤي قليلًا، وحلّ محل الغضب شيء من الحيرة، ثم قال:
"افهم الأول... هم عايزين مني إيه؟ أنا معرفهمش... ولا أذيت حد فيهم."
هزت رأسها ببطء، وقالت:
"أنا معرفش بالظبط هم عايزين منك إيه... لأن دي أسرار مش أي حد شغال معاهم يقدر يعرفها. هم بيدوا معلومات وأوامر... والمطلوب مننا ننفذ وبس. وأنا كان مطلوب مني أوقعك وأسلمك ليهم... إنما ليه؟ وعشان إيه؟ ده اللي مقدرتش أعرفه. لكن اللي عرفته إنهم عايزينك في حاجة خطيرة... ومش هيسيبوك غير لما تعمل اللي هم عايزينه."
ظل لؤي صامتًا للحظات، وعيناه تدرسان ملامحها، ثم قال بشك:
"وإنتِ بقى دلوقتي بتساعديني ليه؟ مش كان هدفك تسلميني ليهم زي ما قولتي؟"
انخفض بصرها للحظة نحو حسن، ثم رفعت عينيها إليه مجددًا وقالت بهدوء:
"آه... كان هدفي أوصلك ليهم. إنما لما لقيتهم هيدخلوا ابني في الحوارات دي... قررت أنسحب. أنا معنديش أغلى من ابني."
ساد الصمت للحظات، قبل أن يسألها لؤي بنبرة أخف:
"وإنتِ أصلًا طالما مش طايقة طليقك... اشتغلتي معاه ليه من الأول؟"
تصلبت ملامحها، واختفت نظراتها الواثقة للحظة، ثم قالت بصوت خافت امتزج بالغضب:
"ماسك عليّا ملفات... وفيديوهات الوسخ كان بيصورها من غير ما أعرف. وبالملفات اللي معاه يقدر يوديني في ستين داهية... لكن خلاص... مبقتش خايفة من ولا حاجة من دول. مبقاش في حاجة تهمني غير مستقبل ابني."
ظل ينظر إليها مفكرًا، ثم نقل بصره إلى حسن، قبل أن يعود إليها ويسأل:
"والملفات دي فيها إيه؟"
تبدلت ملامحها في لحظة، وضاقت عيناها، وقالت بحدة واضحة:
"ملكش دعوة... دي حاجة تخصني. المهم دلوقتي... هساعدك تتخلص منهم، وبالمقابل تساعدني أتخلص منه... وآخد الملفات والفيديوهات اللي معاه."
رفع لؤي حاجبًا باستهجان، وأمال رأسه قليلًا إلى الجانب، بينما كانت عيناه تضيقان بحدة، ثم قال بصوتٍ جاف :
"طيب لو رفضت إني أساعدك، ومش عايز أي مساعدة منك؟ أنا أقدر أحمي نفسي منهم، ومش هيعرفوا يعملولي أي حاجة."
ابتسمت أسيل بسخرية، وأراحت ظهرها على المقعد، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بثقة:
"بتحلم يا لؤي... لأنك قبل ما تفكر تتخلص منهم إزاي، هيكونوا هما خلصوا عليك... وعلى كل اللي تعرفهم."
ظل لؤي يحدق فيها بصمت، وانقبض فكه بقوة، بينما راحت عيناه تتحركان فوق ملامحها وكأنه يحاول كشف ما تخفيه.
نهضت أسيل بهدوء، وأخرجت هاتفها من جيبها، ثم لوّحت به أمامه وهي تقول بخبث:
"على كل حال... أنا عارفة ومتأكدة إنك هترفض تشتغل معايا، فعملت حسابي... بص كده."
فتحت مقطع الفيديو، ثم قربت الشاشة منه.. ما إن وقع بصر لؤي عليها حتى اتسعت عيناه بصدمة، وتجمدت ملامحه تمامًا.
كان الفيديو يُظهره بوضوح وهو يقتحم غرفة عصام و يذبحه.
رفع رأسه إليها ببطء، وما زالت الصدمة مرسومة على وجهه.
أغلقت الهاتف، ثم قالت وهي تراقب ردّة فعله:
"إنت لو مساعدتنيش... أنا هوديك في ستين داهية. خصوصًا بقى إن عصام لسه عايش، وهيعمل أي حاجة عشان يوصل للي عمل فيه كده. إنت غبي... ليه مخلصتش عليه؟"
اشتعلت نظرات لؤي بالغضب، وهتف بانفعال، وقد ارتفع صوته:
"أولًا... أنا قاصد إنه ميموتش! أنا عارف كويس أنا بعمل إيه. هدفي أعلّم عليه وبس... كل ما يشوف نفسه في المراية يفتكرني ويترعب مني... الموت رحمة ليه، وأنا مش هرحمه."
توقف ليلتقط أنفاسه، ثم عاد ينظر إليها بعينين تشتعلان شررًا، وقال بانفعال أشد:
"وبعدين... إنتِ صورتيني إزاي؟! جبتي الفيديو ده منين؟!"
ارتسمت على شفتيها ابتسامة واثقة، ولوّحت بالهاتف بين أصابعها وهي تقول بهدوء:
"دلوقتي التكنولوجيا اتطورت يا حبيبي... زرعت كاميرا في طيارة صغيرة، وسجلت كل حاجة ليك... سهلة أوي يعني."
ظل يرمقها بنظرات مشتعلة بالغضب، حتى برزت عروق عنقه من شدة احتقانه.
تنهدت أسيل، ثم قالت بنبرة أكثر جدية:
"أنا مكنتش هتعامل معاك بالطريقة دي... لكن إنت اللي أجبرتني. حط إيدك في إيدي... هتنقذ نفسك، وهتنقذ أهلك من الهلاك والجحيم اللي هيشوفوه منهم... فكر كويس... فكر في اللي حواليك قبل نفسك."
أبعد لؤي بصره عنها، وأطرق رأسه لثوانٍ، وقد بدت عليه علامات التفكير، قبل أن يرفع عينيه إليها مجددًا ويقول ببرود:
"فكيني... مش خلصتي اللي عندك؟ فكيني يلا."
ظلت تنظر إليه للحظات، وكأنها تقرأ ما يدور في رأسه، ثم أعادت الهاتف إلى جيبها، واتجهت خلفه.
انحنت وبدأت تفك القيود عن معصميه.
ما إن تحرر حتى نهض ببطء، وأخذ يتحسس معصميه اللذين احمرّا من أثر الحبال، ثم رفع رأسه إليها.
وفي لحظة خاطفة...قبض يده، واندفع موجّهًا إليها لكمة بكل قوته.
لكن أسيل كانت تتوقع ذلك.. مالت بجسدها سريعًا فتفادت الضربة باحتراف، ثم استدارت في اللحظة نفسها، ورفعت ساقها لتوجه له ركلة قوية بين ركبتيه.
اتسعت عينا لؤي، وانطلق منه صراخ مكتوم، ثم هوى على ركبتيه، واضعًا كلتا يديه على موضع الضربة، وهو يئن بألم:
"يا بت الكــــــــــلب!"
انفجر حسن بالضحك، وأشار إليه بإصبعه قائلًا بشماتة طفولية:
"يا عيني عليك... ده إنت مش هتخلف خااالص!"
رفع لؤي رأسه إليه ببطء، وقد امتزجت الدهشة بالغضب على ملامحه، ثم قال وهو يلهث من شدة الألم:
"متأكد يا لا انك طفل؟... إنت طفل إنت!"
ابتسمت أسيل رغمًا عنها، لكنها سرعان ما أخفت ابتسامتها، وقالت بجدية:
"هديك وقت تفكر... بس لعلمك، إنت معندكش أي وسيلة تتخلص منهم غيري. لأن أنا أعرف كل مفاتيحهم... وللأسف، عشان أقدر أتخلص منهم، محتاجة خبرتك معايا... لأني مش هعرف أعمل ده لوحدي."
ثم استدارت، وأمسكت يد حسن، ونظرت إلى لؤي نظرة أخيرة وقالت بهدوء:
"فكر كويس... والقرار يرجعلك."
ثم غادرت وهي تمسك بيد حسن.
ظل لؤي جاثيًا مكانه للحظات، وعيناه مغمضتان، وأنفاسه متقطعة من شدة الألم، قبل أن يرفع رأسه قليلًا ويتمتم من بين أسنانه بغيظٍ ووجع:
"الله يخرب بيتك..."
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
ارتجفت أهداب نورهان، ثم بدأت تفتح عينيها ببطء شديد. استغرقت لحظات حتى اعتادت على ضوء الغرفة الساطع. جالت بنظراتها الشاردة في المكان، ثم وقعت عيناها على المحلول المعلق بيدها. بدت ملامحها أقل شحوبًا بقليل، وعاد إليها شيء يسير من لونها الطبيعي، لكن الهالات السوداء العميقة تحت عينيها كانت شاهدة على ما مرت به.
انفتح الباب في تلك اللحظة، ودخل الممرض يحمل جرعة الدواء التي وصفها الطبيب لها. وما إن رآها مستيقظة حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة ارتياح، وقال بنبرة هادئة:
"أخيرًا صحيتي... الكل كان خايف عليكي."
رفعت نورهان عينيها إليه بصمت، تراقبه بحذر شديد. اقترب منها وهو يمد يده نحو يدها ليفحص الكانيولا، لكن ما إن لامست أصابعه جلدها حتى انتفض جسدها بعنف، واتسعت عيناها بالرعب. شهقت بصوت مرتجف، وسحبت يدها بقوة، ثم نهضت من الفراش رغم ضعفها الشديد.
نزعت الكانيولا بعنف، فانفجرت قطرات الدم من موضعها، لكنها لم تشعر بالألم بقدر ما كانت تشعر بالخوف. تراجعت للخلف وهي تصرخ بصوت مرتفع متقطع من شدة الهلع:
"اوعى تقرب مني... إنت سامع ولا لأ؟! خرجوني من هنا... أنا عايزة أمشي... خرجوني!"
اندفع معتز إلى داخل الغرفة فور سماعه صراخها. اتسعت عيناه بلهفة عندما رآها مستيقظة، لكن فرحته اختنقت في صدره بمجرد أن رأى الرعب المسيطر على ملامحها.
التفت الممرض إليها بدهشة، ورفع كفيه أمامه في محاولة لطمأنتها، ثم قال باستغراب:
"إنتِ خايفة مني ليه؟ أنا كنت هديكي العلاج... والله مش هعملك حاجة."
في لحظة، اندفع معتز نحوه، وأمسكه من مقدمة ملابسه بعنف، حتى اختلت وقفة الممرض. كانت أنفاسه متسارعة، وعيناه تشتعلان بالغضب، وهتف بصوت غليظ اهتزت له الكلمات:
"إنت عملتلها إيه؟!... انطق!"
ارتبك الممرض بشدة، وشحب وجهه، ورفع يديه مستسلمًا وهو يهز رأسه بسرعة، وقال بصوت مرتعش:
"والله العظيم... معملتش حاجة! هي اللي قامت مرة واحدة تصرخ وتقول خرجوني... ومرعوبة. والله العظيم مليش دعوة يا بلدينا."
ظل معتز يحدق فيه لثوانٍ، ثم تركه بعنف. تراجع الممرض عدة خطوات وهو يبتلع ريقه بصعوبة، وراح يرتب ملابسه المرتبكة، بينما كانت أنفاسه لا تزال متلاحقة.
حول معتز نظره إلى نورهان.. تجمد مكانه.. كانت تنظر إليه بعينين امتلأتا بالرعب، وكأنه أحد كوابيسها.
انقبض قلبه بقوة، وشعر بوخزة مؤلمة في صدره. خطا خطوة صغيرة نحوها بحذر...
لكنها رفعت إصبعها المرتجف نحوه، وصرخت وهي تهز رأسها بعنف، والدموع تنهمر بلا توقف:
"متقربش مني!... محدش يقرب مني... ابعدوا عني!... إنتوا عايزين مني إيه؟!... حرام عليكم... سبوني!"
توقف معتز فورًا، ورفع كفيه أمامها مستسلمًا، يخبرها بحركاته أنه لن يؤذيها. خرج صوته منخفضًا، دافئًا، رغم الألم الذي يمزق قلبه:
"متخافيش... أنا مش هأذيكي... عصام مش هنا، ولا حد من طرفه هنا... طول ما أنا جنبك... مش هخلي حد يمسك بأذى."
هزت رأسها بعنف وهي تبكي، وأنفاسها تتقطع من شدة الهلع.
شعرت بأن ساقيها لم تعودا تحملانها، فترنحت للخلف حتى ارتطم ظهرها بالحائط، ثم انزلقت ببطء إلى الأرض. ضمت ركبتيها إلى صدرها، واحتضنت جسدها المرتجف بذراعيها، وهي تردد بصوت مبحوح اختلط بالبكاء:
"كلكم كدابين... كلكم واحد... عايزين تموتوني..."
لم يحتمل معتز منظرها. خطا نحوها خطوة أخرى دون وعي...
فانتفضت هي أكثر، وصرخت بصوت ممزق، وهي تهز رأسها بجنون وتضم نفسها بقوة:
"متقربش مني!... خليك بعيد!... سبوني... أرجوكم... سبوني."
دخلت تقي مسرعة على أثر الأصوات المرتفعة. وما إن وقعت عيناها على نورهان حتى تجمدت في مكانها.
كانت الفتاة منكمشة على نفسها، ترتجف بعنف، ووجهها شاحب كالأموات، وعيناها الواسعتان تدوران بينهما بذعر.
وقف معتز مكانه، ولم يعد قادرًا على التقدم أكثر. امتلأت عيناه بالدموع، واختنق صوته وهو يحاول أن يصل إليها:
"أنا معتز... اللي كنت هساعدك تتخلصي من عصام... مش كنتِ واثقة فيا؟... واتفقنا إني أساعدك... خايفة مني ليه دلوقتي؟"
رفعت نورهان بصرها إليه.
ظلت تحدق فيه طويلًا، ودموعها تنساب في صمت، ثم هزت رأسها ببطء... برفض.
لا...معتز مات.. هذا ما أخبرها به عصام مرارًا... أقسم لها أنه قتله، وأنه لن يأتي أحد لإنقاذها.
إذن... من هذا الذي يقف أمامها؟
لا بد أنه وهم... أو خدعة جديدة... أو أن عقلها المنهك يصور لها أشياءً غير موجودة.
ازدادت أنفاسها اضطرابًا، وضمت نفسها بقوة أكبر، حتى ابيضت مفاصل أصابعها من شدة الضغط، بينما ظل جسدها يرتعش دون توقف، وعيناها المذعورتان لا تفارقان وجهه.
اقتربت تقي من معتز بهدوء، ثم وضعت يدها على كتفه برفق. التفت إليها، وكانت عيناه محمرتين من الدموع، وملامحه غارقة في الانكسار.
قالت بصوت خافت، امتزج بالحزن والشفقة:
"هي محتاجة وقت... الله أعلم شافت إيه ووصلت لإيه عشان تبقى بالحالة دي... سيبها تهدى شوية... وبعدها حاول تتكلم معاها."
ظل معتز ينظر إلى نورهان للحظات طويلة، وكأنه يعجز عن تركها.
أما هي... فما إن التقت عيناهما مرة أخرى حتى ازداد الرعب في نظرتها.
أغمض عينيه بألم، ثم استدار بصعوبة. أمسكت تقي بذراعه، وسارت معه إلى الخارج. تبعهم الممرض، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
ما إن سمعت نورهان صوت إغلاق الباب، حتى فقدت آخر ما كانت تتمسك به من قوة.
استلقت ببطء على الأرض الباردة، واحتضنت نفسها بقوة، بينما كانت دموعها تغرق وجنتيها. راحت تنظر حولها بعينين مرتعبتين، تراقب كل زاوية في الغرفة، وكأنها تتوقع أن يخرج لها أحد في أي لحظة... ثم انفجرت في بكاء مكتوم، يهز جسدها الهزيل بلا توقف.
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كان الجميع ملتفين حول نور؛ ليلى، ومؤمن، وسيف، وحتى نادين، وفارس، وميرال، ووالدتها. جلست مريم إلى جواره، بينما كانت ياسمين تجلس في الجهة الأخرى، تمرر أصابعها برفق بين خصلات شعره، وعيناها تفيضان بالدموع. كانت تتأمله وكأنها لا تصدق أنه عاد إليها حيًا، يبادلها نظراته بابتسامة متعبة.
رفع نور يده بصعوبة، وأمسك يد والدته بين كفيه، ثم قبلها برفق وهو يبتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوتٍ منهك لكنه مليء بالحنان:
"اطمني... أنا كويس يا ست الكل."
ارتجفت شفتا ياسمين، وهزت رأسها بابتسامة امتزجت بالبكاء، ثم مسحت دموعها سريعًا حتى لا يراها، بينما ظلت تربت على يده بحنان، وكأنها تطمئن نفسها بوجوده.
رفع نور عينيه ببطء نحو سيف.. اختفت ابتسامته تدريجيًا، واستقرت نظراته عليه في صمت.
أما سيف، فظل يبادله النظرات دون أن ينطق بكلمة. كانت ملامحه جامدة.
أدار نور بصره بين الوجوه واحدًا تلو الآخر...ثم عقد حاجبيه بخفة.. كانت هناك ملامح ينقصها المكان.
رفع عينيه نحو فارس، وسأله بصوت هادئ متعب:
"خديجة فين؟"
في اللحظة نفسها، انقبض قلب ميرال، وضمت قبضتها بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعها، وأشاحت ببصرها في ضيق، بينما حاولت إخفاء ما ارتسم على وجهها من انزعاج.
نظر فارس حوله باستغراب، ثم قال وهو يلتفت يمينًا ويسارًا:
"كانت معانا دلوقتي... قبل ما ندخل."
في الخارج...
كانت خديجة تستند بظهرها إلى الحائط بجوار باب الغرفة.
أغمضت عينيها بقوة، فانزلقت دموعها في صمت. رفعت يدها إلى فمها، تضغط عليه لتكتم شهقاتها، بينما كان صدرها يعلو ويهبط بعنف.
لم تستطع الدخول...
كلما حاولت أن تخطو خطوة نحو الباب، عادت إليها صورته وهو بين ذراعيها، غارقًا في دمائه، وأنفاسه تتلاشى أمام عينيها.
عاد إليها ذلك الرعب... ذلك العجز... وذلك الوجع الذي مزق قلبها وهي تظن أنها فقدته إلى الأبد.
ثم تسلل إلى عقلها سؤال آخر...
ماذا لو كان قد سمع كل ما قالته؟
ماذا لو كان يتذكر اعترافها؟
كيف ستنظر في عينيه بعد الآن؟
هزت رأسها بقوة، وكأنها تحاول طرد تلك الأفكار، ثم مسحت دموعها المرتجفة بظاهر كفها.
التفتت نحو الباب، وحدقت فيه طويلًا.
كانت تتمنى... فقط أن تلقي عليه نظرة واحدة تطمئن بها قلبها.
لكن قدميها خانتاها.. أخفضت رأسها، ثم استدارت فجأة، وغادرت الممر بخطوات سريعة، تكاد تكون هروبًا.
خرج سيف من الغرفة بعد دقائق، وأخذ يلتفت حوله باحثًا عنها، لكن الممر كان خاليًا.
عقد حاجبيه بقلق، ثم أخرج هاتفه واتصل بها.
ظل ينتظر الرد بلهفة، وما إن سمع صوتها حتى أدرك من نبرته المختنقة أنها كانت تبكي.
قال بقلق واضح:
"مالك؟... في حاجة ولا إيه؟... إنتِ كويسة؟"
أغمضت خديجة عينيها، وحاولت ابتلاع بكائها قبل أن تجيب، متعمدة أن تجعل صوتها طبيعيًا قدر استطاعتها:
"متقلقش... أنا كويسة... بس محتاجة أقعد مع نفسي شوية... متقلقش عليا، ولو في حاجة هكلمك على طول."
ولم تمنحه فرصة للرد...أنهت المكالمة سريعًا.
ظل سيف ينظر إلى شاشة الهاتف للحظات، وقد ازدادت ملامحه قلقًا، ثم زفر ببطء وأعاد الهاتف إلى جيبه.
خرجت نادين من الغرفة في تلك اللحظة، واقتربت منه وهي تنظر حولها، ثم سألته بقلق:
"راحت فين؟"
رفع سيف عينيه إليها، وتنهد بعمق، وقال بصوتٍ خافت أثقلته الحيرة:
"قالت... عايزة تقعد لوحدها."
هزت نادين رأسها بصمت، ثم تبعته إلى الداخل.
عاد الجميع للحديث حول نور، وتبادلوا الكلمات المليئة بالفرحة والاطمئنان، وامتلأت الغرفة بالابتسامات بعد ساعات طويلة من الخوف.
أما نور...فكان يشاركهم الابتسام أحيانًا، ويجيب عن أسئلتهم، لكن عينيه كانتا تسرحان بين الحين والآخر نحو باب الغرفة.
كان عقله غارقًا في التفكير...في خديجة.
وفي كلماتها التي لم تتوقف عن التردد داخل أذنيه... وكأنها قيلت للتو...
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
دخلت مريم إلى المقهى بخطوات هادئة، وأخذت تبحث بعينيها بين الطاولات حتى وقعت نظراتها على صديقتها منة، التي كانت تجلس وبرفقتها رجل.
اقتربت منهما، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مجاملة، ثم ألقت السلام وجلست أمامهما قائلة باستغراب:
"طلبتي تشوفيني ليه دلوقتي؟"
تبادلت منة نظرة سريعة مع الرجل الجالس بجوارها، ثم اتسعت ابتسامتها وقالت وهي تشير إليه:
"مش أنا اللي عايزاكي... ده علي."
حولت مريم بصرها إليه، وعقدت حاجبيها في استغراب، ثم سألته بهدوء:
"وإنت عايزني في إيه يا علي؟"
تنحنح علي بخفة، وحرك يديه بتوتر ظاهر، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
"أنا مش هلف وأدور كتير... هكون مباشر معاكي."
أومأت مريم برأسها في صمت، وهي تنظر إليه بثبات، منتظرة أن يكمل.
سكت للحظة، وكأنه يجمع شجاعته، ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال وهو ينظر في عينيها مباشرة:
"مريم... أنا عايز أتجوزك."
تجمدت ملامحها.. اتسعت عيناها بصدمة، ورمشت عدة مرات وكأنها لم تستوعب ما سمعته. انعقد لسانها للحظات، ثم خرج صوتها مذهولًا:
"نعم؟... تتجوزني؟"
هز علي رأسه بابتسامة هادئة، وعيناه تحملان شيئًا من الأمل.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ.
خفضت مريم بصرها قليلًا، ثم رفعته إليه من جديد، وقالت بهدوء حاسم، دون تردد:
"وأنا هقولها لك على طول... لا يا علي... أنا مش موافقة."
نهضت من مكانها مباشرة، ثم استدارت وغادرت دون أن تضيف كلمة أخرى.
ظل علي ينظر إلى مكانها بصدمة، وقد اختفت الابتسامة عن وجهه تمامًا.
أما منة، فنهضت سريعًا، ولحقت بها.. أمسكت بذراعها لتوقفها، ثم قالت بعدم استيعاب:
"إنتِ رفضتيه ليه؟! الواد مفهوش عيب، وإنتِ عارفاه كويس."
سحبت مريم يدها برفق من بين أصابعها، ثم أجابت ببساطة، ونبرة صوتها هادئة لكنها قاطعة:
"عشان ببساطة... مش عايزاه. في مليون واحدة غيري تتمناه... إنما أنا لأ."
عقدت منة ذراعيها أمام صدرها، وهزت رأسها بعدم اقتناع، وقالت بنبرة امتزج فيها الفضول بالضيق:
"أنا مش فاهماكي يا مريم... إنتِ عايزة إيه؟ مليون واحد اتقدملك ورفضتيهم... ده حتى يوسف، اللي مهووس بيكي، رفضاه ومش عايزة تتجوزيه... يبقى إنتِ عايزة إيه بالظبط؟"
توقفت لحظة، ثم ضيقت عينيها وهي تراقب ملامح صديقتها، وأضافت بنبرة أكثر هدوءًا:
"ولا... في حد في حياتك وإنتِ مش عايزة تقوليلي؟... بتحبي حد؟... قوليلي يا مريم... أنا أختك قبل ما أكون صاحبتك."
توقفت مريم عن السير.. أطرقت برأسها قليلًا، وظهر بريق حزين داخل عينيها، بينما ارتخت ملامحها فجأة، وكأن السؤال أصاب مكانًا كانت تخفيه داخلها منذ سنوات.
ابتلعت غصتها بصعوبة، ثم هزت رأسها نفيًا، وقالت بصوت خافت حاولت أن تجعله طبيعيًا:
"لا... مفيش حد."
لكن عينيها كانتا تكذبانها.
استدارت سريعًا قبل أن ترى منة ما يختبئ خلف نظراتها، وغادرت المكان بخطوات متعجلة.
ركبت سيارتها، وأغلقت الباب بعنف خفيف، ثم انطلقت دون أن تشعر بالطريق.
وبعد مسافة...أوقفت السيارة على جانب الطريق.
أراحت رأسها على مسند المقعد، وأطلقت زفيرًا طويلًا مرتجفًا، بينما ارتسم الحزن بوضوح على ملامحها.
رفعت يدها ببطء، وضغطت على موضع قلبها، وكأنها تحاول تهدئة ذلك الألم الذي لم يفارقها .
أغمضت عينيها لثوانٍ...ثم أخرجت هاتفها.
فتحت معرض الصور، وظلت تحرك إصبعها حتى توقفت عند صورة معينة.
ثبتت عيناها عليها.. ارتجفت شفتاها، وامتلأت عيناها بدموع حاولت منعها.
كبرت الصورة ببطء...لم يكن تركيزها على نور.. بل على الشاب الواقف بجواره...أدهم.
ظلت تتأمل ملامحه طويلًا، وكأنها تحفظ كل تفصيلة في وجهه، ثم مرت أناملها برفق فوق الشاشة، قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة، مؤلمة، سرعان ما اختفت.
أبعدت الهاتف عن وجهها، وأرجعت خصلات شعرها إلى الخلف بأصابع مرتجفة، ثم ألقت الهاتف على المقعد المجاور.
أسندت رأسها إلى المقعد، وأغمضت عينيها بإرهاق، بينما انزلقت دمعة دافئة على وجنتها في صمت...
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
دخل أدهم إلى غرفة نور، وبرفقته الضابط الذي جاء من قبل للتحقيق في الهجوم الذي تعرض له.
ألقى الضابط نظرة سريعة على نور، ثم سحب كرسيًا وجلس بجوار الفراش، بينما جلس أدهم إلى جانب نور على حافة السرير، وارتسمت على وجهه ابتسامة ارتياح امتزجت بالقلق، ثم قال بنبرة ودودة:
"حمد لله على سلامتك يا صاحبي."
بادلَه نور ابتسامة باهتة، رغم الإرهاق الواضح على ملامحه، وقال بصوتٍ لا يزال منهكًا:
"الله يسلمك."
تنهد الضابط ببطء، ثم شبك أصابعه ونظر إلى نور بتركيز، وقال بجدية:
"بتشك في حد من اللي حواليك يا نور؟... وهل فعلًا، زي ما قالت خديجة، الهجوم كان عشانها هي... مش عشانك؟"
أطرق نور برأسه للحظات، وكأنه يعيد ترتيب ما حدث في عقله، ثم رفع عينيه إليه وهز رأسه بهدوء قائلًا:
"أيوه... اللي كانوا عايزينه هو خديجة... لكن لحد دلوقتي معنديش فكرة مين هما... بس أكيد هعرف."
تبادل الضابط وأدهم نظرة سريعة، قبل أن يتحدث أدهم، وقد اختفت ابتسامته تمامًا، وقال بصوت منخفض:
"عندك علم إن مجدي اتقتل؟"
تجمد نور مكانه.
اتسعت عيناه بصدمة، واعتدل في جلسته لا إراديًا، قبل أن يهمهم متألمًا من جرحه، لكنه تجاهل الألم وقال بسرعة، وقد ارتفعت نبرة صوته من هول المفاجأة:
"اتقتل؟!... إنت بتهزر؟"
هز أدهم رأسه بالنفي ببطء، وانعكست الجدية على ملامحه، ثم قال:
"للأسف... مش بهزر. المجرم اللي شغالين على قضيته هو اللي قتله... والغريب إنه ساب على مراية الأوضة اسمك... مكتوب بدمه."
انعقد حاجبا نور بقوة، واتسعت عيناه أكثر، وهمس بعدم استيعاب:
"أنا؟!"
أومأ الضابط برأسه، وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
"أيوه... وعشان كده كان عندنا شك إن الهجوم اللي حصلك ورا نفس المجرم... لأن كل اللي وصلناله لحد دلوقتي إن هدفه... إنت."
ظل نور ينظر أمامه بشرود، بينما أخذت أنفاسه تتباطأ، وكأن عقله يحاول استيعاب الخيوط المتشابكة.
قطع أدهم الصمت، وقد وضع يده أسفل ذقنه يفكر، ثم قال:
"أو... يمكن العكس."
التفت إليه نور والضابط في الوقت نفسه.
أكمل أدهم وهو يضيق عينيه مفكرًا:
"يمكن هو مش عايز حد يمسك القضية غير نور... لسبب محدش يعرفه."
صمت لحظة، ثم أضاف:
"لأن نور طول ما هو ماسك القضية... محصلش حاجة. لكن أول ما مجدي استلمها... مكملش يوم... واتقتل."
ظل الضابط يفكر للحظات، ثم أومأ برأسه وقال بهدوء:
"احتمال وارد."
نهض من مكانه، وعدل سترته الشرطية، ثم نظر إلى نور قائلًا:
"على العموم... إحنا نقلنا القضية لضابط تاني، وهنشوف النتيجة هتبقى إيه."
ثم اقترب خطوة من الفراش وأضاف بنبرة جادة:
"هسيبك ترتاح دلوقتي... لكن لو افتكرت أي حاجة، أو شكيت في أي حد... بلغني على طول."
هز نور رأسه في صمت.. استدار الضابط، وغادر الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
ظل نور جالسًا مكانه، محدقًا في نقطة ثابتة أمامه، بينما ارتسمت على وجهه ملامح التفكير العميق.
كان لا يزال غير مستوعب خبر مقتل مجدي.
من هذا المجرم؟
ولماذا يكتب اسمه بدم ضحيته؟
هل يعرفه فعلًا معرفة شخصية؟
أم أنه مجرد قطعة في لعبة أكبر لا يفهمها بعد؟
كلما حاول جمع الخيوط... وجدها تتشابك أكثر.
أما أدهم، فظل يراقب صديقه بصمت، ولاحظ الشرود الذي ابتلع ملامحه، فعرف أن الأسئلة التي تدور في رأس نور الآن... أكثر بكثير من الإجابات التي يملكونها...
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كانت أميرة تجلس برفقة ابنها آدم داخل المقهى، تعبث بأطراف فنجان القهوة أمامها في انتظار وصوله. وبعد دقائق، دخل فارس بخطوات هادئة، وبدا الإرهاق واضحًا على ملامحه الشاحبة، لكن ما إن وقعت عيناه عليهما حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة.
صافحهما ثم جلس أمامهما.. بادرت أميرة بالحديث، وقد ارتسم القلق بوضوح على وجهها، وقالت بصوتٍ يحمل لهفةً صادقة:
"أول ما آدم بلغني بحالة ابنك، قلت لازم أشوفك وأطمن عليه... عامل إيه دلوقتي؟"
رفع فارس عينيه إليها، ثم التفت نحو آدم باستغراب، وعقد حاجبيه قليلًا وهو يسأله:
"وأنت عرفت منين؟"
ابتسم آدم ابتسامة هادئة، وأجاب وهو يشبك أصابعه فوق الطاولة:
"بعد ما خلصت المكالمة رجعت ملقتكش... سألت عليك، فقالولي إنك مع ابنك في المستشفى، وحكولي اللي حصل... ألف سلامة عليه."
تنهد فارس بارتياح خفيف، وهز رأسه قائلًا بابتسامة امتنان باهتة:
"الله يسلمك... الحمد لله، بقى أحسن دلوقتي."
تنفست أميرة الصعداء، وانفرجت أساريرها وهي ترفع كفيها تلقائيًا بالدعاء:
"الحمد لله... ربنا يحفظه ويباركلك فيه."
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن ينظر آدم إلى فارس بنظرة مترددة، ثم اختفت ابتسامته وقال بجدية:
"الراجل اللي كان معاك في المستشفى... أنا قابلته قبل كده."
تغيرت ملامح فارس للحظة، والتفت إليه باهتمام، بينما انعقد قلب أميرة داخل صدرها، وشحب وجهها وهي تنظر إلى ابنها بخوفٍ مكتوم.
سأل فارس بهدوء:
"تقصد... مؤمن؟"
أومأ آدم برأسه:
"أيوه... قابلته في الجامع، وكان بيدعي لصاحبه المريض... وفضل يبكي وهو بيدعي له ربنا يشفيه."
أما أميرة، فكانت تراقب فارس بعينين امتلأتا بالقلق، وخفق قلبها بعنف، تخشى أن يكون آدم قد اكتشف الحقيقة.
واصل آدم حديثه، وقد خفت صوته بالحزن:
"مكنتش أعرف وقتها مين صاحبه... لكن لما سألت عنك في المستشفى، عرفت إنك كنت بتاخد جلسة كيماوي... وإنك مريض سرطان."
شهقت أميرة، واتسعت عيناها بصدمة، ثم رفعت يدها إلى فمها، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تحدق في فارس غير مصدقة.
أما فارس، فاكتفى بابتسامة حزينة، ثم أطرق برأسه وقال بصوتٍ هادئ :
"أيوه... ده قدر ربنا... الحمد لله على كل حال."
أطرق آدم برأسه لحظة، ثم قال بحزن صادق:
"ليه مخبي علينا؟... هو أنا مش زي ابنك؟"
ارتعشت ابتسامة فارس، ورفع عينيه إليه، وقد لمعت فيهما دموع حاول إخفاءها:
"إنت زي ابني... وربنا يعلم مكانتك عندي... لكني محبتش حد يعرف."
توقف لحظة، وابتلع الغصة التي خنقت صوته، ثم أكمل بصعوبة:
"حتى أهلي... محدش يعرف غير مؤمن... وعرف بالصدفة."
مسحت أميرة دمعة تسللت إلى خدها، ثم قالت برفق:
"بس يمكن لازم يعرفوا..."
قاطعها فارس بلطف، وهو يمسح دمعة انزلقت من عينه بطرف إصبعه، ثم ابتسم ابتسامة متعبة:
"مش هقدر... ومش عايز أشيلهم هم فوق همهم... المهم، طمنوني عليكم."
ابتسمت أميرة ابتسامة امتنان امتزجت بالحزن، وقالت:
"لو احتجت أي حاجة... إحنا تحت أمرك. إنت وقفت جنبنا في وقت الدنيا كلها سابتنا... وجميلك فوق راسنا طول العمر."
سرح فارس بعيدًا، وعاد به الزمن سنوات إلى الوراء...
يوم أخبره مؤمن بخطئه مع أميرة، حاول فارس بكل ما يملك أن يقنعه ألا يتركها وحدها، وأن يعترف بابنه ويتحمل مسؤوليته... لكن مؤمن رفض بإصرار.
بعدها بأيام، لمح فارس أميرة تبكي في الشارع، فتتبعها من بعيد، حتى اكتشف أن أهلها علموا بحملها، وكانوا على وشك قتلها بدافع ما ظنوه شرفًا ضائعًا، رغم أنها كانت المظلومة الوحيدة.
هربت منهم وهي لا تحمل سوى خوفها... وطفلها الذي لم يولد بعد.. وقتها مد فارس يده إليها.
استأجر لها منزلًا صغيرًا، وتكفل بكل احتياجاتها، وأرسل من يطمئن عليها باستمرار، واعتنى بها وبطفلها حتى كبر... ولم يخبر مؤمن يومًا بما فعله، ولم ينتظر شكرًا من أحد.
عاد فارس من شروده، ثم نظر إلى آدم بابتسامة خفيفة وقال ممازحًا:
"إيه يا عم الشيخ... مفيش عروسة كده ولا كده؟ ولا ناوي تفضل على حالك؟"
ضحك آدم وهو يهز كتفيه بخفة:
"لما ألاقي بنت الحلال... بس أكيد مش من هنا.. من حارتنا. يا راجل، استغفر الله العظيم... ده اللي بشوفه كل يوم يخلّي الواحد يفقد الأمل!"
ضحك فارس، وأومأ برأسه قائلًا:
"هو إنت لسه شوفت حاجة."
ضحكت أميرة، بينما رمقهما آدم بعدم فهم، وقال وهو يضيق عينيه:
"يعني فيه أنيل من كده؟"
وقبل أن يجيبه، رن هاتف آدم.
أخرجه من جيبه، نظر إلى الشاشة، ثم أغلقه ووضعه على الطاولة دون اهتمام.
وقعت عينا فارس على الهاتف، فانفجر ضاحكًا وهو يشير إليه:
"إيه ده؟! نوكيا؟! هو التليفونات دي لسه عايشة؟"
نظر آدم إلى هاتفه، ثم إلى فارس باستغراب مصطنع وقال بجدية:
"ليه؟... انقرضت يعني؟"
ضحكت أميرة بصوتٍ خافت، بينما هز فارس رأسه وهو يضحك:
"يا بني، دي عدة قديمة! هاتلك تليفون محترم... لو معكش فلوس أجيبهولك أنا."
قطب آدم حاجبيه باعتراض لطيف، ثم شبك ذراعيه أمام صدره وقال بثقة:
"لا يا عم... خير ربنا كتير. وبعدين إيه المشكلة في النوكيا؟ ده مؤدب ومحترم... مش قليل الأدب وسافل زي اللي معاكم."
ضحك فارس حتى انحنى قليلًا من شدة الضحك، ثم قال:
"مؤدب ومحترم... ليه هو بني ادم وبعدين اللي معانا مؤدب ومحترم برضو "
رفع آدم إصبعه محتجًا وقال بثقة أكبر:
"تؤتؤ... اللي معاك دا قليل الادب وسافل عليه حاجات استغفر الله العظيم... انما نوكيا دا الادب والاخلاق كلها وبعدين فيه مميزات كتير راديو وكمان لعبة الثعبان تاخد تجربها "
زاد ضحك فارس حتى دمعت عيناه، وقال:
"ثعبان... طيب انا ما انا تليفوني مليان العاب اشكال و الوان "
هز آدم رأسه نافيًا، وقال وهو ينفخ صدره بفخر:
"تؤتؤ برضو مش زي دا... دا مميز مختلف... زي ما انا وبدون فخر وغرور مميز ومختلف ومحدش زيي... ونادر الوجود زيي برضو "
هز فارس رأسه وهو يضحك بقوة:
"لا في دي عندك حق يا شيخ ادم "
ابتسم آدم، ثم تأمل فارس للحظة قبل أن يقول بصدق:
"هو في حد قالك قبل كده ان ضحكتك حلوه "
ارتبك فارس قليلًا، وانعقدت ابتسامته بخجل، بينما احمرّت أطراف أذنيه.. أضاف آدم:
"لا والله بتكلم بجد ضحكت بشوشة ترد الروح.. والله حقيقي ضحكتك حلوة "
خفض فارس بصره، ثم ابتسم بخجل وقال:
"شكرا"
ضحك آدم مرة أخرى، وهز رأسه وهو يقول بمشاكسة:
"انا لما حد يقولي كلمة حلوه برد زيك برضو لكن الفرق انا بقول جزاك الله خير "
وضعت أميرة يدها على فمها، تحاول كتم ضحكتها، بينما انفجر فارس ضاحكًا من جديد، ثم قال وهو يشير إليه:
"جزاك الله خير يا شيخ آدم."
فضحك الثلاثة معًا، وامتلأت الجلسة بمرح افتقده فارس منذ زمن، حتى نسي للحظات وجعه، ومرضه، وكل ما يثقل قلبه...
♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
كانت خديجة تفتح باب الغرفة ببطء شديد، حتى لا يُصدر أي صوت قد يوقظه. أطلّت برأسها أولًا، ثم نظرت بطرف عينيها نحوه، فوجدت نور مستلقيًا على الفراش، تغطي ملامحه سكينة فرضتها المسكنات التي يتناولها.
تنهدت بارتياح، وانخفض كتفاها قليلًا، ثم فتحت الباب أكثر، ودخلت بخطوات حذرة، قبل أن تغلقه برفق خلفها.
اقتربت منه ببطء، وعيناها لا تفارقان وجهه الشاحب المرهق. كانت آثار الألم واضحة على ملامحه حتى وهو نائم، فارتجف قلبها، وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع حين عادت إليها صورته وهو بين ذراعيها، غارقًا في دمائه.
وقفت بجواره، ثم مدت إصبعها المرتجف أمام أنفه تتحسس أنفاسه، وكأنها لا تزال تخشى أن يكون كل ما تراه مجرد حلم.
ما إن شعرت بدفء أنفاسه المنتظمة حتى أغمضت عينيها براحة ممزوجة بالألم، وسحبت يدها ببطء، ثم ظلت تحدق فيه لثوانٍ طويلة.
تنهدت بحرقة، وأغمضت عينيها بقوة تحاول كبح دموعها، ثم استدارت لتغادر...لكنها انتفضت حين شعرت بيده تمسك معصمها فجأة.
التفتت إليه بسرعة، فاتسعت عيناها بدهشة عندما وجدته مستيقظًا ينظر إليها بعينين مرهقتين، ثم أنزلت بصرها إلى يده التي لا تزال تمسك بها.
شعر نور بتوترها، فأفلت يدها على الفور، ثم قال بصوتٍ منخفض متعب، امتزج فيه العتاب بالراحة لرؤيتها:
"أخيرًا ظهرتِ... مش عايزة تشوفيني ليه؟"
أخفضت خديجة رأسها، وأشاحت بعينيها بعيدًا، بينما انكمشت أصابعها داخل عباءتها، ولم تنطق بحرف.
ظل يحدق فيها للحظات، محاولًا قراءة ما تخفيه ملامحها، ثم قال بقلقٍ واضح، وقد عقد حاجبيه:
"إنتِ كويسة؟... حد فيهم أذاكي؟"
هزت رأسها نفيًا بخفة، وقالت بصوتٍ خافت حاولت أن تجعله ثابتًا:
"آه... أنا كويسة... أنا لازم أمشي."
تحركت بخطوات سريعة نحو الباب، لكن صوته أوقفها.
"خديجة... استني... إحنا لازم نتكلم."
تجمدت خطواتها للحظة، لكنها لم تلتفت إليه.. كانت تعلم جيدًا ما الذي يريد الحديث عنه... ولم تكن تملك الشجاعة لمواجهته الآن.
وفجأة...دوّى تأوهٌ مؤلم خرج من نور.
التفتت إليه مذعورة، لتجده يحاول النهوض من الفراش، واضعًا يده على كتفه المصاب، بينما انقبضت ملامحه بقسوة، وخرجت منه آهة مكتومة من شدة الألم.
اتسعت عيناها خوفًا، وركضت إليه دون تفكير.
أمسكته برفق من كتفيه، وأعادته ليستلقي على الفراش، وهي تقول بانفعالٍ امتزج بالخوف، وقد ارتفعت نبرة صوتها:
"إنت مجنون؟! مش الدكتور مانعك تتحرك دلوقتي نهائي!"
نظر إليها، وحاول أن يتكلم، لكنها قاطعته سريعًا، وهي ترفع يدها تمنعه من الحديث، وقالت بصوتٍ مرتجف:
"متتكلمش... أنا معنديش أي رد على أسئلتك دلوقتي... ومش عايزة أرد... تمام كده؟"
استدارت بسرعة وغادرت...لكنها ما إن فتحت الباب حتى تجمدت في مكانها.
كانت ميرال تقف أمامها مباشرة، تحدق إليها بعينين مشتعـلتين بالغضب، بينما كانت ملامحها جامدة بصورة مخيفة.
اقتربت منها، وأمسكت معصمها بقوة، وقالت بنبرة منخفضة تخفي خلفها غضبًا عارمًا:
"عايزاكي في كلمتين."
ثم سحبتها خلفها بالقوة وغادرت.. هتف نور من الداخل بصوتٍ مرتفع رغم تعبه:
"ميرال!... ميرال!"
لكنها لم تتوقف.
ضغط على كتفه بألم، وحاول النهوض مرة أخرى، وما إن وقف حتى اجتاحه وجعٌ حاد في ظهره وموضع إصابته، فاختنق أنينه بين شفتيه.
في الخارج...
نزعت خديجة يدها بعنف من قبضة ميرال، وتراجعت خطوة للخلف، ثم قالت بحدة:
"ابعدي عني... إنتِ عايزة مني إيه؟"
صرخت ميرال بانفعال، وكانت أنفاسها متسارعة:
"ابعدي عن نور... وإلا أقسم بالله العظيم هتشوفي مني وش مش هيعجبك."
رمقتها خديجة بنظرة ثابتة من خلف نقابها، ثم قالت بسخرية هادئة:
"إنتِ اللي بعتيهم عشان يخطفوني... مش كده؟"
اشتدت نظرات ميرال، وارتفع صدرها مع أنفاسها الغاضبة، ثم قالت بحدة:
"أنا لو فكرت في كده... مش هخطفك بس... أنا هقتلك لو مبعدتيش عن نور."
ابتسمت خديجة بسخرية خافتة ظهرت في عينيها أكثر من شفتيها، وقالت:
"ما إنتِ عملتيها قبل كده... وتقدري تعمليها تاني... ولا أفكرك؟"
ساد الصمت.. تصلبت ملامح ميرال...فقد تذكرت جيدًا...قبل خطبة خديجة لنور، أرسلت رجالًا لاختطافها وقتلها، لولا أن سيف وصل في اللحظة الأخيرة وأنقذها.
هزت خديجة رأسها، ثم قالت بثبات:
"أوعي تفتكري إني بخاف منك، تبقي غلطانة... أنا مبخافش غير من اللي خلقني. ونور اللي إنتِ عايزاني أبعد عنه ده يبقى ابن عمتي، وأنا بنت خاله... يعني هتشوفيني قدامك على طول... ومهما عملتي، صلة الرحم اللي بينا مش هتعرفي تقطعيها."
ارتجفت يد ميرال من شدة الغضب، وانقبض فكها بقوة.
وفجأة...اندفعت نحو خديجة كالإعصار، وأطبقت أصابعها حول عنقها بكل قوتها.
تراجعت خديجة حتى ارتطم ظهرها بالحائط بقوة، وبدأت تحاول إبعاد يديها، لكن قبضتها كانت أقوى منها.
اختنق نفسها، واحمر وجهها تدريجيًا، بينما راحت تضرب على ذراعي ميرال في محاولة يائسة لتفلت نفسها.
وفي اللحظة نفسها...اندفع نور نحوهما رغم إصابته.
أمسك ذراع ميرال بكل ما بقي لديه من قوة، وأبعدها عن خديجة بعنف، ثم صاح بها، وقد ارتفعت نبرة صوته لأول مرة:
"إنتِ اتجننتِ؟!"
وضعت خديجة يدها على رقبتها، وأخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة، بينما راحت تسعل بعنف، قبل أن تنهار جالسة على الأرض، فقد خانتها قدماها.
التفت نور إليها بلهفة، وقال وعيناه تمتلئان بالقلق:
"إنتِ كويسة؟"
نظرت إليه ميرال، وقد تجمعت الدموع في عينيها، وقالت بصوتٍ مرتجف من الغضب والقهر:
"أنا مبقتش فاهمة تصرفاتك يا نور... إنت المفروض تقف معايا ولا معاها؟!"
نظر إليها نور، وهو يضغط على كتفه بيده من شدة الألم، وقال بصوتٍ متعب لكنه حازم:
"تقتليها... وعايزاني أقف معاكي؟! إنتِ اتجننتِ؟!"
صرخت فيه بانفعال، وانهمرت دموعها على وجنتيها:
"أيوه... اتجننت بحبك يا نور... ولو مبعدتش عنك، أنا هقتلها!"
أنهت كلماتها، ثم استدارت وغادرت مسرعة.. ظل نور واقفًا للحظات، يضغط على كتفه بقوة، وقد بدأ الألم يفتك به.
رفعت خديجة رأسها إليه، فوقعت عيناها على الشاش الذي بدأ يتشرب الدم الذي ينزف منه.
اتسعت عيناها بفزع، ونهضت سريعًا، وقالت بلهفة:
"إنت بتنزف!... إنت اتحركت من مكانك ليه؟!"
وفي تلك اللحظة، جاء فارس مسرعًا، وما إن رأى الدم حتى اتسعت عيناه فزعًا.
أسرع إليه وأسنده، وقال بانفعالٍ واضح، وصوته يرتجف من الخوف:
"مين قالك تقوم من مكانك دلوقتي؟!"
نظر إليه نور بإرهاق شديد، وقال بصوتٍ خافت بالكاد سُمع:
"أنا كويس..."
لكن الكلمات خرجت ضعيفة، واختل توازنه وهو يغمض عينيه متألمًا.
أمسكه فارس بسرعة قبل أن يسقط، وساعدته خديجة، ثم قالت بقلق:
"مش هيقدر يقف كتير... بسبب المخدر والمسكنات اللي بياخدها."
ثبت فارس ذراع ابنه حول كتفه، ثم قال لها بسرعة:
"اسنديه معايا... نرجعه الأوضة."
ساعدته خديجة، وعادا به إلى غرفته.. وبكل حذر، ساعداه حتى تمدد على الفراش من جديد، وقد علت أنفاسه من شدة الإجهاد.
التفتت خديجة إلى فارس وقالت:
"خليك إنت معاه... أنا هروح أجيب الدكتور يبص على الجرح."
أومأ فارس برأسه، فغادرت مسرعة.. جلس بجوار ابنه، وربت على يده برفق، ثم قال بحزن امتزج بالعتاب:
"إنت غبي... تقوم من مكانك ليه؟! مش الدكتور نبه عليك متتحركش خالص؟"
لم يجبه نور.. اكتفى بإغماض عينيه، بينما انقبضت ملامحه من شدة الألم.
وبعد دقائق، عادت خديجة بصحبة الطبيب... اقترب الطبيب منه، بينما ابتعد فارس قليلًا ليترك له المجال.
ساعد الطبيب نور على أن يستدير بحذر، وما إن كشف موضع الإصابة حتى هز رأسه بضيق، وقال بنبرة عاتبة:
"يا بني... مش أنا قلتلك متتحركش من مكانك؟! لازم دلوقتي نشيل الشاش والقطن عشان أشوف الجرح اتفتح ولا لأ... وبعدها نعمل غيار جديد."
دخلت الممرضة في تلك اللحظة تحمل الأدوات اللازمة.. بدأ الطبيب يفك الشاش ببطء، ثم أخذ يمسح الدم بقطنٍ معقم.
ما إن لامس القطن الجرح حتى انقبضت ملامح نور بقوة، وأطبق على أسنانه محاولًا كتم أنينه، بينما تشبثت أصابعه بطرف الفراش حتى ابيضّت مفاصله.
ربت فارس على يد ابنه برفق، وقال بصوتٍ حنون يملؤه الأسى:
"استحمل شوية "
رفع الطبيب رأسه بعد أن انتهى من الفحص، ثم قال مطمئنًا:
"الحمد لله... الجرح زي ما هو، اللي حصل مجرد نزيف بسبب الحركة... لكن بعد كده ياريت متتحركش غير لما إحنا نقولك."
ثم أعاد تعقيم الجرح، ولف الشاش والضمادات بإحكام، وغادر هو والممرضة.
وقفت خديجة تنظر إلى نور طويلًا، وعيناها ممتلئتان بالحزن والذنب، ثم قالت بصوتٍ خافت:
"حاول تنام شوية... الألم هيخف إن شاء الله."
♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
نزلت مريم من سيارتها، ثم أغلقت الباب خلفها بضيق، وعدّلت حقيبتها على كتفها، لكنها ما إن استدارت حتى تجمدت خطواتها، واتسعت عيناها بصدمة وهي تجد يوسف يقف أمامها، يحدق إليها بابتسامة أربكتها.
عقدت حاجبيها، ورمقته بنظرة ممتلئة بالغضب والضيق، ثم قالت بحدة ونبرة جافة:
"إنت عايز إيه؟"
اتسعت ابتسامته الخبيثة، وأمال رأسه قليلًا وهو يجيبها بنبرة أوحت بالهوس:
"عايزك إنتِ يا مريم."
ازدادت ملامحها نفورًا، وزفرَت بانزعاج، ثم دفعته بيدها بعيدًا عن طريقها وقالت وهي تشيح بوجهها عنه:
"أنا مش فايقة لجنانك ده دلوقتي... ابعد عني بقى."
ثم تجاوزته بخطوات سريعة دون أن تلتفت إليه.
ظل يراقب ابتعادها، بينما اتسعت ابتسامته تدريجيًا، وتحولت نظراته إلى نظراتٍ مخيفة .
وفجأة...شعرت مريم بيدٍ تمتد من خلفها، ثم وُضع منديل على أنفها وفمها.
اتسعت عيناها بفزع، وانتفض جسدها بعنف، وحاولت إبعاد المنديل بكل ما تملك من قوة، وهي تضرب ذراعه بيديها وتحاول الإفلات، لكن قبضته كانت أقوى منها.
بدأت مقاومتها تضعف شيئًا فشيئًا...تشوشت رؤيتها، وأصبحت الأصوات من حولها بعيدة ومكتومة، بينما ثقلت أطرافها بصورة مخيفة.
ترنحت بين ذراعيه، وحاولت رفع يدها مرة أخرى، لكنها سقطت بلا قوة، ثم أغمضت عينيها ببطء، وارتخى جسدها بالكامل بعدما فقدت وعيها.
نظر إليها يوسف للحظات، ثم مرر يده على شعرها بابتسامة مريضة، قبل أن يحملها بين ذراعيه ويتجه بها مسرعًا إلى سيارته.
فتح الباب الخلفي بحذر، وأدخلها إلى الداخل، ثم أغلق الباب بإحكام، واستدار بسرعة إلى مقعد القيادة.
أدار المحرك، وانطلقت السيارة مبتعدة.
ألقى نظرة عليها من خلال المرآة الأمامية، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة، ثم قال بصوتٍ منخفض يحمل هوسًا مخيفًا:
"الليلة دي هتبقي بتاعتي... ومحدش هيقدر يبعدك عني."