رواية قهوة بالبندق الفصل السابع7 والاخير بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب

رواية قهوة بالبندق الفصل السابع7 والاخير بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب
​لم تكن خيوط الشمس الأولى التي أطلت على شوارع القاهرة تحمل الدفء، بل كانت تحمل برودة حاسمة كحسَام العدالة.
​أمام بوابات القصر المنيف المملوك لـ شريف علام في حي التجمع الخامس، توقفت ثلاث سيارات شرطة زرقاء تتقدمها سيارة مهران. ترجل مهران بخطوات واثقة، يُحيط به بهاء وفصيل من رجال العمليات الخاصة المدججين بالسلاح.
​داخل القصر، كان شريف علام يرتدي روبه المنسوج من الحرير، يقف أمام نافذة مكتبه البانورامية، يحتسي قهوته بنفس الهدوء الذي أدار به ألعابه القذرة. لم تكن تبدو عليه علامات التوتر، حتى عندما اقتحم مهران المكتب دون انتظار إذن الحارس.

​التفت شريف ببطء، وضع فنجانه على الطاولة، وأطلق ضحكة خفيضة ساخرة:
"أهلاً يا مهران باشا.. مش من العادة زيارات الشرطة في الفجر كده من غير ميعاد، ولا هو اقتحام بيوت الناس المحترمة بقى إجراء عادي؟"
​اقترب مهران منه حتى لم تفصل بينهما سوى خطوات معدودة، وأخرج من جيبه أمرين قضائيين؛ الأول بضبطه وإحضاره، والثاني بتفتيش القصر ومقرات شركاته:
 "المحترمين مبيأجروش قتلة، ولا بيبعوا عيالهم عشان يحموا ألقابهم الفاضية يا شريف بيه. سهير فاقت.. وحامد اتكلم.. وهارد كاميرات المخزن بقى في أيد النيابة."
​لأول مرة، تذبذبت نظرة الثقة في عيني شريف علام، لكنه سرعان ما استرد ثباته، واستند بيديه على مكتبه الفخم قائلاً بنبرة خبيثة:

"اعترافات مجرم مسجل وشهد زور ملهاش قيمة قُدام جيش المحامين بتوعي يا باشا.. سهير بنت نصابة، وحامد ده مجرد سواق اتفصل من الشغل وموتور.. تحب أعرفك بقى بالقانون بيقول إيه؟"
​في هذه اللحظة، رن هاتف مهران. فتح مكبر الصوت عمداً أمام شريف، ليتصاعد صوت خبير التكنولوجيا بالوزارة حازماً:
​"مهران باشا، الهارد ديسك اتفرغ بالكامل. عندنا تسجيل صوت وصورة لشريف علام وهو في المخزن بيهدد سهير بالقتل وبيعترف بنفسه إنه زوّر فصيلة الدم ورمى الشنطة في الملاحات عشان يلبس القضية لابنه ساهر. الدليل ميخرش المية يا فندم."

​اتسعت عينا شريف علام وصمت لسانه. اختفت الهيبة المصنوعة، وظهرت خلفها ملامح ثعلب حوصر في زاوية ضيقة.
​اقترب بهاء وقيد يديه بالحديد الصلب. لم ينطق شريف بحرف، لكن عينيه كانتا تشتعلان بغل مكتوم وهو يُساق خارج قصره تحت أنظار خدمه ورجاله.
​في المستشفى — التاسعة صباحاً

​كانت رويدا قد استعادت وعيها بالكامل في الغرفة المجاورة لغرفة سهير. جلست على طرف الفراش ورأسها معصوب بالضمادات، بينما كان مهران يقف أمامهما بعد أن جمع الصديقتين في غرفة واحدة.
​قالت رويدا بنبرة يملؤها الندم والدموع:
 "أنا آسفة يا مهران باشا.. أنا خفت.. لما حامد كلمني وقال إن سهير بتموت في المخزن، افتكرت إن الفلوس هي الحل، ومحبتش أدخلكوا عشان شريف علام هددني إن لو الشرطة عرفت هيصفيهم هما الاتنين."

​رد مهران بنبرة هادئة لكنها تحمل الحزم:
— "الخوف مش مبرر لإخفاء أدلة يا رويدا، تصرفك الفردي كان هيروح روحك وروح سهير.. بس اللي يهمنا دلوقتي إن اللعبة انتهت."
​التفت مهران نحو سهير التي كانت تطوق بطنها بيديها وكأنها تحمي طفلها من العالم، وتساءل:
— "ساهر.. ابن شريف علام.. يفرق معاكي في إيه دلوقتي يا سهير؟"

​تنهدت سهير بكسرة، لكن عينها أظهرت صلابة لم تكن موجودة من قبل:
 "ساهر كان مجرد أداة في إيد أبوه.. طيشه وعقده النفسية هما اللي وصلونا لهنا. أنا مش عاوزة منه حاجة، ولا عاوزة انتقم منه.. أنا بس عاوزة ابني يتولد بعيد عن القرف ده كله."
​المواجهة الأخيرة — النيابة العامة
​في غرفة التحقيق، أُدخل ساهر مكلماً بالأغلال، وجهه شاحب وشفتاه ترتجفان. لم يكن يعلم بعدُ أن والده هو من ألقى به في جحيم الاتهام بقتل سهير.
​وعندما أُدخل شريف علام إلى نفس الغرفة مقيداً هو الآخر، صرخ ساهر بذهول:

 "بابا؟! إنت بتعمل إيه هنا؟ هما قبضوا عليك ليه؟ قولهوم يا بابا إن أنا مموتش سهير! قولهوم إنك مطلعني بكفالة!"
​نظر شريف علام إلى ابنه بنظرة باردة خالية من أي عاطفة، ولم يرد.
​هنا، تقدم مهران وشغل تسجيل فيديو المخزن أمام ساهر، وظهر فيه والده وهو يقول لسهير بوضوح: ("أنا مستعد أضحي بساهر وألبسه قضية قـتلك لو فكرتي تظهري تاني...").
​سقط ساهر على الكرسي كمن تلقت رأسه ضربة بمرزبة. نظر إلى أبيه بذهول وصدمة أليمة، والدموع تتساقط من عينيه:
 "إنت... إنت كان هتهد حياتي؟ كنت عاوز تلبسني إعدام عشان اسمك ونفوذك؟ ده أنا ابنك الوحيد!"
​صرخ شريف علام بغضب:

 "إنت مجرد فاشل! كنت هتهد كل اللي بنيته في سنين عشان بنت مش من مستوانا! إنت اللي ورطتني بصبيانيتك!"
​ساد الصمت الغرفة لثوانٍ، صمت ثقيل كشف عن مدى القبح الذي تدار به بعض النفوس. أشار مهران إلى الحراس:
 "خذوهم.. التحقيق انتهى، والنيابة هي اللي هتقول كلمتها.
​عادت سهير إلى شقة والدها برفقة صديقتها الوفية رويدا. كانت خطواتها ثقيلة أمام الباب، ويدها ترتجف وهي تهمّ بطرق الباب. وقبل أن تلمس الخشب، فُتح الباب ليظهر والدها، المهندس "شاكر".

​لم يكن شاكر ذلك الرجل الحازم الذي يخشى كلام الناس ويضحي بابنته من أجل المظاهر؛ بل بدا واهنًا، محني الظهر، تغرق عيناه بدموع الندم بمجرد أن رأى طيفها. وقبل أن تنطق سهير بكلمة واحدة، ارتمى الأب على ركبتيه تحت قدمي ابنته، يبكي بنشيج مزق نياط القلوب:
​ "سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا سهير.. أنا اللي رميتك للذئاب بإيدي.. أنا اللي فضلت خوفي من كلام الناس على روحي وحتة مني.. قسوتي كانت هتموتك!"
​امتزجت دموع سهير بدموع والدها، وانحنت سريعًا لتشد على يديه وترفعه عن الأرض، واحتضنته بقوة بكت معها رويدا الواقفة في الممر. همست سهير وهي تمسح على رأسه الأشيب:

​"قوم يا بابا.. متعملش في نفسك كدا. أنا مسمحاك.. لولا اللي حصل مكنتش هعرف قيمتك وقيمة البيت ده. المهم إن ربنا نجاني ونجى اللي في بطني."
​أمسك شاكر ببطن ابنته بلطف، ونظر إلى عينيها بعهد صادق:"الطفل ده ابني أنا يا سهير.. هيتربى في بيتي، وتحت اسمي ورعايتي، ومفيش مخلوق في الدنيا دي هيقدر يوجهلك كلمة واحدة طول ما فيا نفس بيطلع."
​كان هذا العناق بمثابة ولادة جديدة لسهير، ولادة تطهرت فيها من ذنب الخطيئة لتبدأ صفحة جديدة مغلفة بحنان أبٍ عرف قيمتها بعد فوات الأوان تقريبًا.
​المواجهة الأخيرة خلف القضبان: تصفية الحساب مع ساهر
​أما الحساب الأخير، فكان يترقب سهير خلف الجدران الرمادية الباردة لسجن الاستئناف. أصرت سهير أن تقابل "ساهر" مواجهة لوجه، ليس ضعفًا أو حنينًا، بل لتضع كلمة "النهاية" في كتاب مأساتها معه بنفسها.

​دخل ساهر إلى غرفة الزيارة يرتدي ملابس الحبس الاحتياطي البيضاء، وقد زال عنه كل غرور الشباب وأناقة ابن رجال الأعمال. كان شاحبًا، خائفًا، منكسر العينين. عندما رأى سهير تجلس بقوة وثبات ببطنها البارزة قليلاً، اندفع نحو الحائل الحديدي بلهفة:
​ "سهير! أرجوكِ يا سهير كلمي الضابط مهران.. كلمي النيابة! أنا ماليش ذنب في اللي عمله أبويا و! أنا كنت خايف.. ومكنتش أعرف إنه هيوصل للدم ويتخلص منكِ! ارحميني وخليهم يخرجوني من هنا!"
​نظرت إليه سهير بنظرة باردة كالموت، نظرة خالية تمامًا من أي مشاعر حقد أو حب، بل كانت نظرة شفقة على كائن لم يرتقِ يوماً ليكون رجلاً. وقالت بنبرة حاسمة وصوت هادئ هز أركانه:

​ "أنا مش جاية عشان أساعدك يا ساهر.. ولا جاية عشان أعاتبك. أنا جاية أبص في عينك وأنا قوية، عشان أقولك إنك خسرت كل حاجة.. خسرت نفسك، وعيلتك، وحريتك."
​ابتلع ساهر ريقه بذعر:
 "والبيبي؟ ابني يا سهير؟"
​ابتسمت سهير بمرارة وقالت وهي تنهض وتستعد للمغادرة:
 "الطفل ده ملوش أب يا ساهر. أنا رفعت دعوى إثبات نسب رسمي في المحكمة، والمحكمة هتحكم لي بالتحاليل والقانون.. بس عشان ياخد حقوقه القانونية والشرعية منك ومن ورث عيلتك اللي ضيعتوها بجشعكم. أما إنسانيًا.. فالولد ده عمره ما هيعرف إن ليه أب جبان زيك.. الولد ده هيكبر وهو عارف إن أمه واجهت الدنيا كلها لوحدها وانتصرت."
​استدارت سهير وخطت بثبات نحو مخرج الغرفة، تاركةً ساهر يصرخ خلفها ويبكي خلف القضبان مستجديًا عفوًا لن يناله أبدًا. خرجت إلى فناء السجن، واستنشقت هواء الحرية النقي، شاعرة بأن فنجان قهوة البندق المر الذي شربته، قد زال طعمه تمامًا لتبدأ رحلة الأمومة بقوة لم تعهدها من قبل.
               تمت بحمد الله 

تعليقات



<>