رواية ناب الأفاعي الفصل الثاني عشر12 والثالث عشر13 بقلم سمر بسطاوي

رواية ناب الأفاعي الفصل الثاني عشر12 والثالث عشر13 بقلم سمر بسطاوي
كانت تقف في المطبخ تحضر الطعام للجميع كعادتها. ترتل آيات القرآن الكريم بصوت عذب يخشع له القلوب مع صوت الشيخ من الراديو.. اعتادت دائماً أن تشغل فمها بترتيل القرآن منذ أن كانت صغيرة لذا هي اسم على مسمى "ترتيل".. تتذكر كيف كانت تفعل والدتها نفس الأمر حينما كانت تعد لهم الطعام وقد ورثت صوتها الجميل من والدتها فقد كان صوتها جميلاً جداً. 
لم تنتبه لصوت الباب وهو ينفتح ويدلف منه أخويها مع أسامة بعد عودتهم من الشركة فقد أصر سالم على الذهاب لإنهاء بعض الأوراق حتى لا يغضب منه عمران. تنحنح سالم وهو ينظر لأدهم ففهم قصده واتجه للمطبخ تحت نظرات أسامة الذي أصر على أن ينتظر على الباب حتى ترتدي نقابها كي لا يزعجها. ابتسم وهو يضع يديه على قلبه يلتمس صوتها الجميل في تلاوة القرآن. كان يحتاج لصوتها كثيراً كطوق نجاة ليخلصه من ذلك الحزن الذي يعتلي قلبه. 
وفي الناحية الأخرى شعرت ترتيل بيد تحاوط خصرها فارتعش جسدها. أدارت وجهها سريعاً لتنظر للفاعل فتنهدت براحة حين وجدت أدهم. ابتسمت له ابتسامة جميلة فبادلها بأخرى أكثر وسامة وهو يتحدث بمرح.  
*أدهم: يا ترى توأمي الجميل عامل إيه؟*  
*ترتيل: بخير طالما حبيبي بخير.*  
*أدهم: يا ترى عاملة أكل إيه بإيدك الحلوة دي؟*  

*ترتيل: انت بتحب إيه؟*  
نظر لها أدهم بابتسامة واسعة كادت أن تصل إلى أذنه من فرط السعادة وهو يتجه للفرن ناظراً بسعادة لصينية البشاميل التي تزينه في نظره.  
*أدهم: عاملة مكرونة بشاميل؟ طب والله انتي الوحيدة اللي فهماني في البيت ده.*  

*ترتيل بضحك: يلا يا بكاش... يا بني حاسب هتتلسع.*  
لم يعبأ لها ولا لأسامة الواقف على الباب. التقط الصينية يأكل منها بشراهة وتحدث وكأنه تذكر شيئاً ما.  
*أدهم: صحيح.... أسامة على الباب مش راضي يدخل غير لما تلبسي نقابك.*  
نظرت له بصدمة وهي تهرول في المطبخ كالمجنونة وشعرها البني يتطاير خلفها. ثم ذهبت إليه وهي تلكزه بكتفه بغيظ.  
*ترتيل: ومقولتليش ليه من الأول؟*  
تركته وهي تهرول إلى غرفتها تحت نظرات أدهم الضاحكة. خرج أدهم إلى الخارج بطبق ممتلئ بالطعام متحدثاً باستفزاز.  
*أدهم: تقدروا تدخلوا دلوقتي.*  
*سالم بحنق: بقالنا ساعة واقفين وانت بتطفح جوه. طب راعي إني مريض.*  
  
نظر أدهم لسالم من رأسه حتى أسفل قدمه ثم قال له بتعالي:  
*أدهم: الصالون من هنا ورايا.*  
*أسامة بحنق: عيل مفجوع.*  
ابتسم لهم ابتسامة مستفزة وهو يلتهم المكرونة بتلذذ شديد كان واضح على وجهه لدرجة جعلت أسامة وسالم يضحكان على منظره. فتحدث أسامة بضحك.  
*أسامة: دي أمها داعية عليها والله.*  
ابتسم أدهم وهو يتذكرها متحدثاً بعشق دون وعي.  
*أدهم: ده أنا اللي أمي هتبقى دعيالي لو نولت قلبها.*  
نظر له سالم باندهاش واستغراب لحاله.  
*سالم: وهي مين دي يا عاشق يا ولهان؟ انت بتحب من ورانا ولا إيه؟*  
استوعب أدهم ما نطق به فتوترت ملامحه وهو ينظر لأسامة الذي ينتظر رده. لا يعلم ما الذي قد يقوله الآن حتى يخرج من هذه الورطة. ولكن كالعادة تأتي هي وتنقذه في كل مرة يخونه لسانه.  
*ترتيل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.*  
رد عليها الجميع بابتسامة صافية بينما تحدثت هي مرة أخرى باستغراب وهي تتفقد وجوده.  
*ترتيل: أومال عمران فين... ده قالي إنه مش هيتأخر النهاردة.*  
*_**_**_**_**_**_*__ 
 
_________'____________________ 
كان أول ما سمعه عمران هو صوت تكسير الزجاج الأمامي لسيارته ويليه صوتها الغاضب وهي تصرخ به ملقية تلك العصا الغليظة من يديها تحت نظرات عمران الباردة التي توحي بأن شيئاً لم يحدث. تندمج مع ابتسامته المستفزة المعتادة كلوحة فنية عنوانها الاستفزاز.  

*رزان: لو مشيت ورايا تاني العصاية اللي نزلت على زجاج عربيتك دي هتنزل على دماغك المرة الجاية وده تهديد مني يا ابن سالم.*  
تحركت وهي تجر يد عائشة خلفها بابتسامة تشفي. وما أن ابتعدت حتى تحدثت عائشة بقلق.  
*عائشة: مين ده يا رزان وعاوز منك إيه؟*  
*رزان: حساب قديم أوي يا عائشة ولازم يخلص.*  
*عائشة: مش فاهمة.*  
*رزان: مع الوقت هتفهمي.*  
أوقفت رزان السيارة وصعدت إليها فصعدت عائشة بجانبها فوجدتها تعبث بهاتفها وكأنها ترسل رسالة لشخص ما فابتسمت وهي تتحدث بمرح وتحاول أن تخفف من حدة الأجواء.  
*عائشة: بس أنا مكنتش أعرف إنك جامدة كده. فكرتك بريئة والله.*  
تحدثت رزان ببراءة مصطنعة.  
*رزان: قصدك إيه؟ قصدك إني شريرة مثلاً؟*  

*عائشة: فشر مقدرش أقول غير كده.*  
ابتسمت رزان وهي تضغط على هاتفها تتأمل السماء من نافذة السيارة وكأنها تتذكر شيئاً ما.   
*_**_**_**_**_**_*__ 
*سليم: إزاي توافق على شروطه كده بسهولة؟*  
ردت عليه مهرة بزهق وضيق واضح من أسلوبه المتحكم وكأن الشركة شركة أبيه.  
*مهرة: خير يا سليم مالك بتتعامل معايا بمبدأ إني عيلة صغيرة ليه؟ لو ناسي أفكرك النجاح اللي الشركة وصلت ليه ده كان بسببي أنا. بسبب شغلي اللي مش عاجب حضرتك.*  
التمس غضبها وعلم أنها قد تنفجر به في أي لحظة وهذا ليس بصالحه فتلون كالحرباء في ثانية وتكلم بخوف مصطنع نجح بتجسيده.  
*سليم: أنا آسف يا حبيبتي. أنا بس خايف عليكي وعلى شركة عمي من إنها تقع. أنا آسف حبيبتي كمان مرة لو ضايقتك بكلامي. حقيقي أنا مكنتش أقصد. وعشان تعرفي أنا بحبك قد إيه أنا عازمك على الغدا النهاردة في مطعم فاخر.*  

*مهرة بحزم: مرة تانية يا سليم. أنا مش في المود حالياً وبابا مستنيني.*  
هز رأسه متفهماً في حركة متناقضة وهو يكز على أسنانه. اتجه ناحيتها وهو يمسك يديها.  
*سليم: أتمنى تكوني مزعلتيش مني.*  
ردت مهرة وهي تنتزع يديها من يده بقوة.  
*مهرة: حصل خير... سلام.*  
غادرت تحت عيون ذلك الصقر التي تغيرت ملامحه فور مغادرتها. دخل إياد عقب رحيلها ناظراً إلى سيده الذي يعتلي الضيق ملامحه.  
*إياد بغموض: ترحيبك هيوصل بكرة لكل واحد فيهم يا سليم باشا.*  

جلس على كرسيه الهزاز وهو يتحدث بضحكة شريرة يلف الكرسي بتسلية.  
*سليم: عمران... عمران... عمران... حقي نورت اللعبة.*  
*_**_**_**_**_**_*____ 
دق الجرس فدلف عمران إلى الداخل. اتجه ناحية سالم الذي يعتلي الأريكة بأريحية ونوم عميق وهو ينظر له نظرة شر لمحها أسامة الذي لم ينتبه عمران لوجوده فاتجه نحوه سريعاً يحتضنه.   
*أسامة بمرح: عامل إيه يا أبو نسب؟*  
*عمران: أسامة.. الحمدلله تمام.. وانت عامل إيه؟*  

*أسامة: بخير يا حبيبي.*  
ارتفع حاجب عمران وهو ينظر له بشك وريبة.  
*عمران: هو في حاجة؟*  
لم يستطع إلهائه أكثر فنظر لأدهم نظرة شيطانية وهو يحثه على مساعدته فتدارك الموقف سريعاً وهو يتحدث.  
*أدهم: هو بس مبسوط عشان انت قدمت الفرح فهتلاقيه بيحبك بزيادة النهاردة.*  

اتجه ناحية الأريكة القريبة لسالم وهو يجلس عليها مشيراً بأصبعه ناحية سالم بحنق.  
*عمران: صحيلي الواد ده يا أدهم.*  
*أسامة: سيبه نايم مالك بيه؟ خليك معايا أنا.*  
*عمران بحده: سمعتني يا أدهم؟*  
اتجه أدهم بغيظ ناحية سالم وهو يهزه برفق حتى يفيق. فتح سالم عينيه ببطء وهو ينظر لأدهم بنعاس.  
*سالم: سيبني شوية كمان.*  
لكزه أدهم بقوة هذه المرة وهو يهمس له بغيظ.  
*أدهم: قوم يا عم انت لحسن عمران ينيمك للأبد.*  
على ذكر عمران انتفض سالم وهو يعتدل في جلسته كالذي رأى كابوس.  
*سالم: عمران!*  
*عمران: مالك شوفت شبح ولا إيه؟*  
تحدث أدهم هامساً:  
*أدهم: كان هيبقى أرحم صدقني.*  
كبت أسامة ضحكاته وهو يلكز أدهم بذراعه فنظر له بغضب ثم وجه نظراته لعمران الذي كان ينظر لسالم بنظرات ثاقبة.  
*سالم: حاشا لله يا عمران متقولش على نفسك كده.*  
*عمران: كنت فين امبارح؟*  
*أسامة: ما أنا قولتلك يا عمران كان عندي ما  بلاش جو المحقق كونان ده.*  
جذب أدهم أطراف الحديث وهو ينظر إلى عمران لتغيير مجرى الحديث عن سالم.  
*أدهم: صح عملت إيه النهاردة مع شركة السيوفي؟*  
*سالم بدهشة وهو ينظر لعمران: السيوفى ؟*  
تجاهله عمران وهو يرد على أدهم قائلاً:   
*عمران: مضينا تعاقد معاهم.*  
*سالم: شركة السيوفي بتاعت مهران السيوفي؟*  
*أدهم باستغراب: أيوه نفسها مالك؟*  
*سالم بحدة وغضب بان على ملامحه: عاوز توصل لفين تاني يا عمران؟ إيه اللي انت بتعمله ده؟*  
*عمران ببرود : بعمل إيه؟*  
مسح سالم وجهه عدة مرات وهو ينظر إلى عمران مشيراً له بأصبعه.   

*سالم: اسمعني يا عمران عشان أنا فاض بيا الكيل. أنا خسرت كتير ومش هتحمل خسارة تانية... كفاية. نبش في الماضي كفاية وجع. اللي راح راح. أنا واخد بالي من كل اللي بتعمله وساكت عشان عاوزها تيجي منك انت. عاوزك انت اللي توقف. بس عارف أنا مش هتناقش معاك المرة دي لأني كده بتعب نفسي على الفاضي. هسيبك لما تشوف آخرة اللي بتعمله ده إيه.*  
تنهد بوجع وهو يسترسل حديثه بصوت  منبوح
*سالم: يمكن لما تخسر حد فينا المرة دي ترتاح.*  

تابعه عمران بعينيه وهو يتركه ويرحل يصعد إلى السلام بغضب ويلحقه أسامة الذي يحاول إيقافه. تنهد بحزن من كلماته وهو يتكئ على الأريكة بتعب كالمحارب الذى انهته المعركه قبل أن يبدأها وكل هذا تحت نظرات أدهم المندهشة من أخيه فهذه أول مرة يصرخ في عمران بهذه الطريقة. نظر لعمران فعلم أن الموضوع طويل ويصعب شرحه. لم يحدثه ولكنه اكتفى بالجلوس بجانبه يربت على شعره بحنان حتى يشعر أنه ليس وحيداً وان الحرب مدام واحداً منهم فالجميع سيصبح درعاً له   
 ̶  ̶  ̶ ̶ ̶ ̶ 
 
 

*ناب الأفعى - البارت الثالث عشر | بقلم سمر بسطاوي*
*_**_**_**_**_**_*___ 

كانت تجلس على سريرها تحتضن نفسها، تحدق في الفراغ وتهز جسدها بهستيرية. الدموع تسقط من عينيها دون أن تدري. تتذكر تلك الذكرى الأخيرة بينهما فتأوهت بصوت مكتوم.

*فلاش باك*

*عمران ببرود: تقصدي إيه بكلامك ده يا مهرة؟*  
*مهرة بهمس: اللي فهمته يا عمران... بابا مش موافق.*  

*عمران بعصبية: إزاي يعني؟ والدك أداني كلمته. إزاي يغير رأيه بالسرعة دي؟*  
التزمت مهرة الصمت وهي تنظر إليه بتوهان. لا تعرف ما الذي عليها قوله. هل ستقول له إن والدها لا يريده لأنه خسر شركاته وأصبح فقيراً الآن؟  
فهم من عينيها ما تود قوله. فنظر إليها بغضب وهو يقبض يديه وتحدث ببرود:  
*عمران: والدك رفضني عشان خسرت شركتي... مش كده؟*  

*مهرة بتوتر: عمران بابا ميقصدش هو..*  
قاطعها وهو يضرب بيديه بقوة على مقدمة السيارة.  
*عمران بصوت عالي: تبرري إيه يا مهرة؟ ولمين؟ مهران السيوفي اللي عمره ما همه غير الفلوس. دي الحقيقة المرة. أبوكِ بعدني عنك عشان مبقتش من مستواكم. عشان عمران سالم خسر شركاته وبقى على الحديدة. صح؟ أبوكِ كان عاجبه جوازنا عشان كان عارف إني هنفعه في الشركة. لكن دلوقتي أنا مسواش حاجة... صح؟*  
  
*مهرة بدموع: أنا والدي مش كده يا عمران. متتكلمش عنه كده قدامي لو سمحت. أنا مسمحلكش.*  

*عمران: انتي بتحبيني يا مهرة؟*  
*مهرة: طبعاً يا عمران بحبك.*  
*عمران: خلاص يبقى نتجوز وتيجي معايا.*  
تراجعت خطوة للوراء بتوتر.  
*مهرة: أنا مينفعش أكمل حاجة زي كده من ورا والدي. هو اللي بقالي في الدنيا دي بعد موت ماما.*  

*عمران بهستيرية: طب وأنا؟ أنا أبقالك إيه؟*  

*مهرة: انت ليه مش قادر تفهمني؟*  

*عمران: أنا لحد دلوقتي مستعد أحارب الدنيا دي كلها علشانك. علشان بحبك وعاوزك ومش هستحمل إنك تكوني لغيري. بس أنا مش هحارب عشان واحدة مش قادرة تحارب عشاني.*

مسح على وجهه عدة مرات وهو يقترب منها ويمسك يديها. فنظرت له والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. أسند جبينه على جبينها وهمس:  
*عمران: هو... ولا أنا؟*

انتفضت بعيداً عنه تنظر له بصدمة. كيف لها أن تختار بينه وبين أبيها الذي رباها واعتنى بها كل تلك السنين؟ ابتلعت ريقها وهي تنظر له بوجع وبصوت مبحوح.  
*مهرة: بلاش يا عمران. أنا مش عاوزة أخسرك.*  
نظر لها بوجع وهو يهز رأسه بيأس ويبتعد عنها بخطوات بطيئة.  
*عمران: انتي خسرتيني يا مهرة.*  
  
*مهرة: عمران انت بتقول إيه؟*  

صعد عمران سيارته. ألقى لها نظرة أخيرة وقال بتحدي:  
*عمران: وعد إني هرجع يا مهرة. بس وقتها مش هرجع عمران سالم بتاع زمان. هرجع رجل الأعمال عمران الألفي الأشهر في العالم. ولوقتها مش هتشوفي وشي.*  
ثم أكمل بوجع:  
*عمران: كان نفسي تختاريني زي ما كنت بختارك دائماً. أنا هرجع... هرجع عشانك حتى لو انتي مخترتنيش. مش عشان أنا ضعيف. عشان أنا بجد حبيتك يا مهرة. ووقتها هتبقي حرم عمران. وده وعد.*  
تحرك بعيداً عنها بسيارته وهي تنظر له بوجع. سقطت على الأرض تبكي على فراق حبيب أيامها.  


دق باب الغرفة فمسحت دموعها سريعاً. دخل والدها الغرفة وجلس على طرف الفراش. فنظرت له بقهر.  
*مهرة: بقى يليق بمقامك؟ ولا انت رأيك إيه؟*  

*مهران باستغراب: هو مين ده يا مهرة يا بنتي؟*  

*مهرة: عمران رجع يا بابا. عمران سالم هو نفسه عمران الألفي.*  

انتفض مهران من على السرير وهو يتحدث بصدمة:  
*مهران: انتي بتقولي إيه؟*  

*مهرة: اللي سمعته.*  

*مهران: مستحيل.*  
  
تركها وهو يغادر يصفع الباب خلفه بقوة. مرر إصبعه على هاتفه.  
*مهران: والدك فين يا سليم؟ احنا في مصيبة.*  

*_**_**_**_**_**_**_*______________________ 

*"من قال أن الحقيقة قد تُدفن إلى الأبد؟ حبل الكذب قصير، والحقيقة كالشمس مهما غابت ستسطع بقوة من جديد."*

كان المطار خالياً إلا من بضع أشخاص متفرقين. والهواء باردٌ والصمت يخيم على المكان.

وفجأة... شقّ الهدوء صوت محركات طائرة خاصة تهبط ببطء. نزل من على السلالم.  
خطوة... ثم خطوة أخرى ثقيلة.

كان يرتدي بدلة سوداء مفصلة على جسده بدقة، ونظارة شمسية سوداء رغم ظلام الليل.  
يحمل في يده حقيبة جلدية فاخرة، وعلى وجهه ابتسامة باردة لا تحمل أي تعبير.

نزل خلفه اثنان من حراسه الشخصيين. فوقف جميع من كان في استقباله في صفٍ واحدٍ احتراماً له. تحدث بالإنجليزية مع أحدهم قائلاً:

_مالك بصوت هادئ قاتل: عمران الألفي عاد؟_

ابتلع السكرتير ريقه وأجاب بارتباك:  
_السكرتير: نعم يا سيدي... وعاد وليس وحده._

رفع مالك نظارته ببطء ونظر إلى السماء.  
_مالك ببرود: جيد جداً... اللعبة هكذا بدأت حقاً._

ثم اتجه إلى السيارة السوداء الفاخرة التي كانت تنتظره.  
تحركت السيارة وتركت خلفها دخاناً كثيفاً...    

 

*_**_**_**_**_**_*____ 

على مائدة الطعام كان يجلس الجميع يتناول طعامه بصمت. وفي داخل كل واحد منهم همٌ كالجبال. أضاء هاتف عمران بصوت الرسالة فاكتفى بالنظر إليه. تناول طعامه بهدوء ثم نظر إلى أسامة بغموض وقال موجهاً حديثه لسالم الذي كان يقلب الطعام بضيق:  
*عمران: عندي مشوار كده كام ساعة وراجع. خليكم مع ترتيل وأنا مش هتأخر.*  
اكتفى سالم بالنظر إليه وأومأ برأسه. تنهد وهو ينهض مشيراً لأسامة.  
*عمران: تعالى عاوزك معايا.*  
*أسامة: خير في حاجة ولا إيه؟ قلقتني.*  
*عمران: كل خير يا أبو نسب.*  
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
 
في فيلا الجبالي كان يجلس سليم ووالده أيوب الجبالي يحتسيان الخمر بتلذ ويضحكان سوياً. قطع حديثهما الخادم وهو يتحدث باحترام لسيده:  
*الخادم: سيد أيوب. مهران السيوفي ينتظرك بالخارج.*  
*أيوب باستغراب: ده إيه اللي جابه دلوقتي ده؟*  

*سليم بتلذذ وهو يحتسي مشروبه: كان بيقول في مصيبة.*  
ثم أكمل باستهزاء وهو يعتدل:  
*سليم: بعيد عنك مبيجيش من سحنته إلا المصايب. زي بنته كده بالظبط.*  

*أيوب: اتعدل يا سليم. متبوظش اللي عملناه بأسلوبك ده.*  

نظر أيوب للخادم قائلاً:  
*أيوب: أبلغه أنني سأوافيه في الحال. فقط خمس دقائق لأغير ملابسي.*  

انصرف الخادم تحت أنظار سليم الساخطة وهو يتكئ على الأريكة بأريحية متحدثاً بتحاذق لوالده بالإنجليزية:  
*سليم: وبالطبع إن سألك عني فأنا لست هنا. فأنا أخشى أن يرفض زواجي إن رآني أحتسي الخمر.*  

غمز لوالده بمكر وهو يرتدي ملابسه. خرج ليقابله فوجده يجلس في مكتبه والتوتر يغزو ملامحه. فتحدث بصوته الأجش:  
*أيوب: نورتنا يا مهران. خير يا راجل؟ مبقناش نشوفك. لازم يكون في مصيبة يعني عشان تنورنا.*  

*مهران: عمران رجع وشكله كده مش ناوي على خير أبداً.*  

انمحت الابتسامة من على وجهه وتحدث ببرود:  
*أيوب: طب ما يرجع؟ نعمله إيه يعني؟*  

*مهران بعصبية: بقولك مش ناوي على خير.*  

*أيوب بحدة: أولاً وطي صوتك. ثانياً هو ميعرفش أي حاجة من اللي حصلت. وحتى لو عرف مش هيقدر يعمل حاجة.*  

*مهران: شكلك ناسي هو ابن مين. ده ابن سالم الألفي فاكره ولا نسيته؟ سم الأفعى بيجري في دم كل واحد في عيلة الأفعى. والأفعى مبتسيبش حقها يا أيوب.*  

*أيوب: شكلك انت اللي ناسي نهاية الأفعى كانت عاملة إزاي يا شاطر. الأفعى انتهت من زمان يا مهران. والزمان ولى.*    

*مهران: يخوفي الحقيقة تبان.*  

*أيوب: ده على جثتي طول ما أنا عايش.*  

*_**_**_**_**_**_**_*_ 
فتح أسامة باب الفيلا وهو يدلف مع عمران للداخل. ولكنه صعق عندما اشتعلت الأضواء وظهر أمامه ببدلته السوداء واضعاً يده في جيب بنطاله ويقول بصوته الرخيم:  
*مالك: وحشتني يا أسامة.*  

نظر أسامة بنظرات حارقة لعمران وهو يشير على والده بغضب:  
*أسامة: الراجل ده بيعمل إيه هنا؟ وإيه اللي رجعه بعد كل السنين دي؟*  

ربت عمران على كتفه بحنان وهو يدفعه للنظر إليه:  
*عمران: اهدى وإحنا هنتفاهم.*  
تعليقات



<>