
كانت السيارة تلتهم الطريق الصحراوي المؤدي إلى المحمية الجبلية بسرعة جنونية، وصوت المحرك يصرخ بمرارة تماثل المرارة التي تعتصر قلب يوسف. أضواء الكشافات تشق ظلام جبال دهب الوعرة، بينما كان عقله يشتعل بصور الماضي والحاضر: وجه سارة المضرج بالدماء بعد أن صدمتها تلك السيارة اللعينة، ووجه تاليا الشاحب وهي مقيدة بحبال الغدر.
"مش هخسرك يا تاليا.. مش هسمح للماضي يدمر حياتي تاني لو كان الثمن موتي!" قالها يوسف بصوت متحشرج وهو يضغط على عجلة القيادة بقوة جعلت عروق يديه تنفر بغضب عارم.
في تلك الأثناء، داخل المخزن المهجر المحاط بكتل صخرية ضخمة، كانت تاليا تبدأ بالاستيقاظ من تأثير المخدر الثقيل. فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها مقيدة بالكامل علي كرسي حديدي بارد. الرطوبة العالية ورائحة الغبار والملوحة المنبعثة من البحر القريب كانت تزكم أنفها.
"فُقنا يا عروسة؟"
جاء الصوت من بين الظلال، مصحوباً بخطوات حذاء جلدي ثقيل. ظهر سليم الرشيدي من عتمة المخزن، ممسكاً بسيجاره الذي يتوهج جمره في الظلام كعين شيطان. كان رجاله المدججون بالسلاح يقفون خلفه كالأشباح.
نظرت إليه تاليا برعب دفين، لكن كبرياءها ونضجها الذي استمدته من حب يوسف جعلاها تتماسك. ابتلعت ريقها الجاف وقالت بنبرة حاولت جعلها ثابته:
"إنت مين؟ وعايز مني إيه؟ يوسف مش هيسيبك!"
ضحك سليم ضحكة خبيثة رنت في أرجاء المخزن، ثم اقترب وانحنى لمستواها قائلًا:
"عارف إنه مش هيسيبني.. وهو ده المطلوب! يوسف أخد مني كل حاجة زمان، فاكر نفسه فوق القانون عشان بيمشي بشرف.. بس الشرف بتاعه ده دفعت تمنه سارة زمان لما طيرتها عربية من رجالي في وسط الطريق.. والنهارده، جه الدور عليكي يا حلوة، عشان أحرق قلبه بالبطيء."
رغم الرعب الذي سرى في أوصالها عند سماع قصة سارة، إلا أن تاليا نظرت إلى سليم بتحدٍ وقالت:
"إنت مريض.. يوسف أقوى منك، والي بيقتل ويغدر بيموت بنفس الطريقة."
ارتفعت يد سليم بغضب ليوجه لها صفعة، لكن في تلك اللحظة بالذات.. دوت صرخة مكابح سيارة عنيفة بالخارج، متبوعة بصوت تحطم البوابة الخارجية للمخزن!
اقتحام الجحيم.. مواجهة الدم والنار
اندفع يوسف بسيارته محطماً البوابة الحديدية الخارجية، ليترجل منها كالإعصار، ممسكاً بسلاحه الشخصي الذي لم يكن يفارقه في تحركاته الخطرة. لم ينتظر الدعم؛ فكل ثانية كانت تساوي حياة تاليا.
"يوسف!!" صرخت تاليا بكل ما أوتيت من قوة.
"تاليا!!" هتف يوسف بعينين تشتعلان بالجنون عندما رآها مقيدة.
بدأ رجال سليم بإطلاق النار بكثافة، لتتحول ساحة المخزن إلى جحيم من الطلقات المتطايرة. ارتمى يوسف خلف برميل حديدي ضخم، وبدأ بتبادل إطلاق النار بحرفية وغل لم يعهده في نفسه من قبل. صرخ سليم برجاله وهو يتراجع للخلف مستتراً بتاليا:
"اقتلوه! مش عايزه يطلع من هنا عايش!"
أصاب يوسف اثنين من الحراس بطلقات دقيقة، لكن الذخيرة بدأت تنفد منه، والأعداد كانت تفوقه. وفي لحظة خاطفة، حاول أحد الحراس الالتفاف خلف يوسف ليطلق عليه النار من الخلف، لملمت تاليا كل قوتها، وبحركة يائسة، ركلت بقدميها المقيدتين طاولة خشبية صغيرة بجانبها، لتسقط وتحدث جلجلة نبهت يوسف في الجزء الأخير من الثانية!
التفت يوسف بسرعة وأطلق النار على الحارس قبل أن يضغط على زناده، ليسقط الحارس صريعاً. التقت عينا يوسف بتاليا بنظرة امتنان وعهد، لكن المتعة لم تدم، فقد استغل سليم التشتت وسحب تاليا من شعرها بقسوة، واضعاً فوهة مسدسه على رأسها!
"إرمي السلاح يا يوسف.. وإلا هحلقها بسارة حالا قدام عينك!" صرخ سليم بوجه محتقن بالدماء، وهو يتنفس بصعوبة خلف تاليا التي كانت تتألم من قبضة يده.
خرج يوسف من خلف مخبئه ببطء، رافعاً يديه، وعيناه مثبتتان على تاليا. كان يرى الخوف في عينيها، لكنه رأى أيضاً عهداً بالحب لا ينكسر.
"سيبها يا سليم.. مشكلتك معايا أنا، مش مع الحريم. أنا اللي كسرتك في السوق، وأنا اللي مستعد أموت، بس سيبها تمشي،" قال يوسف بنبرة هادئة مرعبة، محاولاً كسب الوقت وهو يسمع في الأفق البعيد أصوات سرينات الشرطة تقترب بسرعة.
لمح سليم اقتراب الشرطة، فأدرك أن وقته انتهى. تملكه الجنون وقال بفحيح غاضب:
"يبجى نموت سوا!"
وضغط على الزناد..
في تلك الأجزاء من الثانية التي بدا فيها الزمن متوقفاً، حركت تاليا رأسها بقوة للخلف لتضرب جبهة سليم، مما جعل رصاصته الطائشة تنحرف لتصيب كتف يوسف! تراجع سليم خطوة للخلف متأثراً بالضربة، وفي ذات اللحظة، رغم إصابة كتفه ونزيفه، اندفع يوسف كالفهد، ملقياً بجسده بالكامل على سليم، ليسقطا معاً على الأرض الصلبة.
دارت معركة طاحنة بالأيدي بين يوسف وسليم، لكمات متبادلة ودماء تسيل، صراع بين الغدر والانتقام، وبين الحب والواجب. تمكن سليم من الإمساك بقطعة حديدية وحاول غرسها في صدر يوسف، لكن يوسف، مستمداً قوته من صرخات تاليا باسمه، قبض على يد سليم وبكل ما يملك من عزم، عكس اتجاه القطعة الحديدية..
في تلك اللحظة المدوية، اقتحمت قوات الشرطة بقيادة طارق المخزن، مدججة بالسلاح، لتجد سليم ساقطاً على الأرض فاقداً للوعي ومصاباً، بينما يوسف يزحف بوهن شديد وجسد منهك ينزف نحو تاليا.
دموع الياسمين.. وبداية الفجر
❤❤❤❤❤❤❤❤❤
التقط طارق ورجاله سليم الرشيدي وبقايا عصابته، بينما أسرع طارق نحو يوسف ليساعده، لكن يوسف أشار بيده متوسلاً: "فك تاليا الأول يا طارق.. فكها أرجوك."
انحنى طارق وفك الحبال سريعاً، لتلقي تاليا بنفسها في أحضان يوسف بنحيب مرير امتزجت فيه دموع الرعب بدموع الفرحة والارتياح. احتضنها يوسف بذراعه السليمة بقوة وهو يدفن وجهه في عنقها، يستنشق عبير ياسمينها الذي كاد أن يفقده إلى الأبد.
"أنا هنا يا حبيبتي.. خلاص، الكابوس انتهى.. سارة حقها رجع، وإنتي معايا وفي حضني،" همس يوسف ونبرته ترتجف من فرط العاطفة.
نظرت تاليا إلى جرح كتفه النازف وقالت ببكاء: "إنت بتنزف يا يوسف.. إنت ضحيت بنفسك عشاني."
ابتسم يوسف ابتسامة شاحبة لكنها مليئة بالدفء، ورفع يده ليمسح دموعها قائلًا:
"أموت عشانك يا تاليا.. إنتي مش بس داويتي جرح الماضي، إنتي الحاضر والمستقبل اللي هعيش علشانه."
حملت سيارة الإسعاف يوسف وتاليا معاً تحت حراسة الشرطة، وبينما كانت السيارة تبتعد عن المحمية متجهة إلى المستشفى، كانت خيوط الفجر الأولى تشق سماء دهب، معلنةً ليس فقط عن نهاية ليلة مرعبة، بل عن دفن خطايا الماضي وولادة عهد جديد.. عهد نبت وسط أشواك المافيا، ليزهر بياسمين نقي لا يموت وحب ابدي الي نهايه الحياة:
كيف ستكون حياة يوسف وتاليا بعد القضاء على مافيا سليم الرشيدي؟
وهل ستشفى جراح يوسف الجسدية والنفسية تماماً في أحضان تاليا؟