رواية جعلتني مجرما الفصل الحادي والثلاثون 31 والثاني والثلاثون32 بقلم دينا عبد الله

رواية جعلتني مجرما الفصل الحادي والثلاثون 31 والثاني والثلاثون32 بقلم دينا عبد الله
"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
فتحت مريم عينيها، وكانت تشعر بصداع شديد. أمسكت رأسها بيديها، ونظرت حولها بارتباك... وما إن استوعبت المكان حتى اتسعت عيناها بصدمة وخوف. وجدت نفسها في غرفة نوم، والفراش الذي كانت نائمة عليه مزينًا بالورود.

نهضت بسرعة من مكانها، وقلبها يدق بسرعة. اتجهت إلى الباب وحاولت فتحه، لكنه كان مغلقًا... جربت مرة أخرى، لكن هذه المرة انفتح الباب من الخارج، فتراجعت إلى الخلف بقلق، وراحت تحدق في الباب بعينين متوترتين.

دخل يوسف وعلى وجهه ابتسامة خبيثة، ثم أشار إلى الغرفة قائلًا:
"رأيك يا عروسة في اوضتك "

ضمت قبضتها بغضب شديد، ثم رفعت إصبعها في وجهه بغضب، وقالت بنبرة حادة:
"ابعد عني يا يوسف... واللي بتفكر فيه دا مش هيحصل مش هتجوزك وعلي جثتي "

ازدادت ابتسامته، ثم قال وهو يضع يده على قلبه، متصنعًا التأثر:
"اااه يوسف طالعه من شفايفك زي العسل "

دفعته بعيدًا عنها، وركضت تنزل بسرعة إلى الأسفل. كانت في فيلا كبيرة بها الكثير من الغرف. ذهبت بسرعة إلى الباب، وحاولت فتحه، لكن دون جدوى. ركضت إلى النوافذ وحاولت فتحها، وبدون فائدة أيضًا... لا مكان للهرب.

نزل يوسف على السلم بهدوء، ثم نظر لها قائلًا:
"متحاوليش مش هتعرفي تخرجي من هنا "

نظرت له بضيق، وتجمعت الدموع في عينيها. اقتربت منه بخطوات مترددة، وقالت بصوت متوسل:
"يوسف ارجوك خرجني من هنا وبطل جنان بقا... انت مش عايز تفهم ليه انا مش عايزاك يا اخي "

تحول هدوؤه إلى غضب، وأمسك ذراعها بقوة، فتأوهت بألم. جذبها إليه، ونظر في عينيها مباشرة، وقال بنبرة حاسمة:
"وانا مش هسمحلك تكوني لغيري... انتي بتاعتي يا مريم... ومحدش هيقدر ياخدك مني "

نزلت دموعها من الوجع الذي شعرت به من قبضته القوية على يدها. أخذت تنظر إلى يده التي تطوق ذراعها، ثم إلى وجهه بعينين ممتلئتين بالخوف، قبل أن يتركها.. ثم قال:
"المأذون علي وصول... اطلعي جهزي نفسك يا عروسة "

اتسعت عيناها، ثم هزت رأسها بعنف وانفعال، وقالت:
"انا مش هتجوزك انت سامع ولا لا... انا مش موافقه على الجواز دا"

نظر لها قليلًا ببرود، ثم قال:
"قدامك خيارين مفيش تالت... اولهم توافقي بكل هدوء انك تتجوزني وتطيعي أوامري وتعملي كل واجباتك كزوجه او.. "

ابتسم بخبث، وحرك إصبعه على شفتيه، ونظر لها من الأعلى للأسفل بقذارة، ثم قال:
"هاخد منك اللي انا عايزه بس وقتها انتي اللي هتجيلي وتركعي عشان اتجوزك... لان طبعا بعد اللي هعمله مفيش واحد هيقبل يتجوزك ولا المحروص سي ادهم "

تراجعت للخلف لا إراديًا، وهي مصدومة من كلامه، وهزت رأسها بالنفي، قائلة ودموعها تنساب على خديها:
"انا مش هتجوزك.... ارجوك سيبني امشي... حرام عليك اللي انت بتعمله فيا دا "

تنهد بعمق، ثم قال ببرود:
"هتتجوزيني "

انفعلت وصاحت به قائلة:
"قولتلك لا ولاخر نفس فيا هفضل اوقلك لا "

أومأ لها، ثم قال بابتسامة خبيثة:
"يبقا انتي اللي اخترتي "

اقترب منها بسرعة، وأمسكها من يدها بعنف، وسحبها خلفه ليصعد بها إلى غرفته. صرخت بشدة وهي منهارة، وتحاول تحرير نفسها، وتصرخ بصوت عالٍ كي ينجدها أحد، لكن لا صوت.

قربت وجهها من يده، وقامت بعضه. صرخ وترك يدها وهو يصرخ متألمًا.

نزلت جريًا من على السلم، لكن خطواته سبقتها، وجذبها من شعرها. صرخت بقوة وهي تبكي وتترجاه أن يتركها، لكن دون فائدة.

تعثرت خطواتها، فوقعت على الدرج، لكنه لم يعطها فرصة للنهوض، وسحبها من شعرها بقوة تحت صرخاتها.

أدخلها الغرفة وألقاها على الفراش بعنف. أزالت شعرها من على وجهها، وقالت وسط بكائها، وصوتها يخرج متقطعًا من شدة الخوف:
"ارجوك متعملش فيا كده... حرام عليك... سيبني امشي... انت بتعمل فيا كده ليه "

أغلق باب الغرفة، ثم اقترب منها.

تراجعت للخلف ببكاء ورعب شديد، وأخذت تراقب خطواته بعينين مرتجفتين. اتسعت عيناها حين وجدته يفك أزرار قميصه.

هزت رأسها بعنف، ودموعها لا تتوقف عن السقوط، بينما أخذ جسدها يرتجف من الخوف.

انقض عليها كالوحش الذي انقض على فريسته دون رحمة، غير مبالٍ لصرخاتها بين يديه.......

               ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

استيقظت نورهان، فوجدت نفسها على الفراش كما هي في المستشفى. نظرت حولها بخوف وحيرة، ثم أخذت تتفقد المكان بعينيها؛ فهي لم تنم على الفراش، بل غفت على الأرض... كيف انتقلت إلى الفراش؟

حركت عينيها ببطء، فلاحظت هاتفًا موضوعًا بجانبها. استغربت، ونظرت حولها مجددًا بخوف شديد، وكأنها تخشى أن يظهر أحد من العدم. ثم أخذت الهاتف سريعًا وفتحته... وجدته مفتوحًا على فيديو مسجل.

فتحت الفيديو، فكان معتز جالسًا على كرسي بكل هدوء. بدا وجهه هادئًا، لكن الحزن كان واضحًا في عينيه، ثم بدأ حديثه قائلًا:
"مش عارف اتكلم معاكي عشان انتي مش عطياني فرصه وخايفه مني... مرام انا عايزك تثقي فيها... ملقتش طريقه تانية اتكلم معاكي بيها غير كدا "

كانت تنظر إليه بخوف، وعيناها تتحركان بين شاشة الهاتف وأرجاء الغرفة، بينما ضمت الهاتف إلى صدرها للحظة، غير مطمئنة، تخشى أن يكون هناك من يراقبها.

ثم عادت ونظرت إلى الهاتف. أكمل معتز حديثه قائلًا بملامح حزينة، وقد انخفض صوته قليلًا :
"انا مش عارف الحيوان عصام عملك اي خلاكي تبقي مرعوبه كدا من كل اللي حوليكي... بس عايزك تتأكدي من حاجة واحده بس... انا هفضل جنبك وهحميكي ومش هسمح لأي حد يأذيكي بعد كده... هفضل معاكي العمر كله "

نظرت له نورهان طويلًا، وبدأت ملامحها تهدأ قليلًا. خفت حدة الخوف في عينيها، وركزت معه أكثر، كلماته تسللت إليها رغم حذرها.

صمت معتز لحظة، وأخفض رأسه، وظل صامتًا لثوانٍ قبل أن يرفعه من جديد قائلًا:
"عارف هتستغربي وتقولي بيتكلم كدا ليه هوا انا اعرفك اصلا "

ابتسم بحزن، ثم أخرج السلسلة من جيب جلبابه. اتسعت عيناها حين رأت سلسلتها، واقترب وجهها قليلًا من شاشة الهاتف وكأنها تحاول التأكد مما تراه.

نظر معتز إلى السلسلة بين أصابعه، ثم رفع عينيه إلى الكاميرا قائلًا:
"السلسلة دي بتاعتك مش كدا... لقيتها واقعه في اوضة المستشفى لما خطفك الكلب وفشلت اوصلك رجعت المستشفى علي امل الاقي اي حاجه اعرف مكانك بيها.. ملقتش غير السلسلة دي "

تجمعت الدموع في عينيها، وتسلل إليها شعور غريب نحوه. ظلت تحدق في السلسلة بصمت، وبدأت فكرة واحدة تدور داخل رأسها... ربما فعلاً ما زال حيًا.

وضعت يدها على فمها تكتم بكاءها، وانخفضت عيناها للحظة، بينما ارتجفت أنفاسها.

تحدث معتز بابتسامة خفيفة، محاولًا أن يخفف عنها، قائلًا:
"في اسئلة كتير عايز اعرف اجابتها منك... زي منتي اكيد عندك اسئلة كتير عايزه اجابات وتفسير ليها.... بس انا دلوقتي عايز اعرف... انتي فاكره مين عطاكي السلسلة دي ولا لا "

صمت لحظة، ثم أضاف بحزن، وقد اختفت الابتسامة من وجهه:
"طيب لو قولتلك اني عارف انتي مين وعارف مين اللي اداكي السلسلة دي وعارف ماضيكي وعارف انت بت بين ومن عيلة اي هتصدقيني ولا لا "

اتسعت عيناها أكثر، وأنزلت يديها ببطء، بينما تساقطت دموعها بغزارة على خديها. لم تستطع أن تستوعب ما تسمعه... هل فعلًا يعرف من هي؟ يعرف عائلتها؟ يعرف صاحب هذه السلسلة؟ يعرف من تكون هي؟

ظل الهاتف بين يديها، وأصابعها ترتجف حوله، بينما عيناها لا تفارقان وجه معتز على الشاشة.

تحدث معتز بابتسامة حزينة، ثم قال:
"انا قاعد برا الاوضه ومش هتحرك من مكاني.. لو عايزه تعرفي كل حاجه اطلعي برا و قوليلي بس قبل اي حاجه لازم تبقي واثقه فيا ومتخفيش مني انا اخر واحد يفكر انه ممكن يأذيكي دنا أأذي الدنيا كلها عشانك... يا نورهان.... ايوه زي ما سمعتي نورهان دا اسمك الحقيقي مش مرام "

ثم انتهى الفيديو هنا.

ظلت تنظر إلى الهاتف دون أن ترمش، فقط دموعها تتساقط بصمت. تحركت شفتاها ببطء، وتمتمت بصوت منخفض، وكأنها تختبر الاسم للمرة الأولى:
"نورهان "

ثم نظرت إلى الباب.

نهضت بسرعة، لكنها توقفت قبل أن تفتحه. ترددت يدها فوق المقبض، وبدأت الأفكار تتصارع داخل رأسها... ماذا لو كان يكذب عليها؟ لكن ماذا لو كان فعلًا يعرفها؟ ستعرف أخيرًا من هي ومن عائلتها...

أمسكت مقبض الباب، وأغمضت عينيها بتردد، ثم أخذت نفسًا عميقًا. هزت رأسها وكأنها تحاول جمع شجاعتها، وجمدت قلبها، ثم فتحت الباب ببطء.

كان معتز جالسًا على كرسي أمام الباب. وما إن لاحظ الباب يُفتح حتى رفع رأسه إليها، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.

وقفت مكانها، تنظر له بقلق وخوف، ولم تتحرك من موضعها. كانت أصابعها ما زالت متشبثة بحافة الباب، وكأنها مستعدة لإغلاقه في أي لحظة.

لكنها تمالكت نفسها بصعوبة، وقالت بصوت ضعيف متردد:
"انت بجد تعرف انا مين... تعرف اهلي مين "

نهض معتز واقترب منها خطوة، لكنها تراجعت إلى الخلف لا إراديًا خوفًا منه، فتوقفت ابتسامته فورًا، وانعكس الحزن على ملامحه. نظر إليها للحظات، ثم قال بصوت هادئ:
"مش عايزك تخافي مني... طيب اعملك ايه عشان تطمنيلي وتثقي فيا "

هتفت ودموعها تتساقط، قائلة بنبرتها الضعيفة:
"مش عايزه منك حاجه غير انك تقولي اهلي مين "

هز رأسه بحزن، ثم أخرج السلسلة من جيبه ومدها إليها.

نظرت إلى السلسلة في يده، وظلت مترددة في أخذها خوفًا منه. ثبتت عينيها على يده للحظات، ثم رفعت نظرها إلى وجهه بحذر. وأخيرًا اقتربت ببطء، ثم سحبتها سريعًا من يده وتراجعت إلى مكانها على الفور برعب.

تنهد معتز بتعب، وأرخى كتفيه قليلًا، ثم قال بهدوء:
"طيب ممكن تيجي معايا "

نظرت له بخوف، وقالت بصوت مرتعش:
"اجي معاك فين "

صمت لحظة، ثم قال:
"لو اتكلمت معاكي يمكن متصدقنيش لكن لو شوفتي بعينك هتصدقبني "

هزت رأسها بالنفي بسرعة، وقالت:
"لا انا مش رايحه معاك في حته "

كانت تخشى أن يكون يكذب عليها ويأخذها إلى مكان بعيد ويعذبها مثلما يفعل معها عصام.

أغمض معتز عينيه بإرهاق منها. مرر يده على وجهه بتعب، فقد أنهكه خوفها المستمر... إلى متى سيظل الحال هكذا؟ متى تثق به وتطمئن إليه؟

فتح عينيه من جديد، ونظر إليها بنظرة هادئة، ثم قال:
"طيب قوليلي اعملك ايه دلوقتي عشان تصدقيني... لازم تروحي وتشوفي بنفسك كل حاجه عشان تبقي واثقه من كلامي وتعرفي الحقيقه... كلامي لوحده مش كفايا "

صمتت دون أن ترد عليه، فقط كانت تنظر له بشك وريبة. بقيت عيناها تراقبان وجهه بحذر، وكأنها تحاول اكتشاف إن كان يخفي شيئًا خلف هدوئه.

تنهد معتز، ثم قال:
"بصي ادخلي واقعدي مع نفسك وفكري فيها كويس.... و آااه صح قبل ما انسي انتي عارفه الكلب كان بيراقبك ويعرف مكانك ازاي "

عقدت ملامحها، وارتفع حاجباها بدهشة، ثم سألته بلهفة وسرعة:
"ازاي"

أشار معتز إلى السلسلة قائلًا بهدوء:
"كان حاطتلك في السلسلة شريحة تعقب وانتي متعرفيش... لكن اطمني دلوقتي امان مهما هيعمل مش هيعرف يوصلك... طول منا جنبك "

صمتت مرة أخرى وهي تنظر له.

كان كلامه وهدوؤه يتسللان إليها شيئًا فشيئًا، ويمنحانها قدرًا بسيطًا من الارتياح، لكنها لم تستطع الوثوق به... ولا بأي رجل مرة أخرى.

نظرت إلى السلسلة، ثم نظرت إليه وسألته:
"وانت عرفت ازاي "

هز رأسه ببساطة، ثم قال بابتسامة صغيرة:
"عادي انا حافظ كل تفاصيلها عشان انا اللي عاملها اول ما لقيت حاجه غريبة فيها عرفت علي طول "

اتسعت عيناها بصدمة، ورفعت السلسلة أمامها قليلًا وهي تنظر إليها، ثم هتفت:
"يعني ايه انت اللي عاملها "

زفر بتعب، وهز رأسه بيأس خفيف، ثم قال:
"يابت الناس منا قولتلك تعالي معايا وهتعرفي كل حاجه "

صمتت بتفكير، وظلت تنظر إلى السلسلة بين أصابعها، بينما كان عقلها يحاول جمع كل ما سمعته.

فقال لها:
"ارتاحي دلوقتي وفكري علي مهلك كويس واي قرار تاخديه انا معاكي فيه "

هزت رأسها بهدوء، ثم أغلقت الباب.

نظرت إلى السلسلة بين يديها طويلًا، ثم ذهبت وجلست على الفراش. رفعت رأسها بحيرة، وبقيت شاردة في أفكارها، تحاول أن تستوعب كل ما حدث، بينما كان سؤال واحد يطاردها بإلحاح...من تكون نورهان؟

                    ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡
توقفت السيارات أمام الكباريه تباعًا، وما إن توقفت السيارة الأولى حتى أسرع أحد الحراس بفتح الباب الخلفي.

نزل سيف منها بخطوات ثابتة وثقيلة، وأغلق الحارس الباب خلفه، بينما نزل رجاله من السيارات الأخرى وانتشروا حوله في صمت.

كان الغضب ظاهرًا على وجهه بوضوح، في عينيه الجامدتين، وفكه المشدود، والخطوات الحادة التي كان يخطوها نحو الداخل.

اقترب منه بعض الرجال الواقفين عند الباب محاولين اعتراض طريقه، لكن حراسه أبعدوهم جانبًا دون شجار، واكتفوا بنظرات حادة جعلتهم يتراجعون فورًا.

دفع سيف باب الكباريه ودخل.

كان المكان يعج بالضجيج قبل لحظات؛ نساء كثيرات بملابس فاضحة، وراقصة تتمايل باحتراف على أنغام الموسيقى، ورجال سكارى يتعالى ضحكهم وهم يحتسون الخمر ويستمتعون بوقتهم.

لكن ما إن وقع بصرهم على سيف ورجاله حتى تبدل كل شيء.

توقفت الأحاديث... خفتت الضحكات.. توقفت الراقصة عن الرقص في منتصف حركتها، وانقطعت الموسيقى فجأة، ليسود المكان صمت ثقيل ومريب.

لم يلتفت سيف إلى أحد.

كانت عيناه مثبتتين على الرجل الجالس فوق الأريكة أمامه الذي يُدعى « شادي»، محاطًا بعدد من النساء، وفي يده كأس من الخمر.

تقدم سيف نحوه بخطوات هادئة، ورجاله خلفه، بينما ظل شادي يراقبه من مكانه دون أن يتحرك.

اقترب سيف من الأريكة، ثم جلس على الأريكة المجاورة، وأسند ذراعه على مسندها، وأمال جسده قليلًا إلى الخلف، قبل أن يرفع عينيه إلى شادي بنظرة باردة مخيفة.

قال بصوت منخفض، لكنه حمل غضبًا واضحًا:
"أنت طول عمرك خاين خسيس ووسخ."

رفع شادي سيجارته إلى فمه، ثم استنشق منها بشراهة، وأخرج الدخان ببطء وهو يحدق في سيف بضيق.. قال ساخرًا:
"أنت جاي تلومني على خيانتي ليك... ما تكلمني عن الشهامة والرجولة والأصول والصحبية."

مال سيف برأسه قليلًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة خالية من أي ود، ثم قال:
"الصحبية ماتت يا شادي."

توقفت ابتسامة شادي للحظة، ثم عاد إلى تدخين سيجارته، وأمال رأسه إلى الجانب قائلًا بنبرة تحمل سخرية واضحة:
"أنت عارف يا سيف، أنت طول عمرك ما كنت صاحب ولا بتقدر العيش والملح، وجاي دلوقتي تحاسبني."

رفع سيف يده إلى أذنه، وكأنه يطلب منه اختصار الحديث، وقال ببرود:
"اسمعك في المفيد."

ظل شادي يحدق فيه لثوانٍ، ثم أطفأ سيجارته ببطء داخل المنفضة، وأسند ظهره إلى الأريكة، وأطلق زفيرًا طويلًا قبل أن يقول:
"أنا جاي أصفي الحسابات اللي ما بينا... وعفا الله عما سلف.. اللي عملته فيا واللي عملته فيك.. إحنا في النهاية كنا أكتر من إخوات."

ظل سيف ينظر إليه دون أن يرمش تقريبًا، ولم يظهر على وجهه أي تأثر.

ابتسم شادي ابتسامة خفيفة، ثم قال:
"مش هعرف أشتغلك يا سيف."

اعتدل في جلسته، ثم تنهد وهو يمرر يده على مقدمة بدلته قائلًا:
"أنا طالب الرضا."

رفع سيف إصبعه وأشار إليه أن يقترب.. تردد شادي لحظة، ثم مال بجسده نحوه.

اقترب سيف من أذنه، وانخفض صوته إلى فحيح بارد جعل الكلمات أشبه بتهديد مباشر:
"رضا مات واتدفن وشبع موت."

عاد شادي إلى مكانه ببطء، وظل ينظر إلى سيف لثوانٍ بوجه خالٍ من التعبير، قبل أن تضيق عيناه بضيق واضح.. قال:
"مينفعش كده، أنا حالي واقف، لا عارف أبيع ولا أشتري.. يرضيك كده؟"

صمت سيف للحظات، ثم مال إلى الأمام قليلًا، وأسند مرفقيه على ركبتيه، وقال بحدة:
"فين البضاعة يا شادي؟"

رفع شادي حاجبه، وأجابه بكل بساطة:
"منتا خدتها."

رفع سيف عينيه إليه ببطء، وثبت نظره عليه، ثم قال بنفس الضيق:
"مضروبة... وأنت عارف.. مرة تانية السؤال البضاعة يا شادي، ومتحاولش تلاعبني."

اتسعت ابتسامة شادي بسخرية، وقال بسرعة:
"أنا ألاعبك أنت؟"

أجابه سيف دون تردد:
"آه."

هز شادي رأسه ساخرًا، ثم أطلق ضحكة قصيرة وقال:
"دنتا اللي لاعبتني ومرجحتني."

صمت لحظة، ثم أضاف بضيق:
"وقلبت البضاعة والفلوس."

رفع سيف حاجبه وقال:
"فلوس آه، بضاعة لسه.. ومستنيك، ولما عرفت إنك بتخلص مصلحة، قلت بس سبوه، سبوه... أكيد هيجيب المصلحة دي لحد عندي ويقدمها كربان، ساعتها هعتبرها صلح منك ليا."

ضحك شادي بخفة، ثم مال برأسه إلى الخلف وقال باستهزاء:
"ههه... صلح مني ليك أنت؟"

هز سيف رأسه بثبات:
"آه.. إيه، كبيرة ولا إيه؟"

ارتسمت على وجه شادي ابتسامة ساخرة، وقال:
"ليه، لمؤاخذة كاسر عيني... أفهمها إزاي دي؟"

انخفضت ملامح سيف فجأة، واختفت ابتسامته تمامًا، ثم قال بحدة:
"افهمها زي ما تفهمها... صلح منك ليا.. بتقدم كفنك تحت رجليا.. المهم كله يبقى ليا.. شوفت بلطجة كده قبل كده؟"

حدق شادي فيه لثوانٍ، ثم ابتسم باستخفاف وقال:
"آه.. خيالك في النملية."

تغيرت ملامح سيف فورًا، وانقبض فكه، بينما تحرك رجاله خطوة إلى الأمام استعدادًا لأي أمر منه.

رفع شادي عينيه إليهم، ثم عاد بنظره إلى سيف وقال بنبرة أكثر جدية:
"شكلك تقلت في الشرب يا سيف... مش هكمل كلامي معاك دلوقتي، بس عمومًا.. معدش فيه شغل بينا وبين بعض تاني... فلوسك معاك وبضاعتي معايا، ومات الكلام."

نهض شادي ببطء، وسوّى ياقة بدلته، ثم عدّل أكمامها وكأنه أنهى الحديث بالفعل.

ظل سيف جالسًا مكانه للحظات، يراقبه بعينين ضيقتين، ثم قال بنبرة هادئة لكنها مشبعة بالتهديد:
"خلي بالك، بضاعتي هترجعلي... هطلعلك من تحت الأرض."

توقف شادي لحظة، ثم التفت إليه نصف التفاتة وقال:
"خلي بالك أنت.. إنك خليت اللي جاي صعب."

نهض سيف أخيرًا، ووقف أمامه مباشرة، حتى أصبح الفارق بينهما واضحًا، ثم قال بثقة وتهكم:
"صعب عليك يا شادي، مش عليا... المرة دي هسيبك تخرج على رجلك، لكن المرة الجاية... ناهيه."

ثبت شادي عينيه عليه للحظات، ولم يرد.. ثم أشار بيده إلى رجاله، فتحركوا خلفه وغادروا المكان.

ظل سيف واقفًا في مكانه يتابع ابتعاد شادي بعينين باردتين حتى اختفى عن أنظاره.

وبعد لحظات، عاد وجلس على الأريكة، وأسند ظهره إليها، ثم رفع يده إلى ذقنه وغرق في تفكير عميق.

كان المكان قد عاد إلى الحركة تدريجيًا، لكن شيئًا واحدًا ظل واضحًا في عيني سيف...هذه المرة لم تكن مجرد صفقة فاشلة... كانت بداية حساب جديد.... 

                   ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

عاد لؤي إلى المستشفى، لكن خطواته لم تكن طبيعية على الإطلاق؛ كان يمشي ببطء وحذر، ويُبعد إحدى ساقيه قليلًا عن الأخرى، وكلما حاول أن يسرع خانته حركته بسبب الألم الذي لا يزال عالقًا في جسده من ضربة أسيل.

كان يضغط على فكه محاولًا إخفاء تألمه، وكل بضع خطوات يعبس وجهه للحظة، ثم يستعيد ملامحه الطبيعية وكأن شيئًا لم يحدث.

كانت تقي تقف في الممر، ممسكة هاتفها بين يديها، وتتصفح آخر الأخبار بملامح قلقة.

توقفت عيناها عند خبر عاجل عن تعرض رجل الأعمال عصام الهاشمي لهجوم داخل غرفته بمنزله، حيث أُصيب بجروح خطيرة نتيجة الاعتداء عليه، وأكدت الأخبار أنه لا يزال على قيد الحياة ويتلقى العلاج في المستشفى.

كما ذكرت أن تحقيقات الشرطة لم تتمكن حتى الآن من تحديد هوية الشخص الذي هاجمه، لعدم ظهوره بوضوح في أي من كاميرات المراقبة،  وعن ارتدائه قناعًا أخفى ملامح وجهه بالكامل.

أنزلت تقي الهاتف ببطء، ثم رفعت عينيها، فوقعت على لؤي الذي كان يقترب منها.

ظلت تراقبه لثوانٍ، ثم انتقلت عيناها إلى طريقة سيره الغريبة.

عقدت حاجبيها بشك، وكتفت ذراعيها أسفل صدرها، ثم رفعت أحد حاجبيها وقالت بنظرات مليئة بالريبة:
"كنت فين لحد دلوقتي وبرن عليك مش بترد؟"

توقف لؤي أمامها، وحاول أن يقف بصورة طبيعية، لكنه اضطر إلى تغيير وضعية وقوفه سريعًا بسبب الألم، ثم قال بهدوء مصطنع:
"عادي كنت بغير جو شوية."

ضيقت تقي عينيها، ولم تقتنع بكلماته للحظة، ثم قالت باستنكار:
"تغير جو ولا تخلص على عصام؟"

ثبت لؤي عينيه عليها للحظات، وظل صامتًا كأنه يحاول معرفة كيف وصلت إلى الحقيقة، ثم هز رأسه وقال:
"وإنتِ عرفتي إزاي إنه أنا اللي عملت كده؟"

اقتربت منه خطوة، وربتت على كتفه بخفة، ثم ابتسمت بثقة وهي تقول:
"متنساش إني حفظاك أكتر من نفسي، وإحنا توأم بنحس ببعض، وأنا عارفة تصرفاتك كويس... روحت تقتله تنتقم من اللي عمله في معتز، مش كده؟"

هز لؤي رأسه بهدوء، ولم يحاول الإنكار هذه المرة، ثم قال بثقة:
"آه، أنا اللي عملتها."

اتسعت عينا تقي قليلًا، ثم ضاقت ملامحها وهي تقول بعتاب:
"وإنت إزاي تعمل كده؟ وهو لسه عايش أصلًا ومش هيسكت غير لما يعرف مين اللي عمل فيه كده... إنت إزاي تتصرف بالشكل ده؟"

حدق لؤي فيها بدهشة، ثم أشار إلى نفسه باستنكار وقال:
"إنتِ مضايقة دلوقتي يعني عشان خدت حق أخونا منه؟"

هزت تقي رأسها نافية، ثم لوحت بإصبعها أمام وجهه وقالت بنبرة ساخرة:
"تؤ تؤ... اللي مضايقني إنك عملت كده لوحدك، مخدتنيش معاك ليه؟"

رفع لؤي حاجبه، ثم أطلق زفيرًا ساخرًا وقال:
"آه آخدك معايا... عشان كنتِ قطعتي راس الراجل خالص وفصلتيها عن جسمه."

ابتسمت تقي ابتسامة واسعة، وكأنها وجدت الفكرة مناسبة تمامًا، ثم قالت بحماس:
"ده قليل جدًا... أنا كنت هدبحه وأفرمه وأتبله، بعدين أشويه، بعدين أرميه للكلاب."

تجمد لؤي للحظة وهو ينظر إليها بعدم تصديق، ثم قال:
"تتبليه وتشويه... وليه العذاب ده كله؟ قطعيه وارميه على طول."

كتفت تقي ذراعيها من جديد، ونظرت إليه بثقة قائلة:
"وذنب الكلاب تاكل لحمه المر إيه؟"

اتسعت عينا لؤي بدهشة، ثم مال برأسه إلى الجانب وقال:
"إنتِ دوقتي طعمه؟ شوفتيه مر ولا حلو؟"

تنهدت تقي بضيق، ثم لوحت بيدها أمام وجهها وكأنها ترفض مجرد تخيل الأمر:
"واحد معفن خسيس زيه تتوقع طعمه هيبقى إيه؟... سم بعيد عنك."

هز لؤي رأسه بقلة حيلة، ثم تمتم لنفسه وهو يزفر بضيق.

ظلت تقي تراقبه من أعلى إلى أسفل، ثم ركزت مرة أخرى على طريقة سيره.

خفضت يدها، ثم رفعت الأخرى إلى ذقنها وأخذت تحكها بأصابعها وهي تفكر، قبل أن تقول بشك:
"إلا قولي... إنت بتمشي كده ليه؟ إنت كويس؟"

توقف لؤي للحظة، ثم حمحم بحرج وأبعد عينيه عنها قائلًا:
"آه، أنا كويس، في إيه يعني؟... إلا قوليلي معتز فين؟"

كانت تقي على وشك الإجابة، لكنها لمحت شخصًا خلف لؤي، فارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، وأشارت بإصبعها من خلفه قائلة:
"وراك أهو."

تجمد لؤي في مكانه للحظة، ثم التفت ببطء.. وجد معتز واقفًا خلفه، يراقبهما بنظرات متشككة.

اقترب معتز منهما، ثم عقد حاجبيه وقال بضيق:
"هو حد فيكم ليه يد في اللي حصل لعصام؟"

تبادل لؤي وتقي نظرة سريعة.

كانت نظرة قصيرة لكنها كافية؛ لؤي رفع حاجبه، وتقي ضغطت شفتيها حتى لا تضحك.

ثم عاد لؤي بنظره إلى معتز وقال ببراءة مصطنعة:
"يا عم وإحنا مالنا؟ شايفنا مجرمين ولا إيه؟... لا طبعًا، ملناش صلة باللي حصل."

هزت تقي رأسها بسرعة لتؤكد كلامه، وقالت بجدية مصطنعة:
"صح، ملناش دعوة. إحنا كنا لسه بنفكر ننتقم إزاي بس منعرفش مين اللي سبقنا وعملها... بس يعني هو هيروح فين؟ أكيد هيتكشف في أي وقت."

التفت إليها لؤي ببطء، ورمقها بنظرة جانبية تحمل معنى واضحًا: اسكتي.

لكنها تجاهلت نظرته تمامًا.. ظل معتز ينظر إليهما بشك، ثم هز رأسه ببطء وقال:
"طيب يلا نروح نتطمن على نور... أبويا هاريني، رن من الصبح."

هزت تقي رأسها موافقة وقالت بجدية:
"صح، إحنا لازم نروح نشوفه."

تحرك الثلاثة معًا، لكن معتز لاحظ بعد لحظات طريقة سير لؤي الغريبة.

أبطأ خطواته قليلًا، ثم نظر إلى ساقي لؤي باستغراب، قبل أن يرفع عينيه إليه ويسأله:
"إنت بتمشي كده ليه؟"

توقف لؤي فجأة، والتفت إليه بعصبية، ثم أشار إلى نفسه بكلتا يديه وقال بانفعال:
"بمشي إزاي يعني؟ منا بمشي زي زيكم أهو! إيه ده؟"

حدق معتز فيه باستغراب، ثم نظر إلى تقي وكأنه ينتظر منها تفسيرًا.

لكن لؤي سبقهما ومشى أمامهما بسرعة، رغم الألم الذي جعله يعرج أكثر كلما ابتعد.

وهو يضغط على أسنانه، تمتم لنفسه بضيق:
"الله يخرب بيتك يا أسيل..."

نظر معتز إلى تقي باستغراب، ثم أشار إلى لؤي الذي ابتعد عنهما وقال:
"ماله ده؟"

هزت تقي كتفيها ببراءة، وقالت:
"علمي علمك."

ثم تبادلا نظرة قصيرة، قبل أن يلحقا به، بينما ظل لؤي يلعن أسيل في سره طوال الطريق...... 

                   ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

في غرفةٍ مظلمة، لم يكن ينبعث منها سوى ضوءٍ خافتٍ مسلّط على لوحةٍ كبيرة معلّقة على الحائط، كانت مغطاة بغطاءٍ أسود يحجب ما بداخلها.

ساد الصمت أرجاء المكان، قبل أن يُسمع صوت خطوات امرأة تقترب ببطء، يتردد رنين كعب حذائها في أرجاء الغرفة بصورةٍ زادت من رهبة المكان.

ظهرت المرأة من بين الظلام، وكانت والدة ميرال.

توقفت أمام اللوحة، وظلت تحدق في الغطاء الأسود لثوانٍ، ثم مدت يدها ونزعت الغطاء عنها ببطء.

ظهرت أمامها لوحة كبيرة امتلأت بالصور والأسماء، وقد عُلّمت بعض الصور بعلامات حمراء، من بينها صور فارس وعائلته، ومؤمن وعائلته، وسيف وعائلته.

تأملت الصور واحدًا تلو الآخر، وعيناها تتحركان بينها ببطء، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة خبيثة، اتسعت شيئًا فشيئًا وهي ترفع ذقنها بثقة.

قالت بنبرةٍ ماكرة، يتخللها حقدٌ واضح:
"كل واحد فيهم ليه دور... وهتدفعوا تمن كل حاجه عملتوها."

ثم أطلقت ضحكةً منخفضة، أخذت تتصاعد تدريجيًا حتى أصبحت أكثر خبثًا، قبل أن يأتيها صوت مواء قطة من خلفها.

توقفت عن الضحك، ثم التفتت ببطء، وازدادت ابتسامتها اتساعًا وهي تقول:
"كنتي ممتازة."

خرجت قطة سوداء من بين الظلال، تتبعها فتاة بخطوات هادئة وواثقة.

اقتربت الفتاة منها، وكانت ميرال.

وقفت بجوار والدتها، وعلى وجهها ابتسامة خبيثة، بينما لمعت عيناها بمكرٍ واضح، ثم قالت بنبرةٍ تحمل شيئًا من الفخر:
"تربيتك يا ماما."

التفتت والدتها إليها، وتأملتها للحظات بنظرةٍ راضية، ثم ابتسمت ابتسامة جانبية وقالت:
"كان تمثيلك فوق الوصف... أنا عن نفسي صدقتك، وأتقنتِ الدور هايل."

اتسعت ابتسامة ميرال قليلًا، ثم تحركت نحو اللوحة، ووقفت أمام صورة فارس ونور تحديدًا.

ثبتت عيناها على صورتهما، واختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهها، وحل محلها الغضب والحقد.

قبضت أصابعها بقوة، حتى ابيضّت مفاصلها، وقالت بنبرةٍ مليئة بالغل:
"ولسه... لسه مشفوش مني أي حاجة... اتحرمت من بابا بسببهم... وأنا هحرمهم من كل حاجة هما بيحبوها."

اقتربت والدتها منها، ووقفت إلى جوارها، ثم رفعت عينيها نحو صورة فارس.

ساد الصمت للحظات، قبل أن تقول بضيقٍ ممزوجٍ بالشماتة:
"فاكر إن خلاص اللي فات مات والماضي راح... بس اللي ميعرفوش إن الماضي راجع، وحياته هتتقلب كابوس."

وفجأة، دوّى صوت رجل من خلفهما:
"اتأخرت."

التفتت المرأتان في اللحظة نفسها.

كان يوسف يقف عند مدخل الغرفة، يستند بكتفه إلى الحائط، وقد أنهى سيجارته للتو. ألقاها على الأرض تحت قدميه، ثم سحقها بحذائه ببطء، وأخرج الدخان العالق في صدره من فمه وأنفه بشراسة.

تقدمت ميرال نحوه خطوة، وراحت تحدق فيه بنظراتٍ متحفزة، ثم سألته:
"عملت إيه؟"

رفع يوسف رأسه، وارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة، بينما ضاقت عيناه بثقة، وقال:
"حصل... واللي اتفقنا عليه تم بنجاح."

لمعت عينا ميرال للحظة، ثم أخفت ابتسامتها سريعًا، وتبدلت ملامحها إلى حزنٍ مصطنع، وأخذت تتصنع الأسى وهي تقول بنبرةٍ متحسرة:
"أوووه... مريم دي صعبانة عليا أوي... يا عيني عليها، مسكينة البنت دي أوي."

وضعت يدها على صدرها وكأنها تتألم من أجلها، ثم لم تستطع الاستمرار طويلًا، فانفلتت منها ضحكة شيطانية، سرعان ما شاركتها والدتها بابتسامة باردة.

أما يوسف، فاكتفى بالنظر إليهما بنظرةٍ غامضة، قبل أن يلتفت الثلاثة في الوقت نفسه نحو اللوحة.

تعلقت أعينهم بالصور المعلّقة أمامهم؛ فارس، ونور، ومؤمن، وسيف، وعائلاتهم...

ثلاثة أزواج من العيون، اجتمعت على هدفٍ واحد، بينما ارتسمت على وجوههم ابتساماتٍ باردة، تحمل في أعماقها الشر والغل والحقد.

وبقيت اللوحة أمامهم شاهدةً على ما يخططون له... كل صورةٍ عليها لم تكن سوى اسمٍ جديد في قائمة ضحاياهم.... 

                  ♡ـــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

فتحت مريم عينيها ببطء، وسرعان ما انعقد حاجباها من الألم الذي كان ينهش جسدها بالكامل. حاولت أن تتحرك، لكن تأوهًا مكتومًا أفلت من بين شفتيها، فوضعت كفها على الفراش تستند إليه، ورفعت جسدها بصعوبة.

راحت عيناها تتجولان في المكان بارتباك،حاولت النهوض مرة أخرى، إلا أنها توقفت فجأة.

تجمد جسدها بالكامل، واتسعت عيناها في صدمة، بينما أخذت أنفاسها تتسارع بصورة مخيفة.

نظرت إلى نفسها، وما إن وقعت عيناها على بقع الدم أسفلها على الفراش،تجمدت ملامحها من هول الصدمة. ثم جذبت الغطاء بيدين مرتعشتين، وما إن أدركت ما حدث حتى شحب وجهها تمامًا.

ارتجفت شفتاها، وتساقطت الدموع من عينيها بغزارة، قبل أن تضع يدها على فمها سريعًا لتكتم شهقاتها.

هزت رأسها ببطء، وكأنها تحاول إنكار الحقيقة التي يرفض عقلها تصديقها.

"لا... لا..."
خرج صوتها ضعيفًا ومختنقًا، بالكاد يُسمع.

أغمضت عينيها بقوة، وانهمرت دموعها أكثر، وهي تهز رأسها بعنف.. لم تصدق أنه فعل بها ذلك.

كانت تتمنى، بكل ما فيها، أن تستيقظ فجأة وتكتشف أن ما حدث لم يكن سوى كابوسٍ بشع... كابوس وستنتهي منه بمجرد أن تفتح عينيها.

لكنها كانت مستيقظة.. والحقيقة أمامها.

انخفضت يدها عن فمها ببطء، وخرجت منها شهقة موجوعة، ثم بدأت تبكي بصوتٍ مسموع، حتى امتلأت الغرفة بصدى بكائها.

نظرت حولها بعينين مذعورتين، وكأنها تبحث عن إجابة، عن مخرج، عن أي شيء يخبرها أن ما حدث ليس حقيقيًا.

"أنا عملتلك إيه...؟"
خرجت الكلمات من بين شهقاتها، متقطعة ومليئة بالوجع.

"أنا عملتلك إيه عشان تعمل فيا كده؟"
ارتجف صوتها أكثر، وانحنت بجسدها إلى الأمام، وضمت ذراعيها إلى صدرها وكأنها تحاول حماية نفسها من العالم بأكمله.
"ليه؟... ليه عملت فيا كده؟"

لم تجد إجابة.. ولم تجد سوى صمت المكان.

رفعت يديها إلى وجهها وصفعت وجنتيها بانهيار، ثم دفنت وجهها بين كفيها وأخذت تبكي بحرقة، بينما ارتجف جسدها بالكامل.

مرت دقائق طويلة وهي على تلك الحال، عاجزة عن التفكير.. كانت الأسئلة تتدافع داخل رأسها بلا توقف...
ماذا ستفعل الآن؟
كيف ستواجه الناس؟
كيف ستعود إلى حياتها بعد ما حدث؟

ولماذا فعل بها ذلك وكأنها لم تكن إنسانة لها قلب ومشاعر؟

مسحت دموعها بيدين مرتعشتين، ثم أجبرت نفسها على النهوض.

ترنحت للحظة، فاستندت إلى طرف الفراش حتى استعادت توازنها، ثم التقطت ملابسها بسرعة، وأخذت ترتديها بيدين ترتجفان من الخوف والارتباك.

كل حركة كانت مؤلمة، لكنها لم تهتم.. كل ما كانت تريده هو الخروج من هذا المكان.

أرجعت شعرها المبعثر إلى الخلف بأصابع مرتعشة، ثم مسحت دموعها سريعًا، لكنها لم تتوقف عن الانهمار.

رفعت عينيها نحو باب الغرفة.. ترددت للحظات.

تملكها خوف مفاجئ من أن يعود يوسف، فتراجعت خطوة وهي ترتجف، وأخذت تحدق في الباب وكأنها تتوقع أن يُفتح في أي لحظة.

ثم جمعت شجاعتها.. اتجهت إليه بخطوات متعثرة، وفتحت الباب بسرعة، ثم خرجت.

لم تلتفت خلفها.. عبرت الفيلا بأكملها بخطوات سريعة، حتى خرجت منها إلى الطريق.

وقفت للحظة خارج البوابة، تتنفس بصعوبة، ثم ضمت ذراعيها حول جسدها كانت دموعها لا تزال تنهمر بلا توقف.

مر بعض الأشخاص بالقرب منها، فالتفتوا إليها باستغراب، وتعلقت بها بعض النظرات الفضولية.

ارتبكت مريم أكثر.

خفضت رأسها، وحاولت أن تخفي وجهها بشعرها، لكن نظرات الناس زادت ارتباكها وخوفها.

شعرت وكأن الجميع يعرف ما حدث لها، وكأن العالم كله ينظر إليها ويحاكمها.

تراجعت خطوة، ثم أخذت نفسًا مرتجفًا، وفجأة ركضت.

ركضت بكل ما تبقى لديها من قوة، والدموع تغرق وجهها، وأنفاسها تتقطع، بينما كانت تهرب من المكان... ومن نظرات الناس... ومن الحقيقة التي كانت تطاردها أينما ذهبت.

ولم تكن تعرف إلى أين تذهب... كل ما كانت تعرفه الأن أنها لا تريد أن يراها أحد... 

                    ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وقف معتز برفقة تقي ولؤي أمام باب غرفة نور، وكان الثلاثة يتبادلون الحديث بهدوء، قبل أن تتوقف كلماتهم حين لمحوا أدهم يقترب منهم.

ابتسم معتز عندما اقترب منه، وتبادل معه المصافحة، بينما صافح أدهم تقي ولؤي أيضًا.

ثم نظر أدهم إلى معتز، ورفع حاجبه قليلًا، قائلًا بنبرة عتابٍ ممزوجة بالقلق:
"إيه يا عم؟ إحنا متفقناش على كده... وبعدين تختفي كده من غير ما تبلغنا؟ قلقتنا عليك."

ظهرت على وجه معتز ابتسامة خفيفة، وربت على كتف أدهم مطمئنًا، ثم قال بنبرة هادئة:
"أنا مش صغير عشان تقلقوا عليّا، وبعدين اطمن يا أبو عمو، أنا بخير الحمدلله."

اكتفى أدهم بابتسامة صغيرة، وأومأ برأسه دون تعليق، وقد بدا الارتياح واضحًا في عينيه.

في تلك اللحظة، نقلت تقي بصرها إلى آخر الممر، ثم اتسعت ابتسامتها فجأة وهي تلمح خديجة تقترب منهم.. قالت بسعادة:
"إيه ده؟ خديجة كمان جات!"

توقفت خديجة أمامهم، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة، ثم ألقت السلام قائلة:
"السلام عليكم."

رد الجميع السلام عليها، ثم اقتربت تقي منها قليلًا، وأخذت تتأمل ملابسها بإعجاب واضح.

كانت خديجة ترتدي إسدالًا واسعًا فضفاضًا بلونٍ بيج، ينسدل حول جسدها في هدوء، مع خمارٍ ونقاب متناسقين معه.

ظلت تقي تنظر إليها للحظات، ثم ابتسمت بإعجاب وقالت:
"برغم إنك منتقبة، إلا إنك بجد تحفة أوي، ولبسك بيعجبني أوي... حتى النقاب بيزود جمالك، حقيقي مش بيقلله."

ازدادت ابتسامة خديجة هدوءًا، وخفضت عينيها قليلًا في حياء، ثم قالت بنبرة لطيفة:
"جزاكِ الله خير."

تنهدت تقي، وأسندت ظهرها إلى الحائط، ثم راحت تتخيل نفسها بهذا المظهر، وقالت بنبرة حالمة:
"ببقى عايزة ألبس زيك كده، وكمان النقاب برضه... يعني كل ما بشوفك بقول نفسي ألبس زيك. بس للأسف مش مستعدة... برغم إن نفسي شكلي يبقى زيك كده."

صمتت خديجة للحظات، وظلت تنظر إليها باهتمام، وكأنها تفكر في كلماتها، ثم قالت بنبرة هادئة ومطمئنة:
"مفيش حاجة اسمها مش مستعدة... إنتِ لو عايزة بجد، هتبدأي. مش لازم نقاب على طول، امشي خطوة خطوة... ابدئي بلبسك الأول، بعدين الحجاب، بعدها الخمار، ثم النقاب... هتلاقي نفسك اتعودتي وحبيتيه جدًا جدًا... بس ابدئي."

ثم ابتسمت لها ابتسامة مشجعة، وأردفت بهدوء:
"قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾."

ظلت تقي تنظر إليها للحظات، وقد بدا التأثر واضحًا في عينيها. أخذت نفسًا عميقًا، ثم ابتسمت ابتسامة صادقة وقالت:
"لا... إحنا نقرب من بعض أكتر ونتكلم مع بعض كتير، عشان أستفيد منك أكتر."

هزت خديجة رأسها بهدوء، وازدادت ابتسامتها دفئًا، ثم قالت:
"إن احتجتي أي حاجة في أي وقت، هتلاقيني."

أومأت تقي بابتسامة ممتنة، بينما تبادل الشباب النظرات والابتسامات الخفيفة، وقد بدا عليهم الارتياح من الحديث الذي دار بينهما.

ثم نظر أدهم إلى الجميع، وأشار بيده نحو باب غرفة نور قائلًا:
"ندخل؟"

هزّوا رؤوسهم جميعًا بالموافقة، ففتحوا الباب ودخلوا.

كان نور جالسًا على حافة الفراش، يمسك هاتفه بيدٍ، بينما يمرر الأخرى على وجهه بضيق، وهو يتحدث في الهاتف بنبرة متبرمة:
"أنا مش عايز أفضل هنا أكتر من كدا... أنا بقيت كويس على فكرة.. مكنتش طلقة رصاص دي."

صمت لحظات يستمع إلى الطرف الآخر، ثم زفر بضيق وأغلق المكالمة، وأنزل الهاتف إلى جواره. رفع رأسه، وما إن وقعت عيناه عليهم حتى اتسعت ابتسامته قليلًا.

اقترب معتز منه بخطوات واسعة، وما إن وصل إليه حتى ضربه على كتفه بمرح، قائلًا:
"عامل إيه يا أبو عمو؟"

انتفض نور من مكانه، وانكمشت ملامحه من الألم، ووضع يده سريعًا على كتفه، صارخًا:
"الله يخربيت أمك.. كتفي يا غبي!"

انفجر معتز ضاحكًا، ثم انحنى قليلًا يتفحص كتف نور بنظرة ساخرة، وقال:
"ماله كتفك؟ منتا زي القرد أهه! أومال بيقولوا دا هيموت ومش عارف إيه!"

ضحك أدهم ولؤي وتقي، بينما اكتفت خديجة بابتسامة صغيرة اختفت خلف نقابها.

رمق نور معتز بنظرة غيظ مصطنعة، ثم قال وهو يضغط على كتفه:
"ما هو أنا كنت بموت فعلًا... بس لما شوفتك حسيت إن الموت أرحم."

تعالت ضحكاتهم، فضحك معتز أكثر، ثم مد يده وضربه على كتفه مرة أخرى بعفوية، قائلًا:
"هههه، منتا كويس أهو وعارف تهزر!"

شهق نور من الألم، وانحنى بجسده قليلًا وهو يضع كفه فوق كتفه، ثم رفع عينيه إليه بغيظ حقيقي:
"الله يخربيتك! كتفي يا حمار!"

ثم مد يده فجأة وضرب معتز على بطنه ضربة خفيفة من باب المزاح، قائلًا بنبرة متوعدة:
"المرة الجاية مش في بطنك... في حتة تانية."

انحنى معتز فورًا، واضعًا يده على بطنه، وقال متألمًا:
"الله يخربيتك! بطني يا متخلف!"

نظر إليهما لؤي من أعلى إلى أسفل، ثم هز رأسه ساخرًا وهو يضحك:
"أهو واحد ماسك كتفه والتاني ماسك بطنه... ناقص واحد فيكم يمسك رجله ونبقى خلصنا تشريح الجسم كله."

ضحك لؤي، ثم أشار إليهما بيده وأضاف:
"إنتوا لو فضلتوا تهزروا كده شوية كمان، الدكتور هيكتب في الملف اتصابوا بسبب قلة الأدب."

انفجرت تقي في الضحك، وضحكت خديجة هي الأخرى، بينما رفع نور ظهره قليلًا، ثم نظر إلى معتز مستغربًا، وسأله بفضول مصطنع:
"إنت بقا بطنك مالها؟"

وضعت تقي يدها على فمها محاولة كتم ضحكتها، ثم قالت:
"مطعون فيها."

اتسعت عينا خديجة بدهشة، ونظرت إلى معتز ثم إلى نور، بينما ابتسم نور وقال ببرود ساخر:
"تستاهل عشان عمايلك السودة."

رفع معتز يده بغيظ، وكأنه على وشك ضربه مرة أخرى، لكن نور رفع إصبعه في وجهه محذرًا، وقال بنبرة حادة رغم ابتسامته:
"وربنا لو عملتها تاني ياض، هقطعلك دراعك... متنساش إني أكبر منك، إيه قلة الأدب دي!"

نظرت تقي إلى معتز وهي تضحك، ثم قالت:
"إذا كنا إحنا أخواته وأكبر منه، مش عاملنا حساب وبيعاملنا على أساس إنه هو أخونا الكبير."

رمقها معتز بنظرة غيظ لطيفة، ثم التفت إلى نور، وأخذ يتأمله من رأسه إلى قدميه قبل أن يقول ساخرًا:
"وأنت يا عم اتنيل على خيبتك، وإنت شبه المره اللي لسه والدة، لا عارف تتحرك يمين ولا شمال."

ثم وضع يده على بطنه، وقلّد صوتًا أنثويًا بطريقة مبالغ فيها:
"الجرح هيتفتح يا علــــــــي!"

انفجرت تقي والآخرون بالضحك، حتى خديجة وضعت يدها أمام نقابها تخفي ضحكتها، بينما حاول نور أن يتمالك نفسه، لكنه فشل، وانفلتت منه ضحكة رغمًا عنه.

وبينما كان الجميع يضحكون، تنهد لؤي وأشار إليهم بيده قائلًا بنبرة مازحة:
"لا، إحنا يا شباب لازم لنا قعدة زي دي كتييير إن شاء الله.. فخلونا نتفق إننا نتجمع على طول."

هزّ الجميع رؤوسهم بالموافقة، وتبادلت بينهم الابتسامات.

في تلك اللحظة، طُرق الباب، وبعد لحظات فُتح ودخل رئيس قسم المباحث.

ما إن رأه أدهم حتى اعتدل في وقفته، وتبدلت ملامحه إلى الجدية، ثم وقف باحترام.

أما البقية فلم يعرفوه، فنظروا إليه باستغراب.

وضع نور يده على كتفه فجأة، وقطّب جبينه، ثم أبعد وجهه إلى الجهة الأخرى، متصنعًا الألم والإرهاق، بينما كان يعض على شفته حتى لا يضحك، وتمتم في سره:
"سامحني يا رب."

نظر الجميع إليه بدهشة، فقد كان قبل لحظات يضحك معهم دون أن يظهر عليه أي ألم.

أما أدهم فخفض رأسه سريعًا، محاولًا إخفاء ضحكته بصعوبة.

اقترب رئيس القسم من نور، وقال بنبرة ودودة:
"حمدالله على سلامتك."

رفع نور عينيه إليه ببطء، وتظاهر بالإرهاق الشديد، ثم قال بصوت ضعيف:
"الله يسلمك يا باشا."

ثم حاول النهوض من مكانه، لكنه ما إن حرّك جسده حتى أسرع رئيس القسم بإيقافه، قائلًا:
"لا، خليك زي ما إنت."

عاد نور إلى جلسته على الفور، وأخفى ابتسامة انتصار صغيرة وهو يخفض عينيه.

صمت رئيس القسم لحظات، ثم قال بجدية:
"إحنا محتاجين نتكلم شوية."

حمحم أدهم، ثم أشار إلى الباب قائلًا:
"طيب يلا يا جماعة نمشي إحنا."

هزّوا رؤوسهم، وبدأوا في الخروج واحدًا تلو الآخر.

لكن معتز توقف عند الباب، ثم التفت إلى رئيس القسم، واقترب منه قليلًا، وقال بصوت منخفض وكأنه يخبره بسر خطير:
"على فكرة، الواد نور بيضحك عليك... هو كان معانا كويس مفهوش حاجة، بس عمل تعبان لما إنت دخلت."

نظر إليه رئيس القسم بدهشة، ثم التفت ببطء ناحية نور.

أما نور فاتسعت عيناه، وحدق في معتز بنظرة صاعقة، وكأنه يتوعده بالويل.

هز معتز رأسه بكل براءة، ثم خرج من الغرفة وكأنه لم يفعل شيئًا.

أغلق الباب خلفه، بينما ظل نور ينظر إليه للحظات، ثم ضغط على أسنانه بغيظ وتمتم في سره:
"ماشي يا معتز الكلب."

                      ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وقف فارس أمام سيارته، وقد تصلّب جسده بالكامل، بينما كانت عيناه مثبتتين على الرجل الجاثي أمامه. كانت نظراته مشتعلة بالغضب، وملامحه جامدة بصورة مخيفة.

كان الرجل جاثيًا على ركبتيه، وذراعاه مقيدتان خلف ظهره. رفع رأسه بصعوبة، ونظر إلى فارس بتحدٍّ، وكأن وضعه لم يكن يعني له شيئًا.

اقترب فارس منه خطوة، ثم انحنى قليلًا حتى أصبح في مستوى عينيه، وقال بصوت منخفض لكنه مليئ بالتهديد:
"آخر مرة هسألك... هما مين؟ مين اللي مشغلينك يلااا؟"

ظل الرجل يحدق فيه لثوانٍ، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وأطلق ضحكة قصيرة مستفزة قبل أن يقول:
"أوعى تفتكر إنهم هيسبوك... بتحلم. أنت مهما عملت، هيفضلوا وراك زي ضلك بالظبط."

اشتدت ملامح فارس، وانقبض فكه بقوة، بينما ارتفعت أنفاسه من شدة الغضب.

اعتدل في وقفته، ومد يده إلى سلاحه، ثم أخرجه بسرعة ووجّهه نحو الرجل، وصوته يعلو بانفعال:
"أقسم بالله العظيم لو ما اتكلمتش... هقتلك!"

لم يتراجع الرجل، بل رفع حاجبه ونظر إلى السلاح، ثم عاد ببصره إلى فارس، وازدادت ابتسامته سخرية وهو يقول بلا مبالاة:
"اعمل اللي أنت عايزه... مش فارقة."

ثبت فارس عينيه عليه، وكانت ملامحه تتبدل تدريجيًا، وكأن آخر ذرة من صبره قد نفدت.

ضغط على فكه، وانقبضت أصابعه حول السلاح، أطلق رصاصة استقرت في منتصف جبهته.. بعدها سقط على الأرض. 

بعدها أنزل فارس ذراعه ببطء، وظل واقفًا مكانه للحظات، يحدق أمامه بوجه جامد وأنفاس ثقيلة.

وعلى مسافة بعيدة، كان يوسف يراقب المشهد من داخل سيارته.

أنزل هاتفه ببطء بعد أن تأكد من تسجيل كل ما حدث، ثم نظر إلى الشاشة للحظات، قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة خبيثة.تمتم لنفسه بنبرة واثقة:
"كده بقى... اللعبة بدأت."

الفصل الثاني والثلاثون 

"أول حاجة نصلي على النبي اللي هيشفع لنا يوم القيامة.🤍🍁"
طرق آدم باب غرفة والدته، لكنه لم يجد ردًّا. عقد حاجبيه بقلق، ثم طرق مرة أخرى، وحين ظل الصمت يخيّم على المكان، أمسك المقبض وفتح الباب بحذر.

دخل الغرفة وأخذ يجول بعينيه في أرجائها، فلم يجد أحدًا. تقدم بضع خطوات حتى وقف في منتصف الغرفة، ثم أخرج هاتفه واتصل بها.

لكن قبل أن تجيبه، سمع رنين هاتفها قريبًا منه.

التفت نحو مصدر الصوت، فوجد الهاتف موضوعًا فوق الكومود. أغلق المكالمة، وأنزل هاتفه ببطء، ثم نظر إلى هاتف والدته بتفكير: 
"هي راحت فين؟"

ظل واقفًا للحظات، وعيناه تتنقلان في الغرفة بحثًا عنها، حتى وقعت عيناه على شيء أسفل وسادة الفراش.

اقترب منها بخطوات مترددة، وانحنى قليلًا يتفحص ما يظهر منها. بدا الشيء كأنه صورة، فاشتعل فضوله لمعرفة ما تخفيه والدته، خصوصًا أنه ظن أنها ربما تكون صورة لوالده.

مد يده، لكنه توقف للحظة قبل أن يلمسها، وظل مترددًا.. ثم زفر بهدوء، وأدخل يده أسفل الوسادة وأخرج الصورة.

ظل ينظر إلى ظهرها لثوانٍ، يقلبها بين أصابعه بتردد، ثم أخذ نفسًا عميقًا وقلبها ليرى صاحب الصورة.

اتسعت عيناه فجأة، وتجمدت ملامحه في صدمة لم يستوعبها.. كانت الصورة لمؤمن.

خفض الصورة ببطء، وحدق فيها وكأنه يحاول التأكد مما تراه عيناه.. ظل صامتًا للحظات، ثم عاد ينظر إلى الصورة، وعقد حاجبيه في حيرة.

ما الذي تفعله صورة ذلك الرجل مع والدته؟
ما علاقتها به؟
هل تعرفه معرفة شخصية؟

ازدادت حيرته، وبدأت الأفكار تتصارع داخل رأسه، حتى سمع صوت الباب يُفتح.

دخلت أميرة، وكانت تبتسم وهي تقول دون أن تنتبه إلى الصورة في يده:
"إنت هنا وأنا بدور عليك."

استدار آدم إليها ببطء.. وما إن وقعت عيناها على وجهه حتى اختفت ابتسامتها تدريجيًا.

توقفت مكانها، وحدقت فيه بقلق، فقد لاحظت ملامحه الجامدة ونظراته التي تحمل سؤالًا لم يطرحه بعد.

اقترب منها آدم دون أن ينطق بكلمة، ثم رفع الصورة أمام عينيها.

وقعت عينا أميرة على الصورة، فتجمدت في مكانها، واتسعت عيناها بخوف وارتباك.

نظرت إلى آدم سريعًا، ثم إلى الصورة، وكأنها تحاول أن تعرف هل اكتشف الحقيقة.

أنزل آدم الصورة ببطء، وظلت عيناه مثبتتين عليها، ثم قال بوجه خالٍ من التعبير:
"صورة الراجل ده بتعمل معاكي إيه يا أمي؟"

ابتلعت أميرة لعابها بصعوبة، وشابكت أصابعها أمام جسدها بتوتر، بينما ظلت عيناها تهربان منه دون أن تجد إجابة.

انتظر آدم.. ثوانٍ مرت طويلة، لكنه لم يسمع منها شيئًا.. اقترب منها خطوة، وقال بصوت أكثر إلحاحًا:
"إنتِ تعرفي الراجل ده طيب هو يعرفك؟"

تجمعت الدموع في عيني أميرة، وحاولت حبسها، لكن دمعة خانتها وانزلقت على خدها.

ظل آدم يحدق فيها، وبدأ الضيق يتسلل إلى نبرة صوته:
"يا أمي ردي عليا... إنتِ تعرفيه منين؟ ومعاكي صورته ليه؟"

أغمضت أميرة عينيها بقوة، وكأنها لم تعد تملك القدرة على الهروب من الحقيقة أكثر من ذلك.

انهمرت دموعها، وهزت رأسها ببطء، ثم قالت بصوت منخفض مرتجف:
"مؤمن يبقى أبوك يا آدم."

تجمد آدم مكانه.. لم يرمش حتى.. ظل يحدقفيها.. ثم قال بصوت خافت يحمل عدم تصديق:
"إنتِ بتقولي إيه؟"

فتحت أميرة عينيها، وانهمرت دموعها بغزارة، ثم قالت وهي تؤكد كلماتها:
"زي ما سمعت يا آدم... الراجل اللي في الصورة ده يبقى أبوك."

ارتجفت شفتاها، ووضعت يدها على صدرها محاولة السيطرة على شهقاتها، ثم قالت وسط بكائها:
"أبوك عايش يا آدم... عايش.. مش ميت زي ما أنا قلتلك."

سقطت الصورة من يد آدم دون وعي.. ظل ينظر إلى والدته بعينين متسعتين، وكأن عالمه كله انهار في لحظة واحدة.

تجمعت الدموع في عينيه، وتراجع خطوة إلى الخلف، ثم هز رأسه بعنف رافضًا تصديق ما يسمعه: 
"يعني إيه يبقى أبويا؟! يعني إيه أبويا عايش وإنتِ فهمتيني إنه ميت؟"

اقتربت منه أميرة ومدت يدها نحوه، وصوتها يرتجف من شدة البكاء:
"حقك عليا يا ابني، لكن والله العظيم كان غصب عني.. مكنش ينفع أقولك الحقيقة، مكنش ينفع أقولك إنه عايش."

تساقطت دموع آدم على خديه، وارتفع صوته من شدة الوجع:
"كان غصب عنك ليه؟! ليه مكنش ينفع تقوليلي؟ وإنتِ كل يوم كنتِ بتشوفيني بتوجع وهو مش موجود في حياتي... ليه مكنتيش تقوليلي الحقيقة في كل مرة كنت بجيلك وأسألك عنه؟ ليه كنتِ بتكدبي عليا وتقوليلي إنه مات؟ لييييه؟!"

ارتعشت شفتاه، وأخذ نفسًا متقطعًا قبل أن يكمل، بينما كانت الدموع تحجب عنه الرؤية:
"ولما كنت بسألك عن أي حاجة ليه، أو صورة حتى عشان أبقى عارف شكله، كنتِ بتكدبي عليا وتقوليلي إن كل حاجة تخصه اتحرقت مع بيتنا القديم... وفي الآخر، بعد السنين دي كلها، وأنا كل يوم بتوجع من غيره وكنت بتمنى وجوده في حياتي... في الآخر يبقى عايش وإنتِ كنتِ بتكدبي عليا!"

رفع يده ومسح دموعه بعصبية، ثم نظر إليها بعينين ممتلئتين بالخذلان:
"طيب ليه؟! ليه تعملي فيا كده؟!"

مدت أميرة يدها لتقبض على يده، لكنه تراجع إلى الخلف قبل أن تلمسه.

توقفت يدها في الهواء، ثم أنزلتها ببطء.. نظرت إليه بحزن عميق، وازدادت دموعها، وقالت بصوت متهدج:
"هو نفسه ميعرفكش يا آدم... بدليل إنك شوفته وهو شافك مرتين ومقدرش يعرف إنت مين."

هز آدم رأسه ببطء، وكأن تلك الجملة كانت أشد قسوة من كل ما سبق.

رفع عينيه إليها، وكانت الدموع تملؤهما:
"ليه؟... ليه تحرميني منه؟ هان عليكي تشوفيني بتعذب كل يوم من غيره وإنتِ عارفة إنه موجود ليه تحرميني منه لييييه؟!"

انفعلت أميرة، وانفجرت في البكاء، ثم صرخت:
"أنا محرمتكش منه... هو اللي مش عايزك!"

اتسعت عينا آدم... توقفت أنفاسه للحظة، وكأن كلماتها كانت سكينًا انغرس في قلبه.

قال بصوت مرتجف:
"يعني إيه مش عايزني؟... يعني إيه أبويا مش عايزني؟! فهميني!"

لم تستطع أميرة الوقوف أكثر، فاتجهت إلى الفراش وجلست عليه، ودفنت وجهها بين كفيها للحظات وهي تبكي.

كيف ستخبره بالحقيقة؟
كيف ستخبر ابنها بما فعله والده بها؟

اقترب آدم منها، وكانت دموعه تنهمر بلا توقف، ثم قال بصوت مرتفع:
"ردي عليا... فهميني!"

رفعت أميرة وجهها، ونظرت إليه بعينين حمراوين من كثرة البكاء.

ظل الصمت للحظات، ثم تنهدت بألم، وكأنها اتخذت قرارًا لم يعد هناك رجوع عنه.

وبدأت تحكي له كل شيء.

حكت له عن اغتصاب مؤمن لها، وعن رفض مؤمن الزواج منها، ورفضه الاعتراف به وإنكاره لوجوده.

وحين علم أهلها بما حدث، كانوا على وشك قتلها وقتل طفلها معها، لكنها هربت منهم، وظلت أيامًا لا تعرف أين تذهب ولا أين ستعيش.

ذهبت إلى مؤمن وأخبرته بكل شيء، ومع ذلك رفض مساعدتها وتركها وحدها.

ولولا تدخل فارس، الذي وفر لها مكانًا تعيش فيه، واهتم بها وبطفلها، وتكفل بمصاريف تعليمه وكل احتياجاتهما، لما كانت تعرف أين كانت ستذهب.

أنهت حديثها وهي تبكي بحرقة، وقالت بصوت مكسور:
"رفض يعترف بيك أو يسجلك باسمه، حتى رفض يشوفك، ورماني ورماك من غير ما يسأل علينا... كنت عايزني إزاي أقولك بكل ده؟! مكنتش قادرة أقولك... مكنتش قادرة يا بني."

كان آدم يستمع إليها دون أن يقاطعها... لم يتحرك.. لم يتحدث.

فقط ظل واقفًا أمامها، وعيناه مثبتتان عليها، والدموع تنهمر بصمت على خديه.

كان في حالة صدمة كاملة، وكأن كل كلمة قالتها كانت تهدم جزءًا آخر من الصورة التي عاش عليها طوال حياته.

شعر بغصة مؤلمة تعتصر قلبه، ثم خرج صوته مرتجفًا، بالكاد يُسمع:
"يعني أنا ابن حرام؟... يعني أنا جيت على الدنيا غلطة؟"

نهضت أميرة بسرعة واقتربت منه، وأمسكت يده وهي تبكي:
"لا يا ابني..."

لكن آدم انتزع يده منها بعنف، نظر إليها بعينين مكسورتين..لم يتحدث.. كانت عيناه وحدهما تحكيان كل شيء.. تحكيان عن صدمته...عن وجعه...عن خذلانه...عن كل الأسئلة التي عاش بها طوال سنوات.

هتفت أميرة باسمه وسط بكائها:
"آدم..."

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة موجوعة، بينما لم تتوقف دموعه.هز رأسه ببطء وقال بصوت منكسر:
"آدم غلطة... طلع غلطة."

ثم استدار وتركها.. خرج من الغرفة وهو يمسح دموعه بيده، لكن دموعه لم تتوقف، بل ظلت تنهمر رغم محاولاته لإخفائها.

ركضت أميرة خلفه وهي تبكي:
"آدم استنى... اسمعني يا ابني!"

لكن قبل أن تصل إليه، كان قد غادر المنزل وأغلق الباب خلفه بعنف.

توقفت أميرة أمام الباب المغلق.. ظلت تحدق فيه لثوانٍ، وكأنها لا تصدق أن ابنها رحل بهذه الحالة.. ثم خانتها قواها.

سقطت على ركبتيها أمام الباب، ووضعت يديها على وجهها، وانفجرت في بكاء موجوع، وهي تردد بصوت متقطع:
"سامحني يا ابني...حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مؤمن حسبي الله ونعم الوكيل فيك" 

                   ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

جلس رئيس قسم المباحث بجانب نور، ثم تنهد ببطء ، ونظر إليه بنظرة جادة قبل أن يقول:
"عايزك ترجع تستلم القضية تاني يا نور."

نظر نور إليه ورفع حاجبه باستغراب، ثم اعتدل في جلسته قليلًا، وحاول أن يجعل نبرته هادئة احترامًا له، وقال:
"مش حضرتك برضو اللي سحبها مني وقولت في مليون ظابط غيري يقدر يحلها ويمسك المجرم؟"

هز رئيس القسم رأسه بهدوء، وظلت ملامحه جادة وهو يجيبه:
"حصل، وأنا جتلك بنفسي اهو وبطلب منك ترجع تكملها بنفسك، وانت اللي تقبض على المجرم."

ظل نور ينظر إليه لثوانٍ، ثم عقد حاجبيه قليلًا وسأله بهدوء:
"ليه مش القضية سلمتها لواحد تاني غير مجدي الله يحرقه... اقصد الله يرحمه."

ارتسمت على وجه رئيس القسم ابتسامة خفيفة، سرعان ما أخفاها وهو يعيد ملامحه إلى الجدية، ثم قال:
"مهو اتقتل هو كمان بنفس الطريقة اللي اتقتل بيها مجدي، وكتب اسمك برضو بدم ضحيته."

اتسعت عينا نور فجأة.. قُتل واحد أيضًا؟

أضاف رئيس القسم وهو يراقب رد فعل نور بعينين جادتين:
"المجرم مش عايز حد يكمل القضية غيرك، دا اللي قدرنا نفهمه من رسايله... لأنه لو كان عايز يقتلك كان عمل كده، إنما هو حتى محاولش يأذيك، وأول ما سبت القضية كل اللي يستلمها بعدك يقتله على طول."

خفض نور عينيه إلى الأرض، وغاص في تفكير عميق، بينما عقد حاجبيه وتغيرت ملامحه إلى الجدية. كان يحاول أن يفهم ما الذي يريده ذلك المجرم منه تحديدًا، ولماذا يصر على أن يكون هو من يتولى القضية، ولماذا يقتل كل من يحاول إكمالها بعده.

ظل رئيس القسم يراقبه بصمت، ثم قال:
"ها يا نور هترجع تستلم القضية تاني؟"

رفع نور عينيه إليه، وظل صامتًا للحظات، وكأنه يزن الأمر في ذهنه، ثم هز رأسه بالموافقة.

ابتسم رئيس القسم برضا، ثم نهض من مكانه ونظم سترته، وقال:
"كويس أوي... لما تخرج من هنا إن شاء الله مستنيك في مكتبي."

نهض نور هو الآخر، وهز رأسه بهدوء، ثم ودعه باحترام.

لكن قبل أن يرحل رئيس القسم، ألقى نظرة سريعة على نور، فتوقف فجأة حين وجده واقفًا بشكل طبيعي تمامًا، دون أن تظهر عليه أي علامات تعب.

رفع حاجبه باستغراب وقال:
"منتا كويس أهو، أومال لما دخلت عملت نفسك تعبان ليه؟"

تجمد نور للحظة، وارتبكت ملامحه، ثم ابتلع ريقه وأشاح بنظره بعيدًا بحرج، بينما لعن معتز في سره.

ضحك رئيس القسم بخفة، ثم هز رأسه وغادر الغرفة وأغلق الباب خلفه.

ظل نور واقفًا للحظات ينظر إلى الباب المغلق، ثم زفر بضيق وقال من بين أسنانه:
"الله يلعنك يا معتز الكلب."

عاد وجلس على حافة الفراش، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم شبك أصابع يديه أمامه.

سرعان ما اختفت ملامح الضيق من وجهه، وحل محلها التركيز والجدية.

رفع رأسه قليلًا، وثبتت عيناه أمامه وهو يستعيد في ذهنه تفاصيل القضية، وجرائم القتل، والرسائل التي تركها المجرم، واسمَه الذي كتبه بدماء ضحاياه.

ظل صامتًا للحظات، ثم ضيّق عينيه بتفكير.. هناك شيء لا يفهمه بعد...

                   ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

ظلت مريم تركض دون توقف، ودون أن تلتفت حتى إلى نظرات الناس الغريبة التي كانت تلاحقها. كانت دموعها لا تزال تنهمر بغزارة، فكانت تمسحها بظهر يدها بين الحين والآخر، محاولةً أن تحجب وجهها عن أعين المارة.

وبعد فترة من الركض، وصلت أخيرًا إلى سيارتها، وقدماها تؤلمانها بشدة من شدة ما ركضت. فتحت الباب بصعوبة، وصعدت إلى الداخل وأغلقته خلفها سريعًا، ثم أغلقت نوافذ السيارة، وكأنها تحاول عزل نفسها عن العالم بأكمله.

دفنت وجهها بين يديها، وانفجرت في بكاء مكتوم، ارتجف جسدها معه. ظلت على حالها لثوانٍ، ثم رفعت وجهها ببطء، وأزاحت شعرها المبعثر إلى الخلف بأصابع مرتجفة، بينما كانت عيناها تائهتين لا تستقران على شيء.

لم تكن تعرف كيف تتصرف...

عقلها توقف عن التفكير، وكلما حاولت أن تجد حلًا، عادت صورة ما حدث أمام عينيها من جديد.

وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها، ثم التفتت إلى هاتفها الموضوع أمامها. ظلت تحدق فيه للحظات. 

مدت يدها المرتجفة وأمسكته، ثم فتحت قائمة الأسماء... راحت عيناها تتحركان بين الأسماء بتردد وحيرة.
بمن تتصل؟
من تثق به؟
ومن يستطيع أن يقف بجانبها ويساعدها؟

توقفت يدها تلقائيًا عند اسم خديجة.. خديجة...كانت الوحيدة التي تستطيع الوثوق بها الآن وإخبارها بما حدث. أما فارس أو ياسمين أو نور، فلم تكن قادرة حتى على تخيل نفسها وهي تحكي لهم ما حدث معها.

ترددت للحظات، ثم مسحت دموعها بيدها، وأخذت نفسًا عميقًا محاولةً أن تتمالك نفسها، وضغطت على اسم خديجة واتصلت بها.

وفي أعماقها، كانت تتمنى ألا تجيب...رغم أنها في أشد الحاجة إليها.

كان قلبها يخفق بعنف، وأنفاسها مضطربة، وأصابعها ترتجف وهي تنتظر الرد.

وأخيرًا جاءها صوت خديجة الهادئ من الطرف الآخر:
"إزيك يا مريم عاملة إيه؟"

بمجرد أن سمعت صوتها، شهقت مريم شهقة مرتجفة، وكادت تنهار من جديد. أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوت مختنق متقطع:
"خديجة، أنا محتجاكي... ممكن تيجيلي دلوقتي؟"

انقبض قلب خديجة فور سماع نبرة صوتها، فاعتدلت في جلستها وقالت بلهفة وقلق:
"مالك يا مريم؟ في إيه؟"

وضعت مريم يدها على فمها تكتم شهقة أخرى، ثم قالت وهي تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها:
"تعاليلي بس الأول وأنا هقولك... بس متتأخريش عليا عشان خاطري."

أجابتها خديجة بسرعة، وقد ازداد القلق في نبرتها:
"طيب طيب... ابعتيلي المكان اللي إنتِ فيه."

أغلقت مريم المكالمة، ثم أرسلت لها موقع المكان، وبعدها وضعت الهاتف بجانبها.

أسندت رأسها إلى المقعد وأغمضت عينيها، وحاولت أن تهدأ، لكن ما إن عادت تفاصيل ما حدث إلى ذاكرتها حتى ارتجف جسدها وانهمرت دموعها من جديد.

ظلت تنظر حولها داخل السيارة بخوف، وكأنها تخشى أن يظهر يوسف فجأة أمامها.

لم يمر وقت طويل حتى وصلت خديجة إلى المكان الذي أرسلت لها مريم موقعه.

أخرجت هاتفها واتصلت بها، وما إن أجابت مريم حتى قالت خديجة بسرعة:
"إنتِ فين؟ أنا وصلت."

أغلقت مريم المكالمة، ثم فتحت باب السيارة وخرجت منها.

كانت دموعها لا تزال تنهمر، ورأسها منخفض، وملامحها منهارة من شدة الخوف والصدمة.

وما إن وقعت عينا خديجة عليها حتى أنزلت الهاتف عن أذنها ببطء، وظلت تحدق بها للحظات.

كانت ملابس مريم غير مرتبة على غير عادتها، وشعرها مبعثر، ووجهها شاحبًا، وعيناها حمراوين من كثرة البكاء.

اقتربت منها خديجة بخطوات سريعة، وراحت عيناها تتفحصانها بقلق شديد، ثم قالت بصوت مرتجف من الخوف:
"مالك يا مريم؟ مين اللي عمل فيكي كده؟"

لم تستطع مريم الإجابة.

بمجرد أن اقتربت منها خديجة، ارتمت في أحضانها، وانفجرت في بكاء شديد، تشبثت بملابسها وكأنها وجدت أخيرًا مكانًا آمنًا تستطيع أن تنهار فيه.

اتسعت عينا خديجة من الصدمة، ولم تفهم ماذا حدث لها، لكنها لم تسألها مرة أخرى.

مررت يدها على ظهرها برفق، ثم أبعدتها عنها قليلًا، وأمسكت بوجهها بين يديها ومسحت دموعها بإبهامها، وقالت بنبرة حانية:
"اهدي شوية... وحاولي تحكيلي حصلك إيه."

صمتت مريم.. كانت شفتاها ترتجفان، وعيناها تهربان من عيني خديجة.
من أين تبدأ؟
وكيف تخبرها؟

كانت الكلمات ثقيلة على لسانها، لكنها كانت بحاجة إلى شخص يقف بجانبها ويساعدها.

مسحت دموعها بكفها، وأخذت نفسًا مرتجفًا، ثم بدأت تحكي لخديجة ما فعله يوسف بها.

ظلت خديجة تستمع إليها دون مقاطعة، وكلما استمعت إلى المزيد اتسعت عيناها صدمة، واشتدت ملامح الحزن والغضب على وجهها.

وحين انتهت مريم، خفضت رأسها وهي تبكي، ثم قالت بصوت منكسر:
"مش عارفة أفكر... ومش عارفة هعمل إيه... أنا خايفة أوي، خايفة من نظرة الناس ليا مع إني معملتش حاجة والله العظيم."

أمسكت خديجة بكتفيها برفق، وثبتت عينيها في عينيها، وقد تجمعت الدموع في عينيها حزنًا عليها، ثم قالت بنبرة قوية ومطمئنة:
"خليكي قوية... فين مريم الشجاعة الصحفية اللي مش بتخاف من أي حاجة؟ أنا فاهمة إنك في الوقت ده خايفة ومش عارفة تفكري كويس، لكن أحسن حاجة عملتيها إنك كلمتيني وحكيتيلي عن اللي حصل."

صمتت لحظة، ثم ابتسمت لها ابتسامة صغيرة رغم الحزن الذي يملأ عينيها، وقالت:
"ودي شجاعة كبيرة منك يا مريم... في بنات كتير اتعرضوا لنفس اللي إنتِ اتعرضتي ليه، لكن هما خافوا يتكلموا، خافوا يحكوا لحد... ياريت البنات كلها تبقى عندها الشجاعة اللي عندك... و أنا معاكي، واللي اسمه يوسف ده وكل اللي زيه لازم يتعاقب على أعمالهم الوسخة... وحسابهم عند ربنا كبير."

بدأ خوف مريم يهدأ قليلًا.

لم تختفِ صدمتها، ولم تتوقف دموعها تمامًا، لكنها شعرت للمرة الأولى منذ ساعات أن هناك شخصًا يقف إلى جوارها ولن يتركها وحدها.. سألتها خديجة بهدوء:
"الموضوع ده حصل له قد إيه؟ كام ساعة؟"

هزت مريم رأسها ومسحت دموعها، ثم قالت بصوت ضعيف:
"تقريبًا تلات أو أربع ساعات... مش عارفة."

هزت خديجة رأسها بتفهم، ثم سألتها:
"غيرتي هدومك ولا زي ما إنتِ؟"

نظرت مريم إلى ملابسها للحظات، ثم خفضت عينيها وقالت بصوت منخفض حزين:
"لا... مغيرتهاش."

أومأت خديجة بتفهم، ثم أمسكت يدها وقالت بحزم وهدوء:
"طيب يلا تعالي معايا."

رفعت مريم عينيها إليها بقلق، وسألتها:
"هنروح فين؟"

ربتت خديجة على كتفها، وقالت بنبرة مطمئنة:
"متخافيش، أنا معاكي... إحنا هنروح نعملك شوية فحوصات، ونوثقها في تقرير طب شرعي، ونقدم بلاغ في الزفت يوسف، وتاخدي حقك منه."

صمتت مريم، وظلت تنظر إليها بتردد وخوف، ثم هزت رأسها ببطء وقالت:
"لا... لو حد عرف غيرنا، أنا شكلي هيبقى إيه؟ الناس مش هتتكلم عنه، الكل هيتكلم عني أنا... محدش هيحط الغلط عليه، الكل هيلومني ويغلطني أنا... محدش هيصدقني يا خديجة."

نظرت خديجة إليها بذهول، ثم عقدت حاجبيها وقالت بحدة ممزوجة بالألم:
"أنا مصدقاكي يا مريم، وكل البنات اللي زيينا هيصدقوكي... أوعي تعملي زي البنات الجبانه اللي تخاف تطالب بحقها خوف من نظرة المجتمع ليها... كفاية جهل بقى."

ثم أخذت نفسًا عميقًا، وقالت بحسرة وتهكم:
"ناس مين يا مريم اللي إنتِ خايفة منهم؟ إحنا بقينا في زمن ما يعلم بيه إلا ربنا... زمن النت والفضايح والترند والشهرة بقوا أهم حاجة دلوقتي... إنما اللي بيعافر ويجتهد ويعلّم، واللي بيطالب بحقه، كله بقى تحت الأرض... الناس اللي إنتِ خايفة منهم، مهما شافوا البني آدم قدامهم، حتى لو مفيهوش عيوب، هيتكلموا عليه ويطلعوا عنه كلام محصلش عشان يركبوا الترند وخلاص."

صمتت لحظة، ثم أمسكت يد مريم بقوة ورفعت عينيها إليها، وقالت بنبرة حازمة:
"أوعي تسيبي حقك ولا تخافي من الناس... بالعكس يا مريم، أنا عارفة إن اللي بتمري بيه صعب على اي بنت تتحمله، لكن أوعي تخافي... لأ، إنتِ تبقي رافعة راسك لفوق، إنتِ مغلطتيش يا مريم."

لم تستطع مريم منع دموعها، فارتمت في أحضان خديجة من جديد، وتشبثت بها وهي تقول ببكاء:
"خليكي معايا يا خديجة... متسبنيش."

مررت خديجة يدها على ظهرها بحنان، وضمتها إليها أكثر، ثم قالت بصوت هادئ مطمئن:
"اطمني، معاكي لحد ما تاخدي حقك من الوسخ ده... متقلقيش، ربنا معانا."

ظلت مريم محتضنة خديجة، وقد بدأ قلبها يهدأ قليلًا لمجرد وجودها إلى جوارها.

لم تندم على أنها أخبرتها.

بل أدركت، رغم خوفها، أن طلب المساعدة واللجوء إلى شخص تثق به كان أول خطوة صحيحة اتخذتها ........ 

           ♡ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كان معتز في طريقه إلى نورهان، يمشي بخطوات سريعة وهو شارد في حالتها، لكن أوقفه صوت أدهم من خلفه وهو يناديه:
"معتز استنى."

توقف معتز في مكانه، ثم التفت إليه ورفع حاجبه باستغراب.

اقترب أدهم منه بخطوات هادئة، وحين وصل إليه، نظر حوله للحظة قبل أن يثبت عينيه عليه، ثم قال بنبرة جادة:
"معلش مش هاخد من وقتك كتير، لكن كنت عايز أسألك على حاجة، وأتمنى تقولي الصراحة."

صمت معتز للحظة، ثم زفر بهدوء، وكأنه يعرف مسبقًا ما الذي يريد أدهم سؤاله عنه. عقد ذراعيه أمام صدره ونظر إليه بثقة، ثم قال:
"عارف إنت عايز تسألني عن إيه... عن اللي حصل لعصام، مش كدا؟"

أومأ أدهم بهدوء، وظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة، ثم قال:
"طيب الحمدلله إنك عارف، قصرت عني كلام كتير."

ابتسم معتز بخفة، وهز رأسه قبل أن يقول بنبرة مطمئنة:
"اطمن يا أبو عمو... أنا مليش دخل في اللي حصل لعصام."

ظل أدهم ينظر إليه لثوانٍ، وكأن عينيه تحاولان قراءة ما وراء كلماته، ثم قال بجدية:
"يا معتز لو كنت إنت قول، متقلقش، أنا مش هقول لحد... عصام قالب الدنيا على اللي عملها، وفي ناس أصلًا من غير ما حد يتكلم جابوك إنت في الوش عشان شافوك وإنت بتهجم عليه في المؤتمر، فالكل شاكك فيك... أنا مش جاي أدي محاضرات، لأ، لو إنت اللي عملتها قولي، يمكن أساعدك تخرج منها من غير ضرر."

تنهد معتز ببطء، ثم أنزل ذراعيه وأصبح أكثر جدية، وثبت عينيه في عيني أدهم وهو يقول بهدوء وثقة:
"والله العظيم تاني أنا مليش دعوة، معرفش مين اللي عملها... وبعدين أنا مبخافش غير من اللي خلقني وبس، ولو كان ليا إيد في اللي حصل هقول ومش هستخبى زي الحريم."

ظل أدهم صامتًا للحظات، يراقب ملامح معتز وثقته الواضحة، ثم هز رأسه بهدوء، وكأنه اقتنع بحديثه.. وقال بنبرة صادقة:
"تمام يا معتز، وأنا مصدقك. خلي بالك من نفسك... عشان العين عليك الفترة دي."

ارتسمت على وجه معتز ابتسامة واثقة، ثم رفع رأسه قليلًا وقال:
"اللي معاه ربنا مبيخافش... السلام عليكم."

ثم استدار وغادر بخطوات ثابتة، بينما ظل أدهم واقفًا مكانه يتابعه بعينيه حتى ابتعد.. ثم قال بهدوء:
"وعليكم السلام."

                 ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

وقف فارس في شرفة غرفة نور، وبين يديه ورقة صغيرة كُتب عليها شهر... كان هذا عدد الأيام المتبقية له من عمره، حسب التقارير والفحوصات التي أجراها الطبيب له.

ظل يحدق في الورقة بصمت، وعيناه تلمعان بالدموع، قبل أن يطويها ببطء ويقبض عليها بين أصابعه. مسح دمعة انزلقت على خده سريعًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا محاولًا أن يستعيد تماسكه.

وقف نور بجانبه، وأسند ذراعيه إلى سور الشرفة، ثم ابتسم وهو يمد بصره أمامه قائلًا بنبرة مرتاحة:
"أخيرًا خرجتوني من أم المستشفى دي."

لكن ابتسامته اختفت تدريجيًا حين التفت إلى والده ولاحظ شروده والحزن المرتسم على ملامحه. اعتدل في وقفته، ثم اقترب منه قليلًا، وحدق في عينيه بقلق قائلًا:
"مالك يا بابا؟"

رفع فارس عينيه إليه ببطء، وظل صامتًا للحظات. حاول أن يخفي ارتجاف صوته، ثم قال بنبرة هادئة تخفي خلفها وجعًا كبيرًا:
"أظن إنك بقيت كويس دلوقتي، مش كدا؟"

استغرب نور سؤاله، فعقد حاجبيه قليلًا، ثم هز رأسه مطمئنًا إياه:
"آه الحمدلله.. في إيه يا بابا؟"

تنهد فارس بعمق، وأدار وجهه قليلًا بعيدًا عنه حتى لا يراه وهو يحاول حبس دموعه. ظل صامتًا للحظات، ثم قال بصوت مثقل بالحزن:
"هتتجوز خديجة بكرا."

تجمدت ملامح نور للحظة، ثم مرر يده على وجهه بعصبية، وأخذ نفسًا حادًا قبل أن يلتفت إلى والده قائلًا بضيق:
"تاني يا بابا تاني... هقولهالك كام مرة مش بحبها ومش عايز أتجوزها... هو الجواز بالعافية؟"

ظل فارس ينظر إليه بثبات، رغم الألم الذي كان يعتصر صدره، ثم قال بحزم:
"قول اللي تقولي هتتجوزها برضو وبكرا."

اتسعت عينا نور، وارتفع صوته دون أن يشعر، وقد بدأت نبرة الغضب تختلط بالحيرة:
"إنت عايزني أتجوزها ليه... متمسك أوي بيها كدا ليه... نفسي أعرف ليه!"

لم يحتمل فارس أكثر من ذلك؛ ارتجفت شفتاه، وانهمرت دمعة من عينه رغم محاولته منعها، ثم صاح بصوت مكسور:
"عشان بموت!"

تجمد نور في مكانه، وكأن الكلمات أصابته في صدره مباشرة. حدق في والده بعينين متسعتين، واختفى الغضب من ملامحه تمامًا، ثم هتف بصوت منخفض مرتجف:
"إنت بتقول إيه يا قلبي بابا.. بعد الشر عنك."

أشاح فارس بوجهه، وأغمض عينيه بقوة بينما تساقطت دموعه، ثم قال بصوت خافت:
"مكنتش عايز حد يعرف، لكن مقديمش حل تاني عشان أقنعك."

ثم التفت إليه، وكانت عيناه ممتلئتين بالدموع، وقال:
"أنا مريض سرطان... سرطان في الدم."

اتسعت عينا نور في صدمة شديدة، وظل يحدق في والده غير مستوعب. ثم ضحك ضحكة قصيرة مرتبكة:
"بتهزر صح؟"

لم يرد فارس، فقط ظل ينظر إليه بعينين دامعتين وملامح ثابتة.

اختفت ابتسامة نور تدريجيًا، وأخذ يحدق في وجه والده منتظرًا أن يضحك أو يخبره أنه يمزح، لكنه لم يفعل. ابتلع نور ريقه بصعوبة، ثم قال بصوت مرتجف:
"بابا... إنت بتتكلم بجد؟"

ابتسم فارس ابتسامة ساخرة يائسة، وهز رأسه ببطء:
"يا ريتني كنت بهزر."

اقترب من ابنه خطوة، ثم قال ودموعه تنهمر بغزارة:
"نفسي أفرح بيك يا بني وأطمن عليك قبل ما أموت."

هز نور رأسه بسرعة، وكأن عقله يرفض تصديق ما يسمعه، ثم أمسك كتف والده بكلتا يديه، وقد تجمعت الدموع في عينيه:
"لا يا بابا أرجوك متقولش كده.. إنت هتبقى كويس.. أو أكيد الدكتور اللي كشف عليك عبيط مش فاهم حاجة... تعالى معايا هنروح عند أشطر دكتور في الدنيا كلها هيقولك إنت كويس."

نظر فارس إليه بحزن، ثم أبعد يديه برفق عن كتفه، وقال بصوت هادئ لكنه موجوع:
"مفيش داعي عشان أنا متأكد من الدكتور اللي كشفت عنده."

صمت قليلًا، وأخذ نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على انهياره، ثم تابع:
"أنا مفضليش كتير... مش عايز حاجة منك غير إنك تتجوز خديجة... أمنيتي قبل ما أموت يا ابني... هتحققها لي ولا لأ؟"

تساقطت دموع نور، ولم يستطع منعها أكثر. اندفع نحو والده واحتضنه بقوة، ودفن وجهه في كتفه وهو يبكي كطفل صغير:
"متقولش كده أرجوك... أنا مش هعرف أعيش من غيرك يا بابا... عشان خاطري متقولش كده."

لم يعد فارس قادرًا على التماسك، فضم ابنه إليه بقوة، وبدأ يبكي معه، ثم قال بصوت متقطع من شدة الألم:
"كان نفسي أفضل معاكم وقت أكتر من كده... نفسي أشوفك وإنت بتتجوز وبتبني حياتك وأشيل ولادك."

أبعده نور عنه، وأمسك وجهه بين يديه، وكانت ملامحه ممتزجة بالغضب والحزن والخوف:
"إنت مش هتسيبنا إنت سامع ولا لأ.... هتتعالج هسفرك بره مصر هتتعالج عند أحسن دكتور."

هز فارس رأسه بحزن، ونظر إلى ابنه بعينين مثقلتين بالاستسلام:
"أنا في المراحل الأخيرة من المرض والعلاج مش جايب نتيجة يعني خلاص يا نور."

هز نور رأسه بعنف، وكأن الكلمات ترفض الدخول إلى عقله، ثم أمسك وجه والده بين يديه بقوة، وقال بانهيار:
"لا... مفيش حاجة اسمها خلاص... أنا مش هسيبك تمشي وتبعد عني... مش هعرف أعيش من غيرك يا بابا.. ولا ماما ولا حتى مريم ملناش حد غيرك."

نظر فارس طويلًا داخل عيني ابنه، ثم قال بهدوء موجوع:
"أمنيتي الأخيرة منك تتجوز خديجة.... موافق ولا لأ يا نور.. آخر حاجة هطلبها منك."

مسح نور دموعه بظهر يده، وهز رأسه :
"سيبك من الجواز دلوقتي خلينا فيك إنت.. هاخدك تتعالج...."

قاطعه فارس، وكانت نبرة صوته تحمل رجاءً واضحًا، بينما اغرورقت عيناه بالدموع:
"موافق تتجوزها ولا لأ؟"

فتح نور فمه ليتحدث، لكنه توقف حين ظهرت ياسمين، وكانت تنظر في هاتفها وهي تقول دون أن ترفع عينيها عنه:
"محدش فيكم عارف مريم فين بكلمها مش بترد عليا و....."

صمتت فجأة حين رفعت رأسها ورأت الاثنين أمامها. لاحظت الحزن الطاغي على ملامحهما والدموع في أعينهما، فأنزلت هاتفها ببطء، واقتربت منهما بسرعة.. قالت بقلق:
"مالكم في إيه؟"

كاد نور أن يتحدث، لكنه التفت إلى والده. أسرع فارس بهز رأسه إشارةً إليه ألا يخبرها بشيء.

عقدت ياسمين حاجبيها، وازدادت حيرتها، ثم رفعت صوتها بقلق:
"حد فيكم يتكلم في إيه؟"

نظر نور إلى والده، وكانت الدموع تخونه رغم محاولته السيطرة عليها. شعر أن صدره يضيق كلما تخيل حياة من دونه، فاستدار وغادر دون أن ينطق بكلمة، حتى لا تراه والدته وهو يبكي.

ظلت ياسمين تتابعه بعينين حائرتين، ثم التفتت إلى فارس وقالت بقلق أكبر:
"فارس قولي في إيه متقلقنيش أكتر من كده."

ابتسم فارس ابتسامة متعبة، وحاول أن يجعل نبرة صوته طبيعية رغم الألم الذي يخنقه، ثم قال:
"مفيش حاجة اطمني كنا بنتكلم بس عن موضوع جواز نور اتقمص شوية عشان خاطر السنيورة بتاعته."

نظرت إليه ياسمين طويلًا، ولم تقتنع بكلامه. اقتربت منه خطوة، وحدقت في عينيه قائلة:
"عينيك فضحاك يا فارس.. قولي في إيه... الموضوع مش موضوع جواز نور.. في حاجة تانية إنت مخبيها عني ومش عايز تقولهالي... أنا دايمًا كل ما أبص في عينك أشوف وراها كلام كتير بس أنا مش فاهماه."

رفع فارس يده وربت على كتفها بحنان، وحاول أن يبتسم بصورة أكثر إقناعًا:
"قولتك اطمني مفيش حاجة... أنا عندي شغل لازم أمشي."

ثم انحنى وقبّل رأسها بحب، قبل أن يستدير ويغادر سريعًا.

ظلت ياسمين واقفة مكانها تراقبه بعينين ممتلئتين بالشك والقلق، قلبها يخبرها أن فارس يخفي عنها شيئًا أكبر بكثير مما قاله... 
         
                        ♡ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

كانت نورهان جالسة على الفراش، تقلب هاتفها بين الأخبار الأخيرة، حتى ظهرت أمامها أخبار عصام. ما إن وقعت عيناها على صورته حتى ارتعبت لمجرد النظر إلى ملامحه، وتجمدت أصابعها فوق الشاشة للحظة.

كانت على وشك تقليب الصورة سريعًا، لكنها توقفت حين وقعت عيناها على الأخبار المنتشرة عنه، وعن تعرضه للهجوم، وعن شك الجميع في معتز، بعدما نشروا فيديو اقتحامه للمؤتمر وهجومه على عصام، مؤكدين أنه هو من فعل به ذلك.

ابتلعت نورهان ريقها بتوتر، ثم شغلت الفيديو.

ظلت تحدق في الشاشة بعينين متسعتين، واستمعت إلى صوت معتز الغاضب وهو يهاجم عصام، حتى وصل إلى تهديده الصريح له بأن يخبره بمكانها وإلا سيقتله.

ارتجفت أنفاسها، وأسرعت بإغلاق الهاتف، ثم أبعدته عنها فوق الفراش.

في تلك اللحظة، دوى طرق على الباب.

انتفضت نورهان في مكانها، واتجهت عيناها إلى الباب بقلق شديد، بينما تشنجت أصابعها فوق بعضها من شدة التوتر.

دخل معتز، لكنه ترك الباب مفتوحًا عمدًا حتى لا تشعر بأنه يحاصرها، ثم توقف بعيدًا عنها، محافظًا على مسافة واضحة بينهما حتى لا يزداد خوفها منه.

نظر إليها بهدوء، ثم سألها بنبرة هادئة:
"فكرتي هتيجي معايا ولا لأ؟"

نهضت نورهان من على الفراش، لكنها ظلت بعيدة عنه، وبدت الحيرة والخوف واضحتين في عينيها، ثم قالت:
"انت اللي حاولت تقتل عصام؟"

ابتسم معتز ابتسامة صغيرة، وهز رأسه بهدوء، ثم قال بثقة:
"انا مش غبي عشان اعمل فيه كدا... انا لما باخد حقي باخده بطريقتي ومش بخبي بقول واحط صباعي في عين التخين."

نظرت إليه نورهان بارتباك، وظلت عيناها تتحركان بين ملامحه وملامح الباب المفتوح، وكأنها لا تزال تبحث عن مخرج إن شعرت بالخطر، ثم قالت:
"اومال مين اللي عملها... دا كمان سمعت خبر ان نسرين اخته مخطوفه ومحدش عارف مكانها."

هز معتز رأسه بهدوء، وقال بصراحة دون تردد:
"ايوه انا اللي خاطفها... انما اللي حصل للوسخ دا مليش صالح بيه."

تراجعت نورهان خطوة إلى الخلف دون إرادة منها، واتسعت عيناها بخوف، بينما بدا على معتز أنه لاحظ ابتعادها فورًا... قالت بصوت متردد:
"وانت خطفتها ليه؟"

تغيرت ملامح معتز للحظة، وانطفأت ابتسامته حين رأى خوفها منه. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
"عشان اقدر اوصلك وانقذك منه."

صمتت نورهان للحظات، وظلت تنظر إليه بحيرة، ثم سألت:
"وهيا لحد دلوقتي معاك؟"

هز رأسه بهدوء، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وهو يقول:
"لو عايزاني اسيبها هسيبها... اللي تقوليه هيحصل يا ست البنات."

ظلت نورهان تنظر إليه بصمت، وقد بدا عليها أنها تحاول فهمه، بينما كان معتز يراقب تعبيرات وجهها دون أن يقترب منها.

نظر إليها للحظات، ثم قال بنبرة خفيفة محاولًا تخفيف توترها:
"هتيجي معايا ولا قولتي ايه يا بت الناس؟"

صمتت نورهان، وخفضت عينيها تفكر في الأمر. فركت أصابعها ببعضها في توتر، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بحذر:
"مش لوحدنا... مش هروح معاك لوحدي."

هز معتز رأسه بابتسامة صغيرة، وكأن طلبها لم يزعجه إطلاقًا، ثم قال:
"أوامرك يا ست البنات... شوفي عايزة مين يجي معانا عشان تطمنيلي وانا تحت امرك."

ظلت نورهان تفرك أصابعها، ثم رفعت عينيها إليه وسألته بتردد:
"البنت اللي معاك دي تبقى مين؟"

عقد معتز حاجبيه للحظة، ثم ابتسم وقال:
"تقي... دي اختي الكبيرة."

هزت نورهان رأسها بهدوء، وكأن الإجابة جعلتها أكثر اطمئنانًا، ثم قالت:
"خليها تيجي معانا."

اتسعت ابتسامة معتز قليلًا، وظهر الارتياح واضحًا في عينيه بعدما وافقت أخيرًا على الذهاب معه، ثم قال بسرعة وبنبرة مطمئنة:
"عيوني ليكي يا ست البنات... هخليها تيجي معانا واللي انتي عايزاه يحصل."

نظرت إليه نورهان بصمت، وتعلقت عيناها بابتسامته الخفيفة التي تظهر كلما تحدث إليها.

وللمرة الأولى منذ وقت طويل، راودها شعور غريب بالأمان في وجوده؛ راحة لم تتوقع أن تشعر بها تجاهه، رغم كل الخوف الذي عاشته مؤخرًا... 

                        ♡  ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♡

خرج مؤمن من منزله، وكان على وشك ركوب سيارته، لكنه توقف حين وجد آدم يقف أمامه. عقد ملامحه باستغراب، ثم أغلق باب السيارة واقترب منه.

نظر إليه آدم بحزن شديد، والدموع متجمعة في عينيه، ثم قال بصوت مرتجف:
"إزيك يا..... بابا"

تعليقات



<>