طيف من الماضي المنسي
مر أسبوعان على الحريق الهائل الذي التهم أجزاء من مشروع النخيل. تحولت الشركة في هذه الفترة القصيرة إلى خلية نحل حقيقية، لكن هذه المرة بروح جديدة تنبض بالأمل والاستقرار. الأستاذ صابر رحل بلا عودة، وحلت محله المهندسة صابرين، التي باتت تملأ ردهات المبنى بوقارها ورقتها الفطرية. كان ممدوح بجانبها كظلها، يحمي خطواتها ويدعم قراراتها، والخال عزت يرقب المشهد من مكتبه بابتسامة رضا لم تفارق وجهه.
وفي صباح يوم دافئ، بينما كانت صابرين تراجع مخططات التوسعة الجديدة مع ممدوح، قطع انسجامهما رنين هاتف المكتب الداخلي.
جاء صوت موظف الاستقبال مهتزًا ومترددًا:
"يا فندم.. فيه راجل مسن تحت في الاستقبال، بقاله تلات أيام بييجي ويطلب يقابل البشمهندس عزت أو حضرتك. شكله تعبان جدًا وهدومه مبهدلة، والأمن مش راضي يدخله.. بس هو صمم المرة دي وقال إنه يقرب للبشمهندس عزت."
عقدت صابرين حاجبيها باستغراب ونظرت إلى ممدوح الذي بادلها نظرة حائرة. قالت صابرين بصوتها العذب:
"خليه يتفضل يا عماد، وهاتله كوباية ليمون دافي."
بعد دقائق، انفتح الباب ببطء شديد. تراجعت صابرين خطوة إلى الوراء غريزيًا عندما رأت طيفًا بشريًا غريبًا يدلف إلى الغرفة. كان رجلًا في أواخر الستينيات من عمره، يرتدي جلبابًا رماديًا باليًا، تظهر على أطرافه بقع من الطين، وجسده النحيل منحنٍ بشدة وكأن هموم العالم كله جثمت فوق كتفيه. شعره الذي اشتعل شيبًا كان أشعث، ووجهه تملؤه تجاعيد عميقة تحكي قصة انكسار مرير.
وقع نظر الرجل على صابرين الواقفة بكامل أناقتها وفستانها الهادئ وشعرها المنسدل. اتسعت عيناه الذابلتان وارتعشت شفتاه الشاحبتان، وخرج صوته مبحوحًا، متهدجًا، كأنه يخرج من بئر عميق:
"صابرين... بنتي؟"
تجمدت الدماء في عروق صابرين. تلاشت الابتسامة من وجهها، وشعرت برعشة عنيفة تسري في أطرافها. هذا الصوت... رغم السنين ورغم الوهن، تعرفه جيدًا. إنه الصوت الذي طالما طارد كوابيس طفولتها. إنه الصوت الذي قال لأمها ذات ليلة باردة: "أنا مش هعيش مع واحدة مبتخلفش غير بنات.. أنا عايز الولد اللي يشيل اسمي وسندي في الدنيا!"
إنه شريف... والدها.
في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب الداخلي وخرج البشمهندس عزت متكئًا على عصاه. ما إن وقعت عيناه على الرجل الواقف حتى تجمد مكانه، واشتعلت عيناه بغضب دفين كتمه لسنوات:
"شريف؟! أنت ليك عين تيجي هنا تاني بعد كل السنين دي؟"
سقط الأب شريف على ركبتيه فجأة وسط ذهول ممدوح الذي وقف حائلًا بجسده لحماية صابرين غريزيًا. انهار الأب باكيًا بصوت مسموع، وكان بكاؤه ذليلًا يمزق القلوب الصخرية. راح يضرب على صدره بيده المرتعشة ويقول:
"ربنا بالمرصاد يا عزت.. ربنا اقتص مني وخلص حقكم تلت ومتلت.. أنا ضعت، أنا اترميت في الشارع!"
لم تتحرك صابرين من مكانها، لكن عينيها امتلأتا بدموع حارقة رفضت أن تتركها تسقط. سأله الخال عزت بنبرة جافة خالية من الشفقة:
"جرى لك إيه؟ وفين ابنك 'مروان' اللي بعت دنيتك وآخرتك وأهلك علشانه؟"
شهق الأب شريف بالبكاء، وتكلم بنبرة تملؤها الحسرة والندم:
"مروان... الولد اللي تمنيت يجي يشيلني... كبر وبقى وحش كسرني. لما كبرت وعجزت، خلاني أمضي على توكيل عام بحجة إنه هيدير الشغل مكاني.. وبكل جحود ونذالة، نقل كل حاجة أملكها باسمه؛ البيت، والورش، والأرض، وحتى رصيدي في البنك. ولما واجهته وطالبت بحقي... طردني! طردني ورمى هدومي في الشارع قدام مراته وناسه.. قالي مالكش عيش عندي يا عجوز يا مكركب! ذوقني نفس الكأس اللي شربته لأم صابرين.. ربنا مبيظلمش يا عزت، ربنا اقتص للغلابة."
خطت صابرين خطوات بطيئة ونحو الأب الساجد على الأرض. كانت خطواتها واثقة، لكن قلبها كان يعتصر ألمًا وغضبًا تراكم لربع قرن. انحنت قليلًا لتنظر في عينيه الذليلتين، وقالت بصوت هادئ، لكنه كان أشد قسوة من سوط الجلاد:
"دلوقتي افتكرت إن ليك بنت يا شريف بيه؟"
نظر إليها بعينين محمرتين من الدموع وقال: "سامحيني يا بنتي.. أنا ندمان.. اضربيني، اطرديني، بس قوليلي يا بابا ولو لمرة واحدة!"
ضحكت صابرين ضحكة قصيرة مريرة تملؤها السخرية والوجع، ثم صرخت فيه فجأة بصوت زلزل أركان المكتب، صوت يخرج من أعمق نقطة في روحها الجريحة:
"أقولك يا بابا؟! بابا مين؟! الأب ده هو السند اللي بيحمي، مش اللي بيرمي لحمه للكلاب! أنت عارف أنا عشت إزاي؟ أنت عارف أنا لبست البدلة الرجالي دي ليه؟"
أشارت بيدها إلى الكاب القديم المستلقي على طرف المكتب وتابعت والدموع تنهمر كالسيل على وجنتيها:
"أنا نسيت إني أنثى بسبك! دفنت صابرين البنت الرقيقة لسنوات جوة قناع الأستاذ صابر.. عشت بوش جاف، وبصوت خشن، وبحواجب عاقدة، وبدلات واسعة عشان أقدر أقف في السوق وسط وحوش الأرض ومحدش يستضعفني أو يطمع فيا لأني 'بنت' من غير ضهر! قتلت أنوثتي بإيدي عشان أحمي أمي اللي سبتها بتموت من القهرة... كنت بموت كل يوم وأنا شايفة البنات في سني بيعيشوا حياتهم، وأنا محبوسة جوة قناع راجل عشان لقمة العيش اللي أنت استخسرتها فينا!"
انتحب الأب شريف بشدة، ووضع رأسه على الأرض عند قدميها وهو يبكي بحسرة تفتت الصخر:
"أنا آسف.. أنا رخيص وجاني.. ربنا جاب حقك مني وخلى ابني يرميني زي الكلب في الشارع.. سامحيني يا صابرين، سامحيني يا بنتي!"
أصالة المعدن والعدالة الإلهية
التفت ممدوح نحو صابرين، واقترب منها برفق، ووضع يده على كتفها يربت عليها بحنان، هامسًا: "اهدي يا صابرين.. صحتك بالدنيا."
نظرت صابرين إلى ممدوح، ثم إلى خالها عزت الذي كان يمسح دمعة صامتة فرت من عينيه.
أخذت صابرين نفسًا عميقًا، ومسحت دموعها بكبرياء أنثى انتصرت على ظروفها وعلى ماضيها. نظرت إلى الرجل العجوز المنكسر تحت قدميها، وقالت بنبرة هادئة تعكس أصلها الطيب الذي ربّاها عليه خالها:
"أنا مش هطردك للشارع يا شريف بيه... مش عشانك، ولا عشان السنين اللي حرمتني فيها من كلمة 'بابا'.. أنا هعمل كده عشان ربنا، وعشان الأصول اللي خالي عزت رباني عليها واللي أنت متعرفش عنها حاجة. ممدوح..."
التفتت إلى ممدوح وتابعت:
"اكتب شيك بمبلغ محترم يضمن له سكن نظيف ومعاش شهري يعيش بيه مستور وميحتاجش لحد.. لكن متطلبش مني ألمسك، ولا تطلب مني أسامحك من قلبي.. الوجع اللي عيشتهولي أنا وأمي أكبر من أي كلمة سماح. اتفضل... وربنا يسامحك على اللي عملته فينا."
نهض الأب شريف ببطء، يقبض على الشيك بضمير ميت وعينين يملؤهما الخزي والعار. نظر إلى صابرين للمرة الأخيرة، ورأى في عينيها مزيجًا من الشفقة والأنفة، فأدرك أنه خسر أثمن كنز كان يمكن أن يملكه في حياته... ابنة بمليون رجل.
جر قدميه وخرج من المكتب بخطى ثقيلة، تاركًا وراءه صابرين وهي ترتمي في حضن ممدوح، تبكي بحرقة وتفرغ شحنات السنين من الألم، بينما كان ممدوح يضمها بقوة ويهمس في أذنها:
"خلاص يا حبيبتي... الكابوس انتهى والنهار طلع... وأنتي في حضني وبأمان."
