
تسمرت تاليا في مكانها وهي تستمع إلى نبرة يوسف المرتبكة وصوت السيدة نادية الباكي المسموع من الهاتف. في تلك اللحظة، دارت في رأسها آلاف الأفكار؛ هل عادت ذكريات سارة لتفرض نفسها من جديد؟ هل سيعود يوسف إلى دوامة الحزن والماضي؟
لكنها نظرت إلى عيني يوسف الحائرتين، ورأت فيهما خوفاً حقيقياً ليس على ماضيه، بل خوفاً من أن يجرح مشاعرها هي، الحاضر والمستقبل. هنا، تجلت نبل أخلاق تاليا وعمق حبها له.
ابتسمت تاليا بضعف ولكن بثبات، ووضعت يدها على كتف يوسف وهمست له بنبرة مطمئنة:
"رد عليها يا يوسف.. وقولها إننا جايين حالاً. طنط نادية ملهاش ذنب، وده واجبنا."
اتسعت عينا يوسف بذهول غلفه امتنان عميق، وضغط على يدها بقوة وكأنه يشكرها على نضجها الذي أنقذه من حيرته. تحدث في الهاتف بنبرة سريعة:
"مسافة الطريق يا طنط، أنا وتاليا هنكون عندك.. اهدي أرجوكي."
أغلق يوسف الخط، والتفت إلى تاليا وضم وجهها بين كفيه وطبع قبلة حارة على جبينها قائلاً:
"أنا مش عارف أقولك إيه يا تاليا.. كبرتي في نظري أكتر وأكتر. شكراً لأنك فهماني."
نزلا معاً واستقلا السيارة متوجهين إلى شقة السيدة نادية. كان الصمت يخيم على الأجواء، لكنه لم يكن صمت الجفاء، بل كان صمت الترقب. تاليا كانت تحاول تجميع شتات نفسها، فهي تعلم أنها ذاهبة إلى مكان يفوح بذكريات سارة، المرأة التي كانت تشارك يوسف حياته قبلها.
عندما وصلا، فتح يوسف الباب بالمفتاح الذي ما زال يحتفظ به، ودخلا الشقة. كانت الأجواء هادئة وثقيلة، وتوجه يوسف مسرعاً نحو غرفة السيدة نادية، تتبعه تاليا بخطوات متمهلة.
اللقاء المؤثر.. ودموع الحقيقة
كانت السيدة نادية مستلقية على الفراش، تئن بوجع ويبدو عليها الإعياء الشديد نتيجة ارتفاع مفاجئ في ضغط الدم. أسرع يوسف نحوها وجلس على طرف الفراش يمسك يدها بقلق:
"سلامتك يا طنط.. مالك؟ إيه اللي حصل؟"
فتحت نادية عينيها المتعبتين، ونظرت إلى يوسف بدموع، ثم تحولت نظراتها نحو الباب لتلمح تاليا الواقفة بهدوء وعلامات القلق والوجل ترتسم على وجهها العسلي.
صمتت السيدة نادية للحظات، وظن يوسف أن رؤية تاليا قد تزعجها، لكن ما حدث كان مفاجئاً للجميع. مدت السيدة نادية يدها الأخرى المرتعشة نحو تاليا وأشارت لها بالاقتراب، وقالت بصوت متقطع:
"تعالي يا بنتي.. تعالي يا تاليا."
اقتربت تاليا بوجل وجلست على الجانب الآخر من الفراش، فأمسكت نادية بيدها وضمتها إلى يد يوسف، ونظرت إليهما قائلة وعيناها تفيضان بالدموع:
"أنا أسفة يا ابني لو كنت تقلت عليك.. بس أنا كنت حاسة إني بموت، وكنت عايزة أشوفكم سوا. سارة يا يوسف راحت لمكان أحسن، وكانت وصيتها ليا إنها تشوفك سعيد.. وأنا شفت السعادة في عيونك ، وعرفت إن تاليا هي اللي قدرت تداوي جرحك. أنا مش زعلانة يا بنتي.. أنا فرحانة ليكي ولفرحة يوسف."
انهمرت دموع تاليا متأثرة بكلمات السيدة نادية، وشعرت وكأن جبلاً ثقيلاً من عقدة الذنب قد انزاح عن صدرها تماماً. انحنت وقبلت رأس السيدة نادية بحنان وقالت:
"ألف سلامة عليكي يا طنط، إنتي مقام ماما، ومن هنا ورايح أنا ويوسف مش هنسيبك لوحدك أبدًا."
أمضى يوسف وتاليا الليلة في رعاية السيدة نادية، حيث قام يوسف بإحضار الطبيب وإعداد الدواء، بينما اهتمت تاليا بإعداد الطعام الدافئ وتنظيف الغرفة وترتيبها بكل حب واهتمام، وكأنها ترعى والدتها الحقيقية.
في ساعة متأخرة من الليل، بعد أن استقرت حالة السيدة نادية ونامت في فراشها بسلام، خرج يوسف وتاليا إلى شرفة الشقة ليضمنا بعض الأنفاس.
وقف يوسف وراء تاليا، وأحاط خصرها بذراعيه من الخلف، ودفن وجهه في عنقها يستنشق عبير الياسمين الذي أصبح إدمانه الجديد. همس لها بصوت مليء بالعاطفة الجارفة:
"كنت فاكر إن الوجع هيعيش هنا طول العمر.. بس إنتي يا تاليا غيرتي كل حاجة. قلبي اللي مات رجع عاش بيكي."
التفتت تاليا في أحضانه، ونظرت إلى عينيه اللامعتين تحت ضوء القمر، وقالت بابتسامة ساحرة:
"أنا بحبك يا يوسف.. بحب الراجل اللي حارب نفسه عشان يفضل مخلص، وبحب الزوج اللي اختارني أكون دنيته الجديدة."
التقت شفتيهما في قبلة رقيقة، كانت بمثابة إعلان رسمي لانتهاء الشتاء في حياتهما، وبداية ربيع دائم يفوح برائحة الياسمين الحقيقي.
هل ستستمر حياتهما بهذه المثالية والدفء، أم أن هناك تحديات جديدة قد تواجههما في المستقبل؟
وكيف ستكون رحلتهما القادمة خارج القاهرة التي خطط لها يوسف؟