
« مطــاردة .... و عقــاب مُستحـق »
« كيف حالك يا طائـري المغـرد ؟!
أما آن الأوان أن تتحسس الخُطى ، و تتحرر من متاهتك؟! ألـن تختار عُشك الدافيء ؟؟
فكل ما هو جميل ينتظرك !!
أتدري مُنذ غياب وليفتي صارت صحرائي قاحله ..
و أيامي و لياليّ باهته ... و أنهاري العذبة جـافة ...
و لكنك أتيت ... فى ظل عتمتي .. و كأنك الوطن الذي إليه أنتمي ...
أتيت ، فغمرت بنورك كل ما حولي .. و تقف هكذا فى المنتصف ، لا تقوى على التراجع ...
إليك سهم من سهام الشجاعة ... تقدم ، و اخطو للأمام ..
فما ينتظرك يختلف .... نعم يختلف .. »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
عاد الدكتور والي بسيارته إلى القصر ، لا يكاد يرى ما حوله ... يستشيط غضبًا من أخيه ، بعدما ظن أنه عاد إلى حنانه المُفرط و اهتمامه لمن دون ذلك ..
ثم دلف إلى الداخل .. يتمنى ألا يرى أيًـا منهم ، و ربما دعائه لربه بين الواقع ، و ظاهر الغيب قد تحقق
ليتقدم فيصل إليه فى احترام قائلاً :
— والي باشـا ... تحبي أجهز لحضرتك وجبة خفيفة لحين ما البشوات يرجعوا ... غازي بيه ، و أسرته كلهم خرجوا باستثناء جوليـا هانم طبعًا ..
ومش شويه حفصة طِلعت لها الجناح بتاعها ، و أصرت عليها تاكل ... و كمان فِضلت جنبها لغايت ما أعطتها العلاج و نامت ...
تساءل والي فى جدية :
— هي جوليـا مالها ؟! مش معقول جـالها البرد فجأة كده ؟! حصل إيه فى القصر بغيابنا يا فيصل ؟!
أجاب فيصل فى صدق :
— اللي حصل بينهم وبين بعض يا باشا ... دارين هانم مسكت فـ أختها ، و نزلت فيها ضرب و إهانة .. و حسناء هانم كانت واقفه مع غازي بيه و فضلوا يتفرجوا .. محدش منهم اتدخل ...
من كتر الضرب ؛ المسكينة وقعت على الأرض مغمى عليها ... اتصلت بالدكتور ، و كلمت بأس باشا بلغته ... و هو طلب مني متكلمش نهائي ، و الدكتور لما إجى قام باللازم ...
ازداد امتعاض والي من تصرفات تلك الأسرة التى لا تدخر وسعًا فى إثارة المشكلات ، فضلاً عن غرورهم الزائد إلى حد لا يُطاق ....
ثم أردف :
— أنا مش عارف هنفضل لغايت إمتى فى المأساة دي ... امتى تفوق لنفسك يا بأس ، وتعيش حياتك .. أقله نخلص من زيارتهم الدوريه كل كام شهر دي ...
بقولك إيه يا فيصل ... اعملي فنجان قهوة مركز ، و هاتهولي عـ الجناح بتاعي ، و بلاش بالله عليك محاضرات عن أضرار القهوة على معدة فاضية .. أنا مصدع و مش شايف قدامي .. و عندي شغل كتير محتاج تركيز .. يلا متتأخرش ... مستني قهوتك ...
و صعد إلى الأعلى دون كلمة تُفيد بشيء سوى أنه منهك فحسب ...
أعد فيصل القهوة ، ليصعد بها إلى الأعلى .. لكنه وجد والي من شدة التعب غارقًا فى النوم ببزتِـه ..
لم يُرِد الرجل الأمين ايقاظه كي ينال قسط وافي من الراحة ، ليسدل عليه الغطاء ... ثم غادر الغرفة بعد أن أوصد الباب فى هدوء ..
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
« أحلامُـنا يقظة ... ما عجزنا عنه فى واقعنا ، يتراءى لنا بمملكة تبعد ما بين الوعي و نقيضه ...
و فى ظل سكينته .. رآهما سويـا ... تتألقان برداء أبيض يتلألأ ... كاد من فرط سعادته يطير بلا أجنحة ..
هل يتزوج بكلتاهما ؟! كيف يجمع بين صديقتين حميمتين كما الأخوات ؟! »
اقترب من غيـداء فى ابتسامة ، و حملها بين ذراعيه ، ثم سار بها فى ثبات ... لتضحى الأخرى باكيه ، ذليلة
تنادي عليه بيأس و خُـذلان
— اخترتها هي ليه ؟! و أنا اللي حبيتك طول عمري !!
أنا اللي أستحق أكون جنبك مش هي .. !!
إنت بتحبني أنا ، بس اخترتها شفقة ؟! خايف تتأثر لو بِعدت عنها ... أنا عارفه .. بُكره تطلقها ، و ترجعلي من جديد ... و ساعتها أنا اللي هقولك لأ ...
أراد صم أذنيه عما تقول ، إلا أن الجميله التي بين ذراعيه هائمة فى أمواج السعادة .. لا تسمع سوى نبض قلبها الذى يردد اسمه و فقط
و فجـأة تلاشى الطريق من أمامه ، ليحل محله ضباب أسود كثيف .. ثم ظل طويل تجسد ، انتزع منه عروسه فى قوة ... و هرب بها إلى ما لا يستطيع اللحاق به ...
و وجد نفسه فى النهاية وحيد لا يقوى على الحراك ...
فسقط ، و أغمض عيناه ...
و حين فتحهما من جديد وجدها إلى جواره تبتسم ...
وجـد رجـاء ........ و أفاق
استيقظ والي من غفوته الطويله .. لا يعلم كم الساعات التى مضت وهو على فراشه ..
شعر والي بنهيج متواصل ، و صعوبه فى التنفس ، و جفاف فى الحلق ... ليقترب من إناء الماء الموجود على الكومود ... ثم وضع منه القليل فى الكاس .. و شرب حتى ارتوى ...
لحظات و انتظمت أنفاسه ، يستحضر ما مر به بين الغفوة واليقظه ... و قد أتى أخيرًا على قرار لا رجعة فيه .... سيتزوجها لا محالـة ...
لذا فلينتظـر حتى يعود والده و شقيقه ، و إليهما يتحدث ...
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
*****************
« أتعرف ما هو المرعب حقّـا ؟!
أن تتمنى الخير للجميع ، بينما يُضمر الغير الكره لك..
داخلك رقيق .. أنيق ... أصفى من النقاء ؛ و الغير بقلوبهم السوداء الفاحمة يُخططون ....
لي مع ربي دعاء يَكفُلني كل ليلة ... و أبدأ نهاري بالتوكل على ربي ...
فمهما فعلت .. و افتعلت ... فلن يحدث إلا ما كتبه الله لي ... »
هبوط سحيق ... و دموع يُخالطها الندم .. و قهر من جبروت رجـل ؛ ظن أنها لُقمةً سائغـة يتلذذ بها ، ثم يبصقها عند قارعة الطريق ..
ألهـذا طالبها ابنه بالحضور ؟! ألـه علاقة بالأمر ...
أيفعل ذلك ردًا على صفعتها لمن لا تستحق لقب أنثى
أتصل حقارته إلى تلك الدرجة ؟!
اسم ما إن يقترب منه المرء ؛ يظن أنه بلغ العنان ، ولكنه فى حقيقة الأمر لا يساوي ذكـرًا بين الرجـال
هبط المصعد إلى أسفله ... و حين أبصرت غيداء الطريق ركضت ..
عيناها تُحلق هنا و هناك ... انتهى خلال الدقيقة الأولى و السائق يعرض عليها إيصالها إلى حيث تريد
و لكنها للمرة الأولى تصرخ فى وجه أحد علامة النفي
— مش عايزة ....
توقفت فى زاوية الطريق .. حتى أتتها النجدة من السماء بتلك السيارة ذات الخطوط الزرقاء المعروفة بين وسائل النقل ‹ تاكسي ›
ومن أعلى البُنيان وقف بـأس عاضًـا على شفتيه فى اشتهاء قائلاً:
— والله ما أنا سايبِك ... اصبري عليا ..
فى طريق عودتها .. تلاطمت أمواج ثورتها ما بين إخبار الحقيقة كامله لوالدتها ، وما بين التجرد الأوَّلِـي من الإعتراف و وضع الأمر طي الكتمان كي لا تفتعل المشكلات ، أو تودي بوالدتها فى ظل غياهب من لا يرحم ..!
انتبه سائق السيارة ، و قد كان رجل طاعن في السن تجاوز عمره السبعون بقليل ؛ إلى علامات الحزن العميقة البادية على وجه غيداء .. و آثار الدموع المحفورة على وجنتيها ... لتختفي بسمته التى استقبلها بها فى بدايه الطريق ، و حلت محلها علامات الاستفهام
— مالِك يا بنتي !! تعبانه ألف بعد الشر !! تحبي أوديكِي المستشفى ؟؟
أجابت غيد فى أسف :
— لأ يا أسطى .. أنا كويسة الحمد لله .. كنت فى الجامعه من شويه ، و حصل معايا مشكله بس ..
أضاف الرجل :
— الحمد لله على الصحة يا بنتي .. دي النعمة اللي متتعوضش علشان كده بقولِك .. إوعي تفرطي فيها لأي سبب ... والله الدنيا الكبيرة أوي اللي إنتِ شايفاها دي ما تستاهل نزعل عليها .. كله إلى زوال ..
إهدِي وصلي على حبيبِك النبي ... و احكيلي أنا زي أبوكِي .. لأ أبوكِي إيه ؟! أنا زي جدِك بس مبحبش أكبر نفسي ..
ابتسمت غيداء من وسط حزنها ، لتهمس :
— ربنا يعطيك الصحة والعافيه يا عـم ... هو حضرتك اسمك إيه ؟!
تلاعب السائق معها لإثارة فضـولها ، ليقول :
— خمني يا شطوره
— مصطفى أو عزيز أو حسنين أو رضا أو بسام
تهللت أسارير الرجل قائلاً :
— أنتِ مش معقوله ... سِنَّـه كمان وهتقولي اسم مراتي .. أنا اسمي رضا فعلاً ، و مصطفى ، و عزيز ، و حسنين ، و بسام يبقوا أولادي ..
تبادلت الفتاة الضحكات مع الأسطى رضا ليقول :
— قولِيلي بقى .. إيه اللي مزعلِك ؟!
تنفست صاحبة القلب الحنون الصعداء قائلة :
— حصل معايا مشكلة و الطرف التاني فيها واحد معروف و له مركز كبير .. سبب لي اهانه كبيرة هو و واحدة قريبته معايا فى الجامعه ..
وأنا مش عارفه أحكي لماما و لا أسكت خصوصًا إني مليش غيرها لأن بابا متوفي ، و إحنا من أسرة بسيطة
ملناش ضهر ولا سند إلا ربنا ...
همهم الرجل علامة الفهم ، ثم قال :
— ولو قولتلِك النصيحة تقبليها من رجل عجوز عاش تجارب عمره كله أكتر من شعر رأسه ...
تأملت غيداء رأس الرجل الصلعاء اللامعه ، لتبتسم فى حرج .. فى حين انتبه إلى نظرتها قائلاً فى ضحك :
— لأ .. لأ ... ميغركيش إني دلوقتي بقيت أصلع .. ده أنا كنت فى شبابي ولا رشدي أباظه ...
— ربنا يعطيك طول العمر والصحة يا عم رضا
— شوفي يا بنتي ... الدنيا دي دلوقتي بقت بتاعت ناس معينة ، هم اللي فـ الصورة .. و إحنا الغلابة يدوب عايشين عـ الهامش .. لا ينفع نكون مكانهم ، ولا ينفعوا يكونوا مكاننا ...
و علشان حتى فى البحر السمك الكبير ، بيأكل الصغير .. فشوفي المشكلة دي
لو تقدري تروحي لرئيس الجامعه و تكلميه وده مش هيسببلك مشاكل ... اتوكلي على الله و بلاش والدتِك تعرف ... محدش يضمن حد طول ما فيه ناس متعرفش ربنا ، و بيكرهوا الحق ...
أدركت غيد أن المقصد من كلمات الرجل المتداخلة أنه يخبرها بطي الأمر كما لو أنه لم يكن ... لذا قررت الانتظار للغد لحين التلاقي مع رجاء و زايـو
و سؤالهما عما حدث فى لقاءهم بالدكتور والي ...
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
****************
« وماأغرب الزمن الذى نحياه !
وما بين قهر يتودد بيننا ، و تعاسة تتوسد ظهورنا ..
وجبال من الهموم على عاتقنا...
إلا أننا نبتسم .. بينما ابتسامتنا تُحزِن غيرنا ...
بسمتي أضحت عند غيري جريمة لا تُـغتفر ...
نجاحي الذى يفتقر إليه غيري ، صار عبئًا على صدورهم ، و عائق يخططون لإزالته ...
صرت أنا و أمي بمشروعنا الصغير شوكـة فى صدور الفاسدين الطامعين ...
إنجازي الصغير يُسد عليهم فرحتهم ... و كأن سعادتي أضحت كما جلطات فى أوردة الكراهية التى تسكن أجسادهم ...
فكم من قلب امتلأ كُـرهـًا ، لأنه لا يحتمل رؤية النجاح لغيره »
رحلت دارين بقلب يغزوه الكُـره و البغض ..
أقسمت ألا ترتاح نفسها المريضة إلا إذا حطمت فى طريقها غيداء و من يحالفها ..
ظلت تردد على مسامعها فى غرور :
— بكرهِك يا غيداء .. بكرهك ... و نهايتك على إيدي
أنفاسها متقطعة ... صدرها يعلو ويهبط .. لم تعد تفكر كما السابق أن عائلة الحديدي هى الداعمـة لها و الجدار الذى يقيها الصدمات ..
عليها البحث عن سلاح آخر إلى جانب انتقام والديها ..
و لابد أن تهدأ قليلاً ، لتفكر جيدًا ..
قررت دارين الذهاب إلى أحد المطاعم الفاخرة القريبة من الجامعه ، علها تتناول مشروبًـا منعشًـا يساعدها على التفكير .
و حين ترجلت من سيارتها إلى داخل المطعم الذى كان منذ شهور معدودة ممتلئًا عن آخره من رواده ... وجدت أنه على النقيض تمامًـا ..
كل الطاولات فارغة ... و لا وجود لأحد سوى العاملين ..
انتفضت فى دهشة ، ثم تقدمت إلى الداخل فى تكبُـر
لتجلس إلى مائدة تقرُب الباحة الخلفية للمطعم.
اقترب النادل ، يسألها فى احترام :
— مساء الخير يا أفندم ... تحت أمرك .. تحبي تطلبي إيه ؟!
أجابت دارين فى غرور :
— بليز عايزة عصير أناناس فريش .. صحيح ، هو المطعم ماله فاضي ليه كده ؟! أنا كنت باجي دايمًا من الجامعه بعد ما أخلص محاضراتي ألاقيه مليان ، لدرجة إني أوقات مكنتش بلاقي أي ترابيزة فاضية .. إيه اللي حصل ؟!
انتبه مالك المطعم لما فاهت به الفتاة ، ليقول فى خبث :
— شرفتينا يا آنسة ... وطلب سيادتك النهارده بمناسبة
اليوبيل البرونزي هدية من إدارة المطعم ..
هو حضرتِك طالبة فى جامعه عين شمس ؟!
أجابت الفتاة بفخر يتناقض مع فشلها الذريع كطالبة جامعية :
— أيوه أنا طالبة فى سنه أولى تجارة خارجيه
لمعت عينا الرجل فى دهاء ، ليعالجها بالسؤال الأهم :
— معاكِ طالبة اسمها غيداء عبد الصبور الـ.......
استكملت المتغطرسة حديثه فى سخرية :
— آه المشوهة ... حتِـت بنت فاشلة وحقيرة .. كل شويه تتلزق لدكتور شكل ، حتى الزبائن اللي بتتعامل معاهم فى البيوت مسلِموش منها ، مع إنها يـاي بيئة و شكلها يقرف ...
عارف دي بتروح الفيلات الكبيرة تشتغل خدامة هي و أمها ، و الأجر بتاعها بتاخده فلوس و الذي منه .....
لم يفهم الرجل ما تقصده بحديثها ، ليطرح عليها السؤال من جديد :
— قصدك إيه بالذي منه ده ؟!
ضحكت فى زهـو :
— أقصد اللي بيحصل جوه أوض النوم ، ومع ذلك عامله فيها الملاك الطاهر .. و أنا الوحيدة اللي أعرف بلاويها لأنها راحت لناس أسمع عنهم و هم اللي حكولي ... و اللي بيرتب لها شغلها واحد زميلها جاي من الصين اسمه زايــو ...
اتسعت مقلتي الرجل فى غيظ لما آل لمطعمه الراقي من تدهور خلفته فتاة ماجنـة سيئة الخُلق ، كما سمع من دارين ، ليسأل الفتاة فى وضوح :
— إيه رأيك تساعدينا نخلص منها .. و أهي فرصة ننضف الجامعه من بنت سيئة السمعة ، و كمان تاخدي مكافأة حلوه ...
ابتسمت دارين فى سعادة مبطنه بحقد دفين لغيداء :
— موافقة ومن غير مكافئات ... أنا من عيلـة كبيرة ومش ناقصني فلوس ... قولولي إيه المطلوب و أنا أعمله ؟!
اتسعت ابتسامة الرجل الشبيه فى مكرِه ، و شره بابتسامة الشيـ..ـطان ليهتف :
— اسمعيني ، و نفذي اللي هقولِك عليه ..
( و طرح على مسامعها خطة هدفها الوحيد هو تدمير غيداء إلى غير رجعة ) .
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
****************
« انتهى العرض منذ ساعات ، لكنني لازلتُ على مقعدي
لا أعي هل عليّ الإنتظار لحين عودة المارقين ؟
أم أُعيد المشهد الأخير لعلي ألتقط شيئًـا من كرامتي ؟
لم تظهر كلمة ‹ النهايــة › ... و يُسدل الستار ...
لا تصفيـق ... و لا متفرجين .... ولا إعجاب ...
فقط أضواء انطفئت ؛ و صمت خلف صمت ....
و استمع إليّ يا من حولت نجاحي إلى آلام ... !!
أنا لا أخشاك ... ولا أتجنب خطواتك ....
و لا أتردد فى الوقوف ضد غرورك ....
و إن ضاقت المسافات أو اتسعت ... سأظل مثقـاب واقعك و خيالك »
عادت غيداء إلى منزلها ، تستدعي ابتسامة زائفه .. حارت فى تصديقها غنوتها ...
لتحاول مرارًا و تكرارًا الإلحاح عليها فيما يُحزنها ، لكن ردها الأوحد
— مفيش يا ماما ... مرهقة شويه .. ده أنا حتى بفكر ألغي أوردرات النهارده كلها ... تعبانة ومليش نفس ..
— مالك يا حبيبتي .. أنا حاسة إنك موجوعة ... حد زعلِك فى الجامعه .. قوليلي بس ، و أنا آكله بسناني ..
ابتسمت غيد لتُقبل والدتها فى حنو :
— صدقيني يا ماما مفيش .. أنا بس عليا امتحان مهم ، و محتاج مذاكرة كتير ؛ عشان كده مش هبقى فاضية لتجهيز الأوردرات ...
— إن كان على الأوردرات سهلة ... خليها عليا .. أنا هجهزها .. ما أنا من الصبح مكنش ورايا حاجة ، و كنت
ناوية أبدأ فيهم دلوقتي .. أنا كل اللي يهمني إنك تكوني مبسوطة ، و أشوف الضحكة على وشِك اللي غايبة عنِك دي ...
ابتهجت غيداء بصدق ؛ تستحق أمها الغالية الكثير ؛ تستحق أن تستنزف داخلها وما تعانيه لكي يرتطم بجدار فؤادها .. فقط لكي تطمئن !
لذا قررت أن تسعي بكل ما تملك لمحو ذلك الحزن ، و ترويض الثغـر على الابتسام
— حبيبتي يا ماما .. ربنا يبارك لي فيكِي .. أنا مليش غيرِك .. ومش عايزة من الدنيا غيرِك
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
*******************
« قد لا أعرف من أنتِ ، و لكنني على يقين أن وجودِك يُدمرني ...
قد لا أهتم بما يرهقُكِ ، و لكنني أتمنى لكِ الوقوف فى المنتصف لا نجاح ... لا فشل ...
قد لا يبدو قلبكِ قاسيًـا ، و لكنه وجودي .. إما أنا .. و إما أنتِ
يقولون السفينة تسقط فى المحيط إذا حملت رُبانين ..
لذا سأفعل ما عليّ لكي تعودي من حيث بدأتي ..
و إن كان الثمن نهر من الدماء يسيل »
عادت دارين إلى القصر تنتشي من شدة السعادة ، لتطرق باب غرفة شقيقتها الكبرى قائلة :
— أنا عارفه إنِك زعلانه مني ، بس عصبيتي كانت بسبب الزفته اللي معايا فـ الجامعه .. لكن الحمد لله قربت أخلص منها بشكل نهائي ... و أرتاح بقى ...
تقوس حاجبي جوليـا فى استنفار ، لتردف فى قلق خفي من أفعال شقيقتها الجنونيه :
— هتعملي إيه يا دارين ؟! إوعي تكوني ناويه على مصيبة ، أو مشكله توقعي نفسك فيها ..
أونكل صلاح مش هيسكت ولا حتى بأس ...
تجلت ابتسامة صفراء على ثغـر دارين ، لتتحدث فى قسوة مُلوحة بيديها فى وجه شقيقتها :
— ملكيش دعوة إنتِ ... محدش يعرف حاجة .. و بعدين أنا مش هعمل حاجة .. أنا هتفرج بس ...
خليكي إنتِ فـ نفسِك ، ولا عاجبِك الرقدة اللي إنتِ رقداها دي ...
نقاش يدور بين شقيقتين متضادتين الخصال ، إحداهما
شعثاء متبلدة قبيحة الخلق و القلب ، و الأخرى ضعيفة بائسة .. وما بين قرار مفاده الانتقام ، و رفض قاطع ..
كان غازي على وشك الدخول للاطمئنان على ابنته ، لينتبه إلى ما فاهت به ابنته الصغرى ..
تراجع إلى الخلف .. ليتذكر غنـوة و جمالها الأخاذ ، و عيونه التي تصلبت عليها ، و شهيته إلى شفتيها ، و الاستكانة بين ذراعيها ، و يطــول القول فيها ويطول
و لا ينتهي ..
لذا فكـر و قـدَّر ، ليهبط إلى الأسفل من جديد .. و اتجه صوب السائق الذى كان يتولى إيصال غنوة فى الذهاب و الإياب ... ليحتال عليه قائلاً فى دهـاء :
— مساء الخير يا هاشم .. هو الباشا لسه مرجعش ؟!
إتأخر النهارده ؟!
أجاب هاشم فى صدق:
— صلاح باشا و بأس باشا بيرجعوا الساعة ٩ ، أما والي باشا بيرجع بدري بطبيعته بعد ما بيخلص شغله فى الجامعه ..
عاد غازي إلى ضالته من جديد ليردف :
— كان نفسي يرجع النهارده بدري .. يعني لسه قدامنا أيام بسيطة و نسافر ، و نائل حبيب جده بيوحشني أوي
مش إنت اللي بتوصله برضه ؟!
أجاب هاشم بسلامة النوايا :
— لأ يا باشـا ... مجدي هو السواق بتاع صلاح باشا ، و مصطفى سواق بأس باشا ...
عاد غازي إلى سؤاله الخفي أهدافه :
— آه آه عندك حق ... إنت كنت بتوصل غيداء اللي كانت بتشتغل هنا .. مش كده ؟!
أجاب هاشم فى أسف :
— أيوه ... الله يمسيها بالخير .. كانت سِت ولا كل الستات محترمة و أخلاق .. و مفيش مره عملت أي صنف حلو إلا و قدمتلنا منه كلنا ، و عمرها ما ذاقت منه
و لما سألتها ليه مش بتاكل زينا .. ؟! الشغل هنا يسمحلها بكده ؛ قالت لي إنها متقدرش تحط لقمة فى بؤها من غير أسرتها .. و إن دي أمانه مش من حقها تقرب منها ..
الله يصلح حالها كان نفسي تفضل معانا على طول ..
اشتعل قلب غازي بلهيب العشق الذى صب من أنهاره على جدار القلب ، ليهتف :
— تعرف إن كلهم هنا حبوها ، وسوء التفاهم اللي حصل مسبب لي أرق .. مش عارف أنام ، و ضميري وجعني
علشان كده ، كنت عايز أتأسف لها و أطلب منها تسامح بنتي .. هي متهورة شويه
بس مش عارف عنوانها و لا رقم تليفونها ... !!
اندفع هاشم بإبلاغ غازي عنوان غنوة لحسن نواياه ، ظانًـا منه أنه يفعل الصواب .. لتتهلل نواجز غازي فى سعادة .. ثم شكره بما يكفي
ليستقل إحدى سيارات القصر ، و ينطلق بها إلى بيت المرأة التى سلبت لُبه ؛ و أضحت عليه الزاد و الزواد ...
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
« فى محيطه الكثير من النساء ، على كل الملامح و الخصال ... لم يلتفت إلى إحداهن ؛ لتكن زوجته الصورة الموثقة الحضور ...
يخشى ضياع هيبته ... يعود و يذهب ولا ينشد إلا سعادته .. و سعادة من حوله ... لكنه يفتقد امرأة
يراها فى منامه .. فى خياله .. فى أفقِـه ... فى عقله و فكره ... يراها ، و يظن استحاله وجودها ....
حتى ظهرت أمامه خِلسـه ، لتُربِت على قلبه دون أن تقترب ...
صدفة وما أجملها من معنى .. و كأن الطرق جميعها تؤدي إليها...
و كأن القلب يحتفظ بمسكنها ...
و كأن الباب الذى فُتح ، لـن يُغلق إلا بعد دلوفها ....
لذا لن يتركها وإن غابت الشمس إلى غير عودة ..»