
الحلقة الثالثة والاخيرة
كان جاسر قابضًا على يد غزل، وعيناه معلّقتان بوجه أخته، لا تتحركان، كأنهما تخشيان أن تفوتهما لحظة واحدة.
أما غزل، فكانت ثابتة على غير عادتها. لم تعد تلك الفتاة التي ترتجف من أول صدمة. تعلّمت أخيرًا أن الوجع، حين يأتي من الأقرب، لا يُهرب منه… بل يُواجَه واقفًا.
تقدّمت فاطمة خطوة، وصوتها يرتعش كغصنٍ في مهب الريح:
فاطمة: "قبل ما تتكلموا... أنا... أنا همشي. هسيب الحارة. هسيب لكم البيت. مش هتشوفوا وشي تاني. بس... بس متخلوش الكلب ده يوقع بيننا. أنا غلطت. غلطت زمان."
اقتربت منها غزل بهدوء، ورفعت وجهها بين كفّيها، كأنها ترفض أن تنكسر أمامها:
غزل: "فاطمة... إحنا مش هنسمع للراجل دا مش هنديله الفرصة اللي يوجعنا ويفرقنا . إحنا هنسمعك إنتي. احكي. والحارة كلها سامعة، وهنصدقك. والله"
انهارت فاطمة باكية، كأن السنين كلّها انسكبت دفعة واحدة:
فاطمة: "أيوه... حبيته. حبيت الحاج نصار. كنت 18 سنة، وهو كان... كان راجل. حنين. قولتله. اتقدم لي، وهو رفض. قالي: إنتي زي غزل بنتي، وفرق السن كبير، وأنا راجل شايل هموم. ولما عرفت إنك يا جاسر كتبت على غزل بنته... النار كلتني. حسيت إنه فضّل بنته عليا. حسيت إني اترفضت مرتين... مرة منه، ومرة منك."
ظلّ جاسر صامتًا، فكّه مشدود، كأن الكلمات لو خرجت ستكسر شيئًا داخله.
تابعت فاطمة، بصوتٍ متقطّع:
فاطمة: "سامح جه. قالي: هكسرهم. هخلي جاسر يتجوز بنت عطية ويبعد عن الرقاصة. وأنا... أنا اللي صورتك يا غزل. في الفرح اللي رحتيه. بعت له الفيديو. كنت فاكرة إني بنقذ أخويا. كنت شيطانة... وعريت ست زيي انا وحشة وحشة اوي."
صرخة خرجت من غزل، لكنها لم تكن موجّهة لفاطمة، بل لوجعٍ قديم انفجر داخلها:
غزل: "صورتيني انتي اللي فضحتيني يافاطمة!"
ارتجفت فاطمة أكثر، وكأنها تعترف بآخر ما تبقى من ذنبها:
فاطمة: "سامح بيبتزني. بيقولي: يا تخلصي على غزل... يا هبعت لجاسر وأقول له إنك السبب في كل حاجة. وشيلني الليلة اهو ونفذ تهديده لأني رفضت أذيكي والله ياغزل انا مش شريرة والسواد اللي جوايا اختفي انا كل اللي فارقلي اني اعيش وسطكم وبس "
ساد الصمت الحارة، صمتٌ ثقيل، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها.
اقترب جاسر، أمسك بذراع فاطمة، ورفعها من مكانها بقوةٍ حازمة، لكنها لم تخلُ من الرحمة:
جاسر: "قومي. إخواتي ما يناموش في الوحل. غلطتي؟ أيوه غلطتي. بس اللي بلغ عن سامح؟ إنتي. اللي شهدتي في النيابة؟ إنتي يعني معدش فيه ذنب عليكي احنا بشر وبنغلط احنا اللي بينا دم وعمره م هيبقي مية."
فاطمة: "لكن ياجاسر..."
قاطعها بصوتٍ لا يقبل النقاش:
جاسر: "احنا عيلة يافاطمة.. والعيلة لما واحد فيها يقع، الباقي يشيله، مش يدوس عليه."
مسحت غزل دموعها ببطء، ونظرت إلى جاسر، ثم إلى فاطمة، وكأنها تتخذ قرارًا لا رجعة فيه:
غزل: "وأنا... أنا سامحت. عشان مش هخلي سامح يكسب وهو في السجن. مش هخليه يحركّنا زي العرايس."
ثم احتضنت فاطمة.
كان حضنًا طويلًا… حضنًا يغسل سنواتٍ من القهر والذنب والخذلان.
في الغرفة الأخرى، كان يونس نائمًا بين ذراعي فاطمة، أنفاسه المنتظمة تضيف طمأنينة خافتة للمكان.
أما هنا…
فكان جاسر وغزل وحدهما.
لأول مرة منذ شهر… هدوءٌ حقيقي، لا يهدده خوف ولا يقطعه وجع.
جلست غزل أمام المرآة، تسرّح شعرها في هدوء. كانت ترتدي عباءة منزلية بيضاء، وشعرها منسدل على ظهرها كستارٍ من ليلٍ هادئ.
بينما كان جاسر مستندًا إلى السرير، يراقبها بصمت.
كتفه ما زال يؤلمه، لكن عينيه… كانتا خفيفتين، كأنهما تخلّصتا من حملٍ ثقيل.
جاسر: "حلويات والله ما تقريي."
التفتت إليه، وفي عينيها قلق لم يهدأ بعد:
غزل: "خايفة عليك… كتفك ييني..."
مدّ يده السليمة نحوها، بابتسامة دافئة:
جاسر: "تعالي."
نهضت ببطء، واقتربت حتى وقفت أمامه مباشرة.
صوتها خرج هامسًا، مثقلًا بسنوات الانتظار:
غزل: "خمس سنين... كنت بحلم باللحظة دي."
شدّها إليه برفق، وأجلسها على حجره، كأنّه يخشى أن تختفي إن تركها:
جاسر: "طب خلينا نعيش الحلم بقى..؟"
أسند جبينه إلى جبينها، واختلطت أنفاسهما الدافئة.
همس بصوتٍ صادق:
جاسر: "عارفة... يوم ما خدت الرصاصة، مفكرتش في الوجع. فكرت فيكِ. قولت لو موت... مين هيحميكي؟"
انسابت دموع غزل، لكنها مسحتها سريعًا، كأنها ترفض أن تفسد اللحظة:
غزل: "وإنت لما رميت نفسك قدامي وسط النار... أنا موت وعشت في نفس اللحظة… لأني عرفت غلاوتي عندك."
رفع يده، ومرّر أصابعه على ملامحها ببطء… على خدها، على حاجبها، على شفتيها المرتعشتين.
كأنّه يعيد رسمها… أو يحفظها من جديد.
جاسر: "كل يوم في بُعدك… كانه سنة. وكل يوم جنبك… بيرد فيا الروح. أوعي تبعدي عني."
وضعت يدها على صدره، تشعر بنبضه:
غزل: "وحشتني يا جاسر."
اقترب منها، وقبّل جبينها ببطء… قبلة حملت حزن السنين وثقل الغياب.
جاسر: "قوليلي... سامحتيني من قلبك؟"
غزل: "سامحتك… بس عايزاك توعدني."
ابتسم بخفة:
جاسر: "الهانم تؤمر وأنا أنفّذ."
نظرت إليه بثبات:
غزل: "توعدني إنك مش هتسيب إيدي تاني… ومتخبيش عليا حاجة… وأكون دايمًا من أولوياتك… وأولها."
اتسعت ابتسامته، وقال بدفء:
جاسر: "طب هاتي حضن كبير بقى."
احتضنها…
حضنٌ هادئ، عميق، كأنه يعوّض كل ما ضاع.
يده السليمة التفّت حول خصرها، ورأسها استقر على قلبه، يستمعان إلى دقّاتٍ تعرف طريقها لبعضها.
همست بخجلٍ خفيف:
غزل: "جاسر... إنت طلبت مني حاجة كده."
ضحك بصوتٍ منخفض:
جاسر: "فاكر… قولتي هترقصي… بس ليا أنا."
ابتعدت قليلًا، واحمرّ وجهها:
غزل: "وكتفك؟"
رفع حاجبيه بمشاكسة:
جاسر: "عيني مفتّحة أهو وشغالة."
نهضت، وأطفأت النور، مكتفية بضوءٍ خافت من المصباح الصغير.
شغّلت أغنية هادئة من هاتفها القديم… ووقفت في منتصف الغرفة.
بدأت تتحرّك…
لم تكن رقصة استعراض، بل حكاية تُروى بالجسد.
يديها تتكلّمان، خصرها ينساب، وعيناها لا تفارقان عينيه.
ظلّ جاسر يراقبها، يضرب بإيقاع خفيف على ركبته بيده السليمة.
وعيناه تلمعان…
لم يكن بريق شهوة، بل حب… وفخر… ودهشة.
حين انتهت، كانت أنفاسها متسارعة.
اقترب منها، ونهض بصعوبة، ثم جذبها إلى حضنه بقوةٍ حانية.
غزل: "عجبك؟"
قبّل رأسها مبتسمًا:
جاسر: "عجبني؟ ده إنتي نار يا بت."
ضربته بخفة على كتفه:
غزل: "بس قلة أدب!"
ضحك، وضمّها إليه أكثر.
استيقظ جاسر على صوتٍ خافت…
فتح عينيه، فوجدها تصلّي.
كانت ساجدة، تدعو بصوتٍ منخفض:
"يا رب… احفظهم لي، واحفظني ليهم، وعوّضنا عن كل اللي فات، واكفنا شر اللي جاي."
أنهت صلاتها، والتفتت، فوجدته مستيقظًا ينظر إليها.
غزل: "صحّيتك؟"
هزّ رأسه بهدوء:
جاسر: "لا… أنا صاحي. بس هقوم أصلي معاكي… ثواني أتوضى وجاي."
نهض، وتوضأ.
ثم وقفا جنبًا إلى جنب…
وكان هو الإمام.
استقرّت الحياة أخيرًا… كبحرٍ هدأت أمواجه بعد عاصفةٍ كادت تبتلع كل شيء.
صار صوت المخرطة نغمةً ثابتة في حارة المكسّر؛ نغمة رزقٍ نظيف، وشغلٍ بالحلال، تعلن أن الحياة عادت تدور من جديد.
يونس: "يا أسطى بليه... الشاي للزباين كدا هميشو ومش هيجلونا تاني
أما غزل، فكانت تمسك دفتر الحسابات بثقة، طرحتها مستقرّة على كتفها، وابتسامتها لا تفارق وجهها، كأنها أخيرًا وجدت مكانها الصحيح.
وجاسر…
فقد فكّ الجبس، لكن وجعًا خفيفًا ما زال يسكن كتفه.
وجعٌ غريب… لم يعد يؤلمه، بل يذكّره أنه نجا… وأنه انتصر.
العصرية — باب المخرطة
دخل رجلٌ أنيق، بدلة رسمية وربطة عنق، وحقيبة جلدية في يده.
اختلط عطره الباهظ برائحة الزيت والحديد، فبدت اللحظة كأن عالمين اصطدما في نقطة واحدة.
الرجل: "السلام عليكم. أنا الأستاذ كمال، المحامي… محامي الحاج نصار الله يرحمه."
وقف جاسر على الفور، بينما تجمّدت غزل في مكانها.
جاسر: "خير يا أستاذ؟"
فتح كمال حقيبته، وأخرج ملفًا سميكًا، ثم قال بهدوء:
كمال: "الحاج نصار كان مأمّني على وصيته… وعلى ورق الأرض. وساب أمانة. وقال: لو مت… سلموها لجاسر. مش لأي حد تاني."
ووضع الملف أمامهما.
ثم أضاف بنبرة حاسمة:
كمال: "عشان نقطع الشك باليقين يا معلم… أرض الوقف دي ملك الحاج نصار. هو اللي اشتراها بفلوسه الحلال، والعقد متسجل في الشهر العقاري باسمه… وده صورته."
دفع بالعقد نحوهما.
كمال: "عطية الجزار كان عايز يلهفها، ودفع 200 ألف رشوة لنصار عشان يسكت عن تهريب السلاح بتاع سامح نصارخد الفلوس عشان يثبت الرشوة… بس الأرض فضلت بتاعته. ما باعش ولا اتنازل. مات وهي في حيازته القانونية."
شهقت غزل، ووضعت يدها على فمها، كأن الحقيقة أثقل من أن تُصدق:
غزل: "يعني… يعني الأرض بتاعة أبويا ؟
كمال: "بتاعته… ومات وهي بتاعته. والفلوس اللي خدها من عطية؟ حطها في البنك، وكل جنيه متسجل. كان بيلعب معاهم لعبة كبيرة عشان يوقعهم… بس ملحقش. كتب كل حاجة باسمك إنتِ وجاسر ويونس. الأرض… تساوي دلوقتي حوالي 40 مليون. ودي…"
أخرج دفتر شيكات:
كمال: "حسابه في البنك. فيه 3 مليون تقدره تستلمو ف اي وقت
جلس جاسر ببطء، وكأن الأرض تميد تحته:
جاسر: "40 مليون؟
انهارت دموع غزل، احتضنت الأوراق كأنها تحتضن أباها:
غزل: "يا بابا… سترتني وانت عايش وانت ميت الله يرحمك ياحبيبي
جاسر: "حقك رجع يا بنت الأصول. وحق أبوكي رجع. وراسك هتفضل مرفوعة ليوم الدين."
.....
جلست غزل على طرف السرير، تمسك بالعقد، تقرأه للمرة الألف، كأنها تخشى أن يختفي
خرج جاسر من الحمام، شعره مبلل، يرتدي ملابس بسيطة، لكن حضوره يملأ المكان.
ندبة الرصاصة على كتفه لم تُنقصه… بل زادته صلابة.
جاسر: "لسه صاحية؟"
نظرت إليه بعينين لا تصدّقان:
غزل: "مش مصدقة… من شهرين كنت برقص في فرح بـ200 جنيه… دلوقتي…معايا 40 مليون؟ وأرض أبويا طلعت بتاعته بجد؟"
جلس بجانبها، وأخذ الورق من يدها، ووضعه على الكومود ."
أمسك وجهها بين يديه:
جاسر: "مات راجل. وسابلنا ستر عمره م يعرينا ف يوم الورق ده… هنبني بيه مدرسة باسم أبوكِ، على أرضه. عشان الحارة كلها تعرف إن الوقف كان بتاعة نصار… وفضلت بتاعة نصار. واللي حاول يسرقه… اسمه بقى ممسوح."
ارتمت في حضنه، تبكي بصمت:
غزل: "ربنا يرحمك يا بابا… كنت جبل."
ربت عليها بحنان:
جاسر: "وإحنا… هنكمل اللي بدأه. الأرض دي… هتفضل تنطق باسمه."
ثم اقترب منها، وقبّلها…
قبلة هادئة، بعد حربٍ طويلة.
قبلة تحمل شوق السنين، وثقلها، وانتصارها.
قبلة تقول دون كلمات:
لقد وصلنا…
والأرض عادت لأصحابها.
كان النهار يميل إلى الغروب، والقهوة تعجّ بأصوات الرجال وضحكاتهم الثقيلة، حين دخل شاب غريب.
وسيم الملامح، قميصه مفتوح عند الصدر، وسلسلة لامعة تتدلّى، لحيته خفيفة، وعيناه… زائغتان، لا تثبتان على شيء.
تقدّم بخطوات واثقة، وكأن المكان يعرفه منذ زمن:
الشاب: "السلام عليكم يا عم سيد. أنا مدحت… ابن عم سامح بيه. وجاي أفتح معمل تحاليل هنا… في المكسّر. خدمة لأهل الحارة."
سقطت الشيشة من يد عم سيد، وكأن الاسم وحده أعاد إلى المكان رائحة الخطر.
أما بليه، فلم ينتظر لحظة. اندفع يجري نحو الورشة، وصوته يسبق خطواته:
بليه: "يا معلم! يا معلم! الشيطان رجع بينا تاني! مدحت قريب سامح اللي حكتلنا عنه… على القهوة دلوقت"
داخل الورشة
كان جاسر يعمل، ممسكًا بالمفتاح الإنجليزي، حين وصل الصوت إليه.
توقّف… ثم وضع الأداة ببطء، كأن القرار اتخذ قبل أن يفكر.
نظر إلى غزل.
نظرة واحدة كانت كافية.
فهمت.
ربطت طرحتها بإحكام، واستقامت ملامحها، كأنها تستعد لمعركة تعرفها جيدًا:
غزل: "الراجل دا عمره م يتهد ابدا واهو بيحرك عكاسره حتى وهو ف السجن."
مدّ جاسر يده، وأمسك بيدها بثبات:
جاسر: "متخافيش. إحنا سوا.
نظرت إليه، وفي عينيها سؤال واضح:
غزل: "طب ناوي على إيه؟"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة…
ليست ابتسامة فرح، بل ابتسامة معلم يرى الخناقة قادمة، ويعرف أنه جاهز لها.
جاسر: "هنلاعبه… بس بقواعدنا. هو بعت كلب… إحنا هنروّضه. وقدام الحارة كلها."
خارج الورشة، كانت القهوة ما زالت تضجّ، لكن تحت السطح… شيء تغيّر.
الهدوء لم يعد آمنًا، والذكريات لم تعد بعيدة.
التار الذي ظنّوه انتهى…
لم يكن سوى وجهٍ قديم، عاد بملامحٍ جديدة.
سامح في السجن…
لكن سُمّه ما زال يسري في العروق.
والمكسّر…
على أعتاب حربٍ أخرى.
لكن هذه المرة مختلفة.
هذه المرة…
لم يعد جاسر وغزل وحدهما.
هذه المرة…
معهما حقّ، ومعهما مال،
ومعهما… بعضهما.
كان مدحت كالسُّمّ الذي يتسرّب إلى كوب ماءٍ صافٍ؛ لا يُرى، ولا يُشمّ، لكنه يقتل ببطء.
فتح معمله في قلب الحارة، تحت لافتةٍ كبيرة: "تحاليل المكسّر"، أضواء نيون ساطعة، وإعلان صارخ: خصم 50% لأول 100 زبون.
كل يوم…
يوزّع كروتًا، وابتسامات، ومالا
وكل يوم…
كان يتسلّل أكثر إلى قلب الحارة.
وقف بليه أمامه، يفرك يديه بتوتر:
بليه: "يا دكتور مدحت… الشغلانة دي فيها كام؟"
ابتسم مدحت، وأخرج ورقتين من فئة الألف، دسّهما في جيبه:
مدحت: "ده عربون محبة. عايزك بس… عينك على المخرطة. مين داخل ومين خارج. ولو سمعت كلمة… تبلغني. وأنا هظبطك… هخليك معلم قد الدنيا."
ابتلع بليه ريقه، نظر إلى المال… ثم إلى الورشة:
بليه: "بس… بس المعلم جاسر… ده صاحب فضل."
ضحك مدحت باستخفاف:
مدحت: "صاحب فضل؟ ده كان هيدبحك يوم ما وديت الظرف. أنا اللي هنفعك. سامح بيه بيبعت لك السلام… وبيقولك: العب يا بليه."
تردّد قلب بليه بين الوفاء والخوف…
وبينهما… المال.
داخل الورشة
جلست غزل، تمسك ببطنها، ووجهها شاحب كأن اللون انسحب منه.
لاحظها جاسر فورًا، ألقى بالمفتاح من يده، واقترب:
جاسر: "مالك يا غزل؟ وشك أصفر."
ابتسمت ابتسامة متعبة:
غزل: "مفيش… تعب شغل بس."
اقترب أكثر، وضع يده على جبهتها:
جاسر: "سخنة. إنتي من إمتى بتتعبي وتسكتِ؟ يلا على الدكتور."
أمسكت يده، كأنها توقفه عند لحظة فاصلة:
غزل: "جاسر… أنا… أنا مش عيانة."
تجمّد قلبه:
جاسر: "أومال؟"
امتلأت عيناها بالدموع، وهمست:
غزل: "أنا… حامل. في شهرين."
توقّف الزمن.
سكتت المخرطة.
وتجمّد كل من في المكان.
نظر إليها جاسر كأن الكلمات لم تصل بعد:
جاسر: "حامل إنتي؟ شايلة… شايلة ابني أنا في بطنك؟"
هزّت رأسها وهي تبكي:
غزل: "إحنا لسه بنقول يا هادي…"
فجأة…
نزل على ركبتيه أمامها، واحتضن بطنها، وقبّلها وكأنها أغلى ما في الدنيا:
جاسر: "ابني؟ في بطنك إنتي؟ يا رب لك الحمد… يا رب لك الحمد."
انسابت دموعه…
دموع رجل لم يبكِ منذ موت أبيه.
جاسر: "ده عوض ربنا… ده جنة تانية. أقسم بالله… لأشيلك فوق راسي، ولأحميكم بروحي."
ركض يونس نحوهما:
يونس: "يعني إيه حامل يا بابا؟"
حمله جاسر بيد، واحتضن غزل بالأخرى:
جاسر: "يعني… هيبقى لك أخ. أو أخت. تلعب معاك… وتاخد بالك منها، زي ما أنا باخد بالي من أمك."
صرخ يونس بفرح:
يونس: "هييييه!"
وفي الخلف…
انطلقت زغرودة فاطمة، وهي توزّع الشربات على الجميع.
ليلًا — غرفة النوم
كانت غزل نائمة على صدره، يدها فوق قلبه، وأنفاسها هادئة.
أما جاسر، فكان مستيقظًا، ينظر إلى السقف، ويمرّر يده في شعرها بحنانٍ لا يُوصف.
انحنى، وقبّل رأسها:
جاسر: "أنا عمري ما كنت أتخيل إن ربنا هيعوضني بيكي مرتين… مرة بيونس، ومرة باللي في بطنك."
رفعت رأسها قليلًا، وابتسمت:
غزل: "تفتكر ولد ولا بنت؟"
ضحك بخفة:
جاسر: "اللي يجيبه ربنا نعمة… بس لو بنت… هسميها حياه"
غزل: "اسم حلو أوي."
جاسر: "بس يا رب تطلع حلوة زي أمها."
اقترب منها، وقبّلها برقة…
قبلة مليئة بالخوف عليها، وعلى ما تحمله في أحشائها.
جاسر: "من النهاردة… ممنوع الزعل اي كان السبب. ممنوع الشغل ابدا هنرتاحي ف البيت وكل طلباتك هتجيلك لحد عندك. ممنوع تشيلي حاجة تقيلة. راحة تامة وبس. "
ضحكت بخفة:
غزل: "يا راجل يا متحكم… طب والورشة؟"
ابتسم بثقة:
جاسر: "الورشة ليها رجالة… إنتي ملكة. والملكة مبتشتغلش."
شدّ الغطاء عليها، واحتضنها من الخلف…
يد على بطنها، ويد تحت رأسها.
جاسر: "نامي يا غزل… وارتاحي."
أغمضت عينيها، وهمست:
غزل: "أنا بحبك… قد عمري اللي فات… وقد عمري اللي جاي."
نامت…
وهو يحتضنها، ويحتضن حلمه الذي لم يولد بعد.
في اليوم التالي — أمام معمل مدحت
كان مدحت يوزّع الكروت بثقة، حين مرّ عطية.
أوقفه بابتسامة باردة:
مدحت: "يا حاج عطية… سامح بيه بيبعت لك السلام. وبيقولك… الأرض اللي رجعت لجاسر… نصها من حقك. إنت اللي دفعت 200 ألف… ولا نسيت؟"
احمرّ وجه عطية:
عطية: "أنا توبت."
اقترب مدحت، وهمس في أذنه كسمٍّ بطيء:
مدحت: "توبت؟ طب ولو قلت لجاسر إنك إنت اللي أقنعت راضي يقتل نصار… مش سامح لوحده؟ ساعتها… هيعمل فيك إيه؟"
في زاوية بعيدة…
كان بليه واقفًا، يسمع كل شيء.
وقلبه يخبط في صدره بعنف.
يخبر جاسر؟
أم يصمت… ويقبض؟
المساء — أمام الورشة
كان جاسر يغلق الورشة، وغزل بجانبه تمسك بيد يونس.
فجأة…
اندفع عطية نحوهما، وجهه شاحب، وأنفاسه متقطعة:
عطية: "يا جاسر… يا بني… الحقني. الكلب… مدحت… بيهددني. عايز يوقع بينا. معاه ورق مزوّر… بيقول إني…"
أمسكه جاسر من كتفه بثبات:
جاسر: "اهدَى… اهدى يا حاج. قول. إحنا ستر وغطا على بعض."
انهار عطية باكيًا:
عطية: "بيقول إني أنا اللي قتلت نصار… مش راضي. وإن معاه دليل. وعايزني أشهد زور… إن الأرض بتاعتي… وإن غزل… إن غزل مش بنت نصار… عشان يطعن في نسب يونس… وفي الجنين."
تجمّد الدم في عروق غزل.
وضعت يدها على بطنها دون وعي… كأنها تحميه من كلمة.
ساد صمت ثقيل.
ثم نظر جاسر إلى عطية، وعيناه اشتعلتا بثباتٍ مخيف:
جاسر: "قوله… موافق. العب معاه. هاته لحد عندي… وسيب الباقي عليا."
لم تكن الحرب قد بدأت بعد…
لكن أول خطوة فيها…
اتخذت.
كانت الورشة ساكنة…
لكن ذلك السكون لم يكن راحة، بل خدعة ثقيلة، تسبق العاصفة بلحظة.
خلف كل مخرطة رجل، وخلف كل بابٍ حديدي قلبٌ يخفق بعنف.
وقف جاسر في المنتصف، الجنزير ملفوف حول يده السليمة، وعيناه حمراوان… لكنهما ثابتتان، واعيتان.
إلى جواره، عم سيد ممسك بالنبوت، وعطية جالس يرتجف، يحرّك سبحته بلا توقف.
أما بليه… فكان واقفًا، وجهه شاحب، وعرقه ينزل كأنه واقف تحت مطر.
في الأعلى…
كانت غزل في بيت نصار، مع يونس وفاطمة.
الباب مغلق بإحكام… مئة ترباس، كما أراد جاسر.
وقد أقسم… ألا تنزل.
نظر جاسر إلى بليه، وقال بصوتٍ هادئ، لكنه حاسم:
جاسر: "آخر فرصة يا بليه. لو قلبك مع الكلب اللي بره… قول. والله ما هلمسك. بس هطردك من الحارة. ولو قلبك معانا… اثبت."
ارتجف بليه، ثم قال بسرعة، كمن ينجو من الغرق:
بليه: "وحياة ربنا يا معلم! وغلاوة العشرة اللي بينا أنا توبت! مدحت اداني فلوس… بس أنا… أنا مقدرش أخون العيش والملح! مدحت جاي كمان شوية، ومعاه ورق مزوّر، وفلاشة عليها تسجيل مفبرك عشان يلبسها للحاج عطية! وعايز يصوّرك وإنت بتتخانق عشان يقول عليك بلطجي!"
هزّ جاسر رأسه ببطء:
جاسر: "عرفت. الحكومة مستنية إشارة مني. أول ما يدخل… هنقفل عليه المصيدة."
بعد قليل
دخل مدحت.
نظارة شمس في الليل، حقيبة في يده، وخلفه اثنان كالحائط.
تقدّم بثقةٍ مستفزّة:
مدحت: "مساء الخير يا معلم. جاي نخلص… بالذوق. الحاج عطية قال لي إنك موافق نقسم الأرض. نصها ليك، ونصها لينا. وتمضي هنا…"
ألقى بالأوراق على المكتب:
مدحت: "وتنسى سامح بيه… وننساك."
كان جاسر مستندًا إلى المخرطة، نصف ابتسامة على وجهه:
جاسر: "واللي في بطن مراتي؟ نقسمه هو كمان؟"
ضحك مدحت بسخرية باردة:
مدحت: "لا… ده ممكن ما نثبّتوش أصلًا. الفلاشة دي…"
أخرجها، ولوّح بها:
مدحت: "فيها تسجيل للحاج عطية وهو بيقول إن غزل مش بنت نصار… وإن الواد يونس ابن حرام. تشتري سكوتنا بكام؟"
في تلك اللحظة…
نهض عطية.
كان صوته كالرعد، يخرج من صدرٍ امتلأ بالخوف ثم انفجر:
عطية: "يا كلب! يا ابن الكلب! أنا الحاج عطية الجزار! دمي حر! وشرفي حر! وغزل… غزل بنت نصار غصب عنك وعن اللي مشغّلك! ويونس… ابن جاسر! واللي في بطنها… ابن جاسر! واللي يقول غير كده… هقطع لسانه!"
تبدّل وجه مدحت، وتكسّرت ثقته:
مدحت: "إنت بعتنا يا عطية؟ بعت سامح بيه؟"
أشار جاسر بإصبعه، وعيناه تلمعان ببرود خطر:
جاسر: "لا… إنت اللي جيت برجليك. للمخرطة. وعندنا… اللي يدخل المخرطة ظالم… يطلع منها مكسور."
وفجأة—
صفيرٌ حاد.
سقط الباب الحديدي.
واندفعت الشرطة من الخلف.
الضابط دخل، سلاحه مرفوع، وصوته صارم:
"محدّش يتحرك!"
لكن مدحت فقد عقله.
أخرج مطواة، وانقضّ نحو جاسر.
في لحظة—
لم يتحرّك جاسر.
بل كان بليه هو من اندفع.
ألقى بنفسه أمامه…
المطواة غاصت في كتفه.
صرخة شقّت المكان:
بليه: "اااااه!"
انفجر الغضب في عروق جاسر.
أمسك مدحت من قفاه، واصطدم به في المخرطة الدائرة.
صرير الحديد ارتفع كوحشٍ يستيقظ.
قرّب وجهه من الترس الدوّار…
حتى شعر مدحت بالموت يلامس جلده.
همس جاسر بصوتٍ منخفض… أخطر من الصراخ:
جاسر: "قول لسيدك… جاسر المخرطة ما بيتهددش في عيلته."
ثم دفعه أرضًا بقوة.
في لحظة…
كان الضابط قد كبّله.
.........
بعد مرور شهور
هدأت الحارة…
كأن سترًا من عند الله نزل عليها فجأة.
المخرطة تعمل كعادتها، صوتها يملأ المكان بالحياة.
غزل في البيت، ترتّب غرفة الطفل القادم.
فاطمة بجوارها، تخيط مفرشًا صغيرًا بيديها المرتعشتين، لكن قلبها مطمئن.
يونس يلعب أمام الورشة، وعطية يراقبه بعينٍ لا تنام.
دخل رجل غريب الحارة…
جلبابه ممزق، لحيته طويلة، وعيناه تزوغان.
إنه رجب
جلس على القهوة، طلب شايًا، لكن عينه لم تفارق يونس.
تقدّم عم سيد نحوه، بشكٍ واضح:
عم سيد: "إنت مين يا بني؟ شكلك مش من هنا."
ارتشف رجب الشاي بهدوء:
رجب: "غريب… بدوّر على شغل. قالوا لي المكسّر أهل كرم."
هزّ عم سيد رأسه:
عم سيد: "الكرم لأهله… وإنت عينك مش مريحاني."
بيت نصار — وقت المغرب
جلست غزل تأكل زيتونة، وفجأة تغيّر وجهها.
نهضت مسرعة نحو الحمام.
طرقت فاطمة الباب بقلق:
فاطمة: "غزل! إنتِ كويسة؟"
خرجت غزل، شاحبة:
غزل: "الواد… شكله بيرفس فاطمة. جاسر لو عرف إنك تعبانة… هيقفل المخرطة ويقعد جنبك."
في تلك اللحظة، دقّ الباب.
دخل جاسر، يحمل أكياس فاكهة:
جاسر: "جبت لك اللي نفسك فيه… مانجة، وعنب، ورمان… عشان البيبي."
ابتسمت رغم تعبها:
غزل: "إنت مدلّعني يا جاسر."
ركع أمامها، وضع أذنه على بطنها:
جاسر: "بكلم ألقمر… إزيك يا حياه أبوكِ جاب لك مانجة… ها؟ مبسوطة؟"
امتلأت عينا غزل بالدموع:
غزل: "مبسوطة… عشان إنت أبوها."
نهض، وحملها، ودارت بهما الغرفة:
جاسر: "وحشتيني طول اليوم… الورشة من غيرك ضلمة."
غزل: "وأنا من غيرك ولا حاجة… أنا وولادك روحنا فيك."
اقترب منها، قبّلها قبلة دافئة، حنونة، مليئة بالخوف عليها:
جاسر: "هانت… كلها ست شهور، وتبقي شايلاها على إيدك. وأنا… شايلكم إنتو التلاتة في قلبي."
اليوم التالي — أمام المخرطة
كان يونس يلعب بالكرة، فانطلقت نحو رجب.
التقطها، وابتسم:
رجب: "تعالى يا شاطر… خد الكورة… وخد دي كمان."
أخرج قطعة شوكولاتة.
انتفض عطية كالثور:
عطية: "سيب الواد يا ! إنت مين؟!"
رجب: "وإنت مالك؟ أنا بحب العيال."
اقترب يونس:
يونس: "عمو… إنت صاحب بابا؟"
ابتسم رجب بخبث:
رجب: "أيوه يا حبيبي… تعال أوريك حاجة حلوة."
مدّ يده—
صرخ عطية:
عطية: "يا جاســـــــــــر!!!"
خرج جاسر من الورشة…
رأى المشهد…
وفي لحظة—
لم يعد هناك عقل… ولا حساب.
فقط… أب.
انقضّ كالإعصار.
أمسك رجب من رقبته ورفعه عن الأرض:
جاسر: "بتقرب من ابني ليه مين باعتك؟! انطق!"
اختنق رجب وهو يصرخ:
رجب: "سامح! سامح بيه! قالي أخطفه! وأساومك! يا تطلق غزل… يا تستلم الواد جثة!"
اسودّت الدنيا في عيني جاسر.
لكن—
نزلت غزل مسرعة، بطنها تسبقها:
غزل: "جاسر! سيبه للحكومة! يونس كويس خلاص ودا المهم!"
نظر إليها…
ثم إلى يونس الباكي في حضن عطية…
ثم إلى بطنها…
عاد إليه عقله.
ألقى رجب أرضًا…
وسدّد له لكمة كسرت أنفه.
بعد قليل
وصلت الشرطة.
تنفّس جاسر ببطء، لكن عينيه ما زالتا مشتعِلتين:
جاسر: "خليه يعفن… بس اقفل عليه كويس. عشان لو فكر يبص ناحية عيالي… أنا هروح له السجن بنفسي واخلص عليه."
ليلًا — غرفة النوم
كانت غزل تبكي بلا توقف، ويونس نائم في حضنها.
جلس جاسر بجوارها، يمسك يديها:
غزل: "كان… كان هياخده مني… كان هيحرمني من ابني… ."
نامت على صدره…
ويونس بينهما.
احتضنهما جاسر، كأنه يحميهما من العالم:
يوم الولادة
كان الليل في المكسّر هذه المرة مختلفًا…
لا صرير سلاح، ولا صفير شرطة، ولا صراخ يمزّق السكون.
كان هناك صوتٌ واحد فقط…
بكاء طفلٍ جديد.
داخل الغرفة، كانت الداية تمسح عرق غزل، وتربّت على جبينها بحنان:
الداية: "يلا يا ست البنات… زقة كمان… خلاص قربتي."
خارج الباب…
كان جاسر يسير ذهابًا وإيابًا، الجنزير في يده، لكنه هذه المرة ليس سلاحًا…
بل شيئًا يشغله عن خوفه.
يفركه بين أصابعه، وكأنّه يتمسّك بثباتٍ يوشك أن يضيع.
جلست فاطمة تمسك بالمصحف، تقرأ بصوتٍ مرتعش،
بينما كان يونس على الأرض، يحتضن ملابس أخته التي لم تولد بعد:
يونس: "يلا يا ماما… عايز ألعب مع أختي."
ثم—
صرخة.
طويلة… مكتومة… تشقّ القلب.
وبعدها…
صرخة أخرى.
صغيرة… حادّة… لكنها مليئة بالحياة.
فُتح الباب.
ظهرت الداية، تضحك وتبكي في آنٍ واحد:
الداية: "مبروك يا معلم… جالك القمر."
دخل جاسر…
كأن شيئًا يسحبه من قلبه إلى الداخل.
رأى غزل ممدّدة، شعرها ملتصق بوجهها،
مرهقة… لكنها تبتسم.
وفي حضنها…
لفة بيضاء… صغيرة… نابضة.
رفعت عينيها إليه، بصوتٍ مبحوح:
غزل: "تعالى… شيل بنتك يا جاسر."
اقترب.
يده ترتعش… لأول مرة.
حملها.
نظر إليها…
نفس عيني غزل.
نفس سواد الليل…
لكن بلا خوف.
بلا وجع.
بلا ماضٍ.
فقط… حياه.
همس، وكأن صوته يخشى أن يوقظ المعجزة:
جاسر: "بسم الله ما شاء الله…"
انحنى جاسر، قبّل رأس غزل…
ثم قبّل رأس حياه
وفي تلك اللحظة…
انتهت كل الحروب.
بعد عام
كان جاسر ممدّدًا، رأسه على ساق غزل.
كتفه شُفي، لكن الندبة ما زالت تحكي ما مرّ به.
كانت غزل تمرّر أصابعها في شعره بهدوء،
ونور نائمة بجانبهما، في سبتٍ أبيض، كقطعة سحاب.
أما يونس، فكان يجري بطائرته الورقية، يملأ البيت حياة.
رفع جاسر عينيه إليها:
جاسر: "فاكرة لما قولتلك عايز اللحظة دي متخلصش؟"
ابتسمت:
غزل: "فاكرة."
تنفّس بعمق، وكأنه يتأكد أن الحلم ما زال مستمرًا:
جاسر: "أهي ما خلصتش… وربنا كتب لنا عمر جديد."
اقترب قليلًا، وقبّل رأسها:
جاسر: "وإنتِ… إنتِ غزلي… واللي بينا مش حكاية… اللي بينا عمر."
امتلأت عيناها بالدموع، واحتضنته مع طفلتهما:
غزل: "وإنت… إنت جسري اللي سندني لما الدنيا كلها سابتني."
ركض يونس نحوهما:
يونس: "وأنا يا بابا؟"
ضحك جاسر، وحمله:
جاسر: "وإنت… إنت ضهري. المعلم الصغير… اللي هيشيل الورشة من بعدي، ويحمي أخته
ارتفع صوت الأذان…
هادئ… عميق… يملأ المكان بالسكينة.
كان صادرًا من الجامع الجديد…
جامع الحاج نصار.
وقف عم سيد يؤذّن بنفسه، وصوته هذه المرة…
صافٍ… مطمئن… بلا خوف.
ساد الصمت.
استمعوا جميعًا.
ولأول مرة منذ سنوات…
صلّت المكسّر كلها في وقتٍ واحد.
بلا خوف.
بلا تار.
بلا دم.
فقط…
سلام.
تمت بحمد الله